(1)
زيورخ 20 /2/67
يدعون: الشمس تشرق من أسرائيل !!
لا أذكر بالضبط كيف بدأت اللعبة الجهنمية . .
لا أستطيع تحديد تلك اللحظة التي كفت فيها اللعبة عن أن تكون بريئة ومسلية لتستحيل جارحة وقاتله ومسمومه . .
ربما حدث ذلك حينما نطق ذلك الشاب السويسري بكلمة: ,,اسرائيل ,, وفاحت معها روائح الدم وومضت آالاف الخناجر بينما كانت عيناه تواجهان ثورتي المفاجئة ببراءة مذهولة !. .
كل ما أعرفه خو أنني أكتب الآن من زيورخ . . بالضبط من كوخ على تل من الثلج (أحد بيوت الطلاب )
عن مجموعة من الطالبات والطلاب من بقاع العالم كلها, جمعهم أمران: التزلج على الجليد و الدراسة . . .
وكل الأحداث الطريفة التي حدثت طوال النهار وقررت الكتابة عنها - تبخرت من حنجرة قلمي . .
وكل الأحداث الموجعة التي بدأت مع يوم رحلتي الأول تعود لتنبت من جديد في محبرتي وتلطخ بياض ورقتي بالسواد المهين . .
منذ يوم رحلتي الأول قررت: لن تقع عيناي الا على الجميل و المبهج . . سأتحدث عن شروق الشمس وأترك لسواي مشاهدة الغروب .. سأرسم نصف الكأس الملآن بالماء واتجنب الحديث عن النصف الباقي - الفارغ . . ففي وطني العربي يعتب الجميع على كتاب جيلنا:
((,, لماذا كل هذا التشاؤم ,, ضياعكم مستورد ! حزنكم غير أصيل ! بلادنا لم تتعرض لويلات الحروب العالمية ! نحن بخير . . نريد أدبا أصيلا .. نريد كلمات بيضاء فعلا , لا من باب التسمية باسماء الأضداد ))
ويوم رحلت قررت في شبه مباسطة نفسيه مع ذاتي , ربما كانوا على حق .,,
سأرى الأمور من جديد . .
وقد حاولت .. وتغابيت .., وتعاميت . . عذار أيها السادة, ولكن كلمته الليلة ((اسرائيل)) فجرت كل شئ . . كل شئ .. انها التعبير المحسوس عن واقع الخزي المرير تهون أمامه مرارة مدن تستلب في حرب عالمية ما . .
عذرا أيها السادة ..
لامفر من الصدق أحيانا واذا كان المرح والجنس من شروط النجاح لأدبنا في العربي المعاصر: فسوف أكتب كلمات لاعلاقة لها بفن نحت الكلمات الأدبي . . لنسمها هلوسات مواطنه تصادف أنها أيام كانت تقف لتحية العلم في طفولتها في باحة مدرسة (الفيحاء) في دمشق , كانت تفعل ذلك بحب غريزي مرير . . وصورة ذلك الأخضر الأحمر والأسود والأبيض ماتزال تقطن شبكية عينيها , ,
ماذا حدث ؟ مالذي دفع ذلك الطالب المجهول ليقول ببراءة تامة : ((اسرائيل))
لا أهمية لذلك اذا لم أفجر الوقائع (البيض) منذ بداية المرحلة . . . فالانفجار الأخير ليس سوى حصلية عشرات الانفجارات المكبوتة . . .
بدأت الحكاية في ملعب (للرغبي) في قرية قريبة من لندن تدى (آيشر) . . كان البرد باردا حقا! .. .
لا أجد صيغة أخرى أعبر بها عن مشهد ملعب أخضر العشب ممتد من الأفق الى الافق وطبقة شفافة من الجليد تغطيه . . ثم تكسر الجليد وذاب تحت أقدام آالاف من الشبان لابسي الشورت , لاعبي الرغبي يوم العطلة الأسبوعية . ., الأحد . . .
وكنت أراقبهم من مبنى النادي, عبثا أبحث عن ساقي أخي السمراوين بين آلاف السيقان البيض الراكضة المتلاحمة . . وعلى زجاج النافذة كانت أنفاس عشرات من الفتيات الانكليزيات صديقات الشبان تتكاثف . . ومن خلال الأبخرة المتزايدة تستميت العيون بحثا عن وجه ما بين المتبارين . . وكنت أشعر بالدفء والأنس , ومنظر آالاف الشباب يركضون في الحقول المتجمدة كالخيول الأليفة البريئة كان من المشاهد النادرة للتجمعات البشرية التي لاتثير قرفي . . وكنت أفكر أيضا كيف أن المرأة هي المرأة أولا وأخيرا .. انها تشاركه كل شئ في ساعات العمل لكنها يوم العطلة تلعب دورها الحقيقي وتنتظر في الدفء كالمرأة الشرقية .
ثم فجأة تمزق كل شئ . .
اقتربت مني فتاة مغسولة بالبياض مغمورة بالشعر الأشقر .. أسمها كما قالت حينما سألتني عن اسمي:باميلا . .وانسجاما مع الأفكار الأليفة التي كانت تتلاحق في مخيلتي في تلك اللحظات ,
سألتها: هل قرأت رواية باميلا؟ .. _ لا
- انها أول رواية أنكليزية بالمعنى الحديث . . يجب ان تقرأيها . . ثم ان أوصاف بطلتها تشبهك كثيرا
وفكرت ! هذه فتاة تمثل قسما كبيرا من نساء هذا الشعب . انها نصف جميلة نصف متعلمة , أنيقة جدا
شقراء جدا . . ولم تسمع بأحد أهم كتابها ((ريتشاردسون)) ولم تقرأ أحد أهم كنوزها الأدبية التي تدرس في مدارسنا نحن !!!!
سألتني بفضول وهي تتأمل شعري الأسود وبشرتي الداكنة وارتعادي المستمر من لبرد الجو :
وأنت , من أين أنت ؟
- من بلاد دافئة دائما . . مشمسة وجميلة . .
-مااسمها ؟
- سورية
وقلبت شفتيها بجهل وسألت :أين ؟
- لبنان سورية . ألم تسمعي بهما ؟ . . .
- قالت : لا ! . .
- على شاطئ البحر المتوسط . . شواطئ دافئة , مراعيها قلما تعرف الثلج . .
أجابت وقد أضاءت عيناها : تعنين أسرائيل !! . .
وغمرتني رغبة عربية في تحطيم كأس البيرة في يدي على رأسها , ثم دفنها في التهاب الموقد , والصراخ بها على طريقة يوسف وهبي : اذهبي الى الجحيم . .
ولكن فضولي كان أقوى من ثورتي . . سألتها بلا مبالاة :
- اسرائيل ! ماذا تعرفين عن اسرائيل ؟
- كنت هناك هذا الصيف . . .
ربما ظنتني اسرائيلية , ربما اقنعوها بأن الشمس تبزغ في اسرائيل , وانه ليس في الشرق الأوسط سوى مركز حضاري واحد اسمه اسرائيل . . وفهمت منها انها قضت على شطئان يافا وحيفا أياما رائعة . .
ذهبت في رحلة سياحية ولكن بأجور شبه رمزيه (طبعا خكومتهم هناك تشرف على المظهر المدني العادي للرحلة وتموله ) , , ,
الاعلان علق على جدار مدرستها في القرية ! ذهبوا جماعة كبيرة تنتمي الى الشعوب المتخلفة صديقها من المجر رافقها . . الدفء هناك لايصدق (لابد أنك تتجمدين هنا . هل أنتي من حيفا !؟ أم من يافا - هكذا سألتني ) (اسرائيل بلاد رائعه . . . لابد انك سعيدة فقد حققتم التطابق بين الواقع والأسطورة ! )
كغربية تسحرها الأساطير وتستولي عليها أكذوبة حلم اسرائيل العتيق . . لقد قرأت عن عجنون الاسرائيلي الفائز بجائزة نوبل ومع ذلك لم تسمع عن ريتشاردسون أديب بلدها العظيم . .
عادت وهي ممتلئة ايمانا بجمال وانسانية مايجري هناك ! . . أهدوا اليها هناك كتب عجنون وطبعا لم تسمع بانسان اسمه غسان كنفاني ! ) . . .
وحينما عاد أخي الي عدنا في السيارة المظلمة أنفجرت أهذي قهرا وغيظا وكمدا فـ باميلا لم تقصد ايذائي . . ان صوتهم وصل اليها واكاذيبهم دمغت قلبها البرئ . . . أين صوتنا ...
ليلتها جلست اراقب التلفزيون وكانت صدمة جديدة
مسلسل انكليزي اسمه آدم ادموند بطله شاب كان ضحية تجربة علمية تسببت في نومه مئات الأعوام في الجليد ثم عاد الى الحياة . . انه نسخة انجليزية عن جيمس بوند (المتأمرك ) و ارسين لوبين الفرنسي
وليست ثيابه الانجليزية وعصاه وبروده الامور المبتكرة فيه وانما أعداؤه ! انهم من ((العرب ))
انهم عرب أغنياء تسترت عصابتهم خلف مظهر بيت للمساج والرياضة . . . مجموعة من الأخوة وأبناء العم الذين يتنازعون فيما بينهم بالاضافة الى تعاونهم على الجريمة والايذاء ... وآدم ادموند ينقذ فتاة انجليزية وقعت في حب محمود !! أحد القريبين من العصابة وبالتالي تم اختطافها لارغام محمود على توقيع شيك تنازل بأمواله
ويستغل المسلسل بعض رموزنا الفلكلورية استغلالا بشعا مبسترا اننا غي المسلسل الذي يقدم أسبوعيا أقوام من البدو الرحل او التجار المحتالين نروض الافاعي ونربيها في بيوتنا كما تربي الفرنسيات القطط ونستخدمها في قتل أعدائنا او الانتحار على طريقة كليوبترا ..
والرقص الشرقي نوع من العهر العلني الذي نستخدمه لتخدير اعدائنا . .
وأما مأكلنا فأهم طبق فيه عيون الغنم وبيوض الأفاعي وهي كما يقولون تحمي من الضعف الجنسي
فمن المفروض اننا قوم نعيش لاغتصاب اكبر عدد من العذارى ندق اعداءنا الأبرياء على الجدران ونقطعهم بالسكاكين كالشاتوبريان وابطال المسلسل من العرب يرتدون البذلات الغربية مع العقال العربي
وطبعا ينتهي المسلسل بانتصار ادموند على أكلة اللحوم البشرية واعداء الحضارة العرب . .
وتعاقبت عشرات الأحداث
وفي كل مرة أغص بأسماء كثيرة . .. خالد بن الوليد . . .صلاح الدين الأيوبي . . عمر بن الخطاب
حتى الذين سمعوا بأبطالنا يتحدثون عنهم كما لو كانوا قراصنة ! انهم في كتب تاريخ تلامذتهم أعداء الانسانية ولحضارة أوربا . . .
هناك حقيقة لامفر من الاعتراف بها .. ويجب ان نجابهها لا أن نهرب منها ونمنع وصول اي حرف يتعلق بها الى آذاننا الحقيقة : أن اسرائيل تعمل بموجب خطة مدروسة متكاملة الجوانب للخروج بقضيتها الى محيط جديد وللظهور بمظهر البقعة الوحيدة التي تدافع عن الحضارة والانسانية وسط بحر من الجهل العربي الغارق في تخلفه وجهله . . .
ان سوء الفهم لبلادنا عار سوف يلطخ التاريخ الانساني أعواما طويلة . . واذا كانت ألمانيا الحديثة تدفع ثمن اضطهاد النازية لليهود حتى اليوم (للأسف شحنات من الاسلحة لاسرائيل ) فلا أدري كيف يكافع العالم الحر ثمن اضطهاده المقصود وغير المقصود للعرب لقد بدأ جيلهم يصدق كذبة اسرائيل الكبرى وجيلنا الجديد لم يع بعد معنى هذه الصدمة وتأثيرها حتى على أصغر زوايا حياته وتصرفاته . ..
وجريا على عادتنا بتمزيق اي صفحة معادية لنا أغلقت التلفزيون بينما قال لي أحد الاصدقاء الانجليز معتذرا : اننا لانقصد الاساءة لكم . . . مسلسلاتنا تحمل دوما فريقا من الاعداء الغرباء من اليابان والصين او العرب . . . ولكنه لم يقل لي لماذا توقف اخراج مسرحية تاجر فينيسيا مع انها من أجمل مسرحيات شكسبير لم يقل ان السبب هو ان المرابي فيها يهودي فيه بذور العقلية التي أنشأت شئ اسمه اسرائيل : الرغبة في اقتطاع لحم الضحية التي عجزت عن دفع الدين .. .
ولم يقل لي شيئا آخر حينما أطفئنا النور لننام وصار بوسع كل منا ان يخفي وجهه عن الآخر
قال في الاسبوع السابق لمجيئك كانت موضوع الحقلة طائرة هبطت اضطراريا في ارض عربية ولقي الأبطال الشقر مالقوه من العرب البهائم ! ولكن بطلهم انتصر كالعادة وهرب ولم يحدث يوما ان دار موضوع المسلسل في اسرائيل . ..
ان اسرائيل في نظر زملائي اليوم هي الجنة المشمسة التي يتمنون قضاء اجازاتهم فيها . . ..
روما 10/8/64
أعمد نفسي مركبا ليليا . . .
مئات من الوجوه الحجرية , مئات من الأجساد الرخامية تطل من كل مكان . . .
من أعلى الأبنية تصطف كالعساكر , أمام الأبواب تنتصب . فوق النوافير , بين المياه المتدفقة غالبا من أفواهها , في الساحات . . . تماثيل من كل مكان , جميلة دقيقة الصنع حتى لترهف السمع لتلتقط ماتتأهب لتقوله , أو تكاد تمد يدك مصافحا . . . انها روما , المدينة التي نصف سكانها (النصف الحلو ) من التماثيل , لكن النصف الآخر لم يتحول الى آلات بعد . .
في لندن مثلا كنت اذا راقصت شابا اقترب بوجهي من وجهه لأتكد أنه يتنفس حقا . . . واذا دست على قدم رجل ما في المترو فانني لا اعتذر لانه لايحس بي . . انه آلة لم يدخل صانعها في حسابه حوادث تافهه من هذا النوع . . أما في روما فالجو النفسي يوحي منذ الوهلة الأولى بأن حادثة تافهه كهذه يمكن أن تؤدي الى حرب داحس وغبراء جديدة . .
الناس هنا لايركضون بجنون فئران في أنبوب اختبار مكهرب , مازالوا يتلكأون امام الواجهات , ويصفرون - على الاقل - اذا مرت بهم فتاة جميلة , ويمضغون الطعام قبل ابتلاعه , وينامون دون جرعة من الدواء المنوم , ويفكرون بابتياع طوق ياسمين للحبية بدلا من سؤالها : كم تريدين .؟
. . . ومازالوا أيضا ينثرون العربات التي تجرها الأحصنه في مدينتهم اعترافا منهم بأنه مايزال فيها بعض الناس الذين يفضلون الا يصلوا بسرعة . . ان مشهد هذه العربات ملأني طمأنينة , ذكرني بأنني لم أبتعد كثيرا عن بلادي ! . . . حتى الأبنية التي أحس دائما أن لها وجوها كوجوه البشر , فرحت لما وجدتها مألوفة مألوفة كوجوه أبناء الجيران , كوجوه أبنية المعرض أو سوق الطويلة بخدودها الصفر الموسخة وعيونها المربعة ذات الزجاج المغبر , وطوابقها غير المرتفعه التي لاتتعدى السبع طوابق ,.
وهكذا منذ الوهلة الأولى ينتفي الاحساس بالغربة الذي يصعق الشرقي في أوربا في البداية . . ولكن عندما يأتي المساء يكتشف أن روما مصابة بازدواج خطير في الشخصية . .
فالأبنية الأثرية المبثوثة في أنحائها كلها تخلق فيها جوا من الوقار والقدم . . .
والتماثيل الفنية الرائعة توحي بعالم من الجمال الاغريقي والقيم الصلبة . . ومع المساء تختفي روما الدكتور جيكل وتنتصب روما المستر هايد التي تتنافي برقصها الوحشي قافلة المدن التي لاتنام . .
وتبهت الأبنية الأثرية حتى لتكاد تختفي , ومع أصوات القبلات في زوايا الشوارع والهمهمات والملاحقات وشهقات التع أحسست فجأة أن التماثيل العارية بدأت تنبض بالشهوة وتتحرك في أماكنها لتعربد لاهثة . . أو تقفز عن قواعدها لتلاحق في الشوارع أشباحا مبهمة لنساء نحيلات الخصور ولتختفي وراءها خلف المنعطف لذا هطل المطر الدافئ مع طلوع الفجر أحسسته نديا منعشا يغسل عن المدينة وتماثيلها وأهلها بقايا احتراق الليلة الماضية أو ربما يغسلها ليعدها لليلة جديدة أكثر نهما .
هذا كله يجري على بعد خطوات من مدينة الفاتيكان , حيث يحج الآلاف مل يوم طالبين بركة الههم . . وأمام الباب الخلفي للكنيسة لاحظت وجود بناء متواضع جدا اذا قورن بفخامة الكنيسة وثرائها الفاحش وعلى بالبناء لافتة : Banko De Roma (بنك روما ) . . ترى لماذا لا يحج السياح الى البنك أيضا وهو فاتيكان القرن العشرين الحقيقي ؟ أم ان العبادة في عصرنا كالزواج , يتزوج الرجل من واحدة وينام مع الأخرى . . يعبد الها ويلصي في محراب اله آخر . ؟
(( هنا مقبرة العظماء , هنا دفن رافاييل و . . )) ولم يهزني الخشوع لمشهد مقابرهم المترفة , تحركت أمام عيني في الكوة قافلة من العظماء الآخرين الحقيقيين أيضا أشباحا ملطخة بالدم والكفاح الصامت . .
السجون القذرة الزوايا العفنة الرطبة , سنوات من الخيبات المريرة دون كلمة شكر . .
أرصفة يموت عليها البعض جوعا لانهم لم يسرقوا . .
وماذا بعد . . .
ينبوع الأماني . . . وقطع فضية ترمى في الماء . . . عيوت تغنض وأمنيات ترفع الى سماء ما . .
وامام ينبوع الأماني لم أبحث عن قطعة نفدية . . ولم أرم بها في الماء ولم أذكر أمنيتي .
فأنا أؤمن بأن الأماني لاتتحقق بالأساطير الرومانسية وانما بالعمل وحده ! . . .
باريس 6/3/67
العرب في مرآة أوربا الصهيونية
آلة بعد أخرى . . . ( قطعة نقدية بعد أخرى في ثقب كل آلة . . . ثم زر أضغطه . . تطيع الآلة الأوامر ) . . . .
آلة بعد أخرى . . ,
وقفت أمامها جميعا وأنا في طريقي الى كهوف المترو تحت الأرض . . كانت مصفوفة في الممشى الكبير الذي يقود اليه . .
آلة الطوابع . آالة بيع السجائر . . آلة بيع السكاكر . . وفي كل مرة التفط الحصيلة , التفت حولي بحذر ثم أهمس للآلة : شكرا . . . .
ففي هذه المدينة الواسعة المتخمة بالغرباء , يصبح التفاهم مع انسان ما معجزة غير عادية , وتصبح استجابة آلة لرغبة ما , لحظة حلوة تذكر بالأنس والألفة ولكن بطريقة مريضة شرسة . . .
واعترف : في البداية كنت أحس بان المترو يذلني ! لا أدري بالضبط لماذا , لكنني وانا احشر نفسي داخله , وانا اقذف في امعاء المدينة المظلمة القذرة , احس بكراهية مشلولة لصوت الآلة الرهيب الذي نفث سما اصفر في العيون المتعبة المحيطة بي , والعدائية .
ولذا كنت دوما وانا في طريقي اليه ,أحاول ان اذل اكبر عدد ممكن من الآلات الصغيرة المرشوشة حولي . .
ثم نشأت بيني وبين تلك الآلات صداقة من نوع مذهل انها دوما تستجيب لرغبتك . . واحيانا ترفض بصدق وترمي بوجهك قطعة نقودك بكبرياء صامت وبلا مبرر تقدمه ! . . وصرت اشكرها , واحيانا تساورني رغبة موجعة في التحدث اليها . . وبدأت ارى في اضوائها الصغيرة عيونا تغمز بحنان دافئ
هبطت الدرجات الأخيرة وانحرفت في الممشى الطويل الأخير الذي يقود الى رصيف المترو وكنت ما أزال غارقة في افكاري (الوجودية ) هذه , وتأملاتي (الذاتية ) حينما بدأ يعزف فجأة , ,
انه ذلك الأعمى الجالس دوما في هذا الممشى معانقا ( أوكورديونه ) عازفا من وقت الى ألحانا تتدفق فجأة في شرايين الممرات والدهاليز وتفجر في شرايين العابرين الراكضين ذكريات بعيدة كان يظن انه اغتالها تماما . . انه من أحب مافي باريس الي , وهو بعد - الآلات أكثرها تأثيرا في رخام لا مبالاتي
وبدأت خطواتي تتقلص وأنا أحاول ان أذكر أين سمعت هذا اللحن من قبل . . .
تذكرت , فاستحلت قنفذا مسموما . . سمعته منذ أيام فقط , اسمه (( انشاء الله )) . انها أغنية ( لادامو ) . . أغنية تتحدث عن الجزائريين أو اي من العرب كما يتبادر للوهلة الأولى قبل سماعها بينما هي في الحقيقة أغنية تتحدث عن اسرائيل . . عن الحنين الى اسرائيل . .
وظللت اسير نحو المترو وأنا أتذكر كلماتها التي اثارت جنون أخوان من الطلاب العرب يوم سمعناها للمرة الأولى في أحد المقاهي بعد دعاية هائلة أثارت فضولنا . . .
الأغنية تتحدث عن ( المسالمين ) الذين يعيشون في أورشليم . . عن الثلاثين ألف شجرة التي زرعوها , والعرب الذين يحرمونهم من المياه اللازمة لرعايتها ! ! ! ( يقصد تحويل العرب لمجرى نهر الأردن الذي لم ينفذه العرب ونفذته اسرائيل لصالحها طبعا ) . . . وعلى هذه الوتيرة تستمر الأغنية . .
وفرحت حينما وصل الميترو بضجيجه , وكففت عن سماع الأغنية المشئومة . . .
سقطت على أول مقعد فارغ . . انطلق المترو في دهليزه المعتم الضيق وفوق الجدار الراكض عادت الأحداث تنتظم أمام عيني . . لم يعد هنالك مفر من ذلك . . لم يعد بوسعنا ان نغرف في أفكارنا (الذاتية) أو (الوجودية) , اننا فعلا بحالة حرب مع عدو يمتاز بالتخطيط الواعي العصري . . والفرد العربي هنا صار يجد نفسه يوما بعد يوم في احتكاك مباشر ومتزايد مع هذه التحركات الاسرائيلية . .
ان قضية اسرائيل بالشكل الذي تطور طرحهم لها لم تعد تهز في العربي نخوته فحسب بل وانانيته , وبقاءه . . انها لم تعد قضية (وطنيته) فحسب بل وقضية (خبزه) وأمنه واستقراره . .
ولم يعد الحديث عما يدور هنا , مجرد مناسبة سنوية يستعرض فيها الكاتب (عضلات قوميته) , وانما صار واجبا حقيقيا . . كواجب صفارة الانذارات قبل الغارات . . وربما لايشنف الاذان بموال مخدر مطرب , لكنه ينقل الحقيقية بحرارة صهيل الخيول الوحشيه التي تصهل قبل الزلازل , وتتنبأ بالعواصف
أقول , خرج الأمر عن نطاق الكواليس السياسية , وبدأ السم يتسرب الى المدينة جميعا - الشئ نفسه في كل مدينة أوربية -
وعن طريق أكثر الأمور تأثيرا في النفس البشرية اثرا : الفنون جميعا . . موسيقى .. تصوير . . أدب . . شعر . . . شريط الأحداث التي لم تكن صدفة يركض أمام عيني . .
وصلت الى باريس متعبة كالناس جميعا . . سألت موظف الاستعلامات عن مكان آوي اليه . أعطاني عددا من العناوين هتفت لبعضها : لامكان . المرأة التي ردت على اتصالي الرابع قالت انها بانتظاري .\
وقف التاكسي أمام العنوان انه (أحد بيوت الشبان الأكثر رخصا من الفنادق يوث هوتيل ) يدعى لانوف .
أمامه شارة الكشاف الدولية . سجلت اسمي وأرحت حقائبي , وكنت أكثر تعبا من أن أقرأ الاعلانات أمام الباب . صباحا جمدت وأنا اقرا على المدخل :
الجميع مدعوون مجانا ليلة الأربعاء 22 /6/67 لحضور حفلة شاي وعرض فيلم ولوحات من اسرائيل . . .
وهنا فهمت سر الانزعاج الذي بدا على وجه مديرة المكان وانا اناولها جواز سفري الذي لم تعرف حينما قالت لي (على الهاتف) ان احضر , انه عربي . .
وهنا أيضا فهمت سر النظرات اللئيمة التي رمتني بها فتاتان من الواضح انهما اسرائيلتيان . . .
وقررت أن أبقى وان ارقب مايدور . . . مساء , في قاعة الجلوس , بعد أحدى مقطوعات باخ الجميلة تطوعت واحدة منهن ونهضت تختار لنا الاسطوانات , وكان في عينيها تحد بارد لئيم وهي ترمقني من
طرف أصفر في عينيها . .
أغنية اسرائيلية . . بالعبرية . . والموسيقى عربية أسبانية . . عدد من الاغاني . . .
الآن , لابد من نظرة حيادية الى العدو , هي مانفتقر اليه كخطوة أولى في الدفاع عن حقنا الكبير الذي يكاد يطمس نهائيا في اذهان الأوروبيين . . .
الموسيقى حية عنيفة ومليئة بالحياة والحنين وسريعة بالاضافة الى طابعها الشرقي الجميل . . انها أفضل مايمكن لشعب ما أن يقدمه كصورة عن نفسه (أقول ذلك بمرارة حقيقية )
وظللت صامتة , واحس بعشرات العيون المتحدية مسلطة علي . . ظللت باردة كالثلج . . وفي الصباح حينما اكتشفوا ان الاسطوانات الخمس للسلسلة (أغنية اسرائيل ) قد تحطمت لم يكن بوسع أحد اتهامي ولكن سألتني المديرة ظهرا فيما اذا كنت وجدت غرفة ام لا . .
ربما كانت مصادفة , ولكن ليلة حفلة الشاي الاسرائيلية في مركز من المفروض أنه يمثل الكشاف العالمي رأيتهم يحملون البراد العتيق بعيدا ويستبدلونه ببراد كبير فخم وصل هدية من المركز الكشفي الاميركي . . (مطلوب من الهيئات الكشفية عندنا أخذ العلم ) , ,
وماذا أيضا . .
فلأقل ماعندي , ولو تعرضت لمس (تابو) عربي كبير اسمه أم كلثوم وعبدالوهاب . .
ففي الوقت الذي كانت ((أغنية اسرائيل)) , مصنوعة خصيصا وبنجاح لاظهار كورسها من المواطنين بمظهر الشعب المسالم المتحضر المعذب طيلة قرون ولاقناع الاذان الأوربية الفتية
بحق هذه (الجماعات الطيبة !!) بالحياة , كانت أسطوانة أم كلثوم ((فكروني)) بين أوراقي وقد حملتها معي من آخر الدنيا لاقدمها بفخر لاصدقائي الأوربيين . .
اعترف . . أنا لا أكره أغاني ام كلثوم . . واحيانا استمع اليها نصف ساعة طويلة صامتة وبلا ملل . . لكن مايدور هنا يفرض علينا طرح القضايا بمقاييس جديدة . . . فكرت . . لو أدرت أسطوانتها ((فكروني)) للمستمعات الأوربيات بعد الأسطوانة الأخيرة , أي انطباع سيحملون عنا ؟؟
لنفترض أني احب أم كلثوم . تهزني عاطفيا وتفجر دمعي , ولكن في هذه المرحلة بالذات أعتبرها تضخما عاطفيا في مجال ذاتي جدا وبالتالي قاصرة عن التعبير الصحيح عن حقيقة أعماقنا اليوم . .
الموسيقار العظيم هو الذي يتحسس حقا الابعاد النفسية والوجدانية والقومية لجيله ويتطور مع تطورها . . ماقدمه لنا حتى الان (لقاء القمتين ) مازال قاصرا عن التعبير الكلي عن ذلك , انه ناجح حتى الذروة في التعبير عن زاوية واحدة في الفرد العربي المعاصر : الزاوية العاطفية الذاتية , ولكن :تبدلنا .
خلال السنوات العشر الأخيرة تبدلنا ونريد من فنانينا الكبار ان يفهموا أننا تبدلنا . . لم يعد جيلنا مكبوتا ولم يعد معزولا عن قضاياه القومية . . ونريد من فنانينا ان يساعدونا على استيعاب هذا التطور للانطلاق منه الى مرحلة عمل غير ضبابية . .
تلك الليلة , أحسست للمرة الأولى أن أم كلثوم و عبدالوهاب خذلاني . . وادركت سبب اعراضنا عن كثير من كتابنا وشعرائنا الذين كانوا كبارا . . لقد توقفوا . تحجروا . والحياة تسير في هذا العالم الواسع الذي لم نعد نستطيع العزلة عنه . . .
لا أريد فقط أن اعبر عن عواطفي الشرقية الحارة وتفجعي للذكرى . . أريد أنا ايضا أغنية تحمل للعالم جوانب نفسيتي الباقية كجزء من مجتمع عربي ناهض , يصوره اعداؤه في كل لحظة (بالافيونية ) (والزعبره) والكسل والبلادة في الموضوعات الجدية . . وكجزء من أمة تحاك ضدها مؤامرة مذلة الوقاحه . . .
أغنية (يا مصطفى ) الفرانكو آراب التي فرحنا بها وهللنا لها أخجل ان اقارنها بأغنة (آدامو) الأخيرة عن اسرائيل . .
(تعال يا مصطفى يا ابن الحلال . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . .. . .
لما بيجي كيفو , بيشرب على كيفو ! )
نحن أقوام الكيف وهم زراع الثلاثين الف شجرة . . . وفي ابيات من الشعر الرقيق والمؤثر ينشدون (لأورشليم ّ! )
للاسف . للاسف . لو كنت لا أدري لصدقتها . . للاسف الجيل الأوربي الطالع (لايدري) لأنه لن يعاصر الكارثة ولان معلوماته عنها حتى اليوم ضئيلة و غامضة ولان اسرائيل تزور التاريخ بينما نتلهى نحن بالعمل على افتعال العمل !
الرجل القابع أمامي في المترو بيده ترانزستور . اعرف , لو كان بوسعه ان يفتحه لسمع أغنية (انشاالله) لقم تم بثها ثلاث ايام متوالية من دار الاذاعة هنا وبعد اسابيع سوف يرددها ببراءة - وبدون براءة -الأوربيون وسوف ترسخ في اذهانهم أكاذيبها الأفعوانية الناعمة الكلمات . . .
السيد آدامو استضافته اسرائيل على ماعلمت بعد ان زرعوا في حلقه كلمات الأغنية . . اسطواناته الموزعة في بيوتنا أتمنى ان يتم جمعها علنا في حملة دعائية خاصة ثم ارسالها مكسرة اليه . .
يحزنني ان اذكر كم كرمناه حين زار بلادنا , وكم نكرم كل عابر سبيل من صعاليك الفن المعلقين على الواح البورصة (من يدفع أكثر ) . . .
زملائي العرب جميعا يعون هنا هذه الاساليب الجديدة المتزايدة . . في صدر كل منهم عشرات الحكايا المشابهه . . .
اؤمن ان وعيا اجتماعيا قادر على انقاذنا قبل فوات الأوان كما كان قادرا على رفع المانيا من حضيض الدمار . . .
ينطفئ الشريط على الجدار . . . يوقظني اسم المحطة . . (كونكورد )
عدت الى الشوارع والمطر مررت بالمقهى الذي يؤمه أكثر العرب من جيل المخضرمين (كافيه دي لابيه)
ورأيتهم جالسين كعادتهم مسترخين على المقاعد يرقبون حركة الطريق بعيون ناعسة ويتهامسون . . انهم جيل (فكروني) بعاطفيته البريئة المؤذية في مرحلتنا هذه . . .
وطلابنا العرب من هذا الجيل ليسوا من جيل (فكروني) ةلم تعد مطاردة الباريسيات همهم الأوحد . . لقد تقلص كبتهم بعد ان اخذ مداه وعاد ليحتل حجمه العادي ومكانه الجزئي . .
هؤلاء بحاجة الى من ينشد لهم , يرسمهم في لحن وصوت ,.. . . من . ؟ . . .
وماذا ايضا ؟
لا شئ ماتزال تمطر وانا ابحث عن آلة اضع في ثقبها قطعة نقود . .
هذه المرة لن اضغط اي زر , اريد منها فقط ان تنصت لي . . سأروي لها انه في الصباح سألتني مديرة هذا النزل (لانوف) بشك شديد واضح : من أعطاك عنوان هذا المكان ؟ . .
ثم (علمت) من صديقة ألمانية أن الاسرائيليتين بحالة ذعر وثورة . . وهناك من رمى بالحبر الأحمر على ثيابهما البيضاء المشنورة في غرفة الغسيل , فبدت الثياب كما لو كانت ملطخة بالدماء . .
ماذا لو قتلتا وهما ترتديانها مثلا !! . .
أريد ان أطلب من الآلة ان تذهب معي للتفتيش عن غرفة !! . . .
فيينا 25/8/72
لؤلؤة الدهشة !
ربما لأنها المرة الأولى التي أزور فيها فيينا , وكل (مرة أولى) مسكونة بالدهشة .
وربما لأن فيينا هي نفسها لؤلؤة الدهشه الدائمة في صدفة التاريخ . . وجدتني أقضي أيامي في فيينا كمن به مس . . . أدور في حدائقها , في متاحفها , في معارضها الفنية الفائقة الغنى , أنصت الى آثار مبدعيها من أمثال جوته و شيللر وشوبرت وموزار . . . حتى الجدران في فيينا تنطق . . . وأنقل اليكم على سبيل المثال حوارا سمعت أصداءة ترددها جدران السلم الضيق الذي عليك أن ترتقيه كي تصل الى بيت كان يسكنه بيتهوفن العظيم . . . وشقة بيتهوفن تقع في بناء متعدد الطبقات وما زالت بقية شقق البناء مسكونه بمحام وخياط وحلاق شعر . . واحجار السلم مهترئه متآكله وعليك ان تصعد عشرات منها حتى تصل الى بيت بيتهوفن . . . وحينما تتذكر أن بيتهوفن الذي كان عليه ان يصعد هذا السلم مرة في اليوم على الاقل كان مريضا , يخترق قلبك سهم من الحزن من أجل هذا العبقري . . .
وتظل تصعد في السلم الدائري كسلم منارة ويخفق قلبك : تقترب منك الجدران وتكاد تطبق عليك وتسمعها تنزف الحوار التالي الذي لابد وانه دار عشرات المرات بين بيتهوفن (المستأجر) و صاحب هذا البناء . . .
صاحب الدار الملاك يصرخ بالمستأجر الفقير المتسلل الى شقته : بيتهوفن متى تدفع أجرة شقتك ؟
لي عندك أجرة اسابيع عديدة واذا لم تدفع قذفت بك الى الشارع . . يسعل بيتهوفن انه مرهق وقد بذل كل جهد كي لايسمع صاحب البيت لهئه وهو يستلل الى شقته ويردد متعبا :عذرا . . . لكني نسيت كل شئ عن النقود . . . فأنا مشغول بكتابة السمفونية التاسعة ! . . . ويصرخ به صاحب الدار: لاتهمني السيمفونية التاسعة و أو العاشرة . . اذا لم تحضر غدا بين التاسعو والعاشرة لدفع الايجار سأتصل بالبوليس ليرمي بك وبأوراقك القذرة من النافذة . . .
سمعت مرة هذا الحوار . . . وسمعت مثله عشرات في شوارع فيينا . . . اليكم المثل الآخر
شاهدت جنازة مرت فوق احجار الشارع القائم امام (متحف موزار ) منذ اكثر من قرن . شاهدتها بالضبط عام 1791 وسمعت رجلا يسأل آخر في الطريق : مسكين هذا الرجل الميت . . لاريب في انه مجرم أو قاطع طريق أو أبله معتوه لانني لا أرى في جنازته أكثر من ثلاث أشخاص !! ,.
ويرد الآخر : بل أظنها جنازة شخص يدعى موزار وهو رجل ظل عاطلا عن العمل طول حياته يعزف على تلك الآلة . . . ما اسمها . . أجل . . البيانو !
سمعت عشرات مثل هذا الحوار في كل مكان تكرم فيه فيينا خالديها وما أكثرهم . . .
موزار الذي لم يسر في جنازته أكثر من عدة اشهاص ينتصب اليوم تمثالا في احدى الساحات . . .
ومتحفا يطل على الساحة وعشرات من الفنادق و المطاعم سميت باسمه في كل ارجاء فيينا ,.
اذن ظاهرة اضطهاد الخالدين خلال حياتهم - على الاقل اهمالهم - ثم توثينهم بعد مماتهم ليست ظاهرة عربية فقط ,. وانما ظاهرة عالمية وتلقليدا قديما
ربما كان السبب ان الفنان هو بحكم طبيعته كفنان عاجز عن صب نفسه في قوالب الاجتماعية المرغوبة و الصيغ الوظيفية التي قد تدر عليه نقودا . . انه متمرد . . جامح . . مدمر للأطر القائمة , شديد الحساسية أمام أوبئتها , ينهار الجسد وسط معركة رفضه و رفض الآخرين له بعد أن يحمل العقل رسالة غير اعتيادية وحارقة . . .
الفنان دوما مرفوض خلال حياته . . والفنان يلقى دوما من يكرمه بعد مماته
(( كأنهم يفرحون بخلاصهم منه ! ! ! ))
أقول ذلك وفي ذهني عشرات السطور التي كتبها كثيرون حول كاتب قصة فلسطيني لقي مصرعه مؤخرا . . ولم يكتب ايهم كلمة طيبة في فنه خلال حياته ولو طلب اليهم ان يكتبوا عنه قبل ان يعرفوا بمصرعه لكتبوا اشياءا مختلفة تماما !
كم هو طريف ذلك الكائن من فصيلة الهوموسابيان الذي يلقب نفسه بالانسان . . كم هو مضحك ومخز في مواقفه من عباقرته الذين استطاعوا بفكرهم تجاوز قصيلتهم ولكن جسدهم مازال عاجظا عن التحرر من قيود الجوع والمرض وبالتالي ديكاتورية ذلك الورق الملون المسمى بالنقود والذي يتحكم في تجوله أو منع تجوله عن جيوب البعض. . . . أشخاص بعيدون عن تفهم الفنان و عالمه وعظمته . . . أشخاص يرون في الفنان مايهدد وجودهم المكرس ! . . اليس كل فنان حقيقي ثائرا بالضرورة ؟
حين يهاجم الحر فيينا يفقد أهلها صوابهم ! (وأعني هنا بالحر طقس مثل طقس بيروت خلال الصيف , وهو أمر يحدث نادرا في فيينا ) . . ولكنه حين يقع , تجد نفسك في حمام سباحة كبير . . اذ تمتلئ الشوارع بالناس وقد ارتدوا جميعا - نساءا و رجالا - ثياب البحر , ان كانوا محافظين ! أو ورقة توت كروشيه مليئة بالثقوب تماما كانما التهمتها دودة قز مشرفة على الموت جوعا . .
والغريب ان الطقس يتبدل بسرعة هناك كأن السماء لاترضى عن تحول فيينا الى ناد كبير للعراة ويبدأ المطر في الهطول . . وتجد نفسك فجأة في مدينة أهلها عراة وسماؤها تمطر . .
أطرف مافي هذا المشهد منظر امرأه عارية في المطر يرافقثها كلبها , وقد حرصت على أن تحمل مظلة له هو ! والمظلات الخاصة بالكلاب - للمرة الأولى اراها هناك - مثل مظلات البشر لكن مقبضها في الجهة المعاكسة بحيث يستطيع الانسان حملها وتوجيهها نحو الأسفل حيث يتحرك الكلب السعيد !
. . . ارتميت على الحشائش في شتاد بارك وخيل لي أنني احيا حلما خرافيا . . .
فعلى الحشائش حولي مئات من الناس . . كلهم يستمع الى الموسيقى التي تعزفها اوركسترا جيدة كل ليلة في هذه الحديثة العامة وفي بقية حدائق فيينا . . ومجانا ! . .
غيطت اطفالهم الذين يتعلمون منذ الصغر الانصات الى روائع بيتهوفن وهايدن وفاجنر وباخ وحزنت من أجل اطفالنا الذي يفتحون عيونهم على أغاني مثل (الطشت قلي قومي استحمي !! ) و (عالبطاطا البطاطا)
في قصر ثصر شونبرون (الامبراطوري الذي هو الآن متحف , هنالك قاعة واسعه هي التي عقد فيها كونغرس فيينا حيث تقرر مصير العالم بعد هزيمة نابليون . . . في السقف ثلاث لوحات مرسومة . . . واحدة تمجد السلم وأخرى تمجد الحرب . . . ومن غريب الصدف أنه اثناء الحرب سقطت على السقف قنبلة دمرت فقط اللوحة التي تمجد الحرب !! . . .
* بعد فيينا قضيت مزيدا من أيام التشرد في أوربا وحينما عدت الى بيروت وجدت رسالة في انتظاري ويدل طابعها انها من فيينا . . .
كانت رسالة من الفندق الذي اقمت فيه هناك , تعتذر مني لخطأ في الحساب وتعيد الي مبلغا من المال تقاضوه مني دون حق . . .
غضبت كثيرا لظاهرة الامانة هذه , التي ذكرتني بحدة اني من شعب أعاتد على أن يسرقوه وحاميه حراميه حتى صار في الأمانة مايدهش , وماينكأجروحه . .
واعدت اليهم المبلغ مع رسالة تأنيب على امانتهم ! ! . . . .
هذا الكتاب إهداء لكم من
منتدى حديث المطابع
موقع الساخر
www.alsakher.com