1
كانت أسماء تراقب بانتباه شديد هذا الرجل الغريب الجالس على الأريكة المقابلة للمصرف الذي تقف وراءه. كان شكل الرجل ولباسه ونظراته مسترابة. ظلّت فترة من الزمن تتبع حركاته دون أن ينتبه إليها، لكن عندما رفع نحوها بصره، ورمقها بنظرة خاطفة، تسمّرت في مكانها، وشعرت بقشعريرة تخترق كامل جسدها. أحست بتيار حاد ينبعث من عيني ذلك الرجل، فيعم كل كيانها. ظلّت لحظة متجمّدة في مكانها كالصنم، راشقة نظراتها في الرجل الذي وجه بصره نحو سقف القاعة الفسيحة لنزل عليسة الفخم. ولم تصح من ذهولها إلاّ عندما انحنى عليها زميلها مازحا:
-إلى أين ذهبت بك أحلامك؟
لم تجبه في الحين. لكن عندما وقف الرجل وتقدّم نحو باب القاعة مغادرا النزل، التفتت إلى زميلها سائلة مشيرة بإصبعها في اتجاه الرجل:
-من يكون ؟
ضحك ضحكة عالية وقال:
-لا بد أنه سحرك بنظرته... لقد وقعنا كلنا في سحر تلك النظرة.
ثم مد لها بطاقة ارشادات وتركها تقرؤها باستغراب شديد:
الإسم: حنبعل
اللقب: بركا
اسم الأب: عبد ملقرط
تاريخ الولادة: 10 ماي 247 قبل الميلاد
مكانها: قرطاج
بعد أن قرأت البطاقة، التفتت إلى زميلها، لكنها لم تجده. عادت تنظر جهة الرجل الغريب فلم تعثر له على أثر. ظلّت في ذهولها تمسك بطاقة الإرشادات غير مصدقة المعلومات المدوّنة عليها. ثم عادت تتثبت في تلك المعلومات حتى عثرت على رقم الغرفة: الجناح رقم واحد، أفخم جناح في النزل. وبدون أن تعي ما تفعله غادرت المصرف متوجهة إلى باب الخروج.
تقدّمت بخطى ثابتة نحو الباب العريض، وما أن تخطته حتى بهرها نور الشمس الحادّ. وضعت يدها أمام عينيها، وطفقت تتثبت في المكان باحثة عن الرجل الغريب حتى عثرت عليه يمشى الهوينا في ممر الحديقة الجميلة المزدانة بالأزهار، تفرش أرضها الخضرة. تحركت مترددة، لكنه التفت نحوها، فتسمّرت في مكانها لمّا أدركتها تلك النظرة الساحرة. وعادت تلك القشعريرة تعمّها، فخفضت بصرها تنظر إلى بلاط المدخل المرمري يتلألأ تحت نور الشمس المشعّة. ظلّت في جمودها وكأنها الصنم فترة من الزمن حتى شعرت بخطى تتجه نحوها. رفعت رأسها فتقاطعت نظرتها بنظرته، وشعرت بنفسها تذوب.
اقترب منها حتى لامس رداؤه الحريري زندها العاري، وفاح منه طيب عبق لم تعهده من قبل، أدخل فيها النشوة، لكنها لم تجرؤ على رفع بصرها نحوه من جديد خوفا من أن تذوب في مكانها. سمعت صوتا عذبا يهمس لها:
-ما لجميلتي مرتبكة؟
ثم أمسك بذراعها وعاد يهمس:
-فلنتمش قليلا.
تبعته وهو ما زال يمسك بذراعها، وقد نسيت الدنيا بأسرها، لم تعد تعرف شيئا سوى أنها انتقلت إلى عالم آخر ليس له أي صلة بعالمها. كانت تتبعه وهو ينزل الدرج دون أن تعي أن قدميها يتنقلان. كان الإحساس الوحيد الذي يذكرها بوجودها هو يده التي تمسك ذراعها: يد كبيرة تلتف على جزء هام من ذراعها لكنها ناعمة كحرير الرداء الذي يلفه، وقد غطى جزء منه كتفها.
مشى بها في ممر الحديقة الزاهية خطوات ثم انحنى عليها وعاد يهمس:
-أفهم جيدا ارتباكك وحيرتك. فقد وجدتني غريبا عن عالمك. ماذا ترغبين مني؟
لم تجرؤ عن رفع عينيها نحوه، لكنها سألت متلعثمة:
-هل أنت حقا حنّبعل بركا كما قرأت في بطاقة الإرشادات؟
سألها بلهفة:
-وهل كنت تعرفين حنبعل بركا من قبل؟
أجابت متلعثمة:
-قرأت عنه في كتب التاريخ.
بعد فترة من الصمت قال:
-أنا هو لحما ودما.
أسرعت تسأل مرتبكة:
-وهل كل المعلومات التي قرأتها بالبطاقة صحيحة؟
-تماما.
لاذت بالصمت. لم تجرؤ على البوح بشكوكها، لكنه عاد يقول بصوت خافت:
-أنا حنبعل بركا وإن كنت غير متحقق من هوّيتي.
ثم انحنى عليها وأمسك بذقنها ورفع رأسها محدقا فيها، وعاد يهمس:
-لا تخافي، لست من الأموات العائدين، ولا شبحا. إني حقيقة.
ثم مسك يدها ووضعها على لحيته وعاد يقول:
-لا بدّ أنك أحسست بخشونة الشعر الذي يكسو وجهي. إني إنسان مثلك.
وبكل تلقائية سألته:
-متى جئت إذن؟
صمت لحظة ثم قال:
-هنا تلقين سؤالا لا أستطيع الإجابة عنه. بصراحة: لست أدري، كل ما أعرفه أني أتيت إلى هذا المكان مساء البارحة، وجدت نفسي داخل النزل، بين جمهرة من الناس، وعندما تقدّم مني أحد مضيفي النزل وسألني عما أريد، قلت بكل تلقائية أني أرغب في الإقامة في أفخم جناح بالنزل. فدعاني المضيّف إلى الاستقبال، وطلب مني أن أعمّر بطاقة الارشادات، ففعلت. وبت ليلة هادئة في الجناح رقم واحد.
بعد أن لوّح لها بابتسامة غامضة سألها:
-أظنك تعرفينه؟
سألت مرتبكة:
-من؟
-الجناح رقم واحد.
-بالطبع أعرفه.
بعد فترة من الصمت سألته:
-وهل طلبوا منك أوراق هويتك؟
-كانت لدي بطاقة أمددته بها، وبعد أن سجلها في ورقة أرجعها لي.
كان حنبعل يتحدث إلى أسماء وهو يمسك وجهها ينظر إليها بكل انتباه، وهي تذوب من تأثير نظرته. عندما سألها إن كانت لا تمانع في أن تتغدى معه، قالت مرتبكة:
-لا يجوز للمضيفين مصاحبة حرفاء النزل، التعليمات صارمة في هذا الشأن.
كان بودّها أن تلبي رغبته. غير أنها بعد لحظة من الصمت قالت له دون أن تفكّر كثيرا:
-يمكنني أن أدعوك إلى بيت أهلي.
أسرع يجيب بنفس التلقائية:
-على الرحب والسعة.
-سأعلمك عن الموعد بعد حين. لا بد لي أن أعود إلى العمل.
تركته وانصرفت مسرعة إلى قاعة الاستقبال وهي تفكّر في المفاجأة التي ستحدث لكل أفراد أسرتها عندما ستقدّم لهم حنبعل القادم من أصقاع التاريخ.
ظلّت كامل اليوم تفكّر في حنبعل، وفي حديثه، وفي شخصه ورقّته وسحر نظرته. ورغم كل الغموض الذي يكتنف هذا الرجل، فقد أحست أنه أصبح جزءا من حياتها، وكأنها تعرفه منذ زمن بعيد.
ولما كانت تهمّ بمغادرة العمل، تذكّرت الموعد، فأسرعت تهتف إلى والدها تعلمه أنها ستستدعي شخصا مرموقا للعشاء في بيتهم يوم الغد. لم يمانع والدها، فهتفت إلى الجناح رقم واحد لكن أحدا لم يجب. صعدت الدرج بسرعة حتى الجناح، طرقت الباب وترقبت. فتح الباب وأطل منه حنبعل شبه عار، فراعها حسن جسده، وعضلاته المفتولة، لكنها قالت له مرتبكة:
-أستدعيك للعشاء في بيتنا يوم الغد، سيأتي أبي بنفسه يحملك في سيارته، أرجو أن تكون بالنزل حوالي الساعة السادسة مساء الغد.
ولمّا همت بالانصراف، مسك حنّبعل يدها برقة وهمس:
-ألا تدخلين قليلا نتجاذب أطراف الحديث، فكم مللت العزلة، ولم أتوصل إلى ربط علاقات مع سكان النزل، جلهم يتحدثون لغات لا أفهمها.
جذبت يدها بلطف وقالت:
-لا يجوز. تراتيب العمل لا تسمح.
وانصرفت مسرعة تنزل الدرج.