2

8 0 00

2

عندما انصرفت أسماء، بقي حنبعل يتبع خطاها في الممر الطويل القليل الإنارة تفرش أرضه طنفسة خضراء. كان يركز بصره على جسدها الممشوق ينساب بخطى ثابتة، يتموّج داخل بدلتها الصارمة: قميص ناصع البياض، وتنورة طويلة داكنة. حلت الفتاة في عينيه، فظلّ يتبع تنقلها في الممر حتى اختفت. أغلق الباب وعاد يرتمي على أريكة فاخرة، وذهنه ما زال مشغولا بالفتاة.

فجأة فتحت النافذة، وانزاح عنها الستار الشفاف الموصلي، واندفع من خارجها بساط يتنقل تلقائيا تجلس عليه امرأة عارية تماما. ذعر حنبعل للمشهد المتنقل أمام عينيه، وصرّ جسده داخل الأريكة الناعمة، وبقي يتتبع نزول البساط على أرض الغرفة.

نهضت المرأة العارية ووقفت أمام حنبعل، وظلّت تتفحصه. لم ير حتى في منامه أجمل من تلك المرأة. كانت طويلة القامة، متناسقة الأطراف، مكتنزة الصدر، نحيفة الساقين، ممتلئة الفخذين. لكن رأسها كان خاليا تماما من الشعر. بقي مبهورا بالمشهد، ينظر إلى المرأة بانتباه شديد، يفكّر في كل الاحتمالات وكأنه يخطط لشق جبال الألب. عندما ركّز بصره على عينيها، لم ترتبك، بل رمقته بابتسامة عذبة زادت في حيرته: لأول مرة في حياته لا تفلح نظرته في إرباك مواجهه.

اقتربت منه، ومدّت له قرصا صغيرا في حجم حبة الحمص، ثم أشارت إليه بوضع القرص في أذنه. فعل ما طلبت منه، وظلّ يترقب. سمعها تخاطبه بلغة غريبة، ثم جاءته الترجمة باللغة العربية، تنبعث مباشرة في أذنه عبر تلك الاسطوانة الصغيرة. سألته:

-كيف قبلك الناس من حولك في النزل؟

لم يجبها في الحين، ظلّ يتفحّصها بكل انتباه. ثم طفق يخمّن: "ليست هذه المرأة من الأرض، فقد تجولت في شرق الأرض وغربها ولم أر مثل هذا الجسد، ولم أسمع نبرات هذه اللغة. ثم كيف تدخل من الشباك على بساط طائر؟ لا بد أن تكون جنية، أو ساحرة!" وبعد فترة من الصمت وهو يتفحصّها، وهي ترمقه غير مكترثة بنظراته الحادة، سألها بحدّة:

-من أنت؟

ضحكت ضحكة عالية ولكنها رقيقة ومثيرة زادت في ارتباكه، ثم قالت:

-لا تغضب يا حنبعل. أنت محق فيما تقول، أعتذر لك، كان عليّ أن أقدّم لك هويتي قبل أن أسألك عن تجربتك هذه.

اقتربت منه أكثر، ثم جلست على أريكة قبالته، وعادت تحدثه بنفس النبرة العذبة:

-لو قلت لك إني أتيت من الفضاء هل تصدّق؟

أجابها مستغربا:

-ماذا تعنين ؟

-من خارج الأرض، من كوكب بعيد يسبح في الفضاء مع مليارات الكواكب التي تعمر السماء.

-أنت جنية إذن.

-لا، أبدا.

ومدّت له يدها وهي تقول:

-إلمسني إني من لحم ودم مثلك.

مسك يدها، كانت رقيقة ناعمة. مدّ يده إلى جسدها يتلمّسه، لكنها قالت له ضاحكة:

-أخاف عليك أن تنساق إلى الشهوة يا حنبعل. توقف، أريدك فقط أن تتأكد أني إنسان مثلك.

قال لها وهو يتفحّص جسدها بإمعان:

-افترضي أني صدّقتك، لماذا أتيت إلى الأرض؟ ولماذا اخترتني أنا بالذات؟ وماذا تريدين مني؟ ولماذا لا تسترين عورتك؟...

قاطعته سائلة:

-ولماذا كل هذه الأسئلة في آن واحد؟

-لأني بكل صراحة لا أصدق ما تقولين.

-وهل صدّقت أنك حنبعل الذي مضى على مماته أكثر من اثنين وعشرين قرنا؟

-حتى هذا لم أصدقه.

-إذن كف عن التساؤل، وعش حياتك ككل بشر هذا العصر.

-لكني غير مرتاح تماما لوضعي. فأنا لا أعرف بالتدقيق من أنا، أشعر أني أسبح في فضاءات عديدة، وقد اختلطت عليّ الأزمنة والأماكن والعباد واللغات، حتى ذاكرتي أشعر أنها معطلة.

لم تجبه في الحين، ظلّت تنظر إليه تستقرئ ما يختلج في ذهنه من حيرة وضياع. فقد تبدّلت أساريره، وظهرت على وجهه مسحة من الحزن، فترك يدها وجمع يديه على صدره متحاشيا النظر إليها.

ربتت على ركبته وقالت:

-لا تحزن يا حنّبعل. عرفتك شجاعا، رصينا، تخطط بروية للخروج من الوضعيات الصعبة. ما لك تتصرف كالطفل الضائع؟

صرخ في وجهها سائلا:

-أريد أن أعرف أين أوجد الآن؟

-هل تتذكر مدينة قرطاج؟

ظلّ يفكّر لحظة، ثم قال:

-أتذكرها.

وانشغل بالصور التي صبتها عليه ذاكرته عن مدينة قرطاج العريقة المترامية الأطراف على ضفاف الخليج.

قطعت عليه تأملاته قائلة:

-أنت الآن في مكان لا يبعد كثيرا عن مدينة قرطاج.

ثم ظهرت فجأة شاشة افتراضية رسمت عليها خارطة لدولة قرطاج القديمة. أشارت المرأة لمكان في الخارطة وقالت:

-نحن هنا.

ذعر حنبعل في البداية لمّا ظهرت الشاشة تنيرها الأضواء، ولكنه سرعان ما انغمس يتثبت في الخارطة، ثم أعلن متعجبا:

-لا أتذكر هذا المكان جيدا.

-لا عليك فأنت في بلدك. هل هذا يريحك؟

-لكن أين أهلي؟ ولماذا حشرت مع هذا الخليط من الرعاع والعبيد؟

-لا تنس يا حنبعل أنك في نزل، وأن المقيمين فيه ليسوا عبيدا ولا رعاعا، إنهم سياح جاؤوا للراحة والترفيه.

-وأين القرطاجيون؟

ضحكت ضحكة عالية وقالت:

-يلزمك وقت طويل لتقتنع أنه لم يعد للقرطاجيين من أثر، لقد اندثروا منذ اثنين وعشرين قرنا.

-كيف؟

-لقد مضى على وفاتك أكثر من ألفين ومائة وسبعة وثمانين عاما.

-أنت بالتأكيد تمزحين. وهل يعود الأموات بعد كل هذا الزمن؟

صمتت وظلّت تفكّر، ثم قالت له بهدوء:

-أعرف أنك لن تفهم بسهولة حديثي. فلو قلت لك أنك رجل مستنسخ، وقد كنت أنا السبب في استنساخك...

قاطعها حنبعل بعنف:

-لا أفهم هذا الكلام ولا أصدقه.

عاد يفكّر، ثم نظر إليها بحدّة وسألها:

-ولماذا فعلت كل ذلك؟

-حبا للاطلاع، وحبا للتجربة. وستكون التجربة ناجحة إذا ما تصرفت أنت بكل تلقائية.

وقف حنبعل حانقا، وتقدم من النافذة، وبقي يرنو إلى ليل الحمامات المعطر بعبق الياسمين والفل. كانت أنوار المدينة تغمر الأفق، تنعكس على صفحة الخليج الهادئ. تنشق الهواء ملء رئتيه، وانشغل عن المرأة، إذ صار يخشى التحدث إليها. وحاول جاهدا أن لا يفكّر في كلامها. لم يستوعب عقله حديثها، ولم يرغب حتى في التفكير فيه. ظلّ فترة من الزمن بدون حركة راشقا بصره في الليل، لا يرى من حوله شيئا.

وفجأة أخرجه من جموده صوت الآلة في أذنه يسأله:

-بم تحلم يا حنبعل؟

التفت خلفه فغمر بصره نور القاعة الفسيحة، وشعر أنه يوجد في وسط لم يكن يعهده. نظر إلى الأريكة التي كانت تجلس عليها المرأة العارية، والتي كانت ترمقه بكل انتباه، وأجابها بصوت حزين:

-بالعودة إلى الطفولة.

-جميل. أخذت تسترجع إنسانيتك. ستكون تجربة مثيرة حقا.

صرخ حنبعل مغتاظا:

-عن أي تجربة تتحدّثين؟

-لا تغضب يا حنبعل. لا بد لنا أن نكون صديقين حتى تنجح تجربتي. ولن تكلفك هذه التجربة شيئا سوى أن تكون كما كنت.

-وماذا ترجين من تجربتك؟

-أريد أن أثبت أنه بإمكان الإنسان المستنسخ أن يستعيد كل قدراته العقلية التي كانت تكوّن شخصيته قبل أن يندثر.

تركها وعاد ينظر إلى الليل، ويتنشق عبق الهواء العطر. ولكن فكره أصبح مضطربا. ماذا تعني بقولها أن يكون كما كان؟ لم يفهم ما قالته هذه المرأة الذي صار يتحاشى حتى النظر إليها، أصبح يخافها وهو الذي لم يعرف قلبه الخوف أبدا. لا بد أنها جنية، أو أنها آلهة تتلهى بروحه. ثم فجأة طفق يتلمّس جسده، وعض إصبعه ليتأكد أنه في اليقظة لا في الحلم. تأكد من وجوده المادي. لكنه لم يفهم كيف عاد إلى الحياة بعد كل هذا الزمان.

فجأة تقدم من المرأة ووقف أمامها وسألها بعنف:

-لا بد أن تشرحي لي كيف أعدتني إلى الحياة؟

ظلّت لحظة تتفحصه، ثم رمقته بابتسامة عذبة وقالت له:

-عد إلى الجلوس واصغ إلي جيدا.

جلس قبالتها، وضمّ يديه إلى صدره، وبقي شاخصا إليها بكل انتباه. قالت له:

-أنت رجعت في عصر تطور فيه علم الإنسان الأرضي كثيرا. لكن لن تربح شيئا كبيرا، فأنا على يقين أن عقلك أرقى بكثير من عقل "بوش" قائد أعظم دولة على الأرض في هذه الأيام. الاستنساخ يا صديقي حنبعل هو عملية معقدة توصل إلى معرفتها اليوم علماء الأرض. وتتمثل في زرع خلية حية لجسم كائن حي، حتى لو كان صاحبها قد مات، داخل أنبوب يشبه الرحم، ثم تستخدم تقنية معينة فتتمكن الخلية من النمو وتتكاثر، وباختصار شديد نتوصل إلى خلق كائن جديد يحمل كل صفات الكائن الذي أخذنا من بقاياه الخلية الحية الأولى...

قاطعها حنبعل:

-لم أفهم كل كلامك، ولكن أستخلص أني نتيجة زراعة لبذرة في أنبوب؟

-تقريبا.

-لكن البشر مختلفون عن النبات.

-تماما. غير أنهم يشتركون معه في كيفية خزن المعلومات التي تؤدي إلى نشأة الحياة. عندما ترمي ببذرة في الأرض وتسقيها ماء، يمكن أن تنشأ منها نبتة حية، تنمو وتعيش ما تعيشه أي نبتة من نوعها. هذه هي الطبيعة: تخزن الحياة وتعيد نشأتها. أنت كالنبتة تحمل في جسدك مليارات البذور، يمكن أن تعطي مليارات من حنبعل لو وقع تخصيبها في الأنبوب.

سألها حنبعل مشككا:

-هل يمكنك أن تعيدي ماغون إلى الحياة ؟

-ومن يكون ماغون؟

-أكبر عالم قرطاجي مختص في علم النبات، ربما يفهمك أكثر مني.

-لست في حاجة إلى عالم من عصرك، فعلمه لا يساوي شيئا أمام علومنا. اخترتك أنت لأن اسمك ما زال يتحدث به جل الناس على الأرض. قلت في نفسي لو أعيده إلى الحياة، كيف سيتصرف في عصر تطور فيه علم إنسان الأرض لكن عقله بقي كما هو قبل مئات السنين؟ ثم إنك رجل حرب قضيت كل حياتك تحارب. فأنت تمثل بحق هذا الإنسان الذي لم يفهم أن الحرب وحشية، لا بد من التخلي عنها، سيما إنهم يمتلكون اليوم سلاحا يمكن أن يقضي على الحياة على الأرض.

-وهل تريدين مني أن أحارب من جديد؟

-أبدا! لا أريد منك شيئا، أرغب فقط في مراقبة تصرفاتك في عالم لم يعد تربطك به أي صلة.

-وأنت من تكونين؟

فاجأها سؤاله، لكنها أجابت:

-يمكنك أن تعتبرني مثلك: بذرة في أنبوب. لكن مع الفارق أني أتيت إلى الدنيا رضيعة ثم طفلة وأصبحت كما تراني الآن. أما أنت فلم تكن بحاجة إلى كثير من الوقت لتسترجع هيئتك التي كنت عليها قبل ألفين ومائتي عام.

سألها:

-وأين قمت بتجربة إعادتي إلى الحياة؟

-في مخابر محطتنا الأرضية.

-لم أفهم.

-ألم أقل لك أني أتيت من الفضاء؟

-هذه الأشياء صعبة على فهمي، لكن واصلي.

-نحن سكان كوكب يبعد عن الأرض مليار كيلو متر. وقد توصلنا لإقامة محطة سرية على الأرض لنتمكن من مراقبة هذا الكوكب الجميل، والقيام بالتجارب العلمية، وتدريب طلبتنا على البحث والمعرفة.

-أنت إذن طالبة تجرين أبحاثا في الزراعة مثل طلاب معهد ماغون للفلاحة؟

-سمني ما شئت فبكل اختصار أنت موضوع بحثي. وأنا أرجوك أن تساعدني على ذلك.

-وما هو المطلوب مني؟

-أن تتصرف بكل تلقائية، وتأخذ الحياة كما جاءتك دون التفكير في الزمن. أنت الآن إنسان بدون زمن...

قاطعها حنبعل بحنق:

-وتتصورين أنه يمكن لأي كان أن يعيش خارج الزمن؟

-لك الحق، لكن ما كنت أريد أن أقول هو أن لا تعيش ممزقا بين الماضي والحاضر.

-يعني؟

-سوف نعينك بمساعدة تقنياتنا المتطورة على استرجاع ذاكرتك لكن أطلب منك ألا تتصرف وكأنك حنبعل الحقيقي القائد العظيم الذي تخضع لإرادته جيوش جرارة، ومن سلالة بركا صاحبة النفوذ والمال. لا تنس أن أشياء كثيرة تغيرت على الأرض، وأنك تعيش بين أناس تحرروا من العبودية، وإن كان ما يزال يحكمهم حب المال والجاه والتسلط والتفاوت الطبقي.

ظلّ حنبعل يفكّر وهي تراقبه، حتى سألها مترددا:

-هل يمكنني أن أعتبرك آلهتي؟

-جميل أنك تتذكر عقيدتك لكن عهد الآلهة قد ولّى يا حنبعل. تطوّرت عقائد الناس اليوم، جلّهم يعتقد في إله واحد، بعضهم يسميه الرب، والآخر المسيح، والآخر الله، وقلّة لا تؤمن بأي إله...

-لكني أريد أن أدعوك تانيت آلهة القرطاجيين.

ضحكت ضحكة عالية وقالت له:

-أعرف جيدا أن الأرضيين لا يعيشون بدون آلهة، حتى هؤلاء الذين يعيشون بعدك بأكثر من ألفي عام لا يزالون يعبدون الآلهة. إن كان ذلك يريحك فليس لديّ مانع من أن تسميني ما شئت، لكن لا أسمح لك أن تعبدني.

-لماذا؟

-العبادة قيود، وأنا أريدك حرا من كل شيء حتى من الزمن.

بعد صمت طويل سألها:

-لكن هذه اللغة التي أتحدث بها ليست متأكدا أنها لغتي الأصلية. متى تعلّمتها؟

-لقد لقنتك هذه اللغة التي يتحدث بها أهل البلد الذين ستعيش بينهم حتى يسهل عليك التخاطب معهم.

ثم نهضت وتوجهت إلى البساط الطائر، وقبل أن يرتفع بها في فضاء الغرفة، قالت له موصية:

-كن حذرا.

وارتفع بها البساط متوجها إلى النافذة، فتبعه حنبعل مشدوها، وبقي ينظر إليه وهو يختفي بسرعة داخل الليل. بعد لحظة من الدهشة جرى نحو النافذة لكنه لم ير البساط، فقد اختفى في الليل. ظلّ يرنو إلى السماء السوداء تطرزها النجوم، وذهنه ما زال يسترجع كلام تلك المرأة الغريبة. أحس أنه أصبح نبتة مثل تلك الأشجار التي تطل عليه من بعيد وقد انعكست عليها أنوار فوانيس الشارع العريض. ولم يبارح مكانه أمام النافذة إلا عندما أحس بالإعياء.

جلس على الأريكة وظلّ يفكّر.