3
رن ناقوس الهاتف، فارتبك حنبعل، وظل يبحث عن مصدر الرنين حتى عثر عليه. رفع الآلة إليه فسقطت السماعة على الأرض، وكم كان فزعه شديدا عندما سمع صوتا يخاطبه من السماعة الملقاة على الأرض. كان الصوت واضحا جليا يناديه باسمه، فانتبه إليه ولم يجرؤ على رفع السماعة إلى أذنه. قال له الصوت:
-مساء الخير يا سيد حنبعل، إني المضيفة التي تحدثت إليها هذا المساء.
ازداد ارتباكه وقال بصوت عال:
-وحق عشترت إنّ ما أسمعه لغو.
لكنه بعد لحظات من التردد، انحنى على السماعة ورفعها وهو مرتبك. لم يقربها من أذنه إلا بعد إن عاد الصوت ويسأله:
-هل تسمعني يا سيد حنبعل؟
لم يدر حنبعل إن كان عليه أن يجيب، ولكنه قال متلعثما:
-أسمعك.
-جيد. أردت فقط أن أطمئن عليك. كيف حالك؟
-بخير.
-ما لصوتك مرتبك؟ هل تغير عليك الطقس فأصبت ببرد؟
-لا. لا بأس.
-هل ترغب في الخروج إلى المدينة؟
-لا. لا أرغب.
-إذن أتركك ترتاح. لا تنس أنك ستكون ضيف أسرتي غدا.
-نعم.
-مع السلامة.
انقطع الصوت، ولم يدر حنبعل ماذا سيفعل بالسماعة، فرمى بها قرب الآلة، وقال في نفسه: "عالم سحر هذا الذي أعادوني إليه." بقي يفكّر حتى أرهقه التفكير، فاستلقى على أريكة وأغمض عينيه، وأسلم نفسه للنوم. ظلّ نائما حتى ملأ القاعة الفسيحة نور الشمس المتدفق من النافذة التي بقيت مفتوحة كامل الليل.
نهض يبحث عن الحمام حتى عثر عليه. ووجد عناءا كبيرا ليملأ الحوض، وكاد أن يفيض منه الماء قبل أن يتوصّل إلى إغلاق الحنفية. وبعد الحمام خرج يبحث عن الطعام، فقد تملكه جوع كبير. وبعد بحث مضن وجد في المطبخ فطور الصباح، كان قد أحضره الخادم الذي دخل الجناح دون أن يتفطّن إليه حنبعل. انهمك يأكل بنهم حتى شبع، ونهض متكاسلا، ثمّ توجه إلى النافذة فغمره نور الشمس الملتهبة، وبهرته أشعتها الوهّاجة، وظهر له من بعيد شاطئ البحر برماله الذهبية، ومياهه الصافية تتلألأ على صفحتها أنوار فيّاضة. تملكته رغبة شديدة في الخروج إلى البحر والتجوّل على رماله وربما الاستحمام في مياهه، لكنه ظلّ مترددا.
التفت إلى القاعة يتفحصها بدقّة وكأنه يزورها لأول مرة، ثم توجه نحو الخزانة الحائطية وفتح أبوابها. بقي يستعرض مختلف الألبسة المعلّقة في الخزانة، واستغرب تنوع تلك الأزياء: فهذا صف لأزياء بونية، وأخرى رومانية. وفي الطرف الآخر للخزانة مجموعة من الأزياء الحديثة، منها التونسية العتيقة، والأخرى إفرنجية. ظلّ محتارا يعيد النظر في الأزياء بمختلف أنواعها، ثم أسرع إلى النافذة، وتقدّم إلى الشرفة يطلّ منها على المشهد الجميل. لمّا وقعت عيناه على المسبح يلتفّ حوله جموع السياح، ظلّ يتثبت فيهم، واقتنع أنّه لا يحتاج إلى لباس أنيق ليتجوّل بين الناس، فجلهم شبه عار. عاد إلى الخزانة، وانتقى تبانا، لبسه وتوجّه إلى باب الجناح. ولمّا كان يهمّ بالمغادرة اعترضته مرآة معلقة على الجدار، وقف ينظر إلى جسده فيها، فضحك من نفسه، لكنه سرعان ما ابتعد عن المرآة واندفع خارج الجناح. وجد جمعا من السياح ينتظرون أمام باب المصعد، فوقف بينهم، ودخل المصعد مرتبكا. اندسّ داخل قمرة المصعد مع جمع السياح، فتيات وفتيان يمرحون ويتحدثون بأصوات عالية بلغة لم تكن غريبة عنه. لكن لمّا تقاطعت نظراته بنظرات إحدى الفتيات، لاحظ مدى تأثير نظرته عليها وقد رمقته بابتسامة غامضة فيها الرقة والخشية في نفس الآن. كانت الفتاة جميلة ذات عينين زرقاوين، وشعر أشقر، وقد نحيف. توقف المصعد، فنزل فريق السياح يتدافعون، وتبعهم حنبعل.
ظلّ واقفا أمام المصعد ينظر في كل الاتجاهات حتى لمح المضيفة وهي تلحظه بكل انتباه. لوح لها بابتسامة ودّ، ثم تقدم من مصرف الاستقبال، وصافحها بحرارة قائلا وهو يتصفّح وجهها المورّد:
-لا بد أن عشترت استجابت لطلبي، فقد كنت أتمنى أن ألقاك.
ورغم الاضطراب الشديد الذي أحدثته نظرته الساحرة فقد سألته متلعثمة:
-ومن تكون عشترت؟
-الإلهة. كيف؟ ألا تعرفينها؟
-لا، أبدا، نحن لا نؤمن إلا بالله.
مسح على يدها وقال:
-وأنا أومن بعشترت.
بقي يرنو إليها وقد أحس بخجلها من احمرار وجهها، واضطراب حركاتها. وراقته عيناها الكبيرتان العسليتان وقد وشحتهما بالكحل. بقيا لحظة وجها لوجه يكتنفهما الصمت، ثم سألها:
-كيف يمكنني أن أتمتع بالبحر بعيدا عن الرعاع؟
-ماذا تعني بالرعاع؟
-هذه الجموع المتدفقة على البحر وعلى المسبح.
-إنهم سياح مثلك يا سيد حنبعل.
-لا أريدهم. أرغب في الاختلاء بالبحر على قارب صغير... وتكونين أنت معي.
-العفو يا سيد حنبعل، لن يمكنني أن أترك عملي، ولكن أستطيع أن أستأجر لك قاربا بطاقمه يكون على ذمتك كامل اليوم إن شئت.
-افعلي من فضلك.
أخذت آلة الهاتف ووضعتها على المصرف وضغطت على الأرقام وحنبعل يتبع العملية بانتباه شديد، وقد ازداد استغرابه عندما أخذت الفتاة تتحدث إلى السماعة. وعندما أعادت الآلة إلى مكانها قالت له وهو في شروده:
-حجزت لك قاربا كبيرا سيمكنك من التجول في كامل الخليج.
-أي خليج؟
وضعت أمامه خارطة، وأشارت إلى الأماكن البحرية التي يمكنه زيارتها. عندما وصل البحار الذي سيقوده، قدّمته إليه وأعلمته أنه يمكنه الإقامة كامل اليوم بالبحر بعيدا عن السياح، فالقارب مزود بكل ما يحتاجه حتى الطعام. تركها وتبع البحار، لكنها أسرعت تطلبه، ولمّا عاد قالت له بصوت خافت:
-لا تنس أنك مدعو عندنا هذا المساء للعشاء؟
-بالطبع جميلتي.
ظلّت أسماء تتبع تحركات حنبعل حتى شغلها عنه جرس الهاتف:
-هنا مركز شرطة الحمامات. هل ما زال يقيم عندكم حريف باسم حنبعل؟
-كان هنا منذ لحظة، هل ترغب أن أعلمه بشيء؟
-لا. فقط لاحظت خطأ في تاريخ ولادته عندما دققت في بطاقة الإرشادات التي بعثتم بها. هل يمكنك التأكد من جواز سفره أو بطاقة تعريفه؟
-عندما يعود.
-متى؟
-مساء هذا اليوم.
-طيب. اعلميني بالهاتف غدا صباحا.
وضعت السماعة وظلّت تفكّر. قد لا يكون لحنبعل بطاقة هوية، أو أنه لا يريد إعلام الشرطة بوجوده. أصبح حنبعل لديها لغزا محيّرا. لم تقدر أن تصدّق أنه حقا حنبعل التاريخي، لكنه يشبهه تماما. لقد رجعت بالأمس إلى موسوعة كبيرة، وظلّت تقرأ تاريخ حنبعل، وقد كانت صورة ترافق المقال تشبه تماما هذا الرجل. ولم تشف غليلها كل تلك المعلومات، فبحثت في الإنترنت عن موقع يتحدث عن مآثر حنبعل، وإنجازاته العسكرية، وسيرة حياته بكل تفاصيلها. ظلّت أمام شاشة الحاسوب جزءا من الليل تستعرض صفحات الإنترنت بكل انتباه وانبهار.
عند الصباح وهي تغادر البيت رجت أمّها أن تحضر عشاء فاخرا يليق بمقام رجل عظيم. سألتها أمّها مستغربة:
-ومن يكون هذا الرجل؟
-أكبر جنرال عرفه التاريخ.
-وما شأنك به؟
-أريدكم أن تتعرفوا عليه. أكيد سيعجبكم...
قاطعتها أمّها مستنكرة:
-متى تعرفت عليه؟
-البارحة.
-وما هي نوع العلاقة بينكما؟
-لا تخافي، إنها بريئة.