الفصل الرابع
أول ملكة للمسلمين
أصبحت القاهرة فى اليوم التالى وأهلها فى هرج، والناس يزحم بعضهم بعضاً نحو القلعة، بين راكب وماش، رجالاِ ونساء. حتى أصبحت ساحة الرميلة تحت القلعة غاصة بالناس من كل الطبقات، وقد اختلط بهم الباعة يحملون أنواع الكعك والفاكهة والثمار والمملحات والحلوى والمأكولات الجافة. وبينهم حملة الودع وكشاف البخت وفاتحو المندل، ينادى كل واحد على بضاعته على اختلاف الألحان وطبقت الأصوات، وقد علت ضوضاء الناس وأصوات الحيوان.
ولو أشرفت على الرميلة من سور القلعة لرأيت الساحة بقعاً، يشغل كل بقعة جماعة متشابهون لباساً وشكلاً، أكثرهم قاعد القرفصاء، يلهو الواحد منهم بشئ يمضغه أو عوعد ينكت به الأرض أو أداة يلاعب بها أصابعه. وهناك جماعات التفت على رجل يلاعب دباً أو قرداً، ثم يدور عليهم بدفة يجمع ما يجودون به من الدوانق، وجماعات هدأ جوهم لاشتغالهم بحديث يقصه عليهم شيخ منهم يبذل جهده فى اجتذاب قلوبهم ونيل إعجابهم، وهم يتطاولون بأعناقهم نحوه، وقد أخذهم الاستغراب.
ولو أتيح لك حضور تلك المجالس لرأيت عجباً وأخذتك الدهشة من أخلاق العامة وسرعة تصديقهم للغرائب، لأنك قد تسمع حديثاً أنت أعلم الناس به فتجده تشوه واضطرب حتى انقلب إلى غير ما تعرفه، وقد تنكره وتظنه حديثاً أخر. ويزداد تحريفهم للأحاديث بنسبة ما تحويه من الغرابة عن مألوفهم، فما ظنك فى موضوع ذلك اليوم، وهو تنصيب امرأة ملكة على المسلمين، مما لم يسبق له مثيل فى تاريخهم. فتضاربت أقوالهم فى ذلك، واخترعوا الأسباب الباعثة عليه، وافترضوا الأسرار، وتكهنوا بمصير هذه الحال، وزعم بعضهم أنهم صاروا فى أخر الزمان، وسوف تنقضى الدنيا، لأن ذلك من دلائل الفناء.
وبينما هم فى ذلك إذ سمعوا نفخ الأبواق وقرع الطبول، ثم رأوا موكب أمراء المماليك البحريين متوجهاً نحو القلعة وفى مقدمته كبراء الفرسان بالملابس المذهبة تتلألا فى شعاع الشمس حتى يكاد بريقها يذهب بالإبصار، وبعدهم هودج شجرة الدر تحمله البغال وقد تجلل بالحرير المزركش، وأحاطت به الفرسان فى أزهى الملابس وأجملها وفيهم حملة الأعلام، ووراءهم كوكبة من الفرسان أصحاب المزاريق ثم كوكبة من حملة الرماح، ووراءهم جماهير الناس مشاة على أقدامهم يموجون كالبحر الزاخر، وفيهم من تبطل وأوقف عمله لمشاهدة موكب الملكة، وهو لا يرجو شيئاً من وراء تلك الخسائر، وإنما يساق العامة إلى ذلك بفطرتهم الساذجة وميلهم الطبيعى إلى مشاهدة الغرائب، فهم يؤخذون بالظواهر ويتبعون كل ناعق. ولذلك كان إجماع العامة على أمر ما لا يدل على صوابه.
وصل الموكب إلى باب القلعة الكبير المواجه للقاهرة، ويقال له الباب المدرج، وكانت طائفة من الجند قد وقفت هناك بالسلاح لتمنع الناس من الدخول. وللقلعة باب أخر نحو القرافة أقفلوه فى ذلك اليوم لئلا تتزاحم الأقدام فى ساحة القلعة، وهى ساحة كبيرة فى وسط القلعة تنتهى بمصطبة وراءها باب كبير هو الباب الداخلى المؤدى إلى الأبنية الخاصة بسكنى السلطان والأمراء والأجناد، وفيها الجامع والإيوان.
دخل الموكب القلعة من بابها المدرج، وظل العامة خارجها يكتفون بما يسمعونه من قرع الطبول ونفخ الأبواق. وقطع الموكب الساحة حتى وصل إلى الباب الداخلى المذكور ففتحوه، ولم يأذنوا لغير الخاصة بدخوله، ولاسيما الأمراء وأرباب المناصب ونحوهم، وخلفوا فى الساحة جمعاً من الخاصة اكتفوا بأنهم امتازوا عن سائر العامة بدخول القلعة.
ودخل الموكب من ذلك الباب إلى ممر فسيح تحف به الأبنية وهناك ترجل الفرسان، واعتنى جماعة بشجرة الدر فأنزلوها عن الهودج، وبينهم وبين الإيوان الكبير ممرات وأبواب لابد من اجتيازها، وكانوا قد فرشوها بالسجاد وعلقوا على أبوابها الرياحين والأعلام، ومشى عز الدين أيبك وسائر الأمراء — وهم بملابسهم الفاخرة — بين يدى شجرة الدر، وهى فى ذلك اليوم فى أبهى ما يكون من اللباس، وكانوا قد أعدوا لها قبة من الحرير المطرز قائمة على أربعة أعمدة يحملها نفر من القواد، وقد أريخت ستائرها. وشجرة الدر فى داخلها، ومعها جاريتها شوكار وبعض الوصيفات.
لم يصل إلى الإيوان الكبير إلا الخاصة وكبار الموظفين وهم أصحاب المطامع وطلاب السيادة، يسخرون العامة لأغراضهم ويسوقونهم كالأنعام لا يدرون مصيرهم، وربما اكتسبوا رضاهم بأكلة يطعمونهم إياها أو بصلاة يتلونها بين أيديهم، أو دعاء لولى أو قديس يعرفون أنهم يعتقدون كرامته.
ظل أصحاب القبة سائرين حتى وصلوا إلى صدر الإيوان، وكانوا قد نقلوا إليه سرير السلطنة الذهبى، فجعلوا القبة فوق السرير وأرخوا ستأئرها حوله فقعدت شجرة الدر على السرير وبين يديها شوكار والوصائف يأتمرن بأمرها ولا يراها أحد من الحضور. ثم دخل قاضى القضاة فقعد إلى يمين القبة، ووراءه صاحب بيت المال وناظر الحسبة، وإلى يساره كاتب السر وغيره من كبار أرباب المناصب وذوى السن وأمراء المشورة، وجلس بين يدبى القبة فى وسط الإيوان الأمير عز الدين أيبك أمير الجند، وكبار أمراء المماليك وبينهم ركن الدين بيبرس. ووراء القبة والسرير صفان من حمة السلاح، ووراءهم الحجاب ونحوهم، وأتوا فى جملة ذلك بجماعة من أسرى الأفرنج عليهم ألبسة الأسرى مبالغة فى الاعتزاز.
وبعد أن استقر بهم الجلوس على هذه الصورة وقف عز الدين أيبك ووجه خطابه إلى الجمع وقال: «أيها الأمراء والقواد. لا يخفى عليكم ما أصاب الملك المعظم طوران شاه. أنه أساء السيرة وأراد التنكيل بجند هذا الجلد البحريين الذين عرفتهم بلاءهم فى زمن الملك الصالح رحمه الله فى حرب الأفرنج وغيرهم، فوقع القضاء عليه، ولما خلا كرسى السلطنة ممن يسوسها لم نجد من هو أولى بها من أصحاب الحق فيها إلا مولاتنا الصالحة شجرة الدر والدة خليل وصاحبة الملك الصالح لما نعلمه من ثقة مولانا المرحوم بها وهى أم ولده، فأجمع رأى الأمراء والنواب والقضاة على اختيارها ملكة تتولى شؤون الدولة بمساعدتهم. وقد تعهد أصحاب السيوف بطاعتها لإحقاق الحق وحماية بيضة الدين. ونحن الآن نحتفل بتنصيبها، وسندعو لها على المنابر بعد مولانا أمير المؤمنين المستعصم بالله. وسننقش أسمها على الدنانير والدراهم فادعوا لأمير المؤمنين».
فضج الجميع بالدعاء للخليفة وهم وقوف، ثم تقدمى قاضى القضاة فدعا لشجرة الدر قائلاً: «وأحفظ اللهم ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين أم خليل المستعصمية صاحبة السلطان الملك الصالح».
فقال عز الدين أيبك: «وقد عهدت إلى فى تدبير المملكة باسمها، وولت الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارية الخاصة. وأمرتنى أن أثبت أصحاب المناسب الموالين لنا فى مناصبهم من أصحاب الأقلام وأصحاب السيوف». وثم أشار إلى صاحب الستر الواقف بجانب القبة فأزاح الستر، فبان داخل القبة فإذا هى مبطنة بأطلس أسفر مزركش، وفى صدرها شجرة الدر جالسة على السرير قد أرخت النقاب وعلى رأسها العصائب السلطانية وهى صفر عليها ألقاب المملكة مطرزة بالذهب.
فعاد الناس إلى الدعاء لها، ثم أرخوا الستر وعاد عز الدين إلى الكلام فقال: «وعما قليل نحتفل بقراءة المرسوم الذى سيرد علينا من أمير المؤمنين المستعصم بالله يؤيد سلطنة مولاتنا حفظها الله».
وكان الناس فى أثناء الاحتفال سكوتاً كأن على رؤوسهم الطير، وقد أخذتهم الدهشة لأنهم لم يسمعوا بمثل هذه الولاية، وفيهم الغاضب والعاتب والمعترض ولكن لم يجسر أحد منهم على الكلام لعلملهم أن هذه السلطنة إنما كانت بتواطؤ المماليك البحريين أصحاب القول فى ذلك العهد.
وقبل الفراغ من الاحتفال أشار عز الدين إلى بعض الوقوف من الداودارية فمضى وعاد ومعه الأطباق عليها صرر النقود، فأخذوا يوزعونها على الحضور وعلى كل صرة اسم صاحبها.
ولما هم الحضور بالانصراف وقف عز الدين أيبك وقال: «أيها الأمراء: أن مولاتنا ملكة المسلمين اقتضت إرادتها أن تنقل دار السلطنة من جزيرة الروضة إلى هذه القلعة، وستكون هذه القلعة مقر أرباب المناصب بدلاً من قلعة الملك الصالح فى الروضة، لأن السبب الذى من أجله جعلها الملك المرسوم كرسياً للسلطنة قد زال».
فكان لهذا التغيير وقع حسن عند بعض السامعين ووقع سئ عند آخرين، ولكن لم يجسر واحد على إبداء رأى أو ملاحظة. وانقضت الحفلة وانصرف كل إلى مكانه، وانتقلت شجرة الدر إلى قصر خاص بالسلطنة هناك. وأخذوا فى نقل الرياش وغيره من جزيرة الروضة، ولم تعد تلك الجزيرة كرسياً للسلطنة من ذلك الحين، وأخذوا فى تعريتها من زخرفها ونقوشها ولاسيما لما صارت السلطنة إلى عز الدين أيبك فإنه أمر بهدمها ونقل ما كان فيها من الأعمدة والنوافذ والسقف والأخشاب لبناء مدرسة باسمه فى القاهرة.
وكانت شوكار فى أثناء الاحتفال مع شجرة الدر فى الهودج كما تقدم. فلما رفع الستر انزوت فى مكان ترى الحضور منه ولا يرونها، وكان نظرها لا يتحول عن ركن الدين وهو بلباسه الرسمى، على رأسه القلنسوة الجندية ولباسه مزركش بالقصب وقد زانه شبابه. ورسها على الخصوص ما سمعت من أنه صار داودارا لسيدتها لعلمها أنه أصبح أقرب إليها إذ يكثر تردده إلى قصر الملكة لقضاء مهام منصبه، فخفق قلبها فرحاً وتحققت قرب السعادة لأنها ستكون زوجة لداودار السلطنة.
•••
انتقلت شجرة الدر بعد انقضاء الاحتفال إلى قصر السلطنة، وقد أعدوا لها فيه غرفة فرشوها بأحسن الرياش. ودخلت الغرفة يحيط بها الجوارى والوصائف وفى مقدمتهن شوكار فأخذن فى تبديل ملابسها، ثم أمرت الخدم بالانصراف، فلما خلت بنفسها أخذت تفكر فيما صارت إليه مما لم تكن تحلم به فى صباها، وتذكرت صباها وكيف كانت تنظر إلى السلاطين وال ملوك، وما كانت بينها وبينهم من المسافات البعيدة، وكيف أصبحت اليوم ملكة المسلمين تطأطى لها الرؤوس وتعنو لها الرقاب. فلما تصورت ذلك انشرح صدرها وانبسطت نفسها، لكنها لم لبثت أن فكرت فيما يعتور ذلك المنصب من المشاق، وما فى مصر يومئذ من المشاكل والحروب مع الصليبيين، عدا الأحزاب المختلفة بين رجال الدولة والجند، فانقبضت نفسها.. لكنها لم تذكرت عز الدين مدبر المملكة ومن معه من الأمراء الذين يأخذون بناصرها للعصبية أو للعطاء، هان الأمر عليها، وأن بقى الانقباض ظاهراً فى وجهها.
وبينما هى فى ذلك إذ دخلت عليها جاريتها شوكار والفرح يتجلى فى وجهها وأكبت على يد سيدتها تقبلها وهى تقول: «الحمد لله على نعمه يا سيدتى.. أنت ملكة المسلمين.. ألم أقل لك عندما رأيتها على ذلك السرير أنه لائق بك؟. مالى أراك منقبضة النفس؟ هل ساءك مجيئ الآن؟ هل تأمرين بانصرافى؟».
فطوقت عنقها بيديها وضمتها إلى صدرها وقبلتها وهى تقول: «كيف تنصرفين يا شوكار؟!. لا. لا. لست منقبضة من شئ. أنى شاعرة بالسعادة التى أنا فيها والحمد لله. ولكننى أفكر فى المهام الكثيرة التى بين يدى. كنت قبل الآن أتمنى أن يتم هذا الأمر لى، فلما تم ذهبت شهوة ذلك الميل، وتبين لى المنصب بما يحف به من المشاكل والمسؤوليات».
فأرادت شوكار مداعبتها لتشغلها عن تلك الهواجس فقالت وهى تضحك: «إذا كنت قد كرهت هذا المنصب فأنا آخذه منك وأخفف عنك مهامه».
فابتسمت شجرة الدر وقبلت شوكار ثانية وقالت: «لم أكره هذا المنصب يا عزيزتى، فأنى لم أذق منه شيئاً بعد، لكن لا ينبغى لى أن أتغاضى عما يحيط به من أسباب العناء».
قالت: «أن هذه الأسباب لابد منها. وهذا مولانا عز الدين مدبر المملكة يحمل عنك كل أثقالها، وهذا ركن الدين. أنه بطل». ولما ذكرته خجلت وأطرقت حياء.
فضحكت شجرة الدر من قولها ومدت يدها إلى جبينها تمسحه وقالت: «إن ركن الدين بطل. وإذا شئت أن ترى ذلك وتختبريه فأنى سأكلفه بمهمة ذات بال لا أرى بين الأمراء من أثق به وأعول عليه فى قضائها غيره. هل تأذنين فى ذلك؟»
فخجلت شوكار من هذا الاستئذان وقالت: «من أكون أنا ليؤخذ الإذن منى؟ ألسنا جميعاً عبيداً نصدع بالأمر؟».
فلما سمعت هذا التعبير — وهو مما يقال للملوك — عظم الأمر عندها، لكنها كانت عاقلة تنظر فى الأمور إلى حقائقها، ولا يهمها الزخارف فقالت: «كلنا عبيد يا شوكار، وإنما سألتك لأن ركن الدين يهمك الآن. أليس كذلك؟.
فقالت وقد توردت وجنتاها من الخجل: «هبى أنه لى، فأنا لم أكن لأحصل عليه لولاك».
قالت: «ليس هذا هو المهم فى الأمر يا شوكار، ولكننى أحب قبل أن يعقد له عليك أن يأتى عملاً يوجب له الفخر على أقرانه، فإذا تزوجك بعد ذلك زاد افتخارك به».
قالت: «الأمر لك فى كل حال». لكنها فى الحقيقة لم يسرها هذا الأمر، لأن ركن الدين من الأمراء المعروفين. وإذا لم يكن بد من زيادة أسباب شهرته فليكن ذلك بعد العقد.. وقد أصبحت لفرط غبطتها بذلك النصيب تخاف أن يؤخذ منها، لكنها لم تستطع إظهار غير الرضا. أما شجرة الدر فأنها لحظت ترددها وما خامر ذهنها من هذا الأمر فتنهدت ونهضت وقالت: «اتبعينى يا شوكار».
فتبعتها وهى تفكر فى غرضها من هذا النهوض، فإذا هى قد مشت فى ممر إلى غرفتها الخاصة. وهى غرفة أعدوها لها بأثمن الرياش، فدخلت واستقلت على سريرها بلا كلفة وهى تقول: «آه يا شوكار، لقد تعبت من التفكير، وشعرت بثقل العمل الذى أخذته على عاتقى.. أطربينى بصوتك الرخيم لعى أروح عن النفس قليلاً».
فسرها هذا الاقتراح، وأمرت بعض الغلمان بإحضار العود، فتناولته وأخذت تضرب عليه بإتقان، وتغنى أغانى تعلم أن شجرة الدر تطرب لها، فآنست منها استحساناً كثيراً وهى تضحك لها وتعجب بها، وشوكار تائهة الفكر فى ركن الدين، وتود لو يكون حاضراً لتراه لعلها تتحقق منه شيئاً. لأنها لم تملك فرصة تسمع منه فيها قوله أنه يحبها، وأحست هى أنها أحبته وخافت ألا يكون قد بادلها حباً بحب، وبان انقباض قلبها فى وجهها، وظهر أثر ذلك فى ضربها وغنائها، فقالت لها شجرة الدر: «ما بالك يا شوكار؟» فانتهبت لنفسها وقالت: لا شئ يا سيدتى». ثم ابتسمت لتخفى ما بها وقالت: «شكراً يا مولاتى.. أنى محاطة بكل أسباب السعادة والحمد لله». وسكتت وفى سكوتها شبه إنكار.
فلحظت شجرة الدر شيئاً مما اعترى جاريتها شوكار فقالت: «لا شئ يا سيدتى». ثم ابتسمت لتخفى ما بها وقالت: «شكراً خاطرك شيئاً تكتمينه. هل ساءك ما قلته عن ركن الدين من أمر السفر؟».
قالت بلهفة: «كلا يا سيدتى، أن ما تأمرين به لا يكون فيه غير أسباب الراحة والسعادة ولكن». وأطرقت حياء.
قالت: «ولكن ماذا؟ أن هذا الأطراق يعجبنى من الفتاة فى مثل هذه الحال، يظهر أنك تشتاقين رؤية ركن الدين قبل سفره. ولعلك تحبين أن تعرفى رأيه فيك. أنى سأدعوه الساعة يجالسنا بحجة عزمى على تكليفه بتلك المهمة». وصفقت فجاء بعض الغلمان فأمرته أن يدعو الداودار ركن الدين، وعادت إلى مشاغله شوكار فقالت لها: «لا يمضى كثير حتى يأتى ركن الدين.. غنى شيئاً من عندك».
فأخذت تغنى، وقد فرحت بقرب قدوم ركن الدين، لكنها أحست بخفقان قلبها فتشاغلت بالضرب والغناء.
وبعد قليل جاء الغلام يقول: «أن الأمير ركن الدين بالباب». فقالت: «يدخل». وأشارت إلى شوكار أن تسكت.
فدخل وألقى التحية، فابتسمت له، وقد ألقت النقاب بعض الشئ على رأسها، وفعلت شوكار مثل فعلها. وقالت شجرة الدر: «مربحاً بالبطل ركن الدين.. تفضل». وأشارت إلى كرسى بين يديها، فجلس عليه وهو يتأدب فى نظراته ويفكر فى سبب تلك الدعوة، فقالت شجرة الدر: «أتعلم يا ركن الدين لماذا دعوتك؟». قال: لا يا سيدتى. وإنما أعلم أنى سيف من أسياف مولاتى ترمى بى حيثما شاءت». فقالت: «بارك الله فيك. لكن هل تفعل ما تفعله إكراماً لى وحدى؟».
فلما سمع قولها علم أنها تداعبه وتشير إلى علاقته المستقبلة بشوكار، فسره أنها بادرته بالحديث فقال: «نعم يا سيدتى، لأنك أنت صاحبة الأمر والنهى من كل وجه». والتفت إلى شوكار وابتسم.
فخجلت شوكار وبان الخجل فى عينيها وأطرقت، فقالت شجرة الدر: «أرى شوكار قد خجلت، ويعجبنى الحياء منها، لكننى أحب أن تسمعنا لحناً أخر يشاركنا ركن الدين فى سماعه. ما رأيك؟».
فقالت: «أنى رهينة أمرك يا سيدتى». قالت: «أسمعينا أو أسمعيه، لعله يسمعنا ما يطرب من غير لحن أو نغم».
فتناولت شوكار العود وأخذت تضرب عليه وتغنى حتى أخذت بمجامع قلب ركن الدين، فطرب طرباً كثيراً وهاجت عواطفه، وكان قد سمع عن صوت شوكار ولم يسمعه. أما وقد سمعه فازداد إعجاباً به وتعلقاً بزواجها، وعلم مقدار النعمة التى وهبته إياها شجرة الدر لما وعدته بتلك الغادة المطربة.
وكانت شوكار تضرب وتغنى وعيناها تراقبان حركات ركن الدين، فرأته قد هاجت أشجانه وبان الطرب والهيام فى وجهه، ولولا تهيبه من وجود الملكة لقال أشياء كثيرة. ولحظت شجرة الدر أيضاً ذلك وسرها ما لحظته، لأنها كانت تريد أن تقبض على قلب ركن الدين لتستخدمه فيما تريد من الأمور، إذا أصبحت — بعد أن صارت ملكة — تخاف من الدسائس والمناظرين من الداخل والخارج. وقد توسمت فى ركن الدين همة عالية وبسالة فأرادت أن تملك قلبه ليكون طوع إرادتها فيما قد تعتزم فعله، لأنها كانت سيئة الظن فيمن حولها حتى عز الدين أيبك صديقها، كانت ترى أنه غير أمين لها وأنه إنما يظهر الطاعة موقتاً.
فلما رأت هيام ركن الدين بشوكار قالت له «هل أعجبك صوتها يا ركن الدين؟».
فتحرك احتفاء بذلك الاستفهام وقال: «تسأليننى عن صوتها؟ ألا يكفى أنه يعجب ملكة المسلمين؟ ومن لا يطرب لهذا الصوت الرخيم؟».
قالت وهى تضحك: «أرجو ألا يكون الصوت وحده الذى أطربك». فالتفت خلسة إلى شوكار وسكت.
فقالت شجرة الدر: «أراك تستشيرها فى ذلك، هل تشك فى أنها تعجب بك؟».
قال: «إذا كانت ترى فىّ شيئاً حسنا فإنما تراه بناء على رضا مولاتى الملكة عنى».
قالت: «لا أنكر أنى وسيلة التعارف بينكما، لكنها تسمع عن البطل ركن الدين من قبل، ويكفى ما تسمعه منى عن بسالتك. ويعجبنى منها أنها لا يعجبها غير رجال الحرب المستبسلين فى الدفاع عن الدولة. ولذلك سألتك حين دخولك هل تعلم لماذا دعوتك فأجبت جواباً وقع من نفسى موقعاً حسناً، ولاشك أنه وقع مثل هذا الموقع عند شوكار. وقد لحظت ذلك فى عينيها، وبدلاً من أن أتم حديثى معك طلبت إليها أن تسمعك صوتها وقد فعلت.. وأنى فى غاية السرور من تقارب قلبيكما. فلنعد إلى ما كنا فيه. قل لى هل تعلم لماذا دعوتك، ونحن فيما نحن فيه من أمر الأفرنج فى دمياط وحولها؟».
قال: «أنك تريدين أن أكفيك أمرهم، وهذا هين».
قالت: «سيعهد إليك الأمر عز الدين غدا فى ذلك، ولكننى أحببت أن أطمئنك أن هذا العمل يرضى شوكار، وأنها تحب الشجعان البواسل. ومن الجهة الأخرى لحظت من شوكار أنها». وضحكت وهى تنظر إليها ثم قالت: «لحظت أنها تحب أن تتحقق رأى ركن الدين فيها».
فغلب الحياء على ركن الدين وقال: «هل لركن الدين رأى بعد أمر مولاتنا الملكة؟».
قالت: «هى لا تريد أن يكون حبك لها طوعاً لأمر الملكة».
قال: «أن أمر الملكة كان فاتحة الكلام، ولكننى أحبها الآن طوعاً لأمر قلبى. ويكفينى أن يكون عندها نصف ما عندى». قال ذلك ونظر إلى شوكار فأطرقت خجلاً، وتكلمت عيناها بما يعجز اللسان عن الإفصاح به».
•••
لما وثقت شجر الدر من ترابط قلبى ركن الدين وشوكار، التفتت إليه قائلة: «والآن يا ركن الدين كن رجلاً مثل عهدى فيك. إن نجاحك فى هذه المهمة ضامن لوصولك إلى الرتب الرفيعة. سر بحراسة الله، ولكن قبل ذهابك صافح شوكار وضع يدك فى يدها. أنى أسمح لكما بذلك».
فتقدم ركن الدين ومد يده ومدت شوكار يدها وتصافحا، وهى أول مرة تلامست فيها يداهما، فكأنهما تفاهما وتعاقدا. ثم انحنى ركن الدين أمام شجرة الدر وودعها وخرج، فأحست شوكار كأن قلبها قد خلع من صدرها وسار معه.
فابتدرتها شجرة الدر قائلة: «ألم أقل لك أنه يتفانى فى حبك، وسيزداد حبك له عندما ترينه عاد ظافراً من ساحة الحرب. أنه سيناضل ويحارب باسمك.. فأهنئك يا عزيزيتى بهذا البطل».
فأطرقت وقلبها يخفق طرباً، ثم أذنت لها بالانصراف لتتفرغ لمهام الدولة. وما كادت تخرج من عندها حتى جاءها الحاجب ينبئها بقدوم عز الدين نائب السلطنة فقالت للحاجب: «قل له ينتظرنى فى الإيوان».
وكان عز الدين قد جاء إلى الإيوان لملاقاة حبيبته على حدة ليهنئها بما نالته، وهو يتوقع أن تكثر من الثناء عليه عند المقابلة على انفراد لأنه كان السبب فى نيلها ذلك المنصب الذى لولاه لم تكن لتناله فلما لم يجدها هناك. قصد إليها فى غرفتها، ولكنه رأى ركن الدين خارجاً من عندها، وعلى وجه إمارات الهيام، ودهش ركن الدين عند مشاهدته وحياة وقد ظهرت البغتة فى كلامه. أما عز الدين فإن الشك تسرب إلى فكره، وشبت الغيرة فى قلبه فلم يزد على رد التحية، وعزم على استطلاع سبب وجود ركن الدين هناك حالما يلاقى شجرة الدر فى غرفتها.
فلما عاد إليه الحاجب بأن ينتظر شجرة الدر فى الإيوان زادت وحشته وعظمت غيرته وخيل إليه أن شجرة الدر غلبت الكبرياء على قلبها حتى أصبحت تستنكف من ملاقاة صديقها وسبب نعمتها فى غرفتها. لكنه أخذ يغالب شكوكه وتجلد وذهب إلى الإيوان فى انتظارها. واتفق أنها تباطأت فى الوصول ريثما بدلت ثيابها، ثم جاءت وهى تجر ذيل ثوبها الملكى والوصيفات بين يديها. فلما دخلت وقف لها ورحب بها فحيته وأشارت إليه أن يجلس وصرفت الخدم.
فلما رآها تهش له تغير ما فى نفسه وأغضى عما سبق إلى ذهنه وقال: «جئت لأهنئ مولاتى بمنصبها، وأرجو أن تتأيد دولتها».
فابتسمت ابتسامة الشكر وقالت: «أنى لا أنسى فضلك فى ذلك يا عز الدين، ولابد لى من الاتكال عليك فى فض المشاكل التى تنتاب الدولة».
قال: «أنى رهين الإشارة يا سيدتى».
قالت: «أنت تعلم ما يحيط بنا من الحساد وما يهددنا من الأعداء ولاسيما الأفرنج فإنهم لا ينامون من مناوأتنا».
قال: «لا يشغلك شاغل من أمر هؤلاء فأنى مدبر أمرهم».
قالت: «بارك الله فيك.. غير أنى رأيت ركن الدين يليق بهذا العمل. وقد سمعتك تثنى على بسالته. وقد اتفق أنى رأيته اليوم وذكرت أمر الأفرنج بين يديه فرأيت منه ارتياحاً إلى الخروج إليهم غير أنى أحببت أن يكون ذلك برأيك».
فلم يعجبه قولها أنها رأته اليوم، وكيف تراه إن لم يكن ذلك على موعد بينهما؟. وكيف يكون ذلك فى غرفتها لا فى الإيوان؟. لكنه تجاهل وقال: «إن ركن الدين أهل لثقتك. لا بأس من أن يعهد إليه فى ذلك بأمر منك رأساً».
فمدت يدها إلى جيبها واستخرجت ورقة ملفوفة وقالت: «إليك ما كتبته له فى ذلك».
فتناول الورقة وفضها فإذا هى أمر صادر إلى ركن الدين هذا نصه: من ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين ذات الحجاب الجليل، والدة المرحوم خليل زوجة الملك الصالح رحمه الله إلى القائد الباسل الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى. نظراً لثقتنا الكبرى ببسالتك وعلو همتك، ولما ظهر من بلائك فى دفع الأفرنج عن بلادنا، ولما كان هؤلاء الملاعين لا يزالون يناوئوننا فى جهات دمياط، عهدنا إليك بعد مشورة مدبر مملكتنا الأمير عز الدين أيبك أن تخرج إليهم برجالك الذين تختارهم وتكفينا أمرهم. وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
والدة خليل فلما قرأ الأمر أعجبه قولها أنها فعلت ذلك بمشورته، فطوى الكتاب وبعث به إلى ركن الدين، وعاد إلى محادثتها فى شئون الدولة، وهى تبذل جهدها فى مجاملته ليطمئن قلبه لها، ولا يزال الشك يخامره — والمحب كثير الشكوك — لكنه كان يطرد تلك الشكوك من خاطره، فلما انصرف من عندها وخلا إلى نفسه عادت إليه الشكوك.
أما ركن الدين فإنه لما جاءه كتاب شجرة الدر بادر إلى تنفيذه، وقد اتسعت آماله فيما تطمح إليه نفسه من الارتقاء فى مناصب الدولة، وهو يرى نفسه أهلاً لأكبر المناصب. فإنه كان كبير المطامع عالى الهمة، والدولة فى اضطراب، وقد خطر له أن الدولة التى تستطيع امرأة أن تصير ملكة فيها لا يعجز فيها عن نيل ذلك مثله، ولكنه يعلم أن مطلبه عسير وعز الدين أمامه، وهو صاحب النفوذ الأقوى عند الجند وعند شجرة الدر نفسها. على أن ما آنسه من ملاطفة فى ذلك اليوم بعث فى نفسه بعض الشجاعة، فتكم مطامعه هذه عن الجميع لعلمه بما يعتور ذلك من الخطر. ومع ذلك فإن حبه شوكار هون عليه كل عسير وصار من أقوى الدوافع له على طلب العلا.
أما شوكار فإنها أصبحت بعد سفر ركن الدين إلى دمياط شديدة الميل إلى سماع أخبار الحرب واستطلاع ما جرى، وهى تصبر نفسها، وكلما طال انتظارها ازدادت شوقاً ولهفة. وأما هو فكان يغتنم قدوم بعض خاصته للسؤال عنها وتتبع أحوالها.
ومضى على ذلك ثلاثة أشهر لم يأت إلى القاهرة خلالها إلا مرتين، فاجتمع فيهما بشوكار على علم شجرة الدر وسمع غناءها. وفى المرة الثانية تواعدا على العقد بعد رجوعه، فمكثت تنتظر ذلك بفارغ الصبر كأن قلبها دلها على سوء سيصيبها.
•••
مشى عز الدين بعد خروجه من الإيوان إلى المنزل الخاص به فى القلعة، ودخل غرفة فيه تطل على القاهرة، وقد تعمد الخلوة ليفكر فى تلك الظنون التى غزت قلبه، وهو لا يزال فى أول هذا الدور الجديد، وجلس على مقعد بجوار النافذة، فوقع بصره على القاهرة وما وراءها من الفسطاط إلى النيل وفيه جزيرة الروضة، فتذكر الملك الصالح، وأيامه هناك مع شجرة الدر، فمر فى مخيلته تاريخ علاقته بها، فلم يجد ما يوجب شكا فعاد إلى حسن الظن.
وبينما هو فى ذلك إذ جاءه غلام ينبئه بمجئ أمرأة منقبة تريد مقابلته، فسأل الغلام من هى تلك المرأة فقال: «لم أستطع تمييزها لأنها منقبة وقد غطت وجهها».
فنهض وهو يفكر فيمن عساها أن تكون، وسار إلى غرفة خاصة بمقابلة القادمين، فوجد تلك المرأة جالسة على المقعد وقد التفت بملاءة ثمينة، ويدل مجمل حالها على أنها لم تأت لطلب صدقة، فدخل وحياها فردت التحية وهى تتحفز للنهوض، فأشار إليها أن تقعد فقعدت، وقعد هو بين يديها وقال لها: «من أنت وماذا تريدين؟».
فأزاحت النقاب عن وجهها ولم تجب، فإذا هى سلافة قيمِّة قصور الملك الصالح، وكان معجباً بجمالها، وله معها مواقف كانت هى الظافرة فيها نظراً لما كان لها من المنزلة عند الملك الصالح، وكان يحترمها من أجل ذلك، ولم يكن يتوقع أن يراها آتية إليه على هذه الصورة. فحالما كشفت وجهها بادر إلى الترحيب بها فقالت: «لم آت إليك لضيافة، ولكننى جئت ألتمس منك شيئاً أنت صاحب الأمر فيه».
فقال: «وما هو؟» قالت: «علمت اليوم أن أمور الدولة صارت إلى صديقتك شجرة الدر، وأنا كما تعلم قيمِّة قصور الملك الصالح، والملك الصالح مات، وقصوره نهبت، وأثاثها نقل إلى هذه القلعة، وصارت الحكومة إلى إحدى جواريه. لا تؤاخذنى على هذا التعبير. أنها جارية ولكنها صديقة عز الدين أيبك وهو الذى رفعها إلى مقام الملك. أنت رفعتها إلى ذلك المقام لأنها صديقتك. ولك الخيار فيما فعلت، هنأها الله بهذا المنصب. وإنما جئت الآن أطلب منك أن تطلق سراحى من الخدمة، ولم يبق لى عمل فى هذه القصور، إذ لم يبق فيها دور للحريم، بعد أن صارت ملكتنا من الحريم، فاصرفنى، أم أنت لا تقدر أن تفعل ذلك من تلقاء نفسك بدون أن تشارو ملكة المسلمين؟».
وكان لكلام سلافة وقع شديد فى نفس عز الدين وهو فى تلك الحال من التردد والشك، وكان يجل قدرها ويحب التقرب منها ولكن لم تكن تسنح له فرصة فى حياة مولاها. ولما جاءته فى تلك الحال وقع فى حيرة، وتنبهت فيه عوامل كثيرة أهمها احتقار نفسه لأنه خضع لامرأة لم ترض امرأة مثلها أن تخضع لها، وتنبه فى خاطره حب كان كامناً فهاجه لقاؤه لسلافة. ولم يسعه السكوت مع ذلك عن الدفاع عن شجرة الدر حفظاً لكرامته فقال: «أن شجرة الدر لم تصل إلى هذا المنصب إلا لأنها أم ولد السلطان كما تعلمين».
قالت: «صدقت، بارك الله فيكم. لم تبايعوها إلا لأنها أم ولد السلطان. ما شاء الله؟ وأين ذلك الولد؟ لقد مات. وإذا كان الغرض المحافظة على نسب السلاطين الأيوبيين فى هذه السلطنة أفلم يكن الأولى أن تولوا عليكم أيوبياً يكون الأمير عز الدين وصياً عليه؟ أن الأمير عز الدين الآن مدبر المملكة ولكن هل الأمر بيده؟ أنا أعرف جنس النساء، أنهن لا يحفظن الوداد. لا أقول هذا عن شجرة الدر وحدها، لكن هكذا طبيعتنا نحن النساء. ويؤيد ذلك ماجاء عنهن فى كتب الدين، وعلاوة على ذلك فإن هذه السلطنة لا تثبت إن لم يأت كتاب أمبر المؤمنين العباسى راضياً عن هذا الاختيار».
فقال: «وهل تظنين أمير المؤمنين يعترض على هذا التعيين؟».
قالت: «لا شك عندى فى ذلك».
قال: «أظنك مخطئة يا سلافة، لأن شجرة الدر حكيمة عاقلة، وقد اختارها الأمراء والقواد، فلا أظن أمر المؤمنين يخالفهم». قالت: «أؤكد لك أن أهل بغداد سيغضبون لهذا العمل وليس الخليفة فقط. وسوف ترى.. أنى أعرف هذه الأمور من قبل.. مالنا ولذلك إنما أطلب منك الآن أن تصرفنى وتطلق سراحى ولكن دون مشورة أحد».
قال: «وإلى أين تذهبين إذا أطلقت سراحك؟». قالت: «أذهب فى هذه الدنيا». وغصت بريقها وتساقطت دمعتان على خديها فمسحتهما وأظهرت أنها خجلت من الضعف الذى ظهر عليها وسكتت.
فأثر منظرها فى قلبه وقال: «بدلاً من ذهابك فى هذه الدنيا، امكثى عندنا». قالت: «أين أمكث؟ وقد ذهبت القصور والنساء، وحيثما مكثت سأكون أسيرة سجينة، أو رهينة رضا ملكة المسلمين أو غضبها. وهذا لا صبر لى عليه مثل صبركم أيها الرجال العظام والقواد البواسل، فأنى امرأة ضعيفة».
فأحس بالتهكم الذى يتخلل أقوالها ووجدها مصيبة فيما تراه، وأعجب بجسارتها حتى تقول ذلك له، فقال لها: «يا سلافة.. كفى تأنيباً وتعنيفاً. ما حدث قد حدث، وأنا أعرف قدرك، ولا أحب أن تخرجى على هذه الصورة، فامكثى عندى و…».
فقطعت كلامه قائلة: «أمكث عندك؟! مسكين!. وما الذى يصيبك لو علمت شجرة الدر بوجودى هنا؟».
فوجد الحق معها، لكنه كبر عليه أن يعترف بهذه الحقيقة فقال: «مالها ولمن عندى. أنا لا أتعرض لما عندها؟».
قالت: «وما هو الفرق بين الملوك وسواهم؟. هل يجوز لنا ما يجوز للملوك؟ هل خيل إليك أنك لو رأيت رجلاً خارجاً من غرفة شجرة الدر صديقتك الحميمة — وأنت الذى وضعتها فى هذا المنصب — يحق لك أن تسأل عن سبب وجوده هناك؟. أما هى فلها أن تعد أنفاسك وتحاسبك على كل خطوة».
فتذكر رؤيته ركن الدين فى ذلك الصباح خارجاً من عندها وما خامره بسبب ذلك من الشكوك. فأطرق هنيهة يفكر، لكنه خاف أن يدل ذلك على ضعف فيه، وهو لا يريد أن يظهر ذلك خصوصاً بين يدى سلافة بعد ما أسمعته إياه من اللمز والتعريض فقال: «أنت تعتقدين إذن أن وصول شجرة الدر إلى هذا المنصب أبعد ما بينها وبينى، فحق لها أن تنصرف كما تشاء. فما الذى يمنعنى من أن أفعل أنا ما أريده ولا التفت إلى ما يرضيها أو يغضبها؟».
فقالت: «لا.. لا أشير عليك بذلك. أنه يكون سبباً لتنغيص العيش. ولا أحب أن يكون ذلك بسببى».
قال: «هل تظنين وجودك عندى يغضبها؟. ومع ذلك لا رأى حاجة إلى إطلاعها على وجودك عندى».
فهزت رأسها وقالت: «أنها جرأة عظيمة منك لا سيدى، إذ أحببت أن أكون تحت ظلك، ولكنى لا رأى أن أقيم معك فى منزلك، بل أقيم فى مكان أخر. وأنا فى كل حال صديقتك، وسأبقى على ودادك ولو صرت ملكة المسلمين.. على أنى لا أضمن ذلك. لأن الإنسان عرضة للتغير» وضحكت.
فقال: «ما الذى يجول بخاطرك وتخافين أن يتغير؟» قالت: «يجول بخاطرى أن النساء لا يصلحن للحكومة، وأن السلطنة لا تليق إلا بك، فأنت قائد الجند، وأنت حاربت الأفرنج وقهرتهم، وأنت دبرت كل شئ. هذا ما أراه الآن ولا أغير فكرى فيه». فكان لهذا الأطراء وقع جميل فى قلبه.
والإنسان تخدعه ميوله حتى تريه الأسود أبيض والخرافة حقيقة، ومن فطرته أن يعتقد صدق مادحه وإخلاصه ويميل إليه بقلبه، وقد عرف هذه الطبيعة أصحاب التدبير الذين يحتاجون إلى مصانعه الناس فى التجارة وغيرها فاتخذوا مدح عملائهم وأطراء مناقبهم وسيلة للتقرب إليهم واكتساب ثقتهم، واتخذ هذه الخلة أيضاً طلاب رضا النساء، وجعلوا أطراء جمالهن وسجاياهن وسيلة لاكتساب قلوبهن ولذلك قال أمير الشعراء:
خدعوها بقولهم حسناءوالغوانى يغرهن الثناء. والحقيقة أن الثناء لا يغر الغوانى فقط، بل هو يغر كل إنسان، ويندر أن ينجو عاقل من الوقوع فيه.
فلما سمع عز الدين عول سلافة أعتقد صدقها وأنها مصيبة فيه، وتوهم ألا عرض لها غير تقرير الحقيقة، وتمكن اعتقاده فى إخلاصها وصدق مودتها، وكان ذلك باعثاً على التباعد بينه وبين شجرة الدر بدون أن يشعر. وافترقا على أن تقيم سلافة فى قصر خاص بها وتكون تحت رعايته.
وبعد ذهابها أخذ يفكر فيما قالته فوجدها على صواب، إذ كان يجب أن يتولى السلطنة أحد غلمان بنى أيوب، على أن يكون هو مدبراً للمملكة ولا يكون هناك باب للاعتراض، وذلك أفضل من أن تتولى الدولة أمراة.