الفصل الخامس

8 0 00

الفصل الخامس

نحو المعالي

سماءٌ صافية في ليلةٍ أخرى من ليالي رمضان تُحفِّز المسلمين على الخروج إلى مساجدهم لصَلاة ليلهم، وصلت فيمن وَصَلُوا إلى مسجدنا، توجهت إلى مكان صلاتنا، ولكن عجبًا أحمد لا يَجلس في مكانه؟

إنَّها المرة الأولى التي أصل فيها إلى المسجد ولا أجده، ترى ماذا حدث؟ الحمدُ لله، ها هو سواكه النحيل وزجاجة عطره ذات الغطاء الذَّهبي يَجلسان في مكانه، لعله ذهب إلى وضوئه، انتصبت لأُصلي تحية المسجد، انتهيت من صلاتي، وقد أحسَست بأحمد يعود إلى مكانه، ما الذي يَلمع في وجه أحمد؟ إنَّها دموع، أحمد يبكي، السلام عليكم ما لك يا أحمد؟ قال: لا تقلق إنَّها دموعُ الفرح.

قلت: بَشِّرْنِي يا أخي، قال: منذ بدأت أشعر بحلاوة الاستقامة لم أردْ أن أستأثِرَ بها وَحْدي، فاتصلت بخطيبتي طالبًا منها أنْ تأتي لتشهد الخير معنا، فاستجابت، وكانت أول ليلة لها بالأمس، صليت هي وأمُّها، ثم انصرفتا، واليوم ذهبت أطمئِنُّ عليهما، وفوجئت بها تُوبِّخني، نعم وبَّختني، تعرف لماذا؟ قلت: لماذا؟ قال: لقد قالت لي: كيف تسمح لنفسك يا أحمد أن تكون في هذا الإحساس الرَّائع دونَ أنْ تشركني معك؟! ثم فاجأتني بما أثْلَج صدري، وجعلني أستحي من نفسي، قالت: إنَّما تريد أن تلبس النقاب، ثم قالت: لا بُدَّ - يا أحمد - أنْ نلتزمَ بكل ما يُرضي الله، ستكون هناك حدودٌ في كلامنا حتى موعد الزواج، فقد علمت - يا أحمد - أنَّ الخطبة في الإسلام مُجرد وعد بالزواج، وأريد منك أن تقودني إلى بر الأمان، قلت لها: أَعِدُك أن نقف عند حدود الله، وأن نتعاون على البر والتقوى، تركتها وأنا أحمد الله من كل قلبي، فكم كنت أحمل من هَمٍّ في إقناعها بهذه المعاني، وكل هذا نتاج ليلة واحدة "الحمد لله".

قلت: يا أخي، إنَّه الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوب، أظنُّ يا أحمد أنَّ هذا الموقف رسالة بطرح العجز جانبًا ولتقوية الإرادة؟ قال: نعم، إنَّه حافز عالي الجودة، أظنُّنا سنبدأ في الحديث عن العجز الآن، قلت: وهذا موعدنا، ولكن بعد الصَّلاة إن شاء الله.

*****

تَمَّت الصلاةُ والمسجد وساحات الصلاة ما بين داعٍ وباكٍ، فقد كان الإمام اليومَ مستبسلاً في تَحسين القرآن، فاجتمع جمالُ القرآن مع حُسن الصَّوت والإحساس في الأداء، فكأنَّ القرآنَ قد عانق قلوبَ المصلين، فخشعت، ولامس عيونَهم فدمعت، حتى الجدران كأنَّها كانت تُصلي معنا، فأصابها ما أصابنا، التفت إلى أحمد، وقد بلغ التأثُّر منه مبلغًا، قلت له: ما رأيُك نُؤجِّل الحديث للغد؟

قال: لا، خَيْرُ البر عاجله، أخبرني هل العجز مرض؟ قلت: نعم ومرض مُزمن، ألم تَرَ أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - كان يتعوَّذ منه؛ ((اللهم إنِّي أعوذ بك من العجز والكسل))، والعجز يا أحمد مذموم بكلِّ لسان، وهو "ترك ما يَجب فعله بالتسويف، وهو عام في أمور الدُّنيا والدين، وهو مُصطلح قديم حديث، واصطلح على العجز حديثًا بمصطلح "اللافعليَّة"، أو "السلبية"، أو "التخلف""، ولكنَّنا نقابل خَلَلاً في التعامل مع العجز.

فمن الممكن أنْ يتعرَّض المؤمن لكسل عابر، أو عجز مؤقت، فيظل يُهوِّل من أمر العَجز، ويُلقي معاذيره بأنَّه لا يستطيع، وأن هذا الأمر فوق إمكانيته، حتى يتحوَّل العجز أو الكسل من عارض إلى مُزمن، والسبب هذا الإنسان الذي استسلم وأمرض نفسه بنفسه.

ومن سياسة التعامُل مع العجز أنْ يكون دون تهويل أو تهوين، "فالإفراط في الإحساس بالعجز ينشأ عنه تفريط في إزالة العجز"، أمَّا التهويل والتهوين، فلن يزيدا العجز إلا عجزًا، فعلاج العجز هو ترك العجز، ولا يكون هذا إلاَّ بالإرادة أو تقوية الإرادة.

وقوة الإرادة هي تهيُّؤ القلب بشدة وعزم لإحداث الفعل المقصود، أو عدم إحداثه، وأعظم من ضرب المثل في قوة الإرادة - بعد الأنبياء عليهم السلام - هم الصحابة - رضي الله عنهم - فكلُّ خير في الوجود لهم فيه السَّبق، ومن أعجب ما ذكر من قوة إرادتهم نَموذج زيد بن ثابت  ولندعه  يقص علينا خبره، قال : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنِّي أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا عليَّ أو أن ينقصوا، فتعلم السريانِيَّة))، قال: "فتعلمتها في سبعةَ عشر يومًا"، وانظر كيف استقبل زيدٌ  أَمْرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعلُّم هذه اللغة سبعةَ عشر يومًا قراءةً وكتابةً وتحدثًا، مع مراعاته لبيته وعبادته وتفقُّده لإخوانه... ولك أن تعلمَ - يا أحمد - أنَّ تعلمَ أي لغة في وقتنا الحاضر بطرق التدريس الحديثة والوسائل المعينة يستلزم على الأقل ثلاثة أشهر.

قاطعني أحمد قائلاً: ثلاثة أشهر نتعلم مستوًى واحدًا فقط، وليس الإحاطة بها كلها، قلت: نعم، لكنَّ زيدًا  أتقنَ اللغة في نصف شهر، إنَّها الإرادة ممزوجة بالإيمان، فزيد  لم يعتمد على إمكانيته الشخصية - وحسب - ولكن كان جُلُّ اعتماده على قوة الدَّفع الذاتية النَّاشئة عن مُحرك الإيمان، وعلى هذا الدَّرب سار نحو المعالي كلُّ الصالحين، فيُخبرنا ربُّنا عن دعائهم:

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]؛ أي: قدوة يُقتَدى بنا في الخير.

فهؤلاء لم يسألوا الله فقط أنْ يَجعلهم من المتَّقين، بل أنْ يَجعلهم قدوة وأئمة للمتقين، "وهذا مِمَّا جُبِلَ عليه الحر الكريم أن لا يقتنعَ من شرف الدُّنيا والآخرة بشيء مِمَّا انبسط له فيها مَن هم أسمى منه درجة أو أرفع مَنْزلة"، فيسمو هذا الخلق بصاحبه، فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور، "فهو الذي ينهض بالضَّعيف الذي يضطهد أو يُزدرى؛ إذ هو عزيز كريم، نعم يوردُ هذا الخلق صاحبَه مَوارد التَّعب والعناء، ولكنه التعبُ في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور"، "والناظر في أحداث التاريخ من لدن آدم - عليه السَّلام - إلى يومنا هذا، فإنه يجزم أنه لا مكانَ فيه للعاجز القابع، وأن الثقات العاملين في سباق وتنافس للوصول إلى الغاية العُليا، وهي رضا الله تعالى".

بل حتى على صعيدِ العمل الدُّنيوي المجرد، إذا صاحبَ هذا العمل إرادة وقوة، تتغيَّر كل الحسابات، "وهذه قصة لشاب غفا أثناء حصة الرياضيات، واستيقظ على صوت الجرس يعلن انتهاء الحصة، ونظر إلى السبورة، وقام بكتابة المسألتين الموجودَتَيْن فوقها، وقد افترض أنَّها الواجب المدرسي لهذا اليوم، فعاد إلى البيت، وأَخَذ يَجتهد طيلة النهار والليل لحلها، ولم يستطع الشابُّ حَلَّ أي منهما، إلاَّ أنَّه واصل المحاولة وبقوة لبقية الأسبوع، وفي نهاية الأمر حَلَّ إحداهما، وذهب بها إلى الفصل، فلما رآها المدرس، أصابه الذهول، فقد اتَّضحَ أنَّ المسألة التي قام بِحَلها كان يفترض عدم وجود حل لها، وكان المدرس قد كتبها على السبورة من باب تعريف الطُّلاب ببعض المسائل التي لم يتوصل أحدٌ إلى حَلِّها".

إنَّ هذه القصة تُوضِّح بصورة مباشرة أنَّ الإرادة القوية هي مِفتاح الوصول للمعالي، وهنا قال أحمد: وهل لقوة الإرادة كل هذه الأهمية؟ لم أكن أتوقع ذلك، فما ثمراتُها؟ أجبته: "قوة الإرادة - يا أحمد - تُيَسِّر الصِّعاب، وبها تتخطى المشاق، وتُعين على أشرف العبادات، وتُساعد على النَّجاح في سائر الأعمال، وتَصنع العظائم، وتبعد عن الفوضى، وتُؤدي إلى سُرعة إنجاز الأعمال، وتأخذ بصاحِبِها إلى القناعة وعدم الأسى على ما يفوت، ويَكْبَحُ قَويُّ الإرادة غضبَه، ويُسيطر عليه قويُّ الإرادة، ويُحسن استخدامَ طاقَتِه".

تدخَّل أحمد قائلاً: لكن أليس من الممكن على قويِّ الإرادة أنْ تُغويه نفسه، فتخذله، فماذا يفعل؟ وكيف يُداويها؟ قلت: النَّفس بطبعها فيها تَمرُّد وفيها إقدام وإحجام تلومك مرة، وتأمُرك بالسوء مَرَّات، قال: فما السبيل إذًا؟ قلت: يُحاورها، نعم يُحاورها كلما ضعفت إرادتُها، وصغرت همتها يُحاورها، فكلما "سكنت نفسه عن كلال السير، ومواصلة الشد والرحيل، وَعَدَها قُرْبَ التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاط وفَرحة وهمة، فهو يقول: يا نفس، أبشري فقد قَرُبَ المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول، فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإنْ صَبَرْتِ وواصلت السير، وصلت حميدة مسرورة، وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلاَّ صبرُ ساعة، فإنَّ الدُّنيا كلها ساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من دَرَجِ تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعي في المفازة فهو - والله - الهلاك والعطب، ولو كنت تعلمين فإنِ استصعبتِ عليه، فليذكرها بما أمامَها من أحبابِها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، فإن رجعت فإلى الأعداء رجوعها، وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها، فإنَّهم وراءها في الطَّلب، ولا بُدَّ لَهَا من قسم من هذه الأقسام الثلاثة، فلتختر أيُّها شاءت"، هكذا يا أحمد، تُخبرها وتشعرها بالخطر إذا رضيت بسلب الإرادة، وأظنها ستقنع بمواصلة السير نحو المعالي، قال أحمد: صدقت والله، ولكن هل يسير المرءُ نحو المعالي دون سابق ترتيب أو دون غاية واضحة؟ قلت: يا أحمد، طريق المعالي كله غايات عالية يَخدم بعضها بعضًا، وأعظم غاية هي رضا الربِّ - سبحانه وتعالى - وقد يغيبُ عن مرمى البصر بعضُ الأهداف، ويظهر البعضُ وقد نَهتم بهدف على حساب آخر، فلا بُدَّ مع قوة الإرادة وجود أهداف عالية واضحة، وحسن تعامل مع هذه الأهداف.

قال أحمد: إذًا لا بُدَّ أن تساعدني في تهديف سليم للحياة، وأن نرسم خطوات واضحة لها، فأجبته: نبدأ سويًّا إن شاء الله في إعادة هيكلة حياتنا، ونَفْضِ الغُبار عن أهدافنا، لكن اسمح لي أنْ يكونَ هذا ابتداء من الغد، قال: نلتقي - إن شاء الله - السلام عليكم، أجبته: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

قانون الهدف

سأل قطٌّ قطة: هل أخبرتِني بالطريق الذي أسلُكُه للخروج من هنا؟

فأجابت: دَعني أعرف أولاً إلى أين تريد الذَّهاب؟