- 2-
- تنظرين هكذا إلى السماء فلا ترين غير نجمة واحدة!
وابتعدت سميرا الشقيقة الصغرى لسلوى عن نافذ المطبخ، وقد أضاءت محياها ابتسامة غنية بنور البشر والطلاقة، ثم تعلقت بخصر نورا - والدتها - من الخلف وطوقته بذراعيها، وقد أسبلت جفنيها في غمضة نشوى وحنون، فأدارت نورا وجهها إليها وهى تنشج نشيجا بهيجا، وتنهنه من فرط السعادة وقالت:
- يا للسماء!.. ألم أقل لك أنه لولاك في هذا البيت يا سميرا لصارت الحياة صعيبة لا تطاق!
كانت الفتاه تشبة أمها إلى حد بعيد، فهى لها عينان ذهبيتان وثغر كريزى دقيق لا تفارقة الابتسامة لحظة.
ولو أن سلوى أسرعت خطاها إلى البيت قبل ذلك بدقائق، لرأت ان نورا كانت أول من استيقظ في منزل " آل البشبيشى "!، وعندئذ كان يمكنها أن تلاحظ أن والدتها تستهل يومها بالصلاة، ثم تسير نحو المطبخ في صمت وغبطة وهى تطرح شعرها الاثيث المرسل على ظهرها ذات اليمين وذات الشمال، في خفة ومرح تظهرها آنذاك أصغر سنا مما هي عليه بكثير، وربما إلى تلك النقطة يعزى اهتمامها السخى به - ولها في ذلك حق - فقد كان تقريبا العضو الظاهر الوحيد الذي قهر الهموم ومصاعب الحياة، واحتفظ لنفسه في النهاية بعنفوانه وحيويته.
وكان في إمكان سلوى ايضا (إن عادت قبل ذلك بدقائق) أن تلمح إنسلال شقيقتها إيمان البالغة من العمر سبعة عشر عاما إلى الخارج دون أن يشعر بها أحد، وهى ترتدى زى المدرسة التقليدى الرمادى اللون، بيد أنها ما كان في مكنتها أن تتكهن بما حمل أختها على الخروج في الصباح الباكر.
ثم كان في إمكانها كذلك، أن تشهد صحوة سميرا الرائعة وهى ترفع رأسها الصبوح إلى نورا وتقول شيئا يسعدها.
وهكذا كان في مقدورها أن ترى كل ما يجرى بعينيها في هدوء المتأمل، فيما عدا شيء واحد كانت ستقف أمامه - بلا شك - حائرة حانقة، ألا وهو استغراق الذكور في النعاس إلى وقت متأخر نسبيا، على عكس الإناث.. باستثناء أباها الذي كانت ستراه وقد إرتدى ملابسه كاملة، يصفق باب غرفته في الطابق العلوى في عنف، ثم يهبط الدرج في خطوات متباطئة متزنه، ذات دبيب خاص يميزها عما عداها من الخطوات.
ثم لو أنها نظرت إليه تفحصه (وما أكثر ما كانت تفعل ذلك) لرأت أنه يناهز - من الجائز - الخامسة والأربعين، رجل قوى البنية ضخم العنق رمادى العينين متورد الوجه بسبب وبدون سبب!
ولسمعت صوته الممتلئ المرنان يصيح صيحته المألوفة في كل صباح:
- يا أولاد! هل استيقظتم جميعا؟!
فتتعالى الأصوات الأنثوية الفتية الدافئة في كل مكان، كل تؤكد أنها استيقظت في ضجة كبيرة مبهجة، وإن كانت غير مفهومة إذ إنها تنطلق من مصادر عدة في آن واحد، وعندئذ وبسرعة ينقلب الرجل على نفسه مقهقها في غبطة وحبور، ويتناول غليونه ويدخن في دعة واسترخاء، ثم فجأة تبرق عيناه وقد اجتاحه غضب غيور، وكأنه تذكر شيئا هاما ويهتف ناظرا نحو حجرة الصبيان:
- أما من رجل غيرى استيقظ.. يا للعار!
وعلى الفور ترعد في أعقاب صوته الصيحات الخشنة المراهقة لكل من:
عماد الابن الأكبر الذي ورث عن أمه، قوام رشيق نحيل وخصلات غزيرة ناعمه من الشعر الفاجم، وعينان عسليتان.. وخالد الذي كان يشبه أباه في بنائه المتين وعظامه الصلبة، وهو أقصر قامة من عماد بحوالى نصف قدم، وأصغر منه بعامين، وله عين الأنف الأقنى المشرع إلى أعلا كأبيه، وبندقتان يتنازعهما لون رمادى مائل للإخضرار وآخر ذهبى مشوب بزرقة، في حدقتين وثابتين داخل فتحتين واسعتين قليلا، وجملة القول عن خالد أنه أكثر إخوته شبها بوالده، حتى في وجهه المتورد وابتسامته القاسية الساكنة.
وتكتمل الأسرة بطارق الصغير والمحبوب من الجميع، عندما يلتفون حول مائدة الافطار.. وهنا يدرك الأب تخلف بعض أبنائه، فتشيع في عينيه نظرة تساؤل، تقرأها نورا في بديهية لطول ما تكررت في الاصباح المتصرمة وتسرع فتغمغم:
- سلوى...
وكالعادة يقاطعها زوجها قائلا في سخريته اللاذعة، وكأنه كان ينتظر تلك الكلمة لينفجر:
- مع شروق الشمس.. أعرف.. أعرف!
ويخيم الصمت برهة، غير أنه يعود فيسأل (هذا الصباح) وهو يصرع بين أسنانه قطعة من الجبن:
- و.. إيمان!
ولا يكاد يستطرد في سؤاله الحرج، حتى تدلف إيمان إلى الداخل في عجلة تخفى بين طياتها قلقا خفيا، وبيدها حزمة من النباتات البرية، المكللة بأزاهير صفراء اللون.. وهنا فقط يتحول سؤاله المربد إلى شهقة مسرورة بما يرى:
- مرحى إيمان!.. ورود جميلة.. لمن؟
وتجيبه إيمان في صوت خفيض ينثنى على نبرة ولاء وخنوع، وهى تأخذ مكانها على المائدة:
- لقد كلفنى الأستاذ على حافظ مدرس النبات أن أجمع له باقة منها!
ويمضى فيسألها ثانية في صوت ثاقب ينطوى على نغمة خفية:
- للدراسة..؟!
وتفهم إيمان بغريزة الأنثى مغزى تلك الكلمة المقتضبة، والطريقة التي أخرجت بها فتحمر وجنتيها بحمرة الخفر، وتجيب بنفس الهدوء بعد صمت قصير:
- للدراسة!
كل ذلك كان ممكنا أن تراه سلوى التي دخلت في سكون بعد ذلك، دون أن تشعر أحدا بها، ثم جلست في المكان الخالي الوحيد، والتقت عيناها بأعينهم بغته، وقد أخذوا بهذا السكون الذي يشملها على غير عادتها، وحملقوا فيها وكأنهم يروها لأول مرة، أو كأنهم يبغون سؤالها " من أين هبطت بكل هذا الصمت الثقيل، أمن السقف"؟!
وتقطع نورا تيار النظرات المتشابك، حينما تهمس في أذن زوجها، بصوت مضطرب غير مسموع:
- انتبه إلى!.. لقد أوشك السمن أن ينتهي والسكر بقى منه كيلو على أحسن الفروض!
ولو لم يكن هذا كلاما جديا، لملأ الرجل الضيق، إذ كان لا يملك في تلك الآونة سوى قدرته الفطرية على الابتسام، رامقا زوجته الحيرى بنظرة طويلة مستبشرة ومشجعة!
***
كانت مائدة الإفطار تحتل منزلة رفيعه في قلب نورا.
فهي كما كانت تعتبرها دائما الوجبة الوحيدة التي تجمع شمل الأسرة حولها، في وقت يكون كل شيء فيه نظيفا، من الأثاث إلى الأشخاص، ولذا كانت تجود بأقصى ما في وسعها لتبدو دافئة شهية مرحة، وكانت تحرص على توفير هذا الثالوث حرصها على حياتها، لأنها (أيضا) الوجبة التي تسبق نهار طويل من الجهد والعمل.
وإذا كان من طباع بعض ربات البيوت في البلدة، أن يخصصن لكل فرد من أسرهن مقعدا معينا، يجلس عليه، تماديا في بث روح الاحترام والنظام بين الأبناء فإنه لم يكن من طباع نورا.
- " دعونا نقترب بمقاعدنا من بعضنا أكثر وأكثر.. على شان بالقرب نسمع كلامها!
وكان هذا الشعار البديع، الذي تلقيه الأم دوما بظهر الغيب، يتطلب أن يسألها أحد " كلام من؟! " وكان الأب على المائدة هو المرشح من قبلها دوما للسؤال، وهى لذلك كانت لاتنى تركز عليه نظراتها!، ولا أحد من الأبناء يدرى لم كان هو يتلكأ لإغاظتها! ربما على سبيل الدلال أو المداعبة.. لكنه كان في ذات الوقت حريصا على مشاعرها فلم يكن يطيل إلى حد يدفعها للتبرم أو الاحتجاج ويسرع متسائلا وهو يغمز لأبنائه بطرف عينه:
- كلام من؟!
وكانت هي تجيب توا وقد غمرها فرح طاغ كأنها تعلن بعد طول انتظار عن قدوم شخصية أسطورية بقولها:
- القلوب!
ويشعر الجميع أن الكلمة صعدت من أعماق أمهم، لتستقر في سويداء كل فرد منهم دفعة واحدة، ويخيم عليهم السكون ترقبا للعبارة التالية التي كان يحلو لها في أوقات السرور أن تضيفها قائلة:
- إلى أن تتراص الأكتاف وتتناغى!
التي كان للأب اعتراض تام عليها، على الرغم مما فيها من جمال، وحجته أن الناس ليسوا على درجة واحدة من التآخى وحسن الظن!.. وكانت هي في غير تلك الأوقات لا تمنعها لإغاظته بدورها! فضلا عن أنها كانت طريقتها المثلى الطبيعية التي تعبر بها عن حبها وعطفها كأم.. تقوله لأولادها.. ولصويحباتها.. وحتى للبائعات المتجولات.. وكان من أسباب سرورها النادرة، أن تحملق في شاب لا تراه إلا قليلا، وهو يقبض على يد زوجته إبان سيره في الشارع ، وتفخر به كأنه أحد أفراد أسرتها..
ولذا كانت كثيرا ما تعنف سلوى على ما أسمته بسذاجة وفتور الرابطة التي بينها وبين خطيبها ماجد قائلة لها " انها تعذبه في غير رأفه إذ تعامله كأنه مشروع حياة، هي المسئولة عن نجاحه..
وحينما أرسلت إليه تقول أنه من الأفضل له - ألا يطمع - قط في الإرتباط بها كشريكة حياة، بل إنه من الجور أن يجسر فيحلم بهذا - مجرد حلم - وهو بتلك الروح " الخرعة ".. التي لا هم لها إلا الجلوس على المقاهى وإطلاق الأشعار الأشد رخاوة، تجاهلتها تجاهلا تاما، ولم تحدثها يومين كاملين!
وفى هذا الصباح أخذ الجميع بصمت سلوى، الذي كان يضفى عليها صفات خارقة، إلا هي فقد كانت الوحيدة التي تدرى سرها المفقود لدى الجميع..
وشاءت أن تذكرها بشعارها، وتنبهها إلى أن صمتها هذا لا يرضيها فركزت النظر إلى عينيها وقالت:
- قلتها الف مرة من الجمال أن تتكاتفوا!.. ومن رجاحة العقل ألا تدمنوا مشاهدة قنوات الرأى الفضائية.. التي تساهم من حيث لا يقصد أحد في زيادة الغضب واليأس من الإصلاح بسبب كوارث نقص التكاتف!.. هذا الكلام لك بالذات ياسلوى.. حافظى على خطيبك.. غيرك من البنات بلغن سن الثلاثين ولم تتزوجن.. وهذه كارثة الكوارث!..
ولاحظت نورا أن صدى تلك الكلمات أحدث الأثر المطلوب في نفس سلوى وبقية الأبناء من توقفهم عن مضغ الطعام لحظات، ينصتون في اهتمام شديد وأعينهم تلتمع وشفاهم تنفرج عن ابتسامة آل البشبيشى الشهيرة، فغمر قلبها فيض من الرضى والسرور وتناست لبضع لحظات قلقها اليومى على مستقبلهم المعلق في ذاكرة الغيب..
ولم يكن الأب قد قال شيئا طوال هذا الوقت، فكان كل ما فعله أن إبتسم إبتسامته البراقة، ووضع مقدارا آخر من السكر في قدح الشاى، وارتشف منه بتلذذ، وهو يرقب وجه زوجته من مكانه المكين في نشوة طلية، ثم طفق يهمس إليها في خلسة، في مداعبة خافته متسترة، برهة إلتفت بعدها إلى أبنائه، بنظرة شملتهم جميعا، وغمغم في حب لم يكن يفارقه أبدا:
- كنت أقول الآن لماما ألا تصدعكم بنصائحها..
وأراد أن يقول " المضحكة " لكنه توقف لسبب ما وأضاف قائلا:
- المحترمة! قبل ذهابكم إلى المدرسة.. ذلك أن عصا المدرسين تنتظركم في تلهف شديد.. لتوجيه نصائح أشد حرارة لأردافكم..!
وضحك الأولاد من قوله هذا، وضحكت نورا كذلك وقد ألقت برأسها إلى الوراء تقرقر، بصوت عال كأنها تعلن خفة ظل زوجها إلى العالم بأسره.
ولما هدأت عاصفة الضحك، ورأت نورا أن أولادها قد سدوا غائله الجوع، شعرت أن عليها بطبيعة الحال أن تنبههم إلى أن الوقت قد حان لخروجهم، فعما قليل تدق نواقيس المدارس النحاسية الخضراء، في كل مكان.
وعندئذ.. قال عماد أكبر الأولاد لنفسة في توجس:
- أشعر أن شيئا ما.. غير عادى.. سيحدث لى هذا اليوم بعد كل هذا الضحك!
وألقى على الجميع تحية سريعة موجزة، ثم خرج ينهب الطريق.
وقال خالد وهو يصيح اثناء اندفاعه نحو الباب ليلحق به:
- لا يقلق بالكم على فإننى سأتأخر هذا اليوم إلى المساء.. بسبب بروفات حفل المدرسة السنوى!
فأسرعت نورا تسأله قبل أن يبتعد عن باب المنزل:
- والغذاء..؟!
فجاءها صوته حاسما وقاطعا:
- سأدبر أمره !
واستدارت تستقبل قبلة إبنتها سميرا في حرارة وحنو، وتحدثت معها ببضع كلمات وهى تردد:
- لقد أعطيت غمازات جميلة في وجنتيك يا غادتى الفاتنة..!
فهمهمت سميرا مازحة في صوت حلو:
- إنى أتنازل لك عنها إن كانت تعجبك!
وكان هذا الكلام أكبر من عمر الصغيرة، ذات الثمانية ربيعا فظهر على نورا الارتباك، وتبادلت مع فريد نظرات فضول، بدلا من أن تحدث كلماتها الأثر الخفيف المقصود، حتى أنها (سميرا) أوشكت أن تتصور، أنها أخطأت القول فهمت أن تعتذر، ولكن نورا تداركت الأمر، قبل أن يؤذى مشاعر إبنتها – الاثيرة لديها – فأخذت تحتضنها وتربت على ظهرها بلطف، ومرح لتدعم بالحدب ثقتها بنفسها، مما جعل سلوى تتمنى، لو أنها لم تكبر وبقيت صغيرة..!
أما إيمان فإنها عاشت تلك اللحظة الرائعة، وكل جوارحها تختلج، لدرجة أنها وجدت نفسها، بلا إرادة تتبادل القبلات مع أبويها، على الرغم من أنها لم تعتد في الغالب، أن تحييهما على طريقة شقيقتها الصغرى، ثم أمسكت بيدها البضة الصغيرة، وخرجتا معا إلى طريق واحد.
هذا كان صباحا هنيئا!
وقد ختمه فريد أبدع خاتمة حين مال على راحة نورا، وبدلا من أن يلثمها على طريقة الرجال المهذبين، الذين يشاهدهم في الأفلام والتمثيليات، كما توقعت لأول وهلة، باغتها بإفراغ كل ما في جيبة من نقود غير مبال بما قد تحتمه عليه الطوارئ، من ضرورة وجود ولو بعض عملات معدنية، علاجا لأى موقف فقد كانت سعادته بها وبأسرته، في ذاك الصباح أكبر من حرصه التقليدى، على توقع المفاجآت.. وسألته زوجته:
- ماذا حدث..؟
فأخبرها أن من واجبها أن تحافظ – كلما أمكن – على روح الهناءة والدفء في أرجاء البيت، وبالذات في الأيام الأخيرة من الشهر!، وكاد أن يبكى إنفعالا، فحدجته زوجته بنظرة دهشة مقلقة،وعادت تسأله:
- ماذا حدث..؟!
فأجابها قائلا ورجفة الانفعال في صوته:
- لن يعرف الجوع طريقة إلينا أبدا.. طالما أنك معنا بقلبك الكبير.. إن الله يضع في كل بيت يزدحم بالأطفال ملاكا حارسا.. وأنت ملاكنا الحارس..!
قال هذا ثم انطلق لتوه، يدب بأقدامه نحو الباب في همة ونشاط كبيرين، ولم تكن نورا قد إستعادت وعيها بنفسها تماما، حين توارى صوت أقدامه، وكانت قد تعودت كل صباح، أن تصيخ سمعها إليها، إلى أن يغيب عنها دبيبها المحبب إلى نفسها، ويتناهى بين آلاف بل ملايين الأقدام، التي تدك الثرى الصلد صباحا، في كل ربوع الأرض!