٤
كان السير جمس يناهز الخمسة والأربعين من عمره، وقد وخط الشيب عارضيه، ولكنه كان قوي البنية أحمر المحيا جامد الحركة حسن البزة، يتكلم بملء السكينة لا يتجاوز حدود الاحترام مع محدثيه.
فالتفت إلى الفتاة وقال: أسألك يا سيدتي في البدء أن تعذريني، ثم أرجوك أن تصغي إليَّ وأن تكوني صبورة فقد قلت لك من أنا، وإني لا أفعل غير ما يدعوني إليه الواجب فلا لوم عليَّ ولا تثريب.
إني يا سيدتي برحت لندرا مزودًا بأوامر قانونية لا بد لي من تنفيذها ولا أتجاوز حدود سلطتي في شيء.
فقالت له الفتاة، وقد عادت إليها بعض سكينتها: أرجوك أن توضح لي كل ما تقول.
– إني مستعد يا سيدتي للامتثال فسلي ما تشائين.
– لقد قلت لي: إنك مزود بتعليمات بشأني؟
– نعم يا سيدتي.
– من أعطاك تلك التعليمات أو الأوامر؟
– اللورد بالمير والدك النبيل.
– وما هي تلك الأوامر؟
– إنها قد تكون شديدة الوقع يا سيدتي، ولكن خطتك وسلوكك يعدلانها.
– كيف ذلك؟
– ذلك أن أباكي قد علم السبب الذي برحت من أجله لندرا وهو يريد أن تعودي إليها، بل إنه يريد أن لا يكون لك أدنى اتصال بأولئك الأشقياء الذين أتيت تبحثين عنهم في باريس.
– وبعد ذلك؟
– إن الأوامر التي جئت بها تتعلق بهذين الأمرين.
– وما هي هذه الأوامر؟
– إني أنفذت قسمًا منها، فذهبت إلى سفير إنكلترا في باريس وأطلعته على كتاب من أبيك، فساعدني رئيس البوليس، وحصلت منه على أمر بالقبض عليك.
فذعرت مس ألن وتراجعت إلى الوراء قائلة: إذًا أنت آتٍ للقبض عليَّ؟
– إن ذلك يتعلق بك يا سيدتي.
– كيف يتعلق بي؟
– لأن البرلمان تنتهي جلساته بعد أسبوعين فيتفرق أعضاؤه، ويستطيع أبوك عند ذلك مغادرة لندرا والبحث عن ابنته في باريس.
– ومن الآن إلى انتهاء الجلسات ماذا تصنع؟
– أخيرك بين أمرين وهما أن أضعك في أحد المستشفيات الخصوصية أو أن تبقي حرة في هذا المنزل بمراقبتي، فإذا وافقت على الاقتراح الثاني، أضطر إلى إبدال خدمك بغيرهم وأقيم في هذا المنزل مع زميل لي بحيث لا تستطيعين الخروج من المنزل، إلا إذا كنت مصحوبة بواحد منا.
ثم ابتسم وقال لها: أرجو أن لا يزعجك هذا الاقتراح؛ فإنك سوف تحمدين صحبتنا وستخرجين كل يوم متنزهة إلى الغابات، وإذا شئت ذهبنا بك إلى الملاعب وإلى كل مكان يحلو لك الذهاب إليه، كأنك حرة مطلقة ولا يعلم أحد من الناس أننا رقيبان عليك، ثم إنك تستطيعين أن تنفقي بملء السعة، فإن أباك اللورد مرسل إليك حوالة على بنك روتشيلد في باريس تقبضين منه كل ما تحتاجين إليه من النفقات.
قالت له بلهجة المتهكم: وإذا رفضت اقتراحك ماذا تصنع؟
– أضطر يا سيدتي مكرهًا آسفًا أن أذهب بك مع زميلي في هذه الليلة نفسها إلى مستشفى خاص حيث تراقبين فيه مراقبة خاصة.
وكان السير جمس يتكلم بلهجة تدل على ثباته، فما شكَّت أنه يفعل ما قال، ورأت من ملامحه أن إغوائه محال، وأنه لا يخل بالواجب الذي انتدب إليه.
ثم وازنت بين الويلين فرأت أن تختار أخفهما؛ فإنها إذا قامت في المستشفى تكون فيه أسيرة يصعب إفلاتها منه، وأما إذا بقيت في المنزل بمراقبة السير جمس بقي لها رجاء بالتملص بما تُهَيِّئُهُ لها الصدفة وذهنها المتوقد.
وعند ذلك تظاهرت أنها تفتكر وتتمعن ثم نظرت إليه وقالت له: حسنًا لقد رضيت باقتراحك.
ومنذ ذاك اليوم باتت معيشة مس ألن على ما وصفها الفتى البناء للحارس الجندي، فإن البوليسين باتا لا يفارقانها لحظة في النهار، فإذا أقبل الليل وضع أحدهما سريرًا عند باب غرفتها بحيث لا تستطيع الخروج من تلك الغرفة دون إيقاظه.
فكانت مس ألن تجهد الفكرة بإيجاد طريقة للخلاص، وقد ضيق عليها هذان الرقيبان كل التضييق، حتى أطلت يومًا من نافذتها وباغتت الفتى البناء وهو ينظر إليها نظرات الوله والهيام، فخطر لها أن تستخدم هذا الفتى في سبيل خلاصها.
وفي اليوم التالي ألقت إليه الرسالة من نافذتها وهي التي سقطت وراء الأخشاب والتقطها البوليس.
أما هذه الرسالة فقد كانت كما يأتي:
لدي مهمة عظيمة أحب أن أعهد إليك بها ويكون لك منها نفع عظيم إذا وفيت، فإذا قرأت هذه السطور فارفع نظرك إلى النافذة فإذا كنت راضيًا بخدمتي فارفع قبعتك مرتين متواليتين إشارة إلى قبولك وعند ذلك أرسل إليك تعليماتي.
واتفق لنكد طالعها أن السير جمس باغتها بنظره وهي ترمي الرسالة، فأسرع إلى المعمل واستولى عليها قبل أن يتمكن الفتى البناء من معرفة ما فيها.
وفي ذلك اليوم قال لها: إنك إذا عدت يا سيدتي إلى ما فعلته اليوم أضطر إلى نقلك إلى ذلك المستشفى الذي أنذرتك به.
ومنذ تلك الحادثة لم يؤذن لها أن تفتح نافذتها في النهار؛ أي حينما يكون البنائون في المعمل، فإذا اتفق أنها فتحتها تجد أن أحد البوليسين قد أسرع إليها ووقف بجانبها.
وكان من عادة البنائين أنهم يحضرون في الساعة السادسة صباحًا وينصرفون في الساعة السابعة مساء فيتولى الحارس الجندي عند انصرافهم حراسة المعمل، فلم يكن السير جمس يرتاب به؛ لأنه رأى أن الفتاة قد ألقت الرسالة إلى الفتى البناء.
ومر على ذلك ثمانية أيام إلى أن أرقت مس ألن ليلة وفتحت نافذتها عند الفجر فرأت ذلك البناء مقيمًا مع الحارس الجندي في المعمل.
وكان البنائون لم يحضروا بعد إلى المعمل والسير جمس لا يزال نائمًا لاعتقاده أن مس ألن نائمة في ذلك الحين، ولما رأت مس ألن ذلك الفتى ارتعشت وعاد إليها الرجاء بالنجاة، فأخذت من جيبها وانتزعت منه ورقة وكتبت عليها كتابة بمعنى الرسالة الأولى.
وقد استولى الفتى في هذه المرة على الرسالة، وكان يعرف القراءة، فلما أتم تلاوتها رفع قبعته مرتين متواليتين إشارة إلى القبول ودخلت مس ألن وأقفلت النافذة.