الفصل الثاني

9 0 00

الفصل الثاني

( بكاء منتصف الشتاء)

_ نحن الآن في منتصف كانون الثاني ، حيث نشهد شتاءً بارداً جداً لم يسبق لمدينتنا أن شهدت مثله ، البرد الذي جعل الظهور يختفي والوجود يغيب ، إذ أن القرفصة تتبعني في غدوي ورواحي ..مرفه كأنا يرى أن " القرفصة " الشعور الأسوأ على الإطلاق حالياً .. فقد قررت أن أهاجر مع الطيور إلى البلاد الدافئة ،ربما ليس بعيداً إلا أن الرغبة بالاستجمام تحث خطاي لأبعد موطأ إذا شئت ، عرضت على فارس أن يسافر معي لقضاء أسبوعين بالتمام والكمال خارج حدود الوطن ، فارس لم يتردد ولم يمنعه المنع نفسه ولا أي عارض للسفر معي ، لكن من امتنع ومنعه المنع.. ودون أن يبرر لي سبب امتناعه ساري !

ساري الذي أعده أقرب من الأخ وأقرب من أن يكون أخي فقط ، ساري الذي لا يمكن أن تشبه علاقتي معه أي علاقة أخرى ، أصدقاء حتى الدم .

الله ، أعطاني الذي لا استطيع أن أحصيه ، أعطاني نعماً جماً لكن النعمة التي جعلتني سابحاً نحو أفق الأمان والدفء نعمة وجود ساري معي .. يظن صاحبي هذا أنني في غنى عنه ! يظن أنه من السهل تكوين صداقات كصداقتي معه ..نحن لا نختار الأصدقاء ، الأصدقاء عطية من الكريم ، لا يخفى على عاقل أننا نختار أحياناً ، ولكن في عملية الاختيار نحن نواجه كل الاحتمالات ..قد ننسجم مع الشركاء الذين نختارهم وقد لا ننسجم .. قد نرتاح وقد لا نرتاح ..قد يفهموننا وقد نجد صعوبة في البوح لهم ..إلا أن "ساري" لم يكن اختياري ، كان اختيار الله لي .. لذا و على قدر الاختلاف الذي ينزعني أمامه من دائرة المفترض أرى أن علاقتنا متجانسة ومميزة ..الأرزاق التي تأتي من الله ..دائماً، تكون أفضل من اختياراتنا ، فقد يعجبك الارتباط بإمرأه اخترتها أنت من رفيع ذوقك ، وتكافح الأرض ومن عليها لكي تحوزها مهما كلف الثمن ، و يرى الله أنها لا تناسبك .. فينتهي كل الجهاد والإقسار الذي صنعته عمراً طويلاً منك ، بمصير لا يجمعك معها، لتكتشف بعد عمرٍ طويلٍ منك آخر أن اختيار الله أكثر جودة من اختيارك ، بل ليس هناك مجال للمقارنة .. يخصب تأملك ، تتمنى لو لم تعرف المرأه القديمة التي لم تصبح أماً لأطفالك ، تتمنى لو وثقت ، باختيار الله.

لمَا أن وصلت المطار الدولي حازماً أمتعتي أنا وفارس ،كانت السماء تمطر بغزارة ولهذا الحدث الإشكالي تم تأجيل رحلتنا إلى يومين من الآن ريثما تتحسن الظروف المناخية ، لم أجد بأساً في ما حصل فقد عددتها فرصة زخمة لدعوة ساري وبعض الأصحاب معنا ..أنا فتىً اجتماعي يسليني خوض المغامرات والسفر مع أكبر قدر ممكن من الأصدقاء .

- فارس : يا للخيبة ! ما حيلتنا الآن !

- جياد : على رسلك يا رجل ، لا مشكلة .. سندعُ بقية الصحب في اليومين المقبلين .

- فارس : أنت تعلم يا جياد أنَ غانم سافر قبلنا ، وتركي وساري رفضا بشدة ، أما سعد فقد تعذر ..لما نجبرهم على شيء لا يودونه.

- جياد : سنحاول للمرة الأخيرة ..

ساري قد أخبركم من أكون من وجهة نظره .. من منطلق تفكيره الذي يرى أني شخص سعيد في كل شيء ولا أحد يقدر أن ينغص علي صفو أيامي ، يجتاحني دائماً شعورٌ مر بأنه يكرهني لقَدري .

أدعى جياد .. في السنة الثانية من المرحلة الجامعية ، قائد للفريق الرياضي في حيينا ، ومؤخراً عينني والدي كمسؤول على بعض تجارته في إحدى الفروع بشركاته العقارية.. بشهادة الجميع أنا شخص ذكي جداً وبشوش جداً وقادر على مساعدة الآخرين واحتوائهم .. جداً .. وقد لا حظ بعض الأساتذة لي في الجامعة موهبتي الشديدة في حل مشاكل الآخرين ومساعدتهم، خصوصاً النفسية والأكاديمية ، لذا اقترح الأستاذ "بديع" مع الأستاذ "راشد" على مسؤولين عمادة شؤون الطلبة أن أكون أنا الطالب المرشح لمنصب "رئيس المستشارين الطلبة" في جامعتنا الضخمة ، يتم كل سنتين اختيار طالب أو طالبة من كل تخصص .. ما لا يتجاوز عشرة طلاب ، الأفضل بينهم بإجازة الأساتذة يعين لمنصب رئيس المستشارين الطلبة ، ويعين خمسة آخرين من الأعلى إلى الأدنى لمناصب أقل في نفس القسم ..ولأني الطالب الوحيد ومنذ السنة الأولى حتى الآن حصلت على سبع إجازات وتجاوزت الثلاثين ساعة المطلوبة فقد صرت أنا رئيس المستشارين .. وقد خصص لي مكتب استقبل فيه يومياً بعد انتهاء محاضراتي عشرات الطلبة والطالبات لأغراض الاستشارة ، من خلال هذه المهمة التطوعية نشأت بيني وبين بقية أعضاء فريق المستشارين الطلبة صداقات قوية .. فهم يرجعون إليَ للاستزادة وأنا المشير لهم بالبنان طبعا بما يفعلون .. مسؤولية القائد لم تكن بسيطة أبداً ، مهمتي وبقدرٍ كبير لم تكن الانشغال بهموم الطلاب ، بل إن كل مستشار يرجع إلى القائد وهو أنا بكل ما يقوم به ، فأنا كقائد .. يحتم عليَ الصبر ، الاحتواء والتفهم .. والاستعداد لكل أنواع المفاجئات والقصص الغريبة والواسطات.

فارس مساعدي المخلص في قسم الاستشارات ..غانم يتولى مهمة تحويل الاستشارات الإلكترونية وإرسالها لي .. وتركي الطالب المسؤول بإجازة الأساتذة على تنظيم النشاطات المختلفة في الجامعة ، أما فدوى فهي الإدارية المسؤولة عن تفقد صناديق الاقتراحات وبث الشكاوى والإتيان بالاستشارات إليَ من الطلبة بكل كلية .. وندى طالبة السنة الأولى السكرتيرة الدؤوبة واللطيفة للفريق ..إننا نعمل بآلية منسجمة على الإطلاق .

(جياد) (20)/ ( واثق ، قيادي ، أريحي ، متفهم ، متفائل) .

( فارس) (20) / ( هادئ ، بجانب جياد دائماً ، طيب ، متعاون ، كتوم).

(غانم) (19) / (مرح ، كسول ، طائش )

(تركي) (19)/ ( عاطفي ، خجول ، كئيب ، متردد )

(فدوى) (19) / ( مثابرة ، عقلانية، قوية ، دقيقة ،عصبية).

(لينا) (18)/ (لطيفة ، شاعرية ، هادئة ، خجوله).

( في المكتب)

- غانم : أيها القائد .. ثمة عطل في شبكة الإنترنيت .. أريد مفتاح الشبكة الاحتياطية لاستقبال الرسائل.

- جياد : أنا مشغول الآن أطلب من ندى أن تزودك بعنوان الخادم .

- فارس : تركي لا تبدو على ما يرام اليوم ! ما لقصة .

- تركي : الجو بارد جداً في الخارج ، والساعة الآن تقترب من الخامسة عصراً ونحن ما زلنا في الجامعة ، كم أود الخروج لتناول الغداء .

- فارس : أنا اتضور جوعاً أيضاً ، ولكن علينا أن ننتهي من عملنا أولاً.

- لينا : أين جياد ؟

- غانم : أنا جياد .. ماذا تريدين ؟

- لينا : غانم كفى .. أريد جياد .

- غانم : ابحثي عنه جيداً ستجدينه مصفوفاً بين الكتب .. لا تنسي أن تمسحي الغبار عليه .

- لينا (بضجر) : ألن تتوقف عن مزاحك !

- تركي : فعلاً أين جياد .. !

كنت وقتها قد خرجت من مكتبي إلى حديقة الجامعة ..تحديداً عندما بدأ المطر بالهطول أو بدأ المطر بالبكاء ، منذ صغري أقاطع كل الأحداث ، واهرب بي للوقوف تحت المطر .. كطفلٍ صغير لا يراه أحد ..امتزجت الأرض الخضراء مع الأزهار التي تزين حواف الحديقة برائحة الطين الشهية والدسمة .. رائحة الذكريات الهشة والألحان المتراقصة في ذاكرتي .. ياهه ! ، شكراً للذي منحني قدرة أن أشعر بما أشعر به الآن .. تمنيت وقتها لو يقف الزمن وأبقى ساكناً هنا صنماً إلا من الإحساس ، مبلل الشعر تحت المطر .. حتى البرد الذي كان يقرفصني ما عدتُ أحسه ..إن شعوري الآن فوق كل شعور ، يستحضرني السياب بأنشودة المطر .. أرددها بتمتمات هادئة " تثاءب المساء والغيوم ما تزال ، تسحُ ما تسحُ من دموعها الثقال .. مطر مطر مطر ، أتعلمين أي حزنٍ يبعث المطر ، وكيف تنشج الأضواء إذا انهمر ، وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع .."

فتحت حدقتا عيني باتساع العالم كله لأرى أمامي شاباً أسود الشعر يجلس على مصطبة ورائها نخلة شماء شهباء ، رأيت البلل يخرج من عينيه لا من السماء .. لم أشعر بالماء ينهمر من السماء .. للحظة .. ..كأنني أعرفه ! كأنه غارق !

اقتربت بخطواتٍ كهفة النسيم لا يكاد يحسها .. لأتأكد إن كان نفسه الذي في بالي ! فلم يبدو منه شيئاً لأنه كان مطأطأً برأسه ومحدودباً بأسى ..

- جياد : عفواً يا .. هل تبكي!

رفع رأسه ومال الماء من شعره المفلفل يداعبه ثم سقط على سترته ميتاً ، رفع رأسه للسماء ومطر الغمامة البخارية في بؤبؤه يتساقط ليفجع قلبي ! .. من .. ساري! ، كيف لك أن تبكي وأنا في نشوة الهيام بالمطر ! ..كيف للعالم أن يبكي ساري ! الأقرب لي من الأخ والأقرب من أن يكون لي أخا! وضعت يدي على كتفه النحيل وخاطبته بصوت منخفض .

- جياد : ما بك يا صديقي !

- ساري (بنبرة متقطعة وباكية): جياد لا أريد أن أراك .. كل مشاكلي بسببك أنت .

- جياد : بسببي أنا !

- ساري : ابتعد عني .. ألا تفهم!

- جياد : أتكرهني إلى هذه الدرجة ! لما لا تتوقف عن البكاء فأنت رجلٌ قوي وتركب معي بسيارتي لنذهب إلى المقهى الذي تحبه وأفهمك أكثر ؟ ها ما رأيك.

- ساري : يا إلهي كم تحاول أن تكون طبيعياً ! أخرج على حقيقتك يا ذا الوجهين.. أنت تريد أن يشمت بي العالم ..ليثنوا عليك ! أنت لست صديق أنت منافق معلومٌ نفاقه ! دعني وشأني .

هممتُ باللحاق بك بعد أن فررت لو لم تستوقفني لينا التي جاءت في غير وقتها لتعطيني بعض الأوراق ، تعساً لهذا الحظ ! فررت مني كالوميض ، و كأنك تود ذلك منذ وقت طويل ، تود أن تنتزع كل الماضي الذي ربطك بي .. انصرفتَ مسرعاً ..

.. وكنت أعرف طبع ساري بعمق ، أعرف أنه عندما تجتاحه نوبة الغضب والاكتئاب هذه فإنه لا يعي شيئاً حوله ، ولا يجنح للسلم مطلقاً .. فركبت سيارتي ولحقت به كي اطمئن عليه، اشتد المطر وضاق قرص الشمس حتى تلاشى .. كان الزحام شديداً وأصوات مزامير السيارات ورائي تصيبني بالشلل المؤقت ، كنتُ مشدوداً بشدة الشدة يا ساري ، حتى أني نسيت أني تركت بقية أعضاء الفريق يعملون في المكتب .

بعد عناء بحث طويل .. وجدتك أخيراً عند الشاطئ ، تتلاطم أمواجه مداً وجزرا .. المد والجزر ..ألا يوحيان إليك بشيء ! ألا يوحيان ولو قليلاً بالتضاد !

تحب الجلوس على رمال الشاطئ الصفراء بمفردك كلما ضاقت في عينيك الأرض ، تهب هارباً حتى تكون بمفردك ، تداعب يديك العاريتين حبات الرمال ثم تقبض عليها وكأنك تخنق ذهبيتها بيديك .

لا أدري أأقترب ..أم أراقبك فاطمئن أنك لن ترمي بنفسك بعمق البحر ثم أعود ..

رأيتني لما استدرت .. وخشيتُ أن تثور مجدداً علي .

- ساري: لماذا تصر على اللحاق بي ! هل نسيت محفظتك عندي !

- جياد : لأنك لم تكن على ما يرام اليوم ولم تأتي باكراً كعادتك للمحاضرة .. ورأيتك قبل قليل تبكي بمفردك!

- ساري : أنا لا أفهم .. أتحاول أن تقنعني أني مهم بالنسبة لك !

- جياد : ولماذا أقنعك بشيء موجود أساساً !

- ساري: جياد يجب أن لا نبقى أصدقاء ..أنت لديك الكثير الكثير من الأصدقاء والمحبين والمعارف ، لديك شخصيتك وروحك وجمالك ..لديك المال لتستمتع به قدر ما تود ، وأنا لا أملك أي شيء سوى واقعي ونفسي .. نحن لا نتفق ، لا يجب أن نكون أصدقاء لمجرد أننا ولدنا في نفس السنة ووالدتك كانت جارة وصديقة لوالدتي ..هل تفهم !

- جياد : لدي الكثير أجل .. ولكني لا أملك ساري غيرك!

- ساري (يبكي) : تباً ..أكره نفسي أكره تشاؤمي .

- جياد : الكثير يا صديقي من المحبين والأصدقاء والزملاء لم يكونوا قدراً يشبه هدية كأنت ، عد إلى منزلك فأنت متعب .. سأتصل بك عند العاشرة لأطمئن عليك .

- ساري : سأعود ..لكن .. لا تتصل .

- جياد : أأزعجك ؟

- ساري : إطلاقاً ، لكني أود أن اخسر أخوتك .

- جياد : كما تريد .. لكن أتمنى أن تغير رأيك وتنظم إلينا أنا وفارس وغانم .. سنستمتع بالسفر سوياً .

- ساري : لا أريد.

- جياد : سأتكفل بتذكرتك .

- ساري :هل تشفق علي ! ومن قال إنني احتاج المال منك!

- جياد : أنت معقد ..

غادرتَ وعدتُ إلى منزلي بعد أن تأكدت أنك عدت لمنزلك ..أعلم كم كنت متفاجأً لأني لم أمانع بأن " نخسر أخوتنا" كما رغبت ، لن أفرض نفسي عليك علاوةً على ذلك لقد قررت أن أريحك مني إن كنت سبباً في مشاكلك ، مع أني أجزم أن مشكلتك كانت منك ومن طريقة فهمك للمشكلة نفسها ..ولا شأن لي بها .

لن يغيب عن بالي ذلك الفجر البارد حتى يغيب الفجر من الأرض ، ما زال صوت الأذان ينادي في أذني ، كأنه يخصني بالنداء ، وكأن أذان الفجر رنَ من مسمعي لا من فاه المؤذن ، نسيم الفجر البارد الذي لطف الأجواء ، تتطاير الأوراق من على الغصون المتكسرة برقة وعذوبة ، ويهمس لي حفيف الشجر من حولي .. لا أفهم لغة الطبيعة إلا أنني أشعر بحيويتها في فترة السحر ، الطبيعة .. كما يبدو تصلي معنا كل يومٍ عند الثالثة صباحاً ، مسجد الحي الذي كان بمثابة الملتقى الاجتماعي بين أبناء الحي هو بدوره أهم مركز مهم بيني وبينك ، هو نقطة الالتقاء والتصافي .. النقطة التي لا نستطيع الهروب منها إلى قسوة الواقع .. إنها الراحة وأم الراحة وكل الراحة .. إن المسجد .. هو الطريق إلى الحياه .

تقابلتُ أنا وفارس وغانم وتركي في المسجد عند الفجر ، إذ أننا عقدنا اتفاقاً مسبق بأن نجتمع عند هذه النقطة لنصلي الفجر جماعة ، ثم نقصد المطار ونسافر مباشرةً إلى دبي ، أسبوعين للاستجمام ...

ما إن دخلتُ المسجد حتى دارت عيني تبحث عنك من بين المصلين ، و لم تبصر سوى تركي يجلس في زاوية المسجد يقرأ القرآن ، فتراجعت ولم أقبل عليه ، و خرجت إلى فناء الجامع لعلي ألمحك قادماً .. ولم أرى سوى ضباب وحلكة داكنة ، أكثر ما جعلني استغرب من ما حصل هو أنه ليس من عادتك أن لا تسبق المصلين برجلك إلى المسجد ، هذا ما يجعلني أغبضك كثيراً عليه يا ساري ، أنت ملتزم وإن لم يبدو ذلك ، وفي نظري أنك محظوظ جداً وتستحق الاحترام الجم ، أرى نفسي كلما تقاعست عن صلاة الفجر أو العشاء توبخني تلك الجملة القصيرة التي قلتها لي يوماً ، تستعنفني بحرص تلك العبارة التي قلتها لي يوماً : " بشر المشائين"

لم أكن ملماً بالدين كثيراً فلم أفهم ما قلته مع أنني "الذكي" كما ترى ، فعدت للبحث عن معنى هذه العبارة التي أثرت فيني وأعطتني طاقة الحرص على عدم تفويت الصلاة والتخطي للمسجد من أجلها ، رجعت إليها لأكتشف أنها من نص حديث نبوي للرسول صلى الله عليه وسلم " بشر المشائين بالظلمات بالنور التام يوم القيامة " ومذ ذلك اليوم وإلى الآن و أنا لم أفوت فرضاً في المسجد إلا لعارض .. لقد قررت أن أكون من المشائين ، بسببك يا ساري !

وأنا أصلي ، سمعت صوت باب المسجد يفتح فأحسست أنك قد أتيت .. بريهاتٍ مرت حتى انقضت الصلاة ، تحولقت في الوجوه كي ابحث عنك مجدداً ، ها أنت ذا على الطرف ، ألمح سواد هالتيك من بعيد .. يبدو أنك قد قضيت وقتاً بديعاً في السهر ! كنت تستغفر بأصابعك ، أقبلت نحوك ، لكنني ..خشيت كثيراً من ردة فعلك ولأول مرة ، ليس ضعفاً أمامك ، وإنما كان نتاج ما قلته لي عند الشاطئ " يجب أن لا تستمر أخوتنا " .

- جياد : ساري ، لما وصلت متأخراً اليوم!

- ساري : لا شأن لك .

- جياد : هل ستبقى تعاملني بهذه الديكتاتورية !

- ساري : أرجو لك أن تستمتع مع أصدقائك في دبي ، إنها فرصة لترتاح مني أسبوعين .

- جياد: هفف ، ليتك تنازلت عن كبريائك وانضممت معنا .

- ساري : لا !

- تركي : جياد لقد صعدنا إلى السيارة ، ألحق بسرعة بنا .

- جياد (لتركي) : حسناً يا شباب .

- جياد (لساري) : عزيزي ساري اهتم بنفسك ، سنبقى على تواصل إن شئت .

- ساري : يجب أن لا تستمر أخوتنا .

- جياد : لا تقلق لم أنس ما قلته ، لك ذلك ..أخوتنا لن تستمر لكن لا مانع أن نصير زملاء نكتفي بالاطمئنان على حال بعضنا البعض .

- ساري : وداعاً .

تظن أيها العنجهي ساري أنني لا أنزعج من ردود أفعالك المزاجية والمتكدسة باللوم بلا مدعاةٍ للوم علي هذه ، بلى إنها تمزقني من الداخل وصبري عليها ليس رضا عن معاملتك اللا تبريرية لشخصي ، لكنني أتحامل كثيراً ، أتغاظى مراراً ..أريدك أن تتغير ، لا أن تكرهني أكثر! فرصة غنيمة أن أغيب عن أنظارك مدة كهذه إنها لا تتكرر دائماً .. سأرى كيف هي الحياة من دوني عندك ! هل من السهل أن نخسر أخوتنا كما تخال !

أشرقت الشمس في عينيك ، تحديقة أمل وألم ، لطخة ضوء وظل يسطع على وجهك .. طارت الطائرة ، تحاول لمس قرص الشمس .. بلا نفع .. وأشرقت الأرض بنور ربها!

( في المطار) :

- الموظفة : تفضل ، موعد إقلاع الرحلة رقم مئة وثلاثة بعد نصف ساعة من الآن .. طاب وقتكم .

- جياد : شكراً يا آنسة .. جيد لدينا متسع .

- غانم : يا شباب لنذهب لأحد المقاهي القريبة من صالة الانتظار ، احتاج جرعة كبيرة من الكافيين .

- تركي : لا بأس ، أنا أيضاً ستخفف القهوة من صداع ركوب الطائرة.

القهوة ليست مجرد مشروب نشغف به ، ليست أساسية ..إلا أنها مهمة حتى النخاع..والسبب يعود لكونها الرابط المشترك بيني وبين جُلِ أصدقائي ، فرغم اختلاف أذواقنا نحن نتفق على هوس القهوة .. وعلى سبيل المثال كلما التقينا اجتمعنا على القهوة، حتى وإن كنا نتباين في انتقاء نوعيتها .. القهوة تجمعنا أكثر من أي شيء .

أنا مثلاً لا أقبل ضيافة بدون قهوة ، ولا استطيع أن أجلس في المكتب ساعات طوال بلا فنجانينِ بالقدر الأدنى منها ..فارس يشترط أن يقابلني مع قهوة ، والكل نفس الشيء مثله ، تفاصيل دقيقة أحياناً .. تبدو روتينية بحدة ، غير أنها تصنع ذكرى لا تنسى عندما ننفصل عن الأشخاص الذين ارتبطنا معهم بهذه التفاصيل ..

حتى الأماكن .. قد لا تعني لنا شيئاً إذا لم تكن مرفأً اصطدمت به أمواج مشاعرنا الهائجة مع أرواح ارتحنا لها وارتاحت إلينا .. وفي ذلك إشارة هامة نستجلبها من قمة بساطة الموضوع ..

نريد أن نتغير إلى الأفضل ..فلنربط تفاصيلنا الدقيقة مع أشخاص نحبهم .. سيكون لها نكهة أخرى ، كنكهة القهوة التي اشربها الآن .

- ( في المكتب) .

فدوى : صباح الخير ، هذا غريب لم يسجل أي تواجد لأي أحد من أعضاء الفريق اليوم!

لينا : بلغني أنهم مسافرون لقضاء عطلة قبل الامتحانات !

فدوى : يا إلهي لكم هذا خبر يشيظني .. أود أن أجمعهم وأضعهم في الخلاط ومن ثم أطحنهم جميعاً .. من سيتكفل بمراجعة كل هذه الملفات !

لينا : لما لا نخبر مسؤول الشؤون بالعمادة ..قد يعين متطوعين ليساعدوننا في العمل ريثما يعود المستجموّن من رحلتهم .

فدوى : هيا إذن ..

الساعة التاسعة صباحاً .. ذهبت بالفعل المستشارتان إلى مسؤول الشؤون الطلابية ، إلا أنهما تفاجأتا برفضه وغضبه الشديد منهما بلا مبرر ..

- رئيس الشؤون : لقد جاءني رئيس المستشارين جياد وطلب مني إجازة له وللبقية فلم أمانع .. لأن هذا الأسبوع أسبوع مراجعة ولم يتبقى شي على الامتحانات وهم مخيرون في المجيء أو المغادرة .

فدوى :ماذا عنا نحن يا أستاذ ! هل من العدل أن نتحمل عبئنا وعبئ دراستنا وعبئ أعمال الفريق بأكمله !

- رئيس الشؤون : لا ..تستطيعان فعل كل هذه المهام إلا مهمة رئيس المستشارين فهي لجياد فقط .

في الوقت الذي عادت فيه الفتاتان إلى المبنى خائبتين ..كان ساري متوجهاً إلى مكتب جياد .. جالساً على كرسيه ..يشرب القهوة!

أحستا بأحد .. فتحتا بترويٍ الباب ..

فدوى (بانفعال) : هيهه أنت! من تظن نفسك ! كيف لك أن تدخل المكتب وهو غير مخصص لك! ناهيك عن أنك تجلس على كرسي القائد ..وتشرب القهوة ، هل قال لك أحد إن مقهى المتطفلين هنا!

- ساري :آمم من أنتِ !

- فدوى :هذا الذي سأجنَ بسببه ! أنا التي يجب أن تسأل .

- لينا : فدوى هدئي من روعك سنتفاهم معه أفضل ... أظن أنك صديق جياد صحيح ؟ لقد رأيتك سابقاً معه!

- ساري (ببرود) :أجل أنا صديقه ..

- فدوى :هذا لا يغفر لك دخولك هنا بلا أذن .

- ساري : أتراكِ ستسمحين لي بالدخول لو استأذنت ! ها ! بالطبع لا ..إذن فاصمتي ودعيني أكمل قهوتي ولا تعكري علي استمتاعي ورفاهيتي بهذا المكتب الفاخر والأنيق.

- فدوى : أيها المريض ! أنت بلا شك مريض ! والتفاهم معك لا يجدي أبداً .

- ساري (بحدة) : احذرك ..من أن تتجاوزي حدودك ! فأنتِ لا تعرفين من أكون.

- فدوى : لا يهمني من تكون ولا يشرفني أن أعرف من أنت .

لينا (تصرخ) : كفى كفى .. ألن تتوقفا عن الشجار !

- ساري :هي التي لا تعرف كيف تتكلم مع أسيادها !

- فدوى : هههههههههه هل أقف أمام الملك دون علمي!

- لينا : ساري ، أرجوك لا تؤأخذها فهي انفعالية دائماً ..لما جئت إلى هنا .

- ساري: صديقي سافر اليوم ، ولم أذهب معه .. واختتمتُ محاضراتي كلها ..فقررت أن أتولى مهمة رئيس المستشارين اليوم بدلاً عنه .. هذه خدمة مجانية مني لأني أحبه .

- لينا : هذا رائع أخيراً وجدنا من سيساعدنا .. من لطفك ، كنا نبحث عن متطوعين ، سيكون جياد سعيداً جداً عندما يعلم بذلك .

- فدوى : هراء .. لن تستطيع فقد رفض المسؤول تعين أحد مكان القائد جياد .

- ساري : وأنا ارفض كلام المسؤول ..

- فدوى : كيف تجرأ ..!

- ساري : أنا الذي سيتحمل المسؤولية اليوم وكل يوم حتى يعود جياد ، لذا أرجوك لا تخافي لن تعاقبي بسببي.

- فدوى : الذي سيعاقب هو أنت!

- ساري (بتجاهل) : لينا أعطيني لائحة الطلاب الذين سيقصدون المكتب اليوم ورقم كل واحدٍ منهم .

أي غرابة فيك يا ساري .. هل أردت أن تجرب كم كان فرش كرسي القائد مريحاً أم أردت أن تتطوع اليوم عليه! .. هل أردت أن تشعر الجميع أنك رجل زمانك ، وأن شخصيتك قيادية وأنك عزيز جداً علي لدرجة توحي للآخرين أني قد عينتك مكاني! ..لقد بقيت حتى السابعة مساءً في الجو البارد هذا تعمل .. وتعمل ..حتى انصرفت فدوى ثم لينا ، وبقيت في مكتبي !

خذ مكتبي وخذ كل ما في مكتبي وخذ كل ما أملك ..أنت أغلى من أي شيء ، قطعاً وجزماً لن أغالي عليك َمكتب ..الجميع لا يعرفونك ، خرج الطلاب والطالبات من عندك يمتدحونك بألسنة الثناء ! يتكلمون عن إخلاصك لي ، لحبك للخير ..ظنناً منهم أنك "فاعل خير " كما يبدو . إلا أنني الوحيد الذي يعرف لما أتيت ..أردت أن تجرب شعوري كل يوم ، هذا كل ما في الأمر.

الأغرب ..أنك لم تخبرني يوماً برغبتك في الانضمام ولو بشكل رسمي إلى الفريق ، هل تكابر! أم ماذا!

وصلنا متعبين عند الثامنة مساءً إلى الاستراحة التي أجرناها بعد توجهنا من المطار إلى منزل وائل ، وهو عضو سابق في فرقة المستشارين متخرج حالياً ، دعانا لمنزله على الغداء .. وحيث أن لقيا الأصدقاء البعيدين إقليمياً عنا أمر مميز ، فإنه ليس غريباً أن نطيل المكوث عنده حتى الثامنة ..

عُدت إلى الاستراحة خائر القوى ، فأخذت حماماً دافئاً و قررت الخروج ..

- تركي : جياد ما الأمر لم لا تنظم إلينا ! أنت بمفردك مالذي يشغلك!

- جياد : لا شيء إطلاقاً ، أنا ذاهب لأتمشى قليلاً في الشارع الرئيسي.

لا أدري لما لم أشعر بأية رغبة في تبادل الضحكات والقهقهات مع أصدقائي ، ولا حتى السهر لمشاهدة الفلم معهم ، ارتديت سترتي الجلدية السوداء وخرجت إلى الممشى ..

رياح تلك الليلة كانت نشطة ، تتغزل بأمواج البحر عند الممشى فترتطم المياه بالسياج .. وتشتعل خواطري ، وأكثر خاطرة لم تغب عن ذهني في ذلك الوقت ، هي "ساري".

وجدت نفسي بلا تخطيط أتصل به ..مع أنه قال " لا تتصل بي ..يجب أن لا تستمر أخوتنا"! فلم يرد علي ، فقررت الاتصال عليه من رقم منزله .

(على الهاتف )

- سوار :مرحباً من معي ؟

- جياد : أهلاً ..أنا جياد .

- سوار (بتوتر) : أه أهلا ، بماذا أخدمك؟

- جياد : أتصل على ساري فلا يرد ! هل يمكن أن تعطيني إياه.

- سوار : في الواقع إنه ليس في المنزل .

- جياد: امم لا بأس ..شكراً

- سوار: عفواَ!

إنها أخت ساري ! هي نفسها الفتاة التي خافت مني عند السور ! حسناً ومالغريب في ذلك ؟ اندفعت للاتصال بنفس الرقم مرة أخرى وبكمية هائلة من اللاتخطيط .

- جياد : آسف يا آنسة ، ولكن هل يمكن أن تخبري ساري بأن يتصل بي عندما يعود؟

- سوار : لا استطيع ، سيغضب إذا علم أنك كشفت ما أخفاه عنك!

- جياد : أوبس كيف نسيت! شكراً على آية حال .

اندلعت شراره شديدة من قلبي بعد أن أغلقت الخط .. فتاة كهذه محجورة منذ وقت طويل عن العالم ، محجورة منذ وقت طويل عن خيالي الخصب ..أتراها تستطيع أن تسيطر على قلبي الذي عجزت أي فتاة أن تحركه ! ..ليس جموداً مني ولكنني لم أفكر يوماً بأن هناك من تستحق الحب! .. من تستحق قلبي ..أنا جياد الشخص الغير عادي ! كيف لمكالمة سريعة ورسمية كهذه أن تشغلني وتشعلني ! ولأنني حقاً لم أكن أريد أن أعطي موقفاً عادياً أكبر من حجمه ، فقد جمحت مخيلتي المكبوتة عن التفكير بها مجدداً ..وتناسيت أمرها وعدت إلى الاستراحة في وقت متأخر مع فارس الذي جاءني ليصحبني معه لإحدى صالات الألعاب .. عدنا لنرى الجميع نائمين ، وعلب العصير الفارغة وأكياس الشيبس المنكهه مرمية هنا وهناك ..

الصبيان أمرهم فوضوضى بينهم لأقصى حد ..لو رأت أمي طريقة نومهم وبعثرة مكانهم لمنعتني من الاحتكاك بهم ! ليس مبالغة ما أقوله ، لم أنساها حينما كانت تقول لي منذ صغري " إن أحداً إذا أراد أن يصل إليك ..فإنه يجب عليك أن يعرف أهلك وأصحابك ..هؤلاء وحدهم من يُعرفونك أمام الناس"

أمي ترى أن أصحابي هم أنا وأنا أفسر أصحابي .. وكلنا نؤثر في بعضنا ، وكلنا في بعضنا .