ــ 1 ــ
ـ واحد أحد!! الله أحد!!
بدأ صاحب البيدر يكيل الحنطة، مالئاً مكياله الخشبي واضعاً إياه في العدل.
ـ اثنين، يا موفي الدين، تابع بصوت أعلى وهو يمسح المد الخشبي الذي ربما استخدمه أبوه وجده مكيالاً للحنطة والشعير، ثم أفرغه في فم العدل الجائع.
ـ ثلاثة، يا مجير من الشماتة، نغّم الفلاح بلهجة حورانية سرعان ما عادت بعزيزٍ وهو يتربّع بجانب صبة الحنطة، إلى أولئك الفتيان البداة الذين جاؤوا، ذات يوم من صباه، بغاة طغاة يأمرون "املا العدول…. املا….".
وحين رفض أن يملأ العدول انهالوا عليه بالخيزرانات طامعين في أن ينهبوا حتى الثوب الذي يلبسه: "افسخ الثوب… ملعون الوالدين… افسخ الثوب"، ثم لم ينقذه من براثن الموت إلا ظهور الفارس الملثم الذي تكشف فيما بعد عن شمس، حبيبته….". إيه يا لتلك الأيام!! يا شهد العسل….!!".
وأطلق عزيز تنهيدة كادت تفضحه لولا أن كتمها آخر لحظة، فالرجال المتحلقون حول الصبة، بدافع الفضول من بعض والعمل من بعضهم الآخر كانوا لا يغفلون لحظة واحدة عن حركات التاجر الشامي، الذي يتكلم اللهجة البدوية مثلهم، ويتقن فن الأخذ والعطاء، ويأتيهم كل موسم لينقل حبوبهم إلى المدينة التي تلتهم كل شيء، ودائماً تلتهم كل شيء، سائلة: "هل من مزيد؟!"، اهراءات روما نفسها، سهول حوران، بكل غلالها لا تشبع المدينة، فأين تذهب بها يا ترى؟ في المواسم الخصبة وحين تجود السماء بالأمطار وتجود التربة بالغلال الوافرة يخشون أن تكسد غلالهم. لكن يأتي عزيز وأمثاله فلا يبقى منها شيء. عشرة جمال كانت تنيخ بجانب البيدر، تنتظر أن توضع على ظهورها الأحمال. عزيز يسمع بعضها يرغي بشيء من قلق، وهي تلتفت يمنة ويسرة كأنها ملت الانتظار، لكن بعضها يرقب كيل الحنطة وإملاء العدول مجتراً مافي جوفه بصمت الخضوع وسكينة التسليم.
اثنان من الفلاحين بدأا ينقلان العدل الذي امتلأ جانباً، الآخرون يشاركون بالكيل والعد، وكلهم مبتسمون متفائلون. على البيدر لا يجوز التشاؤم أو أصيب البيدر بالنحس وضربت الغلة. حسب الفلاحين التجار الذين يأتون من دمشق وليس في ذهنهم إلا أن يستغلوهم ويبتزوهم". المد بعشرين قرشاً"، يقول التاجر الذي لا يشبع وعلى الفلاح المسكين الذي قضى عاماً بطوله يفلح ويبذر، يحصد ويرجد، يدرس ويذري، أن يرضى بالعشرين قرشاً، فيربح التاجر بالمد الواحد أضعاف ما أعطاه للفلاح……
وحده عزيز الذي كانوا يعرفونه باسم "عزو" مختلف. هو لا يساوم ولا يريد أن يبتز، يقول لهم "المد بأربعين قرشاً"… بخمسين"… معنى ذلك أن سعره هكذا!!.. أربعون… خمسون قرشاً في سوق الحبوب في دمشق. منذ سبع سنوات كان قد جاء برفقة صبري البديوي سليل تجار الحبوب في ذلك المحل الواسع من سوق الميدان. صبري قال لهم إن أصله من عرب الرولا وإن صداقة حميمة تربطه به. تلك الصداقة جعلته شريكاً له وجوالاً يتحرك باسمه هنا وهناك من قرى حوران. بعدئذ بدأ يأتي بمفرده فارضاً على الناس احترامه، محيطاً نفسه بهالة من غموض، كاسباً ثقتهم شيئاً فشيئاً حتى صار الأثير لديهم لا يبيعون حبوبهم إلا له"… هذا العام المد بخمسين قرشاً".. بشرهم حين جاء أول مرة، وأشرقت وجوههم، فنصف ليرة للمد تعني لهم الكثير.
ـ صب الشاي لعمك عزو… صب الشاي… صاح الكيال بابنه الذي جاء بإبريق الشاي الكبير وحشد من الكؤوس، فيما توقف شبه لاهث عن كيل القمح..
ـ إن شا الله ماهو حلو؟ قال عزيز مبتسماً للولد الذي بدأ يصب الشاي.
ـ شاي حوراني وماهو حلو؟ تدخل أحد الحاضرين ملوحاً برأسه، فيما انفجر الكل ضاحكين.
عزو يحبها "اكرك عجم" ثقيلة مرة، هكذا قال لهم منذ أول مرة، ومنذ أول مرة خاب أمله ومايزال: "ايه" يتأوه دون صوت، وهو يتذكر كأس "الأكرك عجم"، الذي شربه ذات مرة في القلمون فكاد ينعقد له لسانه… كانوا إذ ذاك يستريحون: فوزي القاوقجي، سعيد العاص، وبعض القياديين في أحد بساتين قارة، وقد أعدوا القوة اللازمة لقطع الطريق على الفرنسيين الذاهبين بمصفحاتهم إلى دمشق.. كانت ثورة حماة قد وئدت في المهد، وكان عزيز قد أوصل "شمساً"، إلى أهلها في البادية حيث كان الأولاد قد سبقوها ثم عاد فالتحق بقائده. شهرين ظلوا متمترسين بجبال القلمون ومعاصيها، يناوشون الفرنساوي ويهاجمون مخافره وجنوده. كان سعيد العاص هو قائد المنطقة هناك وكانت مهمته قطع الطريق على قوات المستعمر وعزل دمشق عن حمص، فوجد فوزي القاوقجي في القلمون المكان المناسب للانتقام من عدو أجهض ثورته الواعدة في حماة.
كان تكتيكهم "اضرب واهرب"… " تفرقوا إذا اجتمع العدو وتجمعوا إذا افترق"…وكانت شعاب القلمون ووديانها، جرودها وصخورها، كفيلة بالتغطية والتمويه.
ضربات سريعة كانوا يضربون، هجمات مفاجئة وغارات من حيث لا يحتسب العدو، كانوا يغيرون، وكان لهب الثورة في جبل العرب يتراقص مضيئاً لهم حلكة الظلام. سلطان باشا في عرينه يكيل لهم الضربات، وثوار الغوطة يحيلون الغوطة إلى غابة للأسود.
"إيه!! حياك الله يا سعيد العاص، أيها القائد الفذ!!"رشف عزيز رشفة سريعة من كأس الشاي شديد الحلاوة خفيف النكهة، فعادت إلى ذاكرته نكهة ذلك الشاي الأكرك عجم الذي أوصى عليه سعيد العاص. هو أيضاً كان يحب ذلك النوع من الشاي: "يفتح المخ"، كان يقول: "يقبض على الأعصاب من جذورها، ثم يشدها فينبهها. "يومذاك كانوا بحاجة لكل مافيهم من أعصاب وتنبه…. كانوا يكمنون للقوة الفرنسية في ذلك البستان، وكان عليهم ألا يغفلوا لحظة واحدة، القوة قد تصل في أية لحظة… والمفاجأة يجب أن تكون كاملة….. كأساً كبيرة، كأسين، ثلاثاً شرب سعيد العاص، فهو يخشى حتى الاسترخاء…… عزيز شرب كأساً واحدة، وكانت كافية لأن يظل متنبهاً حتى مطلع الشمس. كان الشاي أكرك عجم حقيقياًـ طعمه مايزال تحت أضراسه حتى الليلة… حيث الناس غير الناس، والمكان غير المكان، والمناسبة غير المناسبة. عشرة عدول كان أبو دحدل قد ملأ، وكان لهاثه قد بدأ يعلو ووتيرة عمله قد خفت فانبرى أخوه يريحه.
فك أبو دحدل إناخته الأشبه بإناخة الإبل القريبة منه، ونفض شيئاً من الغبار عن ركبتيه وثيابه، ثم زحف على عجيزته باتجاه عزيز.
ـ أنا لم أتعب…ها!! خاطب أبو دحدل الجمع حوله وكأنما قرأ اتهاماً في أعينهم، هو الذي لا يرضاها واطئة أبداً. إذ رغم سنواته الخمسين كان الرجل يصر على أنه كالشباب قوة واقتدارا.
ـ البركة فيك أبا دحدل، خاطبه عزيز مربتاً كتفه، فالمختار الخمسيني، ذو النساء الثلاث والأولاد العشيرة الذين لا يعرف أسماء بعضهم، كان لطيف المعشر ودوداً، وكانت تربطهما علاقة حميمة عمرها سنوات…… ينزل عزيز في مضافته إذا جاء "الخربة"، ويستضيفه عزيز إذا جاء المختار دمشق…. أنت شباب دائم!! تابع بمسحة من هزل… فقد كان الرجل الخمسيني مايزال يلهث….
ـ غصباً عنك!! رد المختار بمسحة الهزل نفسها… فضحك الرجال المتحلقون وقد اعتادوا مزاح الصديقين… إي مالك علي يمين، شعرة واحدة ما تغيرت منذ عشرين سنة….
ـ وشواربك الّتي ابيضت مختار؟ ذقنك التي شابت؟ تدخل أحد الحضور ممن لم يكن يقل عن المختار ابيضاض شوارب وشيب ذقن…..
ـ الشيب صباغ خارجي يا رجل…. المهم هنا…. وهنا أيضاً، رد المختار وهو يشير إلى صدره ثم إلى ماتحت سرته.
ـ إذا كان قولك صحيحاً لماذا بدأت نسوتك يتهامسن أنك قصرت؟
ـ خسئن… أبو دحدل مايقصر أبداً… أنا مثل ماقال أخي عزو شباب دائم… أشعر الآن وكأني أهجم على القطار… أتذكر أبا شدهان؟
ـ أنا الذي يذكر… رد أبو شدهان الأكثر ابيضاض شوارب وشيب ذقن… يومذاك أشهد لله وبالله… كنت زين الشباب…. فحل الفحول…
القصة يعرفها عزيز، فقد رواها له أبو دحدل عشرات المرات…. لكن أحد الفتيان ممن لم يكن يعرفها أثير فضوله فهب حاثاً المختار.
ـ صحيح…عمي أبا دحدل!! ماذا فعلتم يومذاك؟
ـ هـ..هـ…هـ…ي…. هوهأ المختار ضاحكاً، ضارباً الهواء بيديه كلتيهما، نافخاً صدره وكأنه يريد عب ذلك الهواء كله… عينك ترانا ونحن نهجم على القطار…كأنه يوم الحشر… ياوليدي.. ألوف مؤلفة… بالعصي، بالمناجل، بأسياخ الحديد، بالحجارة، أوقفنا القطار، قتلنا جنود الفرنساوي… ذبحنا رئيس وزرائهم بطوله وعرضه، دعسنا وزراءه بأرجلنا… قتلنا الضباط…. معركة خربة غزالة…. أشهر معركة بثورة حوران، ماسمعت بها ياوليدي؟… طبعاً، كان الوليد قد سمع بها لكنه، ربما، كان بحاجة لبعض التفاصيل التي تنعش نفسه بما تنفحها من عزة وكبرياء…. فتلك الثورة حدثت حين كان هو نفسه في بطن أمه، ومذ ولد لم ترَ عينه سوى "الشيف" الفرنساوي و"الكابورال" السنغالي يجلدان أهل الخربة فلا يرفع واحدهم رأسه. "أين ذهب ذلك الزخم؟ أين وئدت تلك الحماسة التي ألهبت صدور الناس فانقضوا على قطار علاء الدين الدروبي يدمرون ويقتلون؟"..
ـ الناس نعَّجت، قال أبو شدهان وكأنما أدرك ماكان يعتمل في ذهن الفتى …. ماعاد أحد يحتد أو يثور….
ـ كأنهم عجّز هرمون، شباب هذا الجيل….. تابع آخر من الجيل نفسه وهو ينظر باتجاه اثنين أو ثلاثة من الجيل الأصغر سناً، كأنه ماعاد فيه شباب.
ـ لا، فيه شباب… احتج أحد أولئك الثلاثة، لكن مافيه أمل… هناك يأس كامل في قلوب الناس…. في كل مكان اليأس….
ـ صحيح… أخي عزو…. تدخل المختار شبه مقاطع، إيش يقولون بالشام عن هذا اليأس؟ أسبابه؟
ـ القسوة، البطش… أجاب عزيز بعد إطراقة وآهة، فقد أثار كلام الفتى في نفسه شجوناً وشجوناً….
ـ ماتعني عزو أفندي؟
ولم يملك عزو إلا أن ينكمش، فقد كان أكثر مايزعجه أن ينادوه بكلمة أفندي أو بيك… تلك الألقاب التي كان أهل الريف يطلقونها على كل من يجيئهم من المدينة… عشرات المرات توسل إليهم أن ينادوه باسمه مجرداً: "عزو"، "أبا العز"، "أبا الأخضر"، لكن عبثاً… يخرج له أحدهم على حين غرة ويفاجئه بهذا اللقب أو ذاك… بلع عزيز ريقه، بالعاً معه اللقب الذي وقف غصة في حلقه لحظات، ثم أجاب:
ـ تعلمون… ثورات عديدة قامت على فرنسا حين دخلت بلادنا… في جبال اللاذقية، في جبل الأربعين…. في دير الزور، في حماة، هنا في حوران، في جبل العرب… الغوطة، دمشق كلها كانت ثورات ترفض الاستعمار والانتداب… تنادي بالحرية والاستقلال… لكن كلها بطشت بها فرنسا، ضربتها بقسوة وجبروت… كم دمرت من أحياء!! حرقت من قرى، قتلت من أبرياء…… نسيتم حملة غاملان؟ ثلاثون ألف جندي هاجموا الجبل… حرقوا الأخضر واليابس… هذا البطش هو الذي أخاف الناس، زرع في نفوسهم اليأس….
ـ يعني…. الاستعمار باقٍ…. لا أمل؟ سأل أحد الشبان.
ـ يعني صخرة فرنسا على صدرنا ولن تتزحزح؟ سأل ثانٍ.
ـ أموالنا يأخذونها…. حبوبنا باسم الميرة يصادرونها…. أعراضنا ينتهكونها…….
هدر شاب ثالث.
ـ لا…لا… صاح المختار محتجاً مقاطعاً، لا تقلبوها سياسة…. ثم أردف بنبرة الهمس وهو يميل عليهم ميلة التآمر، هناك آذان صاغية تسترق السمع وأيدٍ… خطها حلو….
ـ ليسمعوا مايسمعون…. وليكتبوا مايكتبون…. لا يهمنا!!… قاطع الشاب الأول وقد ازداد حماسة. ليبلطوا البحر…
ـ لا… يا وليدي!!… سيبلطوننا نحن!! أنا مختار وأعرف جيداً ما في أدمغة الدرك وبواريدهم…
ثم أشار بيده إشارة الإطلاق، مطلقاً من بين شفتيه عدة أصوات مفاجئة:
طخ…طخ…طخ…
وساد الصمت… هنيهة من الزمن لا يكسره سوى صوت القمح يعبأ في المكيال ثم يفرغ في العدل، ورغاء بعير أو بعيرين ربما سئما القعود. كان القمر الذي مايزال هلالاً قد غاب في الأفق الغربي وكانت سماء الصيف مرصعة بالنجوم لألاءة تجذب إليها الأبصار… بصر عزيز ينتقل بين بنات نعش والغرار… نجوم الميزان ودرب التبان المبيض كطريق من ثلج…….
"أهي السماء نفسها التي رأيتها ليلة تل عرار؟"… ويمسح عزيز السماء من جنوبها إلى شمالها..
"وهذه النجوم، أهي النجوم ذاتها التي كنتُ أبثها شكواي، شكوى العاشق المحروم؟ أرسل مع أشعتها الرسائل إلى معشوقتي، شمس؟ "لكن الصمت المهيمن يعيده من جديد إلى الرجال من حوله يتأمل وجوههم… عيونهم… ثمة خوف…. خوف يراه حيثما يذهب… في دمشق، حماة، أم العيون، ثمة خوف يصل حد الرعب من مستعمر طاغٍ باغٍ لا يعرف قلبه الرحمة… حسن الخراط الذي ذبحوه ومثلوا في جسده، أحمد مريود الذي حوصر في جباتا ثم قتل ومن معه عن بكرة أبيهم، سلطان الأطرش الذي حُشِر في الزاوية بعد أن ذبح من ذبح من رجاله، وسيق من سيق إلى السجن، ولم يفلت هو نفسه من الأنشوطة إلا بشق النفس……
كل ذلك جعل الناس تستكين"… وكيف لا يحتج ذلك الشاب ويثور؟ لم لا تغلي الدماء في عروقه وتفور؟ ذلك من حقه… لكن هل من حقي أنا أن أطمئنه؟ هل من حقي أن أعلنها صريحة: لا تخف… الشعب لم ولن يستكين؟ أنا مثلاً لم أستكن… مازلت…".
فجأة ينقطع الصمت وتنقطع معه سلسلة أفكاره…. أخو المختار يعلن إنهاء المهمة بصوت جهوري.
ـ ثلاثة وثلاثون!! البركة كلها يا حنون!!
ـ أعطاك الله العافية!! هب المختار هاتفاً بأخيه متفحصاً صبة الحنطة التي مسحت عن وجه الأرض حتى غدت أثراً بعد عين….
ـ سلمت يداك، أردف عزيز وهو ينهض من مكانه، متجهاً إلى حيث كانت تنتصب العدول بين صبة القمح التي اختفت والإبل التي كانت تجتر وترغي….
ـ ابدؤوا التحميل، قال المختار مخاطباً أصحاب الجمال الذين كانوا يسترخون بجانب جمالهم، هيا…
ـ الكل هنا؟ تدخل عزيز وقد لفت نظره غياب أحدهم.
ـ عواد!!.. رد أحد الجمالين بشيء من غمز فيما شرع صحبه بتحميل جمالهم…
"هذا العواد العاشق لا يأتي إلى الخربة إلا وينسل خلسة ليغيب ساعة أو ساعتين..".
….. وتبسم عزيز في سره وهو يشيح بناظره عن الجمالين، متطلعاً إلى القرية الملتفة بطيلسانها الأسود تاركة فتحة هنا، وفتحة هناك لمصابيح ذابلة شاحبة أشبه بحبابات تنبثق هنا وهناك…"، في أي وكر حبابة، أنت يا عواد..؟ "كان عزيز قد حاول أكثر من مرة أن يسأل ذلك الفتى الذي لم يجتز سن المراهقة بعد عن الفتاة التي سحرت لبه إلى درجة تجعله يهرب إليها تحت جنح الظلام وفي كل فرصة تسنح له، لكن عبثاً…. كان الفتى يخشى على محبوبته افتضاح السر فحرم على لسانه حتى ذكر اسمها "حسبي أن أتنسم شميمها".. كان يقول لعزيز كلما سأله عنها: "أهو شميم العرار في نجد؟" يسأله عزيز ويضحك فيتمتم الفتى: "بل هو الخزامى، هو النرجس، هو الياسمين"، ولا يملك عزيز إلا أن يبارك ذلك العشق الذي يسمو إلى مرتبة عبق الخزامى، وأريج الياسمين.
ـ الله لا كان جابك… أين كنت؟ قال أحدهم في الطرف القصي للجمال… التفت عزيز فرأى على قبس النجوم المتلألئة شبح عواد وهو ينسل مسرعاً إلى بعيره، مسكتاً صاحبه بإشارة سريعة من يده وهمسة خافتة من شفتيه:
ـ اسكت… اسكت…
ومن جديد، تبسم عزيز وهو ينظر إلى الفتى الذي أسرع إلى أقرب عدل يحمله مع فتى آخر ربما كان يبحث عن شريك. هم عزيز بالتوجه نحوه، يمازحه ويسائله، لكن شبحاً آخر كان مايزال بعيداً في الجهة الأخرى شده إليه. شبح ذئب كان يعرفه جيداً… مشية الذئب تلك لا يخطئها…. انطلاقة سريعة، بضع خطوات، ثم توقف وتفحص… تأكد من سلامة المكان، ثم اندفاعة جديدة… "هو ذا البطحيش" قرر عزيز ثم شرع يتحرك صوبه.
عزيز لا يدرك ما اسمه الحقيقي، بل لا أحد يدري ما اسمه، الكل يعرفونه بلقبه "البطحيش"، تلك الكلمة التي ربما تجمع كلمتين: "بطح" و"طحش"، وكلتاهما تدل على القوة والقدرة والفتك…"البطحيش"، بالحقيقة، هو هذا كله، يبطح كل مستعمر يجده في طريقه ويطحش كل عدو يلتقيه… ليس علانية أو نهاراً بل خفية وتحت ستر الظلام.
ألم تقل الشاعرة الأندلسية: "فإني رأيت الليل أكتم للسر؟ "هكذا يفعل البطحيش، ينتقل من قرية إلى قرية في حوران…. ومن ضيعة إلى أخرى كي يهاجم دورية أو يغير على مخفر أو ينصب كميناً لعسكري فرنسي…
ـ مرحباً، صديقي، بادره البطحيش وقد وصل إليه عزيز في الطرف القصي للبيدر….
ـ مرحباً يا بطحيش… ما الذي جاء بك؟ سأله عزيز وهو يختلس النظر إلى الوراء، ربما خشية أن يكون قد لحظه أحد.
ـ "الليوتنان" هناك… رد البطحيش بنبرة الهمس ذاتها، واختلاس النظر ذاته، مشيراً إلى جهة محددة في القرية.
ـ والظروف؟
ـ كلها مؤاتية، أجاب البطحيش بنبرة المطمئن، درت حول البيت ثلاث مرات… معه سائقه فقط، ينام على مقود السيارة، وهو القذر الحقير ـ في الداخل…
وكز عزيز على شفته: "لا شك أن الفتى كان يعنيه، ذلك "الليوتنان" القذر، حين قال: "ينتهكون أعراضنا".. تمتم عزيز دون إفصاح، وهو يتفكر مطرقاً في أمر "الليوتنان بورجيه" الذي ما فتئ يعهِّر نساء القرية واحدة بعد الأخرى، و"دنيا" التي يسهر عندها الليلة إنما كانت زوجة هنية وفية، لكن على وجهها "لحسة لبن"، ولهذا السبب، ربما، لفتت نظر "الليوتنان"، فجاء بزوجها إلى الثكنة يشتغل في المطبخ نهاراً حيناً، وليلاً أكثر الأحيان، فيما هو يفرض نفسه على امرأته ويحتل فراشه…
ـ انتظرني عند البئر… بعد ساعة… همس عزيز لصديقه ثم دار على عقبيه، متمشياً على مهل وكأنما هو عائد من قضاء حاجة.
"هيلا… هيلا..
يا نشامى شيلوا الشيلة"..
كان الفتية، وهم يحمِّلون الجمال عدول الحنطة، ينشدون بتناسق وتناغم جعلا قدمي عزيز تتسمران وعينيه تنشدان إلى حشد النحل المتحرك بطنين موسيقي موقع. وعلى ضوء النجوم بدا المشهد لعزيز فاتناً يأسر القلوب.." هؤلاء المساكين شبه الجياع، شبه الحفاة العراة يعملون بكل همة ونشاط، بل إنهم يغنون ويهزجون!! كم هو جبار، الإنسان!!.. من قلب البؤس يصنع السعادة، ومن فكي الحزن يستل الابتسامة!!"…
"والجمل غضبان هايج…… يا ويله اللي يقرب ويله…
هيله…. هيلة…
يا نشامى شيلوا الشيلة"….
كانت خلية النحل تصدر طنينها المموسق، حاملة العدول، رابطة واحدها إلى هذا الجانب أو ذاك من بعير يرغي احتجاجاً على حمل سيوقر ظهره، أو ينظر إلى الرجال مجتراً وقد أسلم أمره لله!! فيما المختار يغدو هنا، يروح هناك، يحمس الشبان، يبدي الملاحظات أو يلقي الأوامر، فخطأ واحد في التحميل قد يؤدي إلى سقوط عدل وإعاقة حركة القافلة كلها.
ـ هيا يا شباب… حيا الله الشباب!! بادرهم عزيز من جديد، وهو يقترب ، حاثاً مشجعاً. فالقافلة يجب أن تنطلق بأسرع وقت. لكنه مع كلمة "شباب"، أحس بشيء كالوخزة في قلبه. كان قبل سنتين قد رأى أول شعرة بيضاء في مفرقه، حسب بطرفة عين سنوات عمره، فأدرك أنه بلغ الذروة، هناك حيث يتبدل خط الانحدار ويبدأ المرء بالهبوط بعد أن كان في صعود. حينذاك أحس بغصة…".، "الأربعون…!! الله كيف مضت تلك الأربعون!!" ومرقت في ذهنه صور: اشتباكات، مغامرات، معارك!! ثم مرق عثمانيون وأبو شعيب، فرنسيون وغورو، ثورات وحروب، وهاهو ذا الآن يتحول إلى تاجر حبوب يجوب حوران وينقل حنطتها وشعيرها إلى المدينة.. تجارته مربحة ولاشك، شراكته مع رئيسه القديم اليوزباشي صبري توفر له الراحة والطمأنينة، لكن أهذا ماكان يبتغيه عزيز؟.. كثيراً ماكان يسأل نفسه وكثيراً ماكان يرتد على عقبيه. "ليس للتجارة خلق عزيز….. وليس بأعمال كهذه يجد نفسه عزيز…."، لكن ما إن التقى بالبطحيش حتى شعر أنه وجد نفسه.
هيله…. هيلة…
يا نشامى شيلوا الشيلة"….
جاءت النغمة مختلفة هذه المرة، فتنبه عزيز إلى الرجال وهم يشدون آخر العدول إلى جمال ثلاثة بينها جمل عواد، فيما عواد يشد باستغراق تام الحبل حول سنام جمله ثم ينزل به خلف قائمتيه الأماميتين وتحت بطنه. "كم هو نشيط هذا الفتى؟" جمجم عزيز وهو يرقب الفتى الطويل الناحل، جلداً على عظم"، أهو الفقر وسوء التغذية، أم التعب والإجهاد؟ "إذ ما إن تفتح المدرسة أبوابها في الأول من تشرين حتى يسارع عواد إليها، ينكب على كتبه ودفاتره يجد ويجتهد، ثمانية أشهر حتى يحصل على درجة متفوقة في سلم الناجحين.. هو في الصف الحادي عشر…. يحفظ الأشعار، يعرف التاريخ والجغرافية، الفلسفة والمنطق، الحساب والجبر… مثله مثل الأخضر… هما في صف واحد… يراه عزيز فيتذكر ابنه…. كلاهما يحب الدرس، يطمح لأن يكون شيئاً في عالم العلم والمعرفة، لكن ابنه لا يحتاج لأن يكد ويكدح طوال الصيف. الأخضر في غنى عن هذا كله… أبوه يعمل، يوفر له المال لكي يعيش ويدرس، لكن من يوفره لعواد؟ عواد يعلم ذلك، لهذا ما إن تغلق المدرسة أبوابها حتى يسعى في مناكبها… غلال حوران تنتقل إلى خارج حوران، والجمال واسطة النقل.
لدى عواد جمل فتي قوي… إذن لماذا لا يعمل؟ شهرين أو ثلاثة، يظل عواد يعمل جمالاً، راجداً الزرع من الحقول إلى البيادر، ثم ناقلاً الغلال من البيادر إلى دمشق…. منذ سنتين عرفه عزيز وهاهو ذا الموسم الثالث يبدأ معه… فتى ذكي نشيط صاحب دعابة…….شجاع، لطالما دخل قلب عزيز بقصصه ودعاباته.
ـ نمشي، عزو أفندي؟ فاجأه رئيس الجمالة، وقد جاء من خلف واللهاث مازال في فمه.
ـ توكلوا على الله، رد عزيز بنبرة من فرح وقد بات باستطاعته أن يبدأ العودة إلى دمشق.
ـ هـ…ى!! هـ…ى!! يالله يا رجال!!
ـ هيـ…يتج…. هيـ…يتج هيا…. انهض… راحت أصوات الرجال تتعالى حاضة جمالها على الهبوب من إناختها الطويلة والجمال يتلكأ بعضها وينهض بعضها الآخر لكنها كلها ترغي وتزبد وكأنها تحتج على ما حملوها من أثقال.
ـ تعرفون الطريق، امضوا على بركة الله ولا تزعجوا الجمال/ تابع عزيز، وقد نهضت الجمال، معطياً تعليماته لرئيس القافلة، على مهل!! تصلون بإذن الله ظهر الغد!!
ـ ألن تأتي معنا!؟ تساءل رئيس القافلة بشيء من استغراب..
ـ بل قد أسبقكم! … قال عزيز، وهو يشعر أن عليه أن يفسر، حصاني في إسطبل المختار. رئيس القافلة يعلم أن حصانه في إسطبل المختار، لكنه لا يعلم أن هناك مهمة أخرى ورجلاً آخر في انتظاره ربما يؤخرانه بعض الحين.
ـ هيا بنا!!… قال له أبو دحدل وهو يمسك بيده، متجهاً صوب القرية.
في المضافة، وجدوا طعام العشاء جاهزاً. أم دحدل تعلم أن سفرتها يجب أن تكون غبّ الطلب دائماً، يحضر الضيف، يقدم له الطعام في الحال، فكيف إذا كان الضيف قد حضر منذ العصر؟
لقيمات سريعة تناول عزيز، غسل يديه، دفع ثمن القمح، ثم ودع الرجال على عجل وامتطى حصانه على عجل، عله يصل في موعده المحدد مع البطحيش.
قبل أربعة مواسم، وفي ليلة صيفية كليلته تلك، كان عزيز يسير بقافلة إبله إلى دمشق. لم يكن هناك قمر، النجوم وحدها كانت تتلامع في قبة السماء، قبس من ذلك اللمعان كان يصل إلى الأرض، فتتسع أحداق البشر والبهائم لتصنع منه نوراً يضيء لها طريقها. عزيز يذكر كيف استطاع في تلك الليلة أن يرى على ضوء ذلك القبس جسداً ممدداً على الأرض، حسبه في البداية جثة هامدة. فهو بلا نأمة، بلا حركة، لكنه ما إن انكب عليه يتفحصه حتى لفحته أنفاسه الحارة ونبضات كانت ماتزال تروح وتجيء في سكة أقفرها الجدب وعلاها الرمل والغبار. "من أنت؟! ماذا بك؟!.. انهض يارجل".. هتف به ورجال قافلته يتحلقون حولـه، لكن الرجل كان أشبه بجثة هامدة…. تلمسوه، تفحصوه فإذا بالرجل جراح ودماء، ربما لم يبق في عروقه منها إلا الذماء.. حمله عزيز عن الأرض، وضعه على ظهر حصانه ثم أسرع به إلى أقرب قرية. في الشيخ مسكين كان له صاحب. أوعز للقافلة أن تتابع مسيرها ومضى هو إلى صاحبه. هناك أسعفا الرجل. فحكيم القرية العربي كان يعلم كيف يعالج الجروح، يستخدم الكي والمراهم ويوقظ المغشي عليهم من غشيتهم، أراد عزيز أن يأخذه معه إلى دمشق لكن الجريح أبى".. رأسي مطلوب، وإن رأوني في الشارع عرفوني".. ومكث الرجل في "الشيخ مسكين"، يعالج من رصاصتين خرقتا جسده… الأولى في الكتف والثانية في الخاصرة. ولم يكن عزيز بحاجة لأن يسأله".
كيف، أين، متى؟ "ففي بيت "الشيخ مسكين" عرف عزيز أن الرجل مشهور في حوران، يعرفه القاصي والداني، مقارعته للمستعمر حديث الناس جميعاً، روى له صاحبه من قبل الكثير عن قصصه تلك: هجوم على مخفر، كمين لدورية، اعتراض لقافلة عسكر، بل ذات مرة دخل البطحيش مخدع قائد المعسكر نفسه كما تدخل الأشباح. انتشله من بين ذراعي امرأته، واضعاً رأس الخنجر بين عينيه قائلاً له: "كي تعلم أن باستطاعتي أن أصل إليك أينما كنت، فكف عن ظلمك للناس، أوقف نذالاتك وسفالاتك أو ذبحتك بهذا الخنجر ذبح النعاج"… وكما دخل شبحاً، خرج شبحاً وعينا القائد الفرنسي جاحظتان، شفتاه راعشتان، أسنانه تصطك ولسانه منعقد لا يستطيع النطق، فيما امرأته تمثال من ثلج لا يعرف الصراخ.
تلك القصة أثارت إعجاب عزيز أيما إثارة فانكب على الجريح يلثمه ويشد على يديه…….ومن بين اللثم والشد خرجت كلمات كانت ميثاق صداقة وحب، مهره كلاهما بخاتمه.
ثمانية وأربعين يوماً ظل البطحيش مختفياً في بيت "الشيخ مسكين"، إلى أن استعاد عافيته، قافلة الجمال تروح وتغدو، عزيز في ذهابه وإيابه يمر به، يقضي معه الساعتين أو الثلاث، يزوده بكل ما يحتاج، يستمع إلى قصصه، يروي له قصصه، لقد كان عزيز بأمس الحاجة لرجل كالبطحيش، خمس سنوات كانت قد مضت عليه لم يشم فيها رائحة بارود ولا دخان معركة.
كان البطش الشديد والخسائر الكبيرة في الممتلكات والأرواح قد بثا الرعب في القلوب إلى درجة خرست معها الألسن وشلت الأيدي، فلا عصيان، ولا تمرداً… بل لا رأساً يرفع ولا صوتاً يسمع… وكان ذلك يحز في نفس عزيز… هو مستكين…. في محله في الميدان يعمل بصمت، في أزقة الميدان يسير وكل من حولـه يهمس، "امش الحائط، الحائط، وقل يارب الستر"، لكن في أعماقه كان ثمة بركان…. "هذا الخضوع، هذا الخنوع، إلامَ يستمر؟.. يجب أن تتحرك عزيز".. ، لكن كيف يتحرك والكل جمود؟ كيف يتحرك والأعين مصوبة عليه، والآذان موجهة إليه، هو الغريب عن الميدان، الوافد من مكان غامض وزمان غامض؟
صبري البديوي يشكل غطاءه، يخرس عنه الألسنة… فكيف يثير عليه تلك الألسنة؟ هو هارب من الفرنساوي…. مبتعد عن حماة، عن أم العيون، بل حتى عن الشيخ نواف والبادية، فكيف ينبه عليه الفرنساوي؟ اسمه غيّره، ثوبه بدلّه، بل حتى صنعته، علاقاته جددها كلها وقد عقد العزم على أن يخفي ماضيه كله، فلا يأخذه الفرنساوي بذلك الماضي.
لكن، ما إن عرف عزيز البطحيش وسمع قصصه وبطولاته حتى ثار في نفسه الحنين لأيام القصص والبطولات…. عقد العزم على أن يعيد سيرته الأولى من جديد… "اسمع"، قال للبطحيش: "حين تسترد عافيتك، وتخطط لعمليتك الأولى، سأكون شريكك". وهو ما حدث بعد شهرين فقط.
ـ هـ…يه… أخبارك؟ بادر عزيز صديقه البطحيش شبه هامس وقد وصل إليه في المكان المحدد والزمان المحدد…..
ـ الأمن مستتب… رد البطحيش بنبرة الهمس نفسها وهو يشير إلى دار قريبة تقف أمامها سيارة جيب، لكنك تأخرت، تابع البطحيش همسه، خفت أن يذهب "الليوتنان" قبل أن تجيء…
ـ حانت منيته فأين يذهب؟ رد عزيز ضاحكاً ضحك الهمس… لقد خططا للانتقام منذ زمن…. لكن الفرصة لم تأتِ إلا الليلة. ظلمه، قسوته، ارتكاباته، فظاعاته، كلها كانت قد انتشرت في المنطقة شائعات، وأقاويل، "لا يترك امرأة من شره"، "يريد أن يجعل من نسائنا كلهن عاهرات"، "لا رجل يستطيع الوقوف في وجهه"..، "يستخدم كل وسيلة للوصول إلى المرأة التي يريد"، وكانت "دنيا" آخر النساء التي يريد…
ـ الخطة؟ سأل عزيز صاحبه وهو يربط حصانه إلى جذع شجرة يتيمة كانت قد نمت في غفلة من الزمان والشياه والناس.
ـ نكمُّ فم السائق أولاً….. شرح البطحيش وهو يلطأ إلى جانبه وأعينهما الأربع على السيارة الجاثمة، بومة في خراب.
ـ ولماذا نكمُّ فمه؟ نقتله وننتهي منه؟
ـ وإذا كان مغربياً أو جزائرياً؟ لا، لا نريد أن نقتل عربياً مسلماً. البطحيش يحسب حساب كل شيء، وهو يميز… هذا حلال، هذا حرام، ذاك خير، ذلك شر. وقتل سائق قد يكون مظلوماً بريئاً جيء به لخدمة الفرنساوي رغماً عن أنفه أمر لا يرضاه وجدانه. وجدان عزيز أيضاً لا يرضاه، لكن عزيزاً يخشى الفشل "ماذا إن قاوم السائق؟ ماذا إن افلح في تنبيه "الليوتنان"؟ التخوفات كثيرة، مع ذلك يفلح البطحيش دائماً في إقناع عزيز، فالمرء يجب أن يكون عادلاً منصفاً، فلا يأخذ امرءاً بجريرة آخر ولا عنزة بعرقوب أخرى.
على مهل بدأ الرجلان يتسللان.. وبحذر شرعا يقتربان، الدار في الطرف الشمالي الغربي من القرية.. يحفها من كلا جانبيها دور وسكان، وأية نأمة قد توقظ النائمين. أية حركة قد تنبه الساهرين.. ثمة كلب أو كلبان ينبحان وبقرة تخور وشياه تثغو… غربي الدار، شرقيها. لكن الدار صامتة، لا كلب ينبح ولا بقرة تخور… زوج دنيا فقير… عاملاً بالمياومة يعمل… ربما لا يملك بقرة ولا شاة.. أهذا ما أغرى "الليوتنان" بزوجته، دنيا التي تطمح لأن تملأ بطنها بما لذ وطاب؟
وتذكر عزيز ذلك الكابيتان الذي سال لعابه على شمس.
نصب الشباك لها، رسم الخطط ودبر المكائد كي يلتهمها، وحين أعيته الحيل، كشر عن أنيابه ومخالبه علناً ثم انقض عليها جهاراً نهاراً.عزيز على ثقة أنه لولا ذلك الخنجر الذي كانت شمس قد خبأته في صدرها والشجاعة التي بقيت لها من ذلك الفارس الملثم، لذهبت لقمة سائغة بين فكيه. "اللعنة عليكم أيها المستعمرون!!…
تحسبون الناس كلهم عبيداً، ونساءهم كلهن إماء، تفعلون بهم وبهن ما تشاؤون".. وأحس عزيز بدفقة حماسة تملأ جسده كله.
ـ السائق لك، و"الليوتنان لي".. همس عزيز في إذن صديقه وقد صارا على مقربة من الدار…
ـ لم لا نعمل معاً؟.. رد البطحيش مستغرباً اقتراح صديقه الجديد….
ـ لا… لا.. ابق أنت في الخارج، تحرس الطريق وتحمي ظهري..
غِلُّهُ على الكابيتان جيرار لم يكن قد شفي بعد، أحد عشر عاماً كانت قد مضت على تلك الحادثة، مع ذلك، يشعر عزيز بمرارة في فمه وغصة في حلقه، كأنما كانت بالأمس. "كيف يفكر ذلك النذل الخسيس بتمريغ شرفي في الوحل؟ كيف يخون الخبز والملح؟ كيف يغدر بصداقتي وينهش لحم امرأتي؟"…
تلك الأسئلة كانت لا تنفك تطرق جدران دماغه، كلما استعاد تلك الذكرى. وهي، ربما، ما ألهب فيه الحماسة حين سمع بقصة "الليوتنان" الذي مافتئ يعهّر النساء.
على مقربة من السيارة، انفصل الصديقان، البطحيش توجه إلى السائق، وعزيز نحو باب الدار…. نمسين ينسلان بخفة وحذر… بطرفة عين وصل الأول إلى هدفه، وقد تمدد في المقعد الخلفي مستغرقاً في سبات عميق. يد على فمه والأخرى على عنقه ثم شدة من هنا وشدة من هناك، وبدأت الروح تتحشرج، متذبذبة بين الصدر والفم.
ـ منشان الله… دخيل محمد، راحت كلمات متقطعة تفلت من الفم المكموم، والعنق المضغوط…
ـ أنت مسلم إذن؟ همس البطحيش في أذنه سائلاً.
ـ الله أكبر!! أشهد أن لا إله إلا الله وأن……
ـ يكفي… قاطعه البطحيش شاداً الكمامة على فمه، اسكت تنجُ.. وسكت السائق مسلماً نفسه بكليته للرجل قوي الذراعين عريض المنكبين الذي راح يشد الكمامة على شفتيه والوثاق على يديه..
في غضون ذلك، كان عزيز قد تسلق الحائط، ثم انقلب بهدوء وحذر على الجانب الآخر…. الباب خطر….. قد تصر مفاصله الخشبية العتيقة… مصدرة صوتها الصدئ فينتبه "الليوتنان" الغارق في بحر اللذة.
ببطء وثبات اجتاز فناء الدار… على مصطبة أمام الغرف، كان ثمة فراش أو فراشان، وكان أطفال ينامون. داخل الغرفة، كان ضوء مصباح، لطا بجانب الحائط يصيخ السمع، ثمة لهاث وشهقات، اختلس النظر من شباك صغير… "الليوتنان" آدم يعلو حواءه، ودنيا حواء تعانق آدمها، واللهاث يتسرب عبر الباب الموارب بلا مبالاة: صيحات مكتومة وشهقات معلومة". الويل لك أيها العربيد العاهر"، تمتم عزيز وهو يكز على شفته السفلى، مشرعاً خنجره في يده واثباً إلى الباب وثبة نمر حدد مكان فريسته. وثبتان أو ثلاث ثم وقع على فريسته منشباً فيها أنيابه ومخالبه… الانقضاض صاعق، والإنشاب مباغت إلى درجة صعقت معها الفريسة فلم تجد قوة لمقاومة أو وقتاً لصراخ.
ـ ويلا… بدأت دنيا تحته الصراخ، وقد أرعبها الانقضاض المفاجئ فيما كان خنجر يهبط ويعلو ودم حار ينبجس ويتدفق… لكن قبل أن تكمل صرختها أطبقت يد قوية أخرى على الفم وهمسة مرعبة هدرت في الأذن…
ـ اخرسي أيتها القذرة أو قتلتك…
وخرست دنيا، ليس بلسانها فحسب بل بكل مافيها… صدرها، بطنها، فخذاها، كل شيء همد بعد نشاط وخرس بعد صخب… الرجل الملثم لا تبدو منه إلا عيناه… يده فقط تطعن وتطعن فيما "الليوتنان" يسقط متكوماً على صدرها وقد شهق شهقة الموت…