ــــ 2 ــــ
تنتثر أشعة الشمس على الزجاج المعشق، لوحات فسيفساء ونثار قوس قزح. شمس تحب ذلك النثار وتلك اللوحات، تفتح عينيها عليها كل صباح فتشعر بأيد خفية تدغدغ أحاسيسها. هذا الفن الجديد الجميل الذي أبدعته دمشق كم هو متعة للعين وبهجة للناظرين!!…
في المضارب أيام زمان، لم يكن هناك زجاج معشق، ولم تكن الشمس تنكسر على بللور النوافذ، أقواس قزح، وفسيفساء ألوان. في أم العيون، في حماة نفسها، لم تكن شمس قد استمتعت بما أبدعته قرائح الفنانين المبدعين في دمشق. هنا، في هذا البيت الدمشقي العتيق وحده عرفت قيمة الفن والغاية من الفن: إبداع كل جميل ساحر وصنع كل ممتع مثير!! نساء دمشق يضعن الستائر على الزجاج المعشق، فيحجبن انعكاسات الإبداع وارتساماته. شمس أبت منذ البدء إلا أن تعانق الشمس كل صباح عبر مهرجان الألوان ذاك. تفيق، ترخي العنان لخيالها هنيهة من الزمن، تظل في فراشها مسترخية فليس أقسى عليها من أن تهب من نومها على عجل… لحظات الاسترخاء تلك، الانتقال من النوم إلى اليقظة على مهل أروع متعها. الكل يحرصون على ألا يحرموها منها.
وضحة، عزيز، الأولاد كلهم يعرفون حبها للاستيقاظ على مهل والتلبث زمناً في الفراش. وضحة تعلم ماعليها أن تفعله من تنظيف، كنس، مسح قبل أن تفيق عمتها، الشيخة ابنة الشيوخ التي رافقتها مذ كانت في حماة، هي ليست شيخة ولا سيدة بالنسبة إليها، بل هي عمة، أم…………….حنانها، سعة صدرها، طيبة نفسها، كل ذلك جعل الحياة لدى "الشيخة" هينة لينة، وجعل وضحة تشعر كأنها في بيت أمها وأبيها، هي تطبخ، تنفخ، تربي الأولاد، وحسبها أن ترضى عليها العمة.
ابتسامة الرضى ترتسم على شفتي شمس وهي تلتحم بعزيز أكثر وأكثر فيما أمواج دفئه تغمر رمال شاطئها المستكين…"ليلة أمس!! آه ما أروعك يا ليلة أمس!!".. وشرعت تنقل ناظريها من فسيفساء الزجاج المعشق إلى مهرجان الجسد الدافئ رافعة عنه الغطاء الخفيف، متفحصة ذلك الجسد العبقري الذي يمنحها الارتواء بعد الظمأ، الراحة بعد التعب والاسترخاء بعد التشنج، فتنتشي غبطة وسعادة. بأطراف أناملها مرت على الكتف المصنوعة من عجين القمح، المشوية كالآجر على نار التنور… بعد الكتف مرت على العضد، لامست عضلته المفتولة ثم الزند فشعره الكث… هنا… بين هذا الزند وذاك العضد تنهصر شمس، تشعر بنفسها تذوب في الصدر تنسرب إلى القلب دفق دم حار يمتزج بدم عزيز ويمضيان معاً إلى مروج الربيع. بتعبد الوالهة تتأمل شمس الوجه الجميل، وهو يشع رضى وابتساماً فتتذكر رابعة العدوية وهي تنظر إلى السماء ثم تنشد: وليت الذي بيني وبينك عامرٌ..وبيني وبين العالمين خراب. ثم بتعبد الوالهة تتشمم شمس رائحة الجسد. أنفها يتعشق تلك الرائحة حيث عبق الرجولة يطغى على كل شيء… من قال إن للأنوثة وحدها عبقاً؟ للرجولة أيضاً عبق، لا يضاهيه في أنف شمس عبق الياسمين ولا النرجس. ليلة أمس تأخرت القافلة.. العاشرة، الحادية عشرة، منتصف الليل، وعزيز لم يصل. لكن كيف تنام وعزيز لم يصل؟.. هي على ثقة أنه سيأتي، فالموسم في نهايته وربما تلك هي آخر القوافل ثم هي مشوقة إليه.. في أحشائها لهب يتراقص. في كل خلية من خلاياها لهب يتراقص. لا تملك إلا أن تنتظر… أيام كانت قد مضت على غيابه، أرسل فيها قافلتين دون أن يجيء.. أحياناً يأتي مع كل قافلة وأحياناً لا يجيء…
هو موسم الحبوب وعليه أن يعمل… لقمة العيش مغمسة بالدم، والحياة صعبة شاقة، لا أحد فيها يطعمك بملعقة من ذهب… عليك أن تكافح لكي تعيش وعزيز يكافح. طوال تموز وآب يظل يكافح.. يذهب ليعود ويعود ليذهب. طريقه في تجارة الحبوب شقها بقوة وجدارة، كما شق ذات يوم طريقه في تجارة الجبن والسمن.. شهرين كل موسم يذهب بالمال إلى حوران ليأتي بحبوب حوران، وهي تنتظره كلما غاب على أحر من الجمر.. "يا إلهي!! أما آن لهذا القلق أن يسكن!! لهذا اللهب أن ينطفئ!!".
هي تشعر بأن تلك اللحظة وذلك الينبوع، حيث كشف عزيز اللثام عن وجهها يوم كانت فارساً ملثماً فتبين له أنها الشمس التي تحتجب خلف قناع. شمس تشعر وهي في فراشها أنها ما تزال بين يديه هناك، قرب الينبوع بكل ذلك الدفء، بكل تلك الدهشة، تبوح له بسرها، سر الأنوثة التي كمنت طويلاً ثم تفجرت ينبوعاً من عطاء.
حماة، ارتماء العشاق عليها، محاولات خالد آغا امتلاكها، مناورات حسني لاختراقها، خطط الكابيتان جيرار للالتفاف عليها كل ذلك ذهب مع الريح ليظل ذكريات فقط. هي تذكر جيداً يوم مضت إلى البادية، تختبئ بين أهلها من ذئاب الفرنساوي وقد قتلت أشرس تلك الذئاب.. الخنجر الذي غرسته في قلب الكابيتان جيرار كان قد ختم تلك المرحلة العصيبة من عمرها. الدماء التي سالت من صدره على يدها كانت قد شفت غلها، أعادت لها الكرامة التي كادت تفقدها على يديه. في المنزل التقت بعزيز، فمضى بها عزيز زورقاً تعصف بشراعه الرياح.. خرجا من حماة تحت جنح الظلام أودعها حيث الأهل والأولاد، ثم عاد هو إلى الثورة والثوار، فوزي القاوقجي وسعيد العاص… سنتين ورياح الثورة تعصف به… لا يحط في مكان إلا ليرحل، ولا ينتهي من عملية حربية إلا ليبدأ أخرى، وهي تنتظره متنقلة مع أهلها الرحل بين "سماوة" العراق و"بلعاس" الشام، لكن ليس أبعد غرباً، فالدرك الفرنساوي في القرى، وجنده في المدن.. ومن يدري؟ ربما ما يزالون يبحثون عن الخنجر الذي مزق قلب جيرار..
حين جاءتها رسالة عزيز بأن تلتحق به عند الشعلان لم تصدق أذنيها.. الأخبار قبل ذلك كانت فاجعة: الثورة أخفقت وسلطان باشا لاذ بوادي السرحان، هناك في بواطن الصحارى، حيث لا فرنساوي ولا إنكليزي، شمس ظنت أن عزيزاً معه هناك، يطارد حتى الموت…. لكن الرسالة واضحة: "أنا لدى الأمير لورنس في دمشق".. عزيز يدهشها دائماً، يفاجئها بكل مالا تتوقع، آتياً بكل غريب وعجيب.. ربما لتزداد إعجاباً وحباً له، لكأنما ينقصها أن تحبه أكثر!!…
فالثائر الذي قاتل المستعمر من حماه إلى السويداء، مروراًبالقلمون والغوطة يقيم الآن في دمشق؟ كيف؟ لم يكن باستطاعة الرسول أن يفسر… عشرته للبدو وصداقته لأمير الرولا كان طوق النجاة الذي ركبه عزيز إلى بر الأمان…
الأمان في البدء كان مضارب القبيلة، حيث الرولة تنتشر من أطراف عدرا قرب دمشق وحتى آخر بادية الشام…. هي تتحرك أيضاً، حركتها تصل إلى هضبة نجد فلماذا يخاف عزيز؟..
مع الرولا، صار عزو، وصار فرداً من أفراد القبيلة، يعيش في كنف الأمير ضيفاً وصديقاً، ثم هدأ البركان وبدأ المفوض السامي الجديد كأنما يريد أن يطوي صفحة الماضي بأسودها وأبيضها كي يفتح صفحة جديدة..
الصفحة الجديدة جعلت عزيزاً يطمئن ثم يدخل مع الأمير الشعلان إلى دمشق حيث له دار واسعة شاسعة يمكن أن يعيش فيها عشرون عزيزاً دون أن يثيروا الانتباه. من تلك الدار الواسعة الشاسعة شرع عزيز يمتد وينتشر استطالات تتلمس طريقها بحذر وتعرش بحذر على جدار استناد مكين.. جدار استناده الثاني كان اليوزباشي صبري، صديقه الوفي الذي ما إن رآه حتى أخذه بالأحضان فاتحاً له بيته ومحله.
لدى الشعلان كان يعيش، ضيفاً كصاحب المنزل، وصاحب منزل كالضيف، لكنه لدى يوزباشيه القديم بات يعمل.. كان والد صبري قد توفي، وكان الضابط القديم لا يحسن التجارة كثيراً وكان بأمس الحاجة لمن يثق به ويعتمد عليه ومن أجدر من شاويشه السابق بالثقة والاعتماد؟!…
داراً بجواره استأجر، مفاتيح المحل استلم… ولم يكن عليه إلا أن يأتي بزوجته وأولاده، يلم الشمل وتعود الحياة إلى مجاريها سعادة وهناء. ثماني سنوات مضت على لم الشمل، وثماني سنوات أمضت شمس في دارها الدمشقية… تفتح عينيها على الزجاج المعشق، تنعم بمياه الفسقية، وتسعد بليالي العلية القمراء، فبيوت دمشق لا تغفل لحظة من لحظات النهار والليل تريد من أصحابها أن ينعموا بأصباحها وأمسائها، نهاراتها ولياليها، فكيف لا تنعم شمس؟
ليلة أمس، كان يمضها الشوق للحبيب الذي تعبد، وكان موعد القافلة أن تجيء من حوران… أرقة مسهدة انتظرته… وشعور خفي يدغدغها… "عزيز آتٍ الليلة…. لابد من أن يأتي الليلة…. فكيف أنام؟".. كانت تدفع أطياف النوم كلما اقتربت من أجفانها، وكانت تصم أذنيها عن شخير النيام، تغمض عينيها عن صورهم ووجوههم، علها تقوى على الانتظار… ديك من مكن ما، ربما هو في آخر الميدان، أو آخر الشاغور، أطلق لقريحته العنان، لا تدري شمس أكان ذلك الديك كاذباً أم صادقاً، لكن مع صياحه سمعت أذناها صوت باب يفتح على مهل وخطوات حذرة تقترب. حينذاك فقط سكن القلق، انطفأ لهب الانتظار لتدب في أوصالها كلها رعشة الفرح، صانعة لها جناحين طارت بهما إلى عزيز، تلتقي به دون تمهل أو حذر".. آه!! يالذاك اللقاء!! يالذاك العناق!! كم كنت دافئاً حاراً حتى صهرت كل خوف، أذبت كل جليد، نهراً من حمم يصهر في طريقه كل شيء!!"…
حركة في الخارج، جعلت الحالمة المسترخية تنتبه، وعلى مهل تودع الجسد الدافئ بنظرة والهة أخرى ثم تنسل خارجاً…
ـ صباح الخير، أمي، بادرها الأخضر وهو يترك البركة بعد أن غسل وجهه ويديه بمائها البارد.
ـ صباح النور، حشيشة قلبي، ردت الأم، وهي تطبع قبلة على خده، بلهجتها البدوية التي كانت تأبى أن تتخلى عنها مع زوجها وأولادها، والأخضر أقرب أولئك الأولاد إلى قلبها… أكثرهم تذكيراً لها بالماضي، بمضارب الخيام، بأصالة البادية التي تعشق. هه، أراك مستعجلاً؟…
ـ يجب أن أفتح المحل، عمي أبو فريد مشغول وأبي لم يأتِ…
ـ بل جاء..
ـ حقاً؟ بفرح طفولي يهتف، أبي وصل؟
ـ أجل، لكن القافلة لم تكن قد وصلت بعد…. ردت الأم التي كانت تنتظر كل قافلة على أحرمن الجمر…
ـ الحمد لله!! عشرون قافلة جاء بها هذا العام… أمي أريد أن أراه، قال وهو يتوجه إلى غرفة أبيه.
ـ لا..أخضر… دعه ينم… الليلة جاء متأخراً كثيراً، ومتعباً كثيراً، ولاشك أنه بحاجة إلى النوم…
ـ حسن… اذهب إلى القافلة إذن، واتجه الأخضر من جديد نحو الباب الخارجي، فيما انبثقت وضحة من باب المطبخ، تحمل بيدها "السفرطاس" الذي يحوي طعامه لذلك النهار. خطفه من يدها ومضى مسرعاً.
"الأخضر!!.. ايه!!… أيها الفتى الرشيق الطويل يابن السابعة عشرة، كم أحبك!!"..
ولاحقته بناظريها إلى أن غاب… شمس تحبه حب الوله… ألأنه بكرها والبكر حبيب أول؟ هي لا تدري…
لكن لشد ما يذكرها بأبيه حين عرفته أول مرة… صحيح أن الأب كان مفتول العضلات أكثر، عريض المنكبين أكثر، يوحي بالقوة والمقدرة أكثر، لكنه في كل ماعدا ذلك، كان الابن كالأب، والأب كالابن: لمعة العيون، ارتسامة الشاربين، وضاءة الابتسامة، لون البشرة، غرة الشعر… كل شيء، كل شيء… وكان الأب يعتمد على الابن… منذ الثالثة عشرة كان يأخذه إلى متجر الحبوب، يعرفه بأسرار المهنة، الأسعار، الزبائن، فلم يبلغ السابعة عشرة حتى بات بإمكان الشريكين الصديقين أن يلقيا قدراً كبيراً من المسؤولية على كاهله.
ـ صباح الخير عمتي، حيتها وضحة، فردت شمس بابتسامة مشرقة عرفت منها وضحة أن عمتها سعيدة… أحضر لك القهوة؟ تابعت المرأة التي دخلت سن الكهولة ولم تعرف غير سيدتها شمس وخدمة شمس… سعادتها من سعادتها وشقاؤها من شقائها…
ـ لا .. اشربها مع عمك، ردت شمس مشيرة بيدها إلى غرفة نومها، وفي الوقت نفسه اتجهت إلى غرفة نوم الأولاد. سرير نواف فارغ، ابن السادسة عشرة، يحب الريف والبادية… يعشق الحياة هناك بعيداً عن الجدران العالية والأزقة الضيقة.. فلا يغادر بيت جده في أم العيون حتى يذهب إلى بيت جده في مضارب الخيام… في أم العيون، ينعم نواف بالطبيعة، بالأشجار، بأقنية المياه يسبح فيها، بطيور البط والأوز يصطادها… جده علي المر يفرح به.. علاقة عشق تربطهما الواحد بالآخر… يجلس معه في المضافة، يخرجان إلى الحقول ونواف يسأل.. يسأل دائماً والجد يجيب… مع جده الشيخ نواف هكذا.. يمتطي ظهر الفرس، يسير مع جده بين المضارب، يتدرب على إطلاق النار. كان السيف قد صار عملة باطلة… لم يعد أحد يستخدم السيوف وكان الشيخ نواف يروي لحفيده الذي أخذ اسمه كيف كانت أمه ذات يوم فارساً ملثماً، يبارز الرجال ويحضر الحروب ويشارك في الغزوات…
مناف مايزال مستغرقاً في نومه.. وصلت إليه شمس، مسدت شعره السبط المائل إلى الشقرة…"، من أين جاءته هذه الشقرة؟" غالباً ماكانت تتساءل ولم تكن تصدق مايرويه عزيز عن شعر أخيه عمران، ذاك الذي كان شديد الشقرة وهو صغير… لكنه لم يبلغ سن الرشد إلا وقد حولت الشمس الحارقة شعره إلى لون الكستناء. جلست شمس على حافة السرير تتأمل ذلك الوجه الرقيق الأبيض نبيل الملامح الذي بدأ زغب شاربيه يرتسم سواداً شاحباً على شفته العليا. كان مناف قد أكمل الرابعة عشرة وكان قد نجح إلى صف "البروفيه"..
بارع هذا الفتى شأنه شأن الأخضر، "مرقت فكرة في ذهنها وهي ماتزال تتأمل الوجه الرقيق نبيل الملامح وتمسد الشعر الذي يميل للشقرة".. كلاهما يحب العلم.. كلاهما يريد أن يصبح شيئاً… آه!! ما أسعدني أن يغدو واحدهما طبيباً… والآخر عالماً أو أديباً!!…
سيقولون حينذاك… شمس… يا أم الطبيب… يا أم العالم أو الأديب!! آه!! كم سيسعدك ذلك!!".. كان الأخضر قد أصبح على أعتاب البكالوريا. وكان يدرس ويعمل… مثالاً للجد والنشاط، وحده نواف لم يكن يحب المدرسة، بصعوبة تعلم القراءة والكتابة.. تشغله القرية والبادية، الطبيعة والناس.. مع ذلك شمس تحبه، بل هي فخورة به… فخورة أيضاً ببدور ابنتها الوحيدة المدللة… التي تذهب هي الأخرى إلى المدرسة، ففي دمشق بدؤوا يبعثون البنات إلى المدرسة… يتعلمن شأن الصبيان… إذن لماذا لا تذهب بدور؟…
بدور ما تزال نائمة هي الأخرى، شمس تتأملها؟ صبية صغيرة ماتزال في الثانية عشرة… .صورة طبق الأصل عن الأم بشعرها الأسود وبشرتها البيضاء، لكن دون تلويحة شمس… صدرها لما ينهد بعد لكن قامتها تشب… يوماً بعد الآخر تنهض لكأنها نخلة في سواد العراق تضرب جذورها في الماء ويمنحها الطمي ماتشاء من غذاء. في عطلة الصيف تأخذ بدور راحتها.. تنام حتى الظهر، تذهب إلى لداتها، يأتي إليها لداتها، تنمو وتترعرع، نخلة في سواد العراق… الأخضر لا يعرف عطلة.. إن كانت هناك مدرسة ذهب إليها، إن لم يكن جعل محله مدرسته.. أخذ معه الكتب إلى هناك، يقرأ، يعب المعلومات، يبحث عن المعارف… حتى صار مرجعاً… هي… أبوه… الكل يسألونه عن أي شيء، وهو يجيبهم عن أي شيء: كلام جميل يقوله الأخضر: "الشمس ثابتة في مكانها والأرض تدور"… "لكن كيف؟".. تسأله الأم فيشرح ويمثل الأرض بجمع يده كرة تدور حول محور في فضاء بالغ الاتساع، الأرض تدور حول الشمس والقمر يدور حول الأرض، ويكاد عقلها لا يصدق لكن الأخضر قوي الحجة، بارع الإقناع فيعاجلها بآية قرآنية: "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون".. هو ذا الفلك إذن.. وهذه هي السباحة!! الشمس في مكانها والأرض تدور حولها.. إنه قانون الجاذبية، قال لها الأخضر ذات مرة مفسراً، فزاد الطين بلة… هي تعلم أن كلامه صحيح…، لكن أنى لها أن تستوعبه؟ أهو السن؟ شمس تعلم أنها اجتازت عتبة الكهولة، فكيف لعقل كهل أن يقلب مفاهيمه؟
حين أفاق عزيز كانت شمس قد أنهت جولتها على المنزل. اغتسلت، سرحت شعرها، وتكحلت أيضاً. متثائباً خرج عزيز من الغرفة فبهره ضوء الشمس وقد صارت في رأد الضحى. رشق وجهه رشقات سريعة بالماء فصحا تماماً…. تعب الليل كان قد أخذ منه كل مأخذ ثم جاء الحب بلذائذه ليطرحه فراشاً حتى الضحى… احتج عزيز لدى ربة الحب التي طرحته فراشاً، فضحكت وهي تحييه تحية الصباح قبلة على الفم تدعوه إلى إفطار من نوع آخر..
ـ تأخرت كثيراً… لابد أن الجمّالة قد وصلوا وعلي أن أسبقهم إلى المستودع.
بصعوبة جعلته يرتشف قهوته ويتناول لقمة سريعة، لكنه قبل أن يمضي أمسكته عند الباب.
ـ ماذا تريد أن تأكل اليوم؟
ـ من يدك كل طعام طيب، أجابها وهو يتملص مسرعاً.
المستودع في طرف الميدان، تتسع الفسحة أمامه لعشرات الجمال، ينيخونها هناك ".. إخ… إخ"… يصيحون بها فتهبط من عليائها إلى الأرض ثم ينزلون أحمالها ليبتلعها المستودع.
لحسن الحظ كان شريكه قد سبقه، هو الذي يعلم أن القافلة قد تصل في أية لحظة، "تأخرت في الليل فباكرت المستودع في الصباح…" وصلت الجمال، فرغت الحمولات وبعث صبري من يأتي للشبان بأطباق الفول والحمص، طعاماً لا ألذ ولا أشهى لفتيان حوران.
رئيس القافلة حرث طبق الفول حراثة، عواد غرس رأسه في طبق الحمص حتى كاد أن يستعصي على الإخراج… فحول البصل كانت قد كسرت وكانت رائحتها ملء الساحة والمستودع. شمها عزيز قبل خطوات، وحين وصل إلى الساحة، أسعده انكباب الرجال على طعام الإفطار، فالليل كان طويلاً والزاد ماجف ولايبس، إذن كيف لا ينكبون ذلك الانكباب؟؟
المستودع مليء حتى الحافة…. حنطة، شعير، عدس، حمص. الموسم خصب والغلال وفيرة، والشريكان يريدان أن يعملا… شهرين، ظل عزيز يجيء بقوافل الحبوب…
الموسم انتهى، والبيادر اختفت من واجهات القرى، وتلك آخر القوافل التي يأتي بها عزيز. مختار القرية ودعه بالأمس وداع الصاحب الحبيب، رجال الخربة أخذهم كلهم بالأحضان، ثم مضى إلى البطحيش يودعه… أكثر من شهر كان قد غاب عنه، حيطة وتستراً، فاغتيال "الليوتنان بورجيه" كان قد أثار البلبلة ليس في قرية دنيا وحسب، بل في حوران كلها…
أخباره وصلت حتى مسامع صبري في دمشق، بل بدت الدهشة تمسك بمجامعه كلها حين ختم القصة بالسؤال "من تراه ذلك المقدام الذي مايزال يتربص بالفرنساوي"… لم يستطع عزيز أن يجيب حينذاك وإن هم أكثر من مرة بذلك.. لقد كان بينه وبين البطحيش عهد قاطع:
أن يبقى السر بينهما لا يتجاوزهما إلى ثالث.
أنهى الجمالة إفطارهم وبدؤوا يعدون العدة للعودة، صبري أعد حسابهم بالمقابل…. سلم كلاً منهم أجره قطعاً فضية رنانة وأوراقاً خضراء وحمراء أدخلها معه الفرنساوي شرطاً من شروط انتدابه على سورية.
ـ عائد للديرة الآن؟ سأل عزيز الفتى الناحل الطويل وهو يربت كتفه، مدركاً أنه سيفتقده حتى العام القادم..
ـ لا، بل اذهب إلى سوق الهال أحمل الخضار…. رد عواد وعلى محياه سيما الحزن لفراق صاحبه الذي كان يرى فيه بعضاً من أب. تبسم عزيز وهو ينظر إلى الفتى الناحل الذي لا يضيع دقيقة من وقته… نملة في موسم البيادر تنقل الحنطة إلى وكرها ذاهبة آيبة… عواد يأتي بالحنطة إلى دمشق ويعود بالخضار والفاكهة إلى حوران… منشار يأكل الخشب في الذهاب والإياب… الصيف لديه عمل، والشتاء دراسة، قميصه المهلهل، بنطاله المرقع، صندله ذو الإصبع… مظهره كله يدل على مقدار حاجته للمال… فلماذا لا يحمل صناديق الباذنجان والبندورة، الفليفلة وتفاح الزبداني إلى أسواق درعا؟..
ـ بماذا أوصيك عواد؟ انتبه لدراستك.. قال عزيز وهو يشد على يد الفتى الناحل مودعاً، دراستك ولا شيء غير دراستك…
ـ بالتأكيد، همهم الفتى الناحل وهو يعرف قصد الرجل الأربعيني عريض المنكبين الذي بدا الشيب يخط فوديه.. ففي ذهابهما وإيابهما ذلك الصيف، اعترف له بقصة حبه، فتاة برشاقة الغزالة وعيون المها كانت قد سحرت لبه. والدها يبيع الحلاوة والتمر، وعواد يحب الحلاوة والتمر… يذهب إلى دكان الكهل كلما مر بخربة الغزالة". أتراهم سموا القرية باسم الفتاة أم سموا الفتاة باسم القرية؟.. "هو لا يدري، لكنه لم يكن يستطيع المرور بالخربة إن لم يمر بدكان الغزالة. هو محجه ولابد للمرء من زيارة محجه…. نظرة، فابتسامة فسلام، هكذا بدأت قصته مع الغزالة، ثم توقف هناك، لا هو قادر أن يبوح بما في صدره من كلام ليتبع ذلك موعد فلقاء ولا هي قادرة على ذلك أيضاً. وجنتاها كوجنتيه تحمران كشمندر مسلوق حين يقترب منها، بل هو يشعر وكأن بخاراً ساخناً يخرج منها جميعاً، بخار شمندر أحمر.. يخرج من قدر… باستحياء تنظر إليه… باستحياء تسأل، وهو بعفوية واندفاع، يحدثها عن دراسته…عن البكالوريا التي يريد أن يأخذها، ثم الجامعة في دمشق والحياة الجميلة والمستقبل فيما هي تتابعه، توشك أن تطير فرحاً، "أريد أن أصبح محامياً أدافع عن الحق، أنصر الضعفاء والمظلومين"… قال لها آخر مرة فتوهجت وجنتاها شمندراً أكثر احمراراً وجمراً أكثر توهجاً…
عزيز أصغى إلى قصته حتى النهاية… لكن دون أن يبدو على محياه السرور "لماذا؟"… سأله الفتى الناحل الطويل. "لأنك فتى نابه أمامك دراسة ومطامح، وعليك أن تحققها…"، "لكأن الحب يعيق المطامح؟"، سأل الفتى سؤال المتعجب فأجاب الأربعيني الذي عاش الحب بأحلى صوره وعرف تماماً مايعني. "بالعكس، قد يكون الحب دافعاً عظيماً لتحقيق المطامح"… ثم سرد له طرفاً من قصته مع شمس، الفارس الملثم الذي أنقذه ذات يوم من براثن الموت ثم تكشف له عن فتاة خلبت لبه حبا "إذن، ينبغي أن تشجعني".. استغل الفتى الناحل الفرصة ضارباً ضربته"… لا.. في حالتك العكس هو الصحيح تماماً"… "لماذا؟"..
"ها…. تسألني لماذا!.. لأن الحب يعني الزواج، والزواج هو المرساة التي توقف السفينة وتثبتها، أتدري مايعني وقوف السفينة؟" .. عواد يدري، لكن الحب يمور موار دمه ويجيش جيشان أنفاسه فكيف يعطي أذناً لناصح؟
ـ تفرغ لدراستك… الآن وقت الدراسة فقط، عاد عزيز يؤكد نصيحته، وكأنما يريد أن يربط بين حديثه اليوم وحديث الأمس…
ـ ا… ا… ان… شاء الله…. أجاب الفتى الناحل الطويل بتلعثم علم عزيز منه أن لا علاقة له بالتنفيذ..
ـ بل تعدني.. قال وهو يشير بسبابته إشارة الأمر… لا تفكر بشيء آخر غير دراستك… بعدئذٍ تابع بنبرة مختلفة: المثل يقول: بطيختان لا تمسكان بيد واحدة…… والدراسة والحب بطيختان فأيهما تمسك؟
ـ الدراسة؟
ـ تعدني؟ تقسم على ذلك؟
ـ أجل.. أعدك… وأقسم على ذلك…
ـ على بركة الله.. ولا تنسَ… زرني إن جئت إلى دمشق..
ـ إن شاء الله، همهم الفتى وهو يعلم أنه لن يجيء إلى دمشق في الشتاء. بعدئذٍ شد على يد عزيز، ثم دار على عقبيه وأسرع إلى جمله. كان الصحب قد بدأوا بإنهاض جمالهم، وكانت الجمال تهدر وترغي، بعضها فك ركبة وبعضها ركبتين، فيما هب بعضها الثالث واقفاً مرتفعاً بسنامه حتى موازاة حائط المستودع. "وداعاً أيها الصيف!!… وداعاً يا موسماً خصباً قد لا يعود!!"…. فكر عزيز وهو يرى إلى الجمال تنسرب واحداً إثر الآخر وأيدي أصحابها تلوح له تلويحة الوداع..
في الداخل، كان صبري مايزال يحسب جامعاً طارحاً وقد أدى لكل ذي حق حقه. دفتر كبير كان ينبسط بين يديه وأرقام كثيرة كانت ترتسم على صفحاته.
ـ أتعلم مجموع ما اشتريناه هذا الموسم من حبوب؟ دفع الفضول عزيزاً لأن يسأل ..
ـ لم أجمعها بعد… رد صبري وهو يقلب الدفتر أمامه، ملتفتاً إلى أكداس الحنطة والشعير وراءه… لكنها هذا العام أكثر من كل عام…
ـ إذن، ستكون أرباحنا أكثر…
ـ قل… نلبي حاجة الناس أكثر…
وتنهد عزيز راحة وطمأنينة، فرئيسه القديم لم يخيب أمله مرة واحدة… كان دائماً يفكر بالآخرين، لم يره يوماً يتحول إلى تاجر جشع يهمه تكديس المال وكنز الذهب والفضة…
صبري مؤمن أنه مامن غني محتكر ولا تاجر جشع يدخل الجنة حتى يدخل الجمل من خرم الإبرة، قلبه ينبض بحب الغير تماماً كما عرفه في ساحة الميدان….
هو دائماً أول من يضحي وآخر من يستفيد…! أينسى عزيز تلك
الأيام ـ ؟..
ـ هـ..ـيـ.. يه… أين شردت؟ سأله الرئيس القديم وقد رآه يطرق ساهماً..
ـ من كان يظن ونحن نطفئ مستودع القدم ذلك اليوم السعيد أنه سيكون لنا مستودع في القدم؟
ـ هي ذي الحياة دائماً، مفارقات ومفاجآت..
رد صبري، الضابط القديم الذي لم يكن قد وضع في حسابه يوماً، أنه سيعود تاجراً كأبيه يضرب ويحسب بين عدول الحنطة والشعير…
ـ أجل… هي ذي الحياة…. دولاب يدور وفصول تتغير… أتذكر يوم دخلنا دمشق؟.. كان يخيل إلينا أن الدنيا كلها ملك أيدينا…
ـ إيه!!… كم كانت أحلامنا كبيرة!! دولة عربية من جبال طوروس حتى بحر العرب!!
علم واحد، ملك واحد، جيش واحد…. إيه!! رحمك الله يافيصل!!.. كنت تقاتل الاستعمار لتأتي باستعمار أشد وأدهى؟!…
ـ تعلم أبا فريد؟ حتى اليوم أتساءل أحقاً كان مخدوعاً؟ أحقاً استطاعوا أن يغرروا به؟
ـ أجل… حقاً وصدقاً، أنا أعرف… رافقته منذ البدء… ثائراً مخلصاً، يحلم بالحرية الحقة والاستقلال الحق…. لكنه، لم يكن يعلم أن كل من حوله ذئاب غادرة…. لورنس، اللنبي، سايكس، بيكو، مكماهون… كلهم كانوا يتآمرون عليه….
ـ مايثير عجبي أيضاً، كيف استطاعوا أن يضللوكم أنتم، يخدعوكم جميعاً….. وأنتم ضباط متعلمون دارسون؟…
ـ البراءة….كنا أبرياء. وما أسهل أن تخدع بريئاً لم يعرف الخداع والمكيدة من قبل… نحن خارجون من قلب الصحراء… من قلب الطبيعة، من قلب البراءة، وهم ذوو باع طويل في التآمر والكيد، في خدع الاستعمار وأحابيله، فكيف لا يمكنهم أن يخدعونا؟..
هم عزيز بالكلام لكن الرئيس تابع وقد اشتعل حماسة ودفقاً:
ـ تعلم؟.. بالخديعة استعمروا العالم…. بالتآمر والباطل هيمنوا على بحار الأرض… وقاراتها… يضربون هذا الشعب بذاك، هذه الطائفة بتلك ليقطفوا هم الثمار…
ـ صحيح… هذا مايثير انتباهي… نحن هنا لم نقاتل الفرنساوي بل السنغالي والمغربي، الإفريقي والجزائري…
ـ وهذه فرنسا… أدنى درجة من بريطانيا في سلم الاستعمار…
ـ ربما… رد عزيز شبه مقاطع، ربما الإنكليز ألأم وأخبث لكن هؤلاء الفرنسيين أكثر قسوة وطغياناً، يؤلمك أن واحدهم نزق أحمق… لا يحكم تصرفاته عقل أو منطق…
وتجهم عزيز وهو يتذكر الكابيتان كاربييه الذي عاقب مدينة بكاملها كالسويداء، من أجل قطة…. حبس أهلها وفرض عليهم الغرامات انتقاماً لقطة…. صبري نفسه يذكر ذلك، يذكر القسوة والظلم اللذين عوملت بهما دمشق والغوطة أيام الثورة ومابعد الثورة، يذكر البيوت التي قصفت، قذائف المدفعية وهي تصب كوابل المطر على حيه، الميدان، حي الشاغور، باب الجابية، المدينة القديمة كلها، وكأنهم يريدون مسحها عن وجه الأرض…. لكن ذلك مضى وانقضى…. الناس منذ انطفأت نار الثورة رفعوا أيديهم ولووا أعناقهم.. هم يأكلون ويشربون، يبيعون ويشترون، وكأنما أسلموا أمرهم للأقدار. تقسيم البلاد تراجعت عنه فرنسا، الميرة خففت منها، الضرائب باتت تحسب ألف حساب قبل أن تفرضها، لكن الإنكليز!! الويل لهم أولئك الإنكليز ماتراهم يفعلون هناك حيث فرضوا أنفسهم دولة انتداب في فلسطين؟..
رأي البطحيش أنهم كانوا يسلمونها لليهود قرية قرية ومدينة مدينة، وذلك ماكان يشغله في لقائه الأخير بعزيز. لم يكن الرجل على "الحشيشة". حزيناً مقهوراً كان لا ينفك يزفر الزفرات الحرى، حين سأله عزيز "مابك؟" أجاب: "أنا حائر، بلدي هنا يدعوني كي أقاتل الفرنساوي وأناجزه، وبلدي هناك يدعوني أيضاً…. فلسطين تدعوني يا عزو… الخطر داهم والمؤامرة عليها قاتلة، فهل أذهب إليها أم أبقى؟ هل أقاتل مع الذين يقاتلون فيها عدوين لدودين: الإنكليز واليهود… أم أظل هنا أصارع الفرنساوي؟"…
كانت تلك الحيرة هي التي تقلقه ولم يكن باستطاعة عزيز نفسه أن يحسم الأمر وينهي تلك الحيرة، كلا البلدين كان يعاني وكلا البلدين كان بحاجة لمن يدافع عن حريته واستقلاله، لكن فلسطين مهددة في وجودها…
مئات الآلاف من المهاجرين اليهود كانوا يأتون كل عام، تحت هذا الغطاء، تحت ذاك، كان يهود أوربا، قد غدوا أسراب قطا لا يرويها إلا مياه نهر الأردن، بحيرة طبريا، والحولة.. وكان هتلر يسوطهم في ألمانيا بشواظ النار فيفرون كالحمر المستنفرة ولا يجدون أنفسهم إلا في أيدي الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية تسوقهم قطعاناً قطعاناً إلى مرج ابن عامر وسهول حيفا ويافا. لكأنها خطة مدبرة، سلسلة متكاملة الحلقات، تبدأ بهتلر وتنتهي
بوايزمن….
ذهباً وفضة يحملون معهم… أموالاً طائلة ينفقون فيشترون هذه البيارة وذلك الحقل، تلك الأرض وهذا الحي… إلى درجة باتوا معها يشكلون خطراً حقيقياً…. الناس في الشوارع باتوا يتعرضون للاغتيالات والقتل، ونساؤهم للتحرش والاغتصاب…. كانت النار قد وصلت إلى ثيابهم… حينذاك فقط هبوا يصرخون "نريد سلاحاً، نريد مالاً، نريد تنظيمات ندافع بها عن أنفسنا"…
البطحيش همس في أذنه أنه يرسل لفلسطين أسلحة في القطار بين أكداس الفحم: في عربات الشحن، بل حتى في سلة سائق القطار، حيث يضع زوادته، يخبئ البطحيش المسدسات، وتذهب إلى سمخ، ومن هناك تنتقل غرباً وشرقاً، شمالاً وجنوباً، "يجب طرد اليهود… ينبغي منعهم من تملك الأرض…. فلسطين لنا فلماذا تأتون باليهود إليها؟ لماذا تغرقون سهولها وجبالها بهم؟"… كانت صيحات الناس تتعالى احتجاجاً في كل مكان، مما أزعج السادة الإنكليز فانقضوا على العبيد يلهبون ظهورهم سياطاً وصدورهم رصاصاً. الدم يجر الدم، والعرب يأتون من كل مكان لنصرة الشعب المظلوم، ومن غامض علم الله يظهر الشيخ عز الدين القسام ليقود ثورة على الإنكليز واليهود… هدفها إخراجهم معاً من فلسطين….
السؤال الذي كان يحير البطحيش بات يحير عزيزاً… هل ألتحق بالشيخ القسام أم لا؟!"… وأفضى عزيز لشريكه بالسر فلم يتردد صبري لحظة واحدة..
ـ ولم لا؟ نذهب فنقاتل مع الشيخ القسام؟
ـ حقاً؟!.. أتذهب؟..
ـ وما المانع؟ سعيد العاص ذهب…. الشيخ القسام نفسه جاء من جبلة فلماذا لا نذهب نحن من الشام؟.. قال صبري وقد عاد إلى وجهه الإشراق الذي عرفه عزيز أيام كان يقود فصيله المتقدم في الجيش العربي الزاحف إلى الشام يحررها من نير الاستعمار العثماني…
تداول الرئيس القديم ومرؤوسه الأمر وقد عادا عشرين عاماً إلى الوراء، يحملان السلاح ويقاتلان…. الرئيس أكثر حماسة من المرؤوس وأكثر حسماً أيضاً، فكل ما يهمه أن لا تضيع فلسطين.
ـ لكن دعنا نكلم شكري بيك علنا نأخذ متطوعين… اقترح الرئيس وهو يشتعل حماسة ..
ـ بيدك حق..شيء رائع أن تذهب على رأس كتيبة من المتطوعين
إلى فلسطين!!…
شطت بعزيز الحماسة وهو يتصور أن دمشق كلها ربما تلبي النداء إذا ما طرحا الفكرة على شكري بيك فيذهب مقاتلون أشداء يطردون الإنكليز من فلسطين ويطهرون ترابها من اليهود..
ـ ننهي هذه الحسابات ونمضي، اقترح صبري أخيراً.. وهو يشير إلى سجلات أمامه لم تكتمل حساباتها..
لكن حين أقفلا باب المستودع وتوجها إلى المدينة أدهشهما انقلاب المدينة حالاً على حال… شارع الميدان خاوٍ على عروشه، المحال مغلقة، بل حتى متجرهما، متجر الحبوب مغلق، مرا به فلم يجدا لا أخضر ولا أصفر، سألا أحد الأصحاب…
ـ هـ…ي…هـ…ي… رد الصاحب… ألم تسمعا؟
ـ لا.. ماذا هناك؟ سأل صبري باستغراب أشد..
ـ المدينة خربة… مظاهرات النساء ملء الشوارع..
وأسرع عزيز إلى بيته يبحث عن شمس وقد أحس في الحال بوخزة مسلة، لكن لم تكن هناك شمس.
ـ أين عمتك؟ سأل بكثير من القلق وضحة التي كانت وحيدة في المنزل منهمكة بإعداد الغداء.
ـ عمتي خرجت..
ـ أين؟.. سأل بلهفة أشد وقلق أعظم..
ـ لم تقل لي… عمي.. لا أدري….
وأنى لوضحة أن تدري؟
في الصباح، بعد أن غادر عزيز المنزل، كانت شمس قد جاءت إليها في المطبخ تشاورها في شؤون الطعام "عمك يشتهي المحشي؟"، "إذن نطبخ له المحشي"، كوسا، فليفلة، باذنجان"، "عددت لها شمس" "على راسي عمتي"، أجابت وضحة واضعة كفها على رأسها ثم خرجت إلى السوق تشتري الخضار واللحمة والفواكه، فيما مضت "العمة" إلى جانب البركة تشرب القهوة، وتستمتع بنسيم الصباح العليل..
على جناحين من سعادة.. كانت تحوم شمس في فناء الدار، عيناها تبرقان سروراً وبهجة.. شعور عميق بالراحة يفرش أجنحته على كل مافي صدرها من مشاعر وأحاسيس، هو الشعور نفسه يطغى عليها كلما عاد إليها عزيز بعد غياب….
أهو شعور الاسترخاء بعد التوتر؟ الطمأنينة بعد القلق؟ هي لا تدري، لكنها تدري من تجارب السنين الطويلة أنها لا تعرف راحة إلا بعد أن يعود إليها، ولا تشعر بسعادة إلا وهي بين أحضانه: "آه!! ما أروع تلك الأحضان!! ما أشهى دفق الحب من شفتيك يا حبيبي".. ورشفت شمس رشفة قهوة ساخنة. هي تحب قهوة الصباح على صوت العصافير وهي تزقزق، فسقية الماء، وهي تعزف أنغامها الراقصة، وطيوف الذكريات وهي تنسرب في خلاياها دافئة حميمة..
جلسة الصباح تلك كانت تحبها كثيراً، الدار كلها كانت تحبها كثيراً، أشجار النارنج، أحواض الأزهار والورود، بركة الماء، التي تتلألأ تحت أشعة الشمس وتتلامع على ضياء القمر، زجاجها المعشق، عليتها، شرفتها، "المشرفة" كما كانوا يسمونها.. تحفة رائعة كانت تلك الدار، تجد فيها شمس كل ماتحب وتشتهي… السنون الطويلة التي أمضتها فيها جعلتها تتعلق بها… هي تتذكر أحياناً دارها في حماة، كانت داراً واسعةً أيضاً لكن لم يكن لها هذا التناسق والجمال، ذلك الفن والإبداع…. ولم تكن قد حملت لها مشاكل وجراحاً، هموماً… وغموماً، كما فعلت دار حماة… هي تتذكر حسني أفندي، خالد آغا، الكابيتان جيرار والمخالب التي أرادوا أن ينشبوها فيها كلما حانت الفرصة… تتذكر المضافة التي حملت لها الكثير من المشاكل والمنغصات. هنا، لا مشاكل، ولا منغصات، لا خالد آغا، ولا كابيتان جيرار. مذ سكنت دمشق اختطت لنفسها خطة جديدة، تلتزم فيها بتقاليد الميدان وعاداته.
كانا ما يزالان في طور التخفي،… هي لا تريد أن يعرف بها أحد وعزيز لا يريد أن يفضي بحقيقته لأحد فاقتصر على القلة القليلة من الناس… جيرانهم الأقربون فقط يعرفونهم، آل صبري فقط أصدقاؤهم…. لم يكن باستطاعة عزيز أن يفتح مضافة، ولم تكن الظروف تسمح لشمس أن تخرج سفوراً أو تستقبل الرجال أو تجالس الضيوف…. هنا حرملك، سلملك…. الحدود قائمة والحواجز عالية، البدو بعيدون عن الميدان… وأعراف البدو لا تسري على الميدان، تخرج شمس، تلبس الملاءة السوداء، شأنها شأن كل امرأة في الميدان، لا يتلصص عليها أحد، ولا يتحرش بها أحد. وحده بيت الشعلان كان متنفسها، فحين تذهب إلى ذلك البيت تعود بدوية آتية من مضارب الخيام. هي هناك شيخة ابنة شيخ، تحدث الأمير وتجالس الرجال وتسمع في المضافة عزف الرباب وقصائد الشعراء. لكن تعود إلى بيتها في الميدان فتعود الحرملك الذي لا يختلط بالسلملك…
أربع سنين ظلت شمس تعيش في أضيق دائرة من العلاقات، كان الخوف مايزال يعشش في صدرها… يعرفون بها، يفطنون لقصتها، فتذهب هباء…. لكن شيئاً فشيئاً بدأ الخوف يتلاشى… أهو اختلاف الليل والنهار ينسي؟ أهي الأحداث تمحو ماقبلها حتى تبهت ألوانه فلا تعود العين تبصره؟ شمس لا تدري. لكن قوانين الحياة وسنن الطبيعية هي التي تسود دائماً…
يتلاشى القديم ليظهر الجديد. حجر يسقط في بركة ماء فيصنع دائرة ثم دائرة. الدوائر تتسع بعدئذٍ وتتسع. دائرة شمس كانت تتسع….. صحيح لم يكن في دمشق المكيساتية أم عمر لكن ثمة حمامات سوق أيضاً وأم خالد وأم قعود….. وفي دمشق جارات لطيفات ظريفات أيضاً يدفعهن الفضول لأن يتشممن رائحة هذه ويتسقطن أخبار تلك…. شيئاً فشيئاً راحت شمس تتعرف إلى جارات وجارات فلم تنته السنون الثماني حتى كانت قد أصبحت معروفة جيداً في أوساط النساء…. على صلة بسيدات المجتمع…. وبأنشطة المجتمع…
كم سرت شمس حين اكتشفت أن في دمشق رابطة للنساء ونادياً يجتمعن فيه ويتحدثن، يناقشن قضايا المرأة وهموم النساء…هناك تعرفت شمس إلى عايدة بيهم، إلى ماري عجمي، وإلى نازك العابد… معهن صارت تلتقي، تحضر أمسيات، تشارك في لقاءات…
وكانت هموم الوطن محور تلك اللقاءات… من قال ان المرأة لا يشغلها سوى هموم المرأة؟
هي كالرجل يشغلها هم الوطن أيضاً، شمس تستمع إلى محاضرات في السياسة، تصغي لما يدور في العالم من أحداث…. تطورات كثيرة حدثت مذ كانت في حماة…. في دمشق لم تعد تشعل المصباح الكازي ولا الشموع…. صار هناك شركة كهرباء…. أسلاك الكهرباء مدت إلى البيوت…. مصابيح الكهرباء أخذت تشع كالشموس…. ومع الكهرباء جاء المذياع الذي ينقل لك أخبار العالم… هتلر، موسليني، ستالين، صار بإمكان شمس أن تعرف كل مايدور في العالم… تعلم من المذياع أخبار الدول والأنظمة والجيوش… نازك مولعة بتلك الأخبار…. في الصحف، في المجلات، في الإذاعة، نازك لا تترك خبراً سياسياً يفوتها، تطوراً أو حدثاً يمر بها، ونازك صديقة حميمة… شمس معجبة بها… فتاة في أواخر ثلاثيناتها لكنها لا تفكر بالزواج، فاتها القطار لكن دون أن تبالي…. همها الوحيد أن تنظم النساء من حولها، أن تعمل من أجل توعيتهن، حثهن على المطالبة بحقوقهن والدفاع عن وطنهن، كتلة من الحيوية والحماسة تلك الفتاة، يمر طيفها بذهن شمس وهي ترشف قهوتها بجانب البركة فلا تملك إلا أن تبتسم.
مع ابتسامتها جاء القرع على الباب…. وشهقت شمس حين فتحت الباب وظهرت نازك.
ـ معقول!؟… بادرتها شمس وهي تسرع إليها حاضنة مقبلة، الآن فقط كنت أتذكرك…
ـ هذا مايدعونه التخاطر… أسمعت به؟
-لا.. على كل حال اقعدي.. اشرحي لي ما هذا التخاطر.
ـ لا… لا… ليس لدينا وقت… ولا أنا قادرة أن أقعد، ردت نازك الثلاثينية، العانس، رقيقة العظام، رقيقة الملامح، لامعة العينين، وهي في عجلة من أمرها…
ـ خير ماذا هناك؟…
ـ مظاهرة… الرابطة قررت أن تخرج بمظاهرة نسائية…
ـ لماذا؟ ألم يعد هناك رجال؟ ردت شمس مازحة مستغربة أن تتظاهر النساء في الشوارع ويقعد الرجال في البيوت.
ـ بل هناك رجال… لكن المظاهرة النسائية أسلم… النساء لا يحملن سلاحاً ولا يقاتلن يعني… مظاهرة سلمية…
ـ رائعة! فكرة رائعة…. هتفت شمس وقد أعجبتها الفكرة فجأة…
ـ أسرعي إذن… النساء بانتظارنا… فلا نتأخر عنهن…
وأسرعت شمس، لبست ملاءتها السوداء على عجل، ثم خرجت شابكة يدها بيد نازك. ناسية حتى أنها ربة منزل.
ـ لكن لم تقولي لي… لم هذه المظاهرة؟ قالت شمس وقد تذكرت أنها لم تعرف السبب…
ـ العراق وقع معاهدة مع بريطانيا يحصل فيها على مايشبه الاستقلال. مصر أيضاً حصلت على مايشبه الاستقلال… ونحن هنا قاعدون، لا فرنسا تفكر بإعطائنا استقلالنا ولا رجالنا يطالبون… فقلنا نطالب نحن!!…
ـ عظيم!! يعني نحن خارجون كي نطالب بالاستقلال!!
ـ وبالحرية!! بحقوقنا كشعب، كوطن!!
ـ الله!! هذا ماكنت أحلم بالعمل من أجله!!..
أمام الرابطة، كانت مئات النساء قد تجمعن… وكان الصخب عالياً، حتى بدا لشمس انه يصل إذن الجوزاء… لافتات كانت قد كتبت بخط أسود عريض: "الاستقلال… الاستقلال"، "الحرية"… "الحرية"…، لا استعمار ولا انتداب"، "نحن بدنا الحرية"، "سورية أرض الأحرار"….
ـ متى فعلتن هذا؟ سألت شمس وهي تشير إلى اللافتات وفي نبرتها مسحة من عتاب.
ـ منذ ثلاثة أيام ونحن نستعد… وأسرعت نازك إلى المقدمة فقد كان هناك تململ الانتظار.
هو الرق الذي لا ريب فيه، أرادوه فسموه انتداباً. لعلع صوت نازك حين وصلت إلى المقدمة فرددت مئات الأفواه في الحال: "يسقط الانتداب… يسقط الاستعمار… تسقط فرنسا". وخلال ثوان بدأت المظاهرات تشق طريقها في شوارع فغرت أفواهها تعجباً من مظاهرة لم تشهدها من قبل. كانت الفكرة جديدة اعترضت عليها نساء من الرابطة وأيدتها أخريات… نازك كانت أشد المتحمسات، "ولم لا؟!" قالت لهن. "قبل سبعة عشر عاماً خرجت نساء مصر يتظاهرن احتجاجاً على سياسة بريطانيا واضطهادها، ومناصرة لسعد زغلول، فلماذا لا نخرج نحن ونثبت أننا لا نقل عن نساء مصر شجاعة ووطنية؟"..
الحجة مقنعة فوافقت الأخريات "مظاهرة سلمية تطالب فرنسا بإنهاء انتدابها وخروجها من سورية"، لم تستأذن النسوة فرنسا كما لم يستأذن رجالهن. لأول مرة كن يردن أن يفاجئن فرنسا والرجال معاً، وبدت المفاجأة صاعقة حين انطلقت حشود متراصة من ملاءات الليل وقد أسفرت عن أقمار لا عد لها ولا حصر. الرجال أفواه فاغرة وعيون جاحظة…
شرطة الفرنساوي وجنده مندهشون ذاهلون…. ليس لديهم أوامر ولا يعرفون مايفعلون….. من باب الجابية مروراً بسوق مدحت باشا إلى سوق الحميدية….كانت المظاهرة تسير، بتناسق وانتظام.. الأيدي تلوح عالياً، والأصوات تلعلع…. هن النسوة الخجولات الحبيبات يطلقن لأصواتهن العنان فتردد جدران مدحت باشا وسقف الحميدية الأصداء أصواتاً أنثوية لم تسمع مثيلاً لها من قبل.
كانت خطة المظاهرة أن تمر بأكبر قدر من شوارع دمشق، تغلق المحال، تشجع الرجال، تحث الشبان على المطالبة بحقوق لا يجوز السكوت عنها، بحرية تؤخذ عنوة ولا تعطى اختياراً. ثم تصل إلى المرجة حيث السراي والمندوب السامي فيوصلن له احتجاجهن ويسمعنه بأذنيه مطالبهن.
المندوب السامي وصله نبأ المظاهرة فانتفض غاضباً."نحن نريد لهم الخير وهم يريدون بنا الشر… نأتي لهم بالحضارة والمدنية فيبعثون بنسائهم يتظاهرن ويشاغبن…. حركوا الشرطة… ابعثوا الجند، فرقوهن… لا أريد مظاهرات، لا أريد احتجاجات…"، راح المندوب السامي يصرخ بكبار ضباطه وأعوانه… فانتشر الضباط والأعوان في الحال ناشرين معهم الجند والشرطة… صفوفاً متراصة من هراوات وبنادق…
شمس في المقدمة، روح الفارس الملثم كانت قد بعثت. قوته، شجاعته، كلها كانت قد توهجت من جديد. جمراً كشف عنه الرماد، ماذا؟ عشر سنين؟ إحدى عشرة سنة مرت على آخر توهج لذلك الجمر؟ ربما، شمس على ثقة أن مائة سنة لا تستطيع إطفاء ذلك الجمر… كل من حولها من نساء شممن فيها رائحة تلك الشجاعة، لمسن روح ذلك الفارس فأسلمن لها القياد ليعلو صوتها كهدير الرعد: "يا فرنسا اطلعي برا… من سوريا الأرض الحرة، لا انتداب، لا استعمار… سورية بلد الأحرار…".
مظاهرة سلمية تقوم بها النساء، لا سكين ولا خنجر، لا بندقية ولا مدفع، وفرنسا بلد الحضارة، تحترم الرأي الآخر، تؤمن بحقوق الإنسان، بحرية التعبير… المرأة لديها في أرفع المراتب، تقبل يدها، تحني لها الرؤوس، إذن لم لا تخرج نساء دمشق؟ لم لا يطالبن بحقوقهن؟
النساء يهتفن مطمئنات أن ضيراً لن يصيبهن فالسلم ينبغي أن يقابل بالسلم…..شمس، وهي تهتف، ترى هراوات الشرطة وسياطهم، مسدساتهم وبنادقهم، لكنها لا تخاف…. هي لا تحمل سلاحاً، النساء كلهن لا يحملن سلاحاً… سلاحهن أصواتهن فقط، يرفعنها مطالبات بحق، فرنسا نفسها تعترف به، فلماذا تخاف شمس؟ كل ظنها أن الجند سيكتفون بدفع النسوة إلى الوراء أو تشكيل سد يمنع الزحف إلى المندوب السامي أو التقدم باتجاه السراي…. لكن مرة ثانية يخيب ذلك الظن: إذ ما إن تصل النسوة إلى الهراوات حتى تنهال الهراوات على رؤوسهن. ويختلط الحابل بالنابل….