الفصل الثالث:

4 0 00

الفصل الثالث:

ـــــــــــــــــــــــ

لم يعد شىء على حاله فى العالم كله ، بعد غياب الإسكندر . عصا التغيير لامست كل شئ .

لم يكن الإٍسكندر مجرد قائد جيش ، إنما هو قائد فكر فى البدء والختام ، هو الذى بث الفلسفة اليونانية فى العالم . أساطير اليهود ، وحكاياتهم الشعبية ، تجد فى الإسكندر خادماً ليهوذا صاحب عرش سليمان ، وأحد حكام العالم الروحانيين الذين جاءت بهم نبوءة دانيال ، وثمة كنائس مسيحية ترفع الإسكندر إلى مراتب القديسين المسيحيين ..

لما تولى عرش مقدونيا ، كان يخطو إلى السابعة عشرة . ولم يكن قد جاوز العشرين حين جمع الإغريق تحت قيادته ـ بعد مقتل أبيه ـ وسار بهم إلى آسيا الصغرى . يرسم خريطة المعركة ، يطمئن إلى حشود القوات ، يتقدم جنوده فى خوض المعارك ، يحارب بالسلاح نفسه الذى يستخدمه الجنود . هزم دارا ملك الفرس فى موقعتين متتاليتين ، ومضى بمحاذاة الشاطئ الشرقى للبحر المتوسط . استولى على المرافئ التى كان يحتلّها أسطول الفرس .

حين قدم الإسكندر إلى مصر كان قد سبقته أعوام من الاضطرابات والثورات والمذابح الوحشية . عانى المصريون إفقار بلادهم ، ونهب ثرواتها ، والقضاء على كل المظاهر الحضارية فيها ، ومنع تكوين جيش مصرى ، أو وجود قيادات وطنية .

لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يدخل فيها الإغريق . تعدد دخولهم إليها متحدين مع المصريين ضد الفرس ، عدوهم المشترك . اختلف الأمر حين قدمت حملة الإسكندر للغزو لا للتحالف .

رحب المصريون بجيش الإسكندر ، وانضموا إليه لتحرير بلادهم من استعمار الفرس . الحاكم الفارسى مزاكيس سلم مصر دون شرط إلا النجاة بنفسه . دفع ثمانية ملايين جنيه من الذهب ، وكنوز ونفائس كانت تضمها القصور الملكية المصرية . وكانت غزوة الإسكندر آخر عهود مصر بحكم الفراعنة . ظلت ألف سنة تحت حكم المقدونيين والرومان حتى صارت ـ بعد الفتح العربى ـ جزءاً من دولة الإسلام ، ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية .

***

حين أقام الإسكندر ليلته الأولى فى مدينة " كانوب " ـ أبو قير الحالية ـ رأى فيما يرى النائم شيخاً أحاطت ذقنه بوجهه ، وتدلت على صدره . أنشد أبياتاً من الشعر يقول فيها :

" هناك فى وسط البحار التى تعوم فيها مصر ..

قامت جزيرة فاروس ..

التى يعرفها الجميع " .

فى الصباح ، سأل الإسكندر :

ـ لمن هذه الأبيات ؟

قال أحد ضباطه :

ـ إنها لشاعر الإغريق هوميروس .

ـ وأين الجزيرة التى تحدثت عنها القصيدة ؟

ـ فاروس .. فى موضع شاطئ قريب .

وهو يتجه بنظراته إلى نقطة غير مرئية :

ـ أريد أن أراه .

مضى الموكب إلى قرية راكونداه ، راقودة ، راكوتيس Rhakotis . يسكنها جماعات من الصيادين والملاحين المصريين .

صعد إلى ربوة من الحجر الجيرى ، شاهد من فوقها تناثر البنايات إلى جزيرة فاروس بامتداد الشاطئ .

قال الإسكندر وهو يشير إلى تعرجات الشواطئ :

ـ هذا المرفأ ـ إن أحسن إعداده ـ يصلح لاستقبال سفن الإغريق الحربية والمدنية .

وتباطأت الكلمات فى فمه :

ـ أستطيع من هذا الموقع أن أسيطر على البحار ، وأسيطر على الأرض أيضاً .

وأشار إلى القرية الصغيرة ، وقال :

ـ هنا سأبنى عاصمة ملكى ..

التفت إلى مهندس الجيش دينوكراتيس ، وقال :

ـ أريد أن تحول هذه القرية إلى مدينة يتحدث العالم باسمها ..

لعله دينوكراتيس الذى حقق حلم قائده فى أن يبنى مدينة ـ باسمه ـ تطل على المتوسط ، بعد أن دمر ـ الإسكندر ـ برسبوليس ، مدينة قورش التى ظلت عاصمة الفرس مائتى عام .

قبل سبعمائة عام هدم البيزنطيون مصباح منارة الإسكندرية . عرفوا أن المرآة التى ترشد السفن وهى فى عرض البحر ، تخفى تحتها كنز الإسكندر . تدخّل أهل الإسكندرية بعد أن هُدِم الطابقان العلويان .

كانت تلك من أقدم المحاولات للبحث عن الكنز الطلسم ..

كانت رأس التين جزيرة ، رفض ـ لضيق المكان ـ أن يبنى المدينة فوقها ، وإن شيد فيها ضريحاً لصديقه هيفايستيون Hephaestion

من أين جاءت تسمية رأس التين ؟..

قيل إنها كانت جزيرة عامرة بأشجار التين ، تمتد أرضها الرملية داخل البحر على صورة لسان ، فسميت رأس التين . وفى رأس التين سالت دماء كثيرة . شهدت الحروب الصليبية ، وحملة نابليون ، وغزوة فريزر . وخرجت مظاهرات ثورة 1919 من جامع أبو العباس .

من الأوفق أن أهمل البحث فى رأس التين .

***

فى نهاية المينا الشرقية [ هو الميناء الشرقى للإسكندرية ، لكن أهل المدينة يسمونه المينا الشرقية . هذا هو الاسم الذى اخترته ] . ملت إلى الطريق المفضية إلى قلعة قايتباى . الوقت بين الظهر والعصر . البنايات المتلاصقة تنعكس على صفحة المياه متماوجة ، ملتمعة . عيناى تتجهان ناحية البحر : الأمواج والصخور والأحجار المثقوبة والطحالب والأعشاب والبلانسات والفلايك والأشرعة والصوارى والقلوع وطيور النورس والسحب البيضاء المتباعدة . وثمة باعة الفول السودانى واللب والكوكاكولا والساندوتشات والهدايا السياحية ..

كنت مشغولاً بالأسئلة : لماذا بنيت فى هذا المكان منارة الإسكندرية ؟ ولماذا بنى الأشرف قايتباى قلعته ؟ ولماذا اختار الإسكندر ملتقى الميناءين الغربى والشرقى ليبنى المدينة موضعه ؟ لماذا أهمل رشيد ، وكانت ميناء يطل على البحر المتوسط قبل إنشاء الإسكندرية بأكثر من ثلاثة آلاف سنة ؟ لماذا اختار الإسكندر هذه المنطقة بالذات ؟ هذه القرية الصغيرة راكوتيس ، ليبنى مدينته ؟..

فى عام 1961 كان أول اكتشاف للآثار الغارقة فى منطقة قلعة قايتباى . عثر عليها الغواص المصرى كامل أبو السعادات . شاهد فى غوصه العديد من التماثيل والكتل الحجرية الغارقة . توالت ـ بعد ذلك ـ عمليات الغوص ، واكتشاف المزيد من الآثار . توصل المسح الأثرى إلى تحديد مواقع ثلاثمائة وألف قطعة أثرية ، وأنواعها : أمفورات ، تماثيل ، أعمدة ، بقايا مسلات ، كتل حجرية تحمل نقوشاً وكتابات هيروغليفية ويونانية . أزال الغواصون الرواسب والرمال والتكلسات البحرية المتراكمة فوق بقايا الأرصفة والقطع الأثرية .

البعثة الفرنسية ـ برئاسة جون إيف أمبرو ـ انتشلت ـ أسفل تمثال بطليموس الثانى ، أربعة أجزاء ، الذراع والرأس والتاج والجذع ، من الجرانيت الوردى . طوله أكثر من 12 متراً ، ووزنه 28 طناً ..

لو أن البعثة واصلت الحفر ، ربما وصلت إلى ما قبل بطليموس الثانى . الإسكندر لم يطلب دفن جثمانه ـ بعد الرحيل ـ عفواً ولا مصادفة . خطوة محسوبة يعرف نتائجها . المكان ليس عادياً . ظنى أنه المكان الذى دفن فيه جثمان الإسكندر ..

كتب دينال : لما رأى الإسكندر الأكبر مصر الواقعة بين بحرين ، وبين الشرق والغرب . قرر أن يجعل منها حاضرة إمبراطوريته ، ويتخذها مركزاً للتجارة العالمية . فطن نابغة الفاتحين إلى أنه إذا كانت هناك وسيلة للجمع بين فتوحاته كلها فى دولة واحدة ، فإن مصر خلقت لتصبح همزة الوصل بين إفريقيا وآسيا وأوروبا . وجد فى انحناءات الساحل ما يعد بمرفأ طبيعى تتحصن فيه أساطيل الإغريق ، وتنطلق منه لتسيطر على العالم ..

أشار الإسكندر إلى مهندسه دينوكراتيس ، وقال :

ـ أريد أن أبنى فى هذا المكان مدينة ..

مرتفع من الحجر الكلسى ، جاف ، أعلى من مستوى الدلتا . يسهل وصول الماء إليه ، تفيه بحاجته إلى الشرب ، وإلى الملاحة ، ولا يتأثر بالطمى الذى يأتى به فرع كنوبس ـ أبو قير الحالية ـ . إذا وصلها بجزيرة فاروس حاجز خارجى ، تحولت إلى ما يشبه المرافئ المتصلة ، تمنع الرياح والأنواء من التأثير على الميناء ، وتأذن برسو الأساطيل المقدونية ..

لم يكن مع دينوكراتيس ـ حين أصدر الإسكندر أمره إليه ببناء الإسكندرية ـ أية أدوات تعينه على الرسم . أخذ حفنة من دقيق الشعير ، ورسم المدينة المشروع على هيئة هلال مفتوح نحو الشرق . فى أعلاه جزيرة فاروس ، وفى أسفل رأس لوخياس ، السلسلة الآن .

وافق الإسكندر على مواقع ، ورفض مواقع ، وأبدى ملاحظات . فوجئ ـ والجميع ـ بأنواع لا حصر لها من الطير ، تهبط على دقيق الشعير الذى استعمل فى التخطيط لرسم المدينة ، وتلتهمه تماماً . داخل الإسكندر قلق ، وغلبه التشاؤم . كانت نفسه تميل إلى الفأل والطيرة ، وتؤمن بالسحر والتنجيم . لاحظ الكهنة ما وسم ملامحه من الكدر . قالوا :

ـ ما حدث فأل طيب .. دقيق الشعير دليل على الوفرة لا الجدب . المدينة ستكون وافرة الخير والثمار ، وسيطعم من خيرها أعداد كبيرة من السكان !.

أصدر الإسكندر أمره ببدء العمل فى المدينة .

وضع حفل الأساس للمدينة الوليدة فى صخب الأغنيات والرقصات والعروض المسرحية والشعرية ، وما اشتهر به الإغريق من ألعاب ..

ربط دينوكراتيس جزيرة فاروس بالشاطئ ، بساتر من الأتربة ، نتج عنه ميناءان ـ حدثتك عنهما ـ : الميناء الكبير ـ المينا الشرقية الآن ـ والعود الحميد ـ الميناء الغربي الآن . تبدل اتجاه مصر . لم تعد تتجه إلى إفريقيا ولا آسيا ، وإنما أصبح الاتجاه نحو البحر المتوسط ، نحو حضارة الإغريق ، وحضارة الغرب .

ظل أهل الإسكندرية يضعون قطع الحرير الأسود على وجوههم سبعين سنة ، بعد أن بناها الإسكندر . كانوا يخشون على أبصارهم من أن يخطفها بياض الرخام الناصع الذى كسا جدرانها . لاحظ عمرو بن العاص ـ فى رسالة للخليفة عمر بن الخطاب ـ أن ضوء القمر الذى ينعكس على الرخام ، يجعل المدينة تسبح فى شلال من النور . الداخل إليها يغطى عينيه براحته ليحجب عنهما وهج الرخام . الترزى لا يحتاج إلى مصباح كى يلضم الخيط فى الإبرة

يداخلنى ما يشبه اليقين أن كنز الإسكندر مدفون تحت فاروس . فى داخل الكنز طلسم ، يختلف عن طلسم المعتقد الذى يذود عن الإسكندرية الحدآت والغربان .

مهمتى أن أواصل الحفر والتنقيب ، حتى أعثر على القبر ، على الكنز فى القبر ، على الطلسم فى الكنز ..

كنت معيداً فى كلية الآداب ، حين انتشل تمثال إيزيس من المينا الشرقية . ضخم ، من الجرانيت الأحمر ، طوله سبعة أمتار ونصف المتر ، ومشطور نصفين . رافقت نقله إلى حديقة المتحف البحرى . شاركت الغواصة العالمية " أونور فروست " فى وضع خريطة علمية للآثار الغارقة فى الميناء الشرقية . صارت مرجعاً مهماً لكل عمليات التنقيب التالية . كان طاقم الغواصة ممثلاً لهيئة اليونسكو ، وكنت واحداً من ممثلى جامعة الإسكندرية . مدرساً مازلت ، لكننى كنت موضع ثقة أستاذى رأفت الإبيارى . اطمأن إلى اجتهاداتى ، فجعلنى ممثلاً للجامعة ..

***

نسب إلى صياد قوله : " نحن مؤسسو هذه المدينة " . بمعنى أن الصيادين هم أصل الإسكندرية ..

كان الناس يشتغلون ـ فى البداية ـ بصيد الأسماك . فى العصور الوسطى كانت السفن الأجنبية ـ وحدها ـ ترسو فى الميناء الشرقى ، بينما سفن المسلمين ترسو فى الميناء الغربى . أبطل الانتفاع ـ فيما بعد ـ بالميناء الأولى . منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، صارت الميناء الغربية مرفأ للبواخر والبضائع على السواء . وحتى حفر قناة المحمودية فى 1820 كانت الإسكندرية ـ المدينة ـ ما بين المينا الشرقية والمينا الغربية . بعدها ، ولدت المدينة من جديد ..

إلى أوائل القرن التاسع عشر ، كان بحرى يمثل الإسكندرية كلها . وكانت المدينة تقتصر على حى الجمرك وحى المنشية ، مناطق الصيادين وغازلى الشباك والأفندية والمشايخ والأبوحمدات والبحارة وعساكر السواحل ومساجد المرسى أبو العباس وياقوت العرش والبوصيرى وعلى تمراز ونصر الدين وميدان المساجد ومعهد الأحياء المائية وحلقة السمك وطابية قايتباى والسيالة وجودة وصفر باشا والحجارى والمسافرخانة ، وما يتفرع منها ، ويحيط بها ، من شوارع وحوارى وأزقة .. والميناء : حدوة الحصان التى تمتد ما بين قلعة قايتباى ـ غرباً ـ وقصر رأس التين ـ شرقاً ..

حتى الآن ، فإن الإسكندرية عندى هى تلك المنطقة ما بين سراى رأس التين وميدان المنشية ، وما يتصل بها ، ويتفرع منها ، من ميادين وشوارع وأسواق وبنايات ..

الفصل الرابـع:

ـــــــــــــــــــــــــ ـ

اسمى وليد صبحى . أعمل أستاذاً مساعداً للتاريخ القديم بكلية الآداب ، جامعة الإسكندرية . حاضرت فى جامعات عربية وأوروبية ، وأمضيت فى اليونان ستة أشهر ، وأشرف على الجوانب النظرية والعلمية فى التنقيبات التى تجريها المراكز والبعثات ، وتتصل بتخصصى ..

ومضت الوثيقة كالفكرة المفاجئة وأنا أقرأ كتاباً عن عهد الإغريق . تحدث عن وثيقة مهمة أوصى الإسكندر ـ بعد أن تبدت ملامح الموت ـ بأن توضع فى قبره . أهم ما تحويه الوصية إبانة عن الطلسم الذى يحمى الإسكندرية من شر البحر . أهمل الكتاب ما تضمنته الوثيقة ، وإن تحدث عن خطورتها ..

تعددت محاولات البحث عن قبر الإسكندر ، أثريين وأساتذة تاريخ وهواة وحالمين . أخذتنى الدهشة حين قرأت فى كمبيوتر القسم أن عدد المحاولات قارب المائة والخمسين . كنت قريباً من محاولات الجرسون اليونانى ستليو فى قلب شارع النبى دانيال . أنفق الحلم والمال فى مدى أربع سنوات . ثم منعته هيئة الآثار من الحفر ، فبكى ..

زوجتى نجلاء أحمد شكرى . طبيبة أمراض نساء وولادة . اكتفت بعملها فى مستشفى جمال عبد الناصر . رفضت اقتراحى بأن تفتح ـ أو تشارك فى ـ عيادة :

ـ صحتى لا تحتمل عناء العمل فى مكانين ..

ثم بلهجة باترة :

ـ الإنفاق على البيت واجب الزوج ..

ـ وتستطيعين الاستقالة من المستشفى أيضاً ..

ـ أعمل لأنى لا أقدر أن أحبس نفسى فى البيت ..

زفرت :

ـ حيرتنى !..

ـ لماذا ؟.. أعمل بما تقوى عليه صحتى ..

ـ المال ليس هدفاً ..

ـ يعمل الناس لجمع المال ..

ورفت على شفتيها ابتسامة تشى بتعمد السخرية :

ـ نحن نجمع المال لنصرف على الأوراق والحشرات والتراب ..

تنحنحت لأزيل احتباس صوتى :

ـ تلخيص غريب لحياتنا ..

هزت رأسها مؤمّنة على ما قلت :

ـ تلخيص دقيق ..

لما أظهرت فزعى للجمجمة البشرية ، وضعتها على مكتبها ، وراحت تعبث فى ثقوبها بقلم رصاص ..

ـ تنقيباتك تنتهى إلى مثل هذه الجمجمة ..

وأنا ألتفت إلى الناحية المقابلة :

ـ الوضع يختلف .. ما أعثر عليه يعود إلى مئات السنين ..

ـ وما الفرق ؟..

ثم فى لهجة يداخلها أسى :

ـ مصيبتى أنى تزوجت أستاذاً جامعياً يحشو رأسه بخرافات ..

بدا الأفق وردياً فى كلمات ما قبل الزواج . من المهم أن تخصص حجرة لأبحاثك . وقت المرضى فى المستشفى ، ووقت زوجى فى البيت . ثم تبدلت الصورة تماماً . لم نعد نتحدث اللغة نفسها ، ولا يشغلنا الاهتمام ذاته . عملها التوليد وإنجاب الأطفال ، دون أن تناقش نفسها فى المعنى ، أو تحاول التعرف إلى شاغلى الحقيقى ، إلى مئات الأسئلة التى تختلط فى داخلى ، وتتشابك . أحسست أن نجلاء ، والناس ، يقاوموننى ، وأنهم يحرصون على مضايقتى ، وتثبيط همتى . قالت إن الحياة أقصر من أن أنشغل فيها بتوقعات قد لا تأتى . المستقبل هو ما نحياه . من يأتون بعدنا يحيون المستقبل ، حياتهم . لا شأن لى بالخوف من توقعات مصدرها الخيال .

يشغلنى أن أنقذ الإسكندرية ، فأنقذهم ..

قلت :

ـ ارتفاع مياه البحر لا رجعة فيه . لا حل إلا باكتشاف الطلسم ..

أطرقت لحظة ، ثم رفعت رأسى :

ـ أثق أنه هو الحل لإنقاذ الإسكندرية .

واتجهت عيناى إلى نقطة لا أتبينها :

ـ لم أعد أكره البرد ، ولم أعد أحب الدفء ..

استطردت لنظرتها الداهشة :

ـ البرد يعنى ثبات ارتفاع أمواج البحر على حاله ، والدفء يهدد الإسكندرية بالابتلاع .

مدت شفتها السفلى ، دلالة عدم الفهم :

ـ ولماذا الإسكندرية ؟

ـ الإسكندرية وكل مدن البحر المتوسط . الفرحة بالشمس المشرقة ستنتهى بالحزن لاختفاء مدن وأراضى ..

الجليد يذوب فى القطبين الشمالى والجنوبى ، وفى بقية حقول الجليد . ترتفع المياه ، وترتفع مساحاتها . المساحة التى تحصل عليها من الأراضى المتاخمة لها . إذا كان الدفء ـ والشواهد كثيرة ـ هو مستقبل العالم ، فإن ذوبان الجليد يهدد المستقبل بارتفاع مياه البحار والمحيطات . يرتفع متوسط درجة الحرارة ما بين درجة ونصف إلى أربع درجات ونصف ، فى مدى الأعوام القادمة ـ أربعون ، أو ستون ، أو مائة ـ فإن سطح البحر قد يرتفع متراً فى الفترة نفسها .

قلت :

ـ الفيضان قادم إذا لم يتحرك الجميع لوقف الخطر .

وحملت صوتى نبرة تحذير :

ـ إذا انتظرنا قدوم أول فيضان ، فربما يأتى التحرك متأخراً للغاية .