3
هنا يلتقي الموت بالحياة
.. والحياة بالموت
هنا يلتقي الموت بالحياة، والحياة بالموت، يتوحّدان، لاتكاد تعرف الفارق بينهما.. الأحياء في موات، جوع وفقر وقهر ويأس وبؤس.
والأموات في حياة، يأتي إليهم ذوو القربى والأصحاب القدامى يزورونهم ويتذاكرون حيواتهم ويؤنسون وحشة قبورهم.
هنا وجد"بدر" نفسه.. وحيدا.
إنفضّ من حوله الصبيان الثلاثة، ونسوه.
فكّر أن يمضي خلفهم، ويدخل وراءهم بيت العمة، المقبرة الكبيرة الفاخرة.. لكن شيئا ما في داخله بدأ يعمل بآلية خاصة به، تقوّي شعور الإستقلال والإختلاف، والتفرّد لديه. قرّر أن يعتمد على نفسه في قادم الخطى..
ظهرت عليه علامات النضج الأولية، وبدأ يشعر بأنه قادرعلى الكلام، لكن ماذا يقول؟.. ولمن يوجه كلامه؟..
شعر أن لديه ذاكرة، لكنها خالية خاوية.
لديه عقل.. لكنه لم يستعمله بعد؟!
لديه قوة.. وقدرة على التحكّم في قوته، لو رآه أحد الآن سيظن أنه نوع جديد من الغوريللا!.. يحرّك يديه، وقبضتيه محكمتا الإغلاق، ويضرب بهما صدره بقوة.. مع إصدار أصوات عنيفة من فمه.
ويحرّك قدميه بقفزات عامودية لجسمه فوق الأرض.
ويأتي بحركة عجيبة، يهبط بوسطه لما يشبه وضع القرفصاء، وفي منتصف المسافة يهزهز إليتيه يمنة ويسرة، وماتزال قبضتا يديه تضربان بقوة وعنف ساحة صدره.
هل يحاول"بدر" التخلّص من الحيوان الذي ينطوي عليه، حتى لايبقى عالقا بكيانه سوى الإنسان؟.. أم العكس؟!
مضت فترة من الوقت، إلى أن ظهرت سيدة ترتدي ملابس الحداد السوداء، وتغني أغنية عن الموت الذي تبدأ بعده الحياة..
أو الحياة التي هي تجربة ما قبل الموت.. الذي هو الحياة الأبدية.
قطعت غناءها عندما لمحته، اتجهت نحوه متسائلة:
= هل تبحث عن أحد هنا يا سيّدنا؟
- لا.
= هل أنت من هنا؟
- لا.
= تعال معي إذن..أحبّ أن يكون معي أنيس،هل تحبّ أنت أيضا الأنس ؟.
- لا..لا.. لامانع.
صحبته المرأة وتقدّمته إلى المقبرة التي تسكنها..
جدران ميتة وهواء مخنوق، وحياة في الموت، تفرض شعورا غريبا بالعزلة والوحدة والموت، إلا عندما تتحرك هذه المرأة الغريبة.. وتتكلم وتحكي عن حياة اسطورية وكلام عن الفناء والموت والحياة الآخرة والجنة والنار، وموت الروح وعبث الحياة وعظمة الموت وتخليده..
وحكمة زوجها ودراسته للمعتقدات المصرية القديمة وكتاب الموتى.. وكيف أن الحياة الحقيقية تبدأ بعد الموت.. وأنها حياة أبدية، هي سرّ تقديس المصريين للموت.
تسأله أن يتحدّث عن نفسه، وما أتى به إلى هنا..
يجد نفسه لأول مرة يتكلم ويروي، وكأنما يروي لنفسه، ليطمئن نفسه..
يقول أنه ولد منذ سبعة أيام قبل اليوم.
وأنه يشعر الآن أنه في السبعين من عمره، كل يوم مرّ كعشر سنوات..
ويقول أنه لم يتكلّم مع أحد قبلها.. وأنه لم يكن يعرف الكلام إلا من ساعات قليلة.
ويقول أنه يشعر كما لوكان طفلا، وأن كل شئ جديد بالنسبة له، ولايتذكّر شيئا..
يقول أنه يعرف لماذا هو موجود في هذه الدنيا، يعرف حكمة الحياة، أمتلكها لحظة ولادته ويبدأ الآن إدراكها..
تسأله المرأة عن حكمة الحياة ومعناها، يسألها عن عمرها، تقول أنها تصغره بنحو عشر سنوات، يعلـّق متسائلا:
ومع ذلك تسألين عن معنى الحياة؟!
تقول أن حكمة الحياة لايعرفها كل من بلغ سنّا معينة، وأنها تعتقد أنها تعرفها، لكنها لاتعرف كيف تصفها أو تشرحها.. مع أنها كاتبة.
يسألها:
= ماذا كان دورك في هذه الحياة؟
- كنت أفكّر.. وأكتب. ومازلت أفكّر وأكتب.
= لماذا؟
- لأنني لا أعرف شيئا غير ذلك.. لأنني مشغولة بالمستقبل.
= مستقبلك؟..
- طبعا.. ومستقبل بلدي وناسي.. ومستقبل البشرية كلها.
= وماذا عن الماضي؟
- الماضي .. مقبرة كبيرة لمن يعيشون فيه، ولاينفتحون على الحياة الحاضرة، ولايقدّمون شيئا للمستقبل. الماضي لا معنى له لو لم يدفعنا للتقدّم..
= ومتى يشعر الإنسان أنه يعيش في الماضي؟..
- عندما لا يعود قادرا على تقديم شئ للحاضر والمستقبل، عندما يفقد الصلة بالحياة.
= أنت أنسانة غير عادية، ورأسك ملئ بالأفكار، فلماذا أنت هنا بين الموتى؟.. لماذا تعيشين في المقابر؟..
تضحك وتردّ:
- الموتى طيبون،هادئون، مسالمون، لاحقد لديهم، ولا هم هواة منظرة، ولا كذب ولا نفاق، وهم كرماء يسمحون لي بالإقامة في مقابرهم ويسعدون بصحبتي وأسعد بصحبتهم.
= ألم يكن لك بيت قبل سكنى هذه المقبرة؟..
- كان لي.. كان لي.
= وماذا حدث؟.. لماذا هجرتيه؟..
- لم أهجره، فقط تركته وجئت إلى هنا، مايزال موجودا.. لكنني أشعر براحة أكثر هنا.
= ما سرّ هذه الراحة؟..
- راحتي في صحبة حبيبي. زوجي.. هو هنا وأنا هنا معه.. منذ ورثنا هذه المقبرة ونحن نعدّها ونرتّبها، ونأتي إليها، ونستريح فيها، ونسكنها أحيانا، ونجد فيها ملاذا من بيتنا ومن الحي الذي نسكنه، ومن الضغوط والتوتّر والزحام والإختناق، والتشوّهات الأخلاقية والنفسية والعقلية التي أصابت الناس.
وتواعدنا أن نعيش هنا سويا، إذا سبق أحدنا الآخر إلى الموت.. وهو سبقني، وها أنا ألتزم بوعد قطعته له.
تسكت وتستذكر زوجها، وتغيب في الذكرى.. ثم تعود لتسأله:
= أنت قلت كلاما عجيبا عن نفسك، ظننتك قلته إثر إرهاق أو تعب. أو ربّما ضيق بالحياة.
- أي كلام تقصدين؟
= قولك أنك مولود من سبعة أيام فقط.. وأن عمرك 70 سنة!
- هذه هي الحقيقة.
= لا يمكن!.. كيف يولد انسان قبل أسبوع، ثم يبلغ من العمر 70 سنة؟!
- لا أعرف..
= وهل تريدني أن أصدّق ماتقول؟
- لا يهمّني أن يصدّقني أحد..
= ماذا يهمك إذن؟
- المهم أنني صادق.
= وما الفائدة إذا كان ماتقوله لا يُصدّق؟
- وكيف أبيّن لك وللناس أنني صادق؟..
= لا أعرف.. ولا أظن أن هناك وسيلة تجعلني أو أي أحد غيري، نصدّق هذه الخرافة.
- كيف تنظرين إلىّ إذن؟..
= أراك رجلا حار في حياته، وماضيه، فحاول إلغاءهما أو تجاهلهما.. بالإنكار، لكن ذلك ليس إمارة طيبة، فتجاهل الماضي خطر.. تماما كما أن العيش فيه خطر.
- وماذا عن انسان مثلي؟.. بلا ماض؟!
= بعد 70 سنة تقول أنك بلا ماض؟!
- هي 7 أيام في الحقيقة، واليوم هو الثامن!
= لنتجاوز هذه النقطة حتى لايتعطـّل حوارنا، وعلى أي حال فأنا أشعر بونس وجودك هنا معي.. لكن، هل تسمح لي أن أسألك: لماذا ترتدي هذا الجلباب؟.. هل هو تقليد شعبي؟.. أم تعبير عن معتقد ديني؟.. أم ماذا؟..
- أشكرك على شعورك نحوي، وأحبّ أن أكشف لك عن ذات الشعور نحوك، أنت – كما قلت لك بداية- أول أنسان أتكلّم معه!..
وسوف أتجاوز مثلك عن جدل الـ 70سنة.. وربما جاء وقت تكتشفين فيه بنفسك صدق قولي.. عموما، دعينا نتواصل.
أما عن هذا الجلباب، فهو ليس لي، هو جلباب أمي، أرتدته خصيصا للإحتفال بـ"سبوعي" ليلة أمس، وفي الصباح، عندما وجدتني على ما أنا عليه الآن، جلبته وألبستني إياه!
= أنت تحيّرني، وأنا عاجزة عن فهم ظروفك.. ولا أريد أن أدسّ أنفي في حياتك الشخصية، يكفيني منك مسرّتي بوجودك، وحضورك الإنساني.
وسأحاول أن أتقبّلك كما أنت، فأنا لا أجد في سمتك وهيئتك ما يجعلني أكـّذّبك..
لننتقل الآن إلى أمر يومي بسيط.. هل أفطرت؟.. أقصد.. هل تغدّيت؟.. هل تحبّ أن تتناول لقمة معي؟..
- أحبّ ذلك.
***
حاولت أن تتفادى التحديق في الرجل حتى لا تُشعره بالحرج، لكنها لم تملك القدرة على تجاهل غرابة ماترى..
منظره وهو يأكل مثير للفرجة، ولم تجد المرأة مفرّا من الفرجة على هذا الرجل..
بكلتا يديه يأكل كل شئ، أدوات المائدة التي وضعتها أمامه، كماهي، لم يقترب منها، لم يستعملها.. لا الملعقة ولا الشوكة ولا السكين.
يملأ فمه بدفعات كبيرة من الأرز وكتل اللحم الكبيرة دون تقطيع أو تهذيب!.. وحتى طبق السلطة أتى عليه بالطريقة ذاتها..
لم يلق ولو نظرة واحدة إلي مضيفته، فقط يملأ كفه بالأرز ويلقم فمه.. يملأ كفّه بالخس والطماطم، أو يمسك بقطعة اللحم ويقذف بها إلى فمه.. ثم يصدر أصواتا مقززة، يتجشّأ بصوت عال.
حاولت لفت نظره إلى يديها، وكيف تستخدم الملعقة في أخذ كمّية قليلة من الأرز، قبل أن تضعها في فمها، وكيف تستخدم الشوكة والسكين في قطع جزء من شريحة اللحم التي في طبقها، قبل أن تأكلها.
لم تتكلّم هي، ولم يتكلّم هو..
بعد لحظة قدّمت له كوبا وأتت بقلة وملأت الكوب ماء، لم يتناول الماء.
ملأت كوبها، وتناولته ووجهته نحو فمها، وشربت منه.
تابع تصرفها، وقلّدها، بدقة.
لفتت نظره إلى طريقتها في تناول الطعام.. بأن التقطت الملعقة فورا وملأتها بالأرز.. ووضعتها في فمها.
كرّر هو ما رآها تفعل..
بدأت تشعر بصدق ما رواه لها، وإن كانت لا تعقله.
استغرق تناول الطعام وقتا أطول بكثير من المعتاد، ووجدته يكرّر كل حركة تقوم بها، حتى عندما إنغرست نسيلة لحم بين أسنانها وحاولت إخراجها، فعل ماكانت تفعل!
قالت لنفسها أنه انسان عجيب..
انتهى تناول الغداء.. دون كلام.
أخذت الأطباق وأدوات المائدة إلى الداخل، وأتت بعدة غسيل الأيدي، أبريق ماء في وعاء، وبدأت تغسل يديها أمامه، بالماء والصابون، ثم تجففهما بمنشفة.
وضعت الوعاء أمامه، وصبّت الماء من الإبريق على يديه، وكان قد كوّرهما، مثلما فعلت هي، وهكذا..
تمّ كل هذا دون كلام.
هي تفكّر وتتساءل مع نفسها، وهو يقلّد تماما ماتقوم به!
فكّرت أن هناك سرّ ما، وراء هذا الإنسان..
وقطع هو حبال أفكارها بقوله:
= هذه أول مرّة في عمري، أتناول الطعام.. لذيذ هذا الطعام.
سألته عن اسمه.. ولم تحصل على إجابة.. قال أنه لايعرف اسمه!
سألته: من أين أتيت؟.. من أي حي أو بلدة؟..
لم يعرف!
سألته:
= أين كنت قبل أن تأتي إلى هنا؟..
- كنت مع 3 صبيان نسير في الصحراء..
حاولت أن تفهم شيئا، قالت لنفسها، لاجدوى من كل هذا يا"سالمة"..يبدو أن الرجل على حق..
لكنها تراجعت عن هذه الفكرة فورا..لا..لا.. ربما هناك سبب آخر..
من أدرانا، فقد يكون الرجل معتوها؟.. وردّت على نفسها ردّا قاطعا، كيف وهو الذي قال أنه يعي معنى الحياة؟!
كيف وهو الذي قال أنني إنسانة غيرعادية.. ورأسي ملئ بالأفكار؟!
الحقيقة هي أن رأسي الآن، ملئ بالأسئلة الحائرة.
سألها:
- هل ضايقتك..؟.. هل تريدينني أن أخرج من هنا؟
= لا..لا..لا، إنني سعيدة بوجودك، كنت فقط أريد أن أعرّفك بنفسي أكثر، كنت أرتّب أفكاري، اسمي"سالمة عمران".. وحياتي كلها قراءة وكتابة.. أكتب روايات..
وزوجي رحمة الله عليه، الدكتور"سعد الله وافي" كان استاذا في تاريخ مصر القديم..
وهو معنا هنا، مدفون في الغرفة المجاورة.
هل صحيح أن غدوة الرز واللحم هذه كانت أول وجبة في حياتك؟!
شعرت أن عقلها الباطن فرض على لسانها هذا السؤال الأخير، الذي قطع تسلسل حديثها.
اعتذرت، قائلة أنها لم تعد تسيطرعلى قواها تماما..هذه الأيام.
هل تحبّ أن تشرب الشاي معي؟.. من عادتي أن يأتي الشاي بعد الغداء..
قامت وهي تواصل الحديث ودون أن تنتظر إجابة، أعدّت الشاي..
تناولاه على ذات الطريقة التي جرت مع الغداء..هي تشرب وهو يقلّدها!