3

4 0 00

3

منذ سنوات عديدة و أنا أفكر بتوماس . غير أني رأيته بوضوح للمرة الأولى في ضوء هذه الأفكار . رأيته وافقاً أمام نافذة شقته و عيناه تحدقان بثبات عبر الجهة الأخرى من الفناء ، إلى حائط المبنى المقابل . و لم يكن يدري ماذا عليه أن يفعل .

كان قد تعرّف إلى تيريزا منذ ثلاثة أسابيع تقريباً في مدينة صغيرة من بوهيميا ، حيث أمضيا ساعة معاً على الأكثر . اصطحبَتْه إلى المحطة و انتظرت معه حتى استقلَّ القطار . بعد عشرة أيام جاءت تزوره في براغ حيث مارسا الحب في اليوم نفسه . و في الليل أصابتها نوبة من الحمى فأمضت عنده أسبوعاً كاملاً يلازمها الزكام .

عندئذ أحسّ بحب لا يفسّر نحو هذه الفتاة التي كان يجهلها في

الواقع . بدت له مثل طفلة وضعت في سلة مطلية بالقطران و تُركت في النهر ليلتقطها عند ضفة سريره .

مكثت عنده أسبوعاً ، ثم بعد أن شفيت رجعت إلى المدينة التي تسكن فيها على بعد مئتي كيلومتر من براغ . . هنا تتموضع اللحظة الحاسمة في حياة توماس و التي كنت أحدثكم عنها لتوّي : إنه واقف أمام النافذة و عيناه محدقتان عبر الجهة الأخرى من الفناء ، إلى حائط المبنى المقابل و يفكر :

أَفَعَلَيه دعوتها للإقامة في براغ ؟ هذه مسؤولية ترعبه . لماذا لا يدعوها الآن إليه فتجيئه في الحال لتقدم له حياتها كلها .

أَوَ هل يجب التخلي عن هذه الفكرة ؟ و في هذه الحالة تبقى تيريزا خادمة في مشرب جعة في حيّ صغير من الريف ، و هكذا لا يعود يراها .

هل يريدها أن توافيه أم لا ؟

ينظر عبر الفناء ، عيناه محدقتان إلى الحائط المقابل و يبحث عن حل .

يرجع أيضاً و أيضاً إلى المرأة المستلقية على سريره ، لم تكن تذكره بأحد من حياته السابقة . لم تكن لا عشيقة و لا زوجة . بل كانت طفلاً أخرجه من سلة مطلية بالقطران ووضعه على ضفة سريره . كانت قد غفت . جثا أمامها . كان لهاثها المحموم متسارعاً و سمع تأوهاً خافتاً . ألصق وجهه بوجهها و همس لها كلمات مؤاسية أثناء نومها . في غضون لحظة بدا له أنها تتنفس بهدوء أكثر و أن وجهها يستدير تلقائياً نحو وجهه . كان يشم رائحة الحمى الحامزة من شفتيها و كان يتنشقها و كأنه يريد أن يمتلئ بحميم جسدها . عندما تصوّر أنها كانت تقيم عنده من سنوات و أنها الآن تحتضر . أحسّ فجأة أنه لا يمكن له أن يعيش بعد موتها . بل سيتمدد قربها و يموت معها . و إذ هزّت كيانه هذه الرؤية ، دفن وجهه في الوسادة قرب وجهها و بقي طويلاً على هذه الحال .

الآن ، ها هو واقف أمام النافذة يتذكر هذه اللحظة . أكان ذلك غير الحب و قد أراد أن يعلن عن نفسه بهذه الطريقة ؟

و لكن هل كان ذلك الحب فعلاً ؟ كان متيقناً من أنه كان يرغب في

الموت إلى جوارها ، و هذا الشعور كان مغالىً فيه إلى حد بعيد ، فهو يراها للمرة الثانية في حياته . أم كان بالأحرى ردة فعل هستيرية لرجل أدرك في أعماقه عدم قدرته على الحب فَراح يلعب ، لكنّ لنفسه ، ملهاة العشق ؟ في الوقت ذاته ، كان وعيه الباطن مرتخياً إلى درجة أنه اختار لتمثيليته هذه خادمة مقهى ريفية مسكينة لم يكن لها عملياً أي حظ في الدخول إلى حياته !

كان ينظر إلى حيطان الفناء المتسخة من دون أن يفهم إذا كان ما يعانيه جنوناً أم حباً .

كان بإمكان رجل حقيقي في هذه الحالة أن يتصرف على الفور . لذلك كان يأخذ على نفسه هذا التردد و حرمان أجمل لحظة في حياته من كل معنى ، ( كان جاثياً أمام سرير المرأة الشابة و هو مقتنع بأنه لن يقوى على العيش من بعدها ) .

كان يوسع نفسه توبيخاً ، و لكنه اقتنع في النهاية بأن عدم معرفته بما يريده أمر طبيعي جداً .

لا يمكن للإنسان أبداً أن يدرك ماذا يفعل ، لأنه لا يملك إلا حياة واحدة ، لا يسعه مقارنتها بِحَيوات سابقة و لا إصلاحها في حيوات لاحقة .

أيهما هو الأفضل ، العيش مع تيريزا أم البقاء وحيداً ؟

لا توجد أية وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح ، لأنه لا سبيل لأية مقارنة . كل شيء نعيشه دفعة واحدة ، مرةً أولى و دون تحضير . مثل ممثل يظهر على الخشبة دون أي تمرين سابق . و لكن ما الذي يمكن أن تساويه الحياة إذا كان التمرين الأول الحياة نفسها ؟ هذا ما يجعل الحياة شبيهة دائماً بالخطوط الأولى لعمل فني ، و لكن حتى كلمة (( خطوط أولى )) لا تفي بالغرض . فهي تبقى دائماً مسودة لشيء ما ، رسماً أولياَ للوحة ما . أما الخطوط الأولى التي هي حياتنا فهي خطوط للاشيء و رسم دون لوحة .

ردّد توماس المثل الألماني القائل : مرة ليست في الحسبان ، مرة أبداً . ألاّ تستطيع العيش إلى حياة واحدة كأنك لم تعش البتة .