الفصل الرابع

5 0 00

الفصل الرابع

مقتل حجر بن عدي

جالس عامر جاثياً أمام قبر حجر، وبدأ بتلاوة «الفاتحة» واستغفر الله ثم افتتح الحديث قائلاً: «اعلمي يا سلمى أن أباك صاحب هذا القبر كان من أقوى أنصار الإمام علي، وقد حارب معه حروباً كثيرة وجاهد معه بسيفه ولسانه جهاداً حسناً إلى آخر نسمة من حياته. فلما قتل الإمام علي وصار أمر الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان في دمشق ظل أبوك وغيره من العلويين على مبدئهم بين مجاهر ومستتر، وكان أبوك يقيم بالكوفة مع قومه ينادي بحبه علياً على رؤوس الأشهاد.. ولكن سلطان معاوية ما لبث أن استفحل، وكان كما تعلمين قد جعل ديدنه الحط من كرامة علي وجميع أهل البيت، فكان يأمر الناس أن يلعنوه، فمنهم من يطيع خائفاً ومنهم من لم يكن يفعل، وفي مقدمة هؤلاء أبوك حجر وبعض رفاقه. حتى إذا كان سنة ٥١ للهجرة بعث معاوية إلى الكوفة عاملاً اسمه المغيرة بن شعبة وأوصاه حين بعثه قائلاً: (أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم تقرع العصا، وقد يجزئ عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة. لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم). فقال له المغيرة: (قد خرجت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذمني، وستبلو فتحمد أو تذم). فقال معاوية: (بل نحمد إن شاء الله). فأقام المغيرة عاملاً على الكوفة وهو لا يدفع شتم علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له. فكان أبوك إذا سمع ذلك قال: (بل إياكم من دم علي ولعنه!). ثم يقول: (أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تشكرون أولى بالذم). فيقول له المغيرة: (يا حجر، اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك). ثم يكف عنه ويصفح. فلما كان آخر إمارة المغيرة قال في علي وعثمان ما كان يقوله فقام أبوك وصاح فيه صيحة سمعها كل من في المسجد وقال: (مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا، فقد حبستها عنا وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين). فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون: (صدق حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا فإن ما أنت عليه لا يجدي علينا نفعاً). وأكثروا من هذا القول وأمثاله. فنزل المغيرة فدخل عليه قومنه وقالوا: (علام تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك ويقول لك هذه المقالة فيسخط عليك أمير المؤمنين معاوية؟). فقال لهم: (إني قد قتلته. سيأتي من بعدي أمير يحسبه مثلي، فيصنع به ما ترونه يصنع بي، فيأخذه ويقتله. إني قد قرب أجلي ولا أحب أن أقتل خيار هذا المصر فيسعدون وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية ويشقي في الآخرة المغيرة).

«ثم توفي المغيرة، وولي الكوفة زياد بن أبيه المشهور بدهائه ومكره، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه، ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه. فقام أبوك ففعل كما كان يفعل بالمغيرة، فكظم زياد، حتى إذا عزم على الفتك به دخل المسجد وصعد المنبر يوماً فحمد الله وأثنى عليه، وأبوك جالس، ثم قال: (أما بعد فإن غب البغي وألغى وخيم، إن هؤلاء جمعوا فأثروا، وأمنوني فاجترأوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأجعله نكالاً لمن بعده، ويل لك يا حجر، سقط العشاء بك على سرحان). ثم أرسل إلى أبيك يدعوه وهو بالمسجد. فلما أتاه رسول زياد قال لأصحابه: (لا نأتيه ولا كرامة له!). فرجع الرسول فأخبر زياد فأمر صاحب شرطته، وهو شداد بن الهيثم الهلالي، أن يبعث إليه جماعة ففعل، فسبهم أصحاب أبيك، فرجعوا وأخبروا زياداً.»

«فلما رأى زياد امتناع أبيك بأهله وأصحابه احتال بشتى الحيل حتى تمكن من القبض عليه خدعة. وذلك أن بعض أصحاب أبيك استأمنوا زياداً على أن يرسله إلى معاوية في الشام، فأمنه زياد، وأرسلوا إلى أبيك فجاء زياداً، فلما رآه قال: (مرحباً بك أبا عبد الرحمن. أحرب أيام الحرب؟ وحرب وقد سالم الناس؟. على أهلها تجني براقش). فقال أبوك: (ما خلعت الطاعة، ولا فارقت جماعة، وإني على بيعتي). فأمر به إلى السجن، فلما ذهب قال زياد: (والله لأحرصن على قطع رقبته!)»

«ثم جد زياد في طلب أصحاب أبيك فهربوا، فأخذ كل من قدر عليه منهم، وجاء بعض الوشاة إلى زياد فقالوا له: (إن رجلاً هنا يقال له (صيفي) من رؤوس أصحاب حجر. فبعث زياد فأتى به وقال له: (يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟). قال: (ما أعرف أبا تراب). فقال: (ما أعرفك به، أتعرف علياً بن أبي طالب؟). قال: (نعم). قال: (فذاك أبو تراب). قال: (كلا.. ذاك أبو الحسن والحسين). فقال له: (صاحب الشرطة يقول هو أبو تراب وتقول لا؟). فقال: (أفإن كذب الأمير أكذب أنا، وأشهد على باطل كما شهد؟). فقال له زياد: (وهذا أيضاً؟ علي بالعصا). فجاءوا بها فقال: (ما تقول في علي؟). قال: (أحسن قول). قال: (اضربوه!). فضربوه حتى لصق بالأرض. ثم قال: (اقلعوا عنه. ما قولك في علي؟). قال: (والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت فيه إلا ما سمعت مني). قال: (لتلعننه أو لأضربن عنقك). قال: (لا أفعل). فأوثقوه حديداً وحبسوه. وإني والله لم أر أشجع منه إلا أبوك رحمهما الله!»

«ثم جمع زياد اثنى عشر رجلاً اتهمهم بالدعوة لعلي، وأشهد شهوداً أن حجراً جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة معاوية ودعا إلى حربه، وأنه قال: (إن هذا الأمر لا يصلح إلا في أبناء أبي طالب). وأنه وثب بالمصر، وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه، وأن هؤلاء الاثنى عشر معه هم أصحابه على رأيه. ثم دفع زياد أباك وأصحابه إلى اثنين من خاصته وسلمهما تلك الشهادات وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام.

(فساقاهم من العراق حتى انتهيا بهم إلى هذا المكان وهو مرج عذراء فأبقياهم وسارا إلى دمشق، فدخلا على معاوية وعرضا عليه الكتب التي كانت معهما. واتفق أن كان في مجلس معاوية أناس استوهبوه ستة من رفاق أبيك فوهبهم إياهم، وبعث أناساً إلى هذا المرج فوصوا إليه في المساء في مثل هذا الوقت).

•••

«وكنت قد صحبت الجماعة من الكوفة ومكثت عن بعد أنتظر ما سيكون، فلما رأيت القادمين من دمشق ومعهم الأسلحة والأنطاع، علمت أنهم قادمون ليقتلوه وأصحابه، ولم أكن أعلم أن معاوية وهب ستة منهم. فدنوت عند ذلك من أبيك فلما بصر بي دعاني إليه وقال لي قولاً لا أنساه عمري، وكأني به قد تحقق دنو الأجل فقال: (إني أوصيك يا عامر بوليدتي سلمى، احتفظ بها ما استطعت ولا تزوجها إلا بابن عمها عبد الرحمن، ولكن لا تفعل ذلك إلا بعد موت معاوية هذا. فإذا مات وعاد أمر الخلافة شورى للمسلمين، فإنهم يولون الحسين لا محالة، فإذا وليها فهو ينتقم لنا إن شاء الله). ولم يكد أبوك — واأسفي عليه — يتم كلامه حتى وصل القادمون من عند معاوية، فاستقدموا أباك وستة من رفاقه وقالوا لهم قبل القتل: (أنا قد أمرنا ان نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم). فقالوا: (لسنا فاعلي ذلك). فأمروا فحفرت القبور وأحضرت الأكفان، وقام أبوك وأصحابه يصلون عامة الليل. فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم أبوك: (اتركوني لأتوضأ وأصلي، فإنى ما توضأت ولا صليت). فتركوه فصلى، ثم قال: (والله ما صليت صلاة قط أخف منها. ولولا أن تظنوا فيّ جزعاً من الموت لاستكثرت منها). ثم قال: (اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا. وإن أهل الشام يقتلوننا. والله لئن قتلتموني بها فإنى لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها). ثم مشى أحدهم إليه بالسيف فارتعد رحمه الله، فقالوا له: (زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك). فقال: (وما لي لا أجزع وأنا أرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً؟ وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب). فقتلوه — والهفي عليه — وقتلوا ستة من رفاقه، ثم صلوا عليهم ودفنوهم في هذا المكان، وهذا هو قبر أبيك رحمة الله عليه. وخرجت أنا إلى الكوفة ثم قمت بكفالتك وربيتك أنت وعبد الرحمن».

وكان عامر يتكلم وسلمى وعبد الرحمن شاخصان إليه بأبصارهما، وقلباهما يكادان يشتعلان. فلما بلغ هذا الحد لم تتمالك سلمى نفسها وقالت: «ويل لقساة القلوب قتلة الأبرياء! ألأنه لم يلعن الإمام علياً قتلوه؟. إن الله منتقم من القوم الظالمين».

فوقف عبد الرحمن واستل خنجراً أبرق فرنده في ضوء القمر وقال وهو ينظر إلى القبر: (أيها الراقد بلا حراك، يا عماه، يا حجر بن عدي، إني لا أخاطب تراباً ولكنني أخاطب روحاً طاهرة لا أظنها تفارق هذا المكان.. اعلم رحمك الله أني سأنتقم لك قريباً بحد هذا الخنجر إن شاء الله».

واستولى عليهم السكوت تحت تلك الشجرة هنيهة لم يكن يسمع فيها إلا طنين البعوض وخرير الماء. وكان كل من هؤلاء الثلاثة يفكر في شيء واحد مرجعه الانتقام. ثم هبت سلمى من مكانها بغتة وجثت على قبر أبيها وتناولت حفنة من ترابه بيدها وقالت وهي تنظر إلى السماء من خلال الأغصان: «أنت تعلم أيها الواحد القهار أن أبي هذا قد مات مظلوماً، وأنت وحدك نصير المظلومين. إنه قتل في سبيل نصرة بيت نبيك (ﷺ). إنه قتل في سبيل نصرة الإمام علي، وصي النبي وصهره وابن عمه».

ولم تتم سلمى كلامها حتى سمعوا صوتاً عميقاً كأنه خارج من أعماق القبر، أو كأن هاتفاً من عالم الأرواح يقول بصوت ضعيف وقع همساً في أذن كل منهم على حدة: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.١ فلما سمعوا الصوت اقشعرت أبدانهم، ووقفت شعور رؤوسهم، وتولتهم الدهشة، وظلوا صامتين هنيهة وكل منهم يحسب نفسه قد انفرد بسماع الآية، وتطلع بعضهم إلى بعض والبغتة ظاهرة على وجوههم، ثم ازدادت دهشتهم حين تبينوا أنهم سمعوا الآية جميعاً على السواء، وخيل إليهم أن روح حجر تنطق من عالم الغيب، أو أن روحاً من الأرواح العلوية تخاطبهم بما تنطوي عليه إرادة الخلاق العظيم، فخشعوا واستولت عليهم الرهبة وكلهم ساكنون لا يبدون حراكاً، وتصورا المكان مسكوناً بعد أن كانوا يحسبونه مهجوراً!

وكانت سلمى لا تزال قابضة على التراب بيدها وعبد الرحمن واقف والخنجر مشرع في يده. وبدأ عامر بالكلام فاستعاذ بالله وقرأ الفاتحة، ولم يكد يتم تلاوتها حتى ابتدره عبد الرحمن وهو يغمد خنجره وقال وصوته مختنق من عظم الدهشة: «أرأيت يا عماه كيف أن الله معنا؟ وهل بعد ذلك الهاتف من شك في نجاح المهمة التي ندبت نفسي لأجلها؟». فسكتت سلمى وقد اقتنعت في سرها بأن عزم عبد الرحمن إلهام من الله، ولكنها لم تحرضه على تنفيذ عزمه خوفاً عليه من الخطر، وتركت الأمر يجري مجراه الطبيعي.

نهض عامر وهوي ينفض التراب الذي لصق بثيابه ويقول: «سر يا بني واتكل على الله وثق به، وقد سمعت قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ …»

ونفضت سلمى يدها أيضاً وتوجهوا جميعاً إلى الدير والقمر في كبد السماء، والسكوت ساعتئذ أرهب مما عهدوه وهم قادمون، لشدة ما آثر في نفوسهم من حديث عامر وهتاف الهاتف. وأصبحوا إذا وقعت أقدامهم على العشب أو التراب أثناء مشيهم سمعوا لوقوعها دوياً، وإذا دبت دابة أو نقت ضفدع وقع ذلك في آذانهم وقعاً شديداً. فمشوا معظم الطريق وكأن على رؤوسهم الطير، وعامر يفكر في دخول الدير ومن يفتح لهم بابه بعد أن انتصف الليل. وخاف أن يوجب غيابهم شبهة فغيَّر الطريق التي جاءوا منها، حتى إذا أشرفوا على مدخل البستان شاهدوا شبحاً قادماً نحوه من الجانب الآخر. فظنوه لأول وهلة ضيفاً طارقاً وعجبوا لقدومه في أواسط الليل. وفيما هم يتفرسون فيه قالت سلمى: «هذا هو الشيخ الناسك بعينه. ألا ترون الجلد على ظهره، ورأسه لشدة بياضه كأنه قطعة من ثلج؟!»

ولم يكونوا قد رأوه ماشياً قبل ذلك، فعجبوا من نشاطه وخفته، وقال عبد الرحمن: «كنت قد حسبته لأول وهلة شيخنا الناسك ولكنني اشتبهت في أمره لما عاينت من نشاطه وسرعة جريه، فإني لا أرى قامته محدودبة كما كنت أتوقع أن تكون بعد أن رأيناه في ساحة الدير!»

فقال عامر: «لا أظن سبب هذا النشاط إلا اقتصاره على أكل الفاكهة والخضر دون اللحوم. على أنني أستغرب خروجه في هذا الليل، وأخشى أن يكون قد رآنا تحت الجوزة، أو لعله سمع كلامنا أو اطلع على شيء من أمرنا».

قالت سلمى: «لو كان قد مر بنا لرأيناه أو سمعنا خطواته، فقد كان السكوت سائداً وضوء القمر ساطعاً. ولكنني أظنه كان يجول في الغوطة يتناول الثمار كما حكى لنا الرئيس عن غرابة أخلاقه وبداوة معيشته».

وفيما هم يتهامسون كان الشيخ قد أدرك باب البستان وعالجه بأداة في يده حتى انفتح، فدخل ووقف ينتظر وصولهم. فاستغربوا غايته من ذلك، ولم يفهموا السبب الذي حمله على هذا العمل، وحملوه على غرابة أخلاقه، وبخاصة بعد أن دخلوا الباب وحيوه فلم يرد التحية، بل أسرع إلى باب الدير فقرعه حتى أفاق أحد الرهبان ففتح له، فدخل ودخلوا هم في أثره، ثم اختفى ولم يعودوا يشاهدونه كأنه كان ظلاً وزال.

وأما هم فأسرعوا إلى غرفتهم يلتمسون المنام بعد المشقة والسهر الطويل، ولكنهم بالرغم من تعبهم لم تغمض أجفانهم إلا قبيل الفجر لما ثار في خواطرهم تلك الليلة.

•••

على أنهم لم يكادوا ينامون حتى أفاقوا على ضوضاء الرهبان في ساحة الدير فنهضوا مذعورين، وخرج عامر للبحث عن السبب ثم عاد وأمارات الدهشة بادية عليه، فابتدرته سلمى بالسؤال عن سبب دهشته، فقال بصوت خافت: «إن أهل الدير يستعدون لاستقبال يزيد بن معاوية!».

فبغت عبد الرحمن وقال: «يزيداً؟ وكيف يستقبلونه، ولماذا؟!»

قال: «لأنه ذاهب إلى الصيد في هذا الصباح، ومن عاداته إذا مر بهذا الدير أن يستريح ساعة ثم ينصرف».

ولم يتم عامر كلامه حتى اختلج قلب عبد الرحمن بفعل البغتة، دون أن يداخله شيء من الخوف. وأما سلمى فقد كان أثر هذه المفاجأة فيها أكبر منه في عبد الرحمن. بنسبة ما بين الرجل والمرأة من دفة الشعور. ثم قال عبد الرحمن: «هل أنت واثق يا عماه مما تقول؟ وهل نرى يزيد في هذا الدير اليوم؟»

قال: «ليس نزوله هنا أمراً محتوماً لكنه خارج إلى الصيد لا محالة وسيمر من طريق بقرب هذا الدير ويغلب على الظن أنه يعرج عليه هنيهة، لأنه يعرف رئيس الدير ويحترمه. والرئيس يعد مائدة من الفاكهة والأشربة، فإذا شاء أقام أو ظل سائراً في طريقه».

قالت سلمى: «أرجو أن ينزل هنا لكي أراه، لأني لم أرى وجهه بعد».

فقال عبد الرحمن: «ولكنك لا تقدرين على ذلك إلا إذا جلست في مكان ترين منه موكبه دون أن يراك».

قال عامر: «وأنا لا أريد أن يرى وجهي، فالأجدر بنا أن نتخذ مقاماً في خلوة تشرف على ساحة الدير، وإذا استطعنا أن نشرف على بستان الدير كان حظنا أوفر. لأن يزيد إذا أراد الصيد خرج في حاشية كبيرة وفيها البازيارية والعقابون وساسة الفهود والقرود والكلاب، وحملة الزاد والخدم والأعوان، وغير هؤلاء ممن يحتاج إليهم أثناء الصيد».

فقال عبد الرحمن: «وهل يقيمون في الصيد طويلاً؟»

قال: «ربما أقاموا أسبوعاً أو شهراً أو بضعة أسابيع، وهم في مضاربهم ومعهم كل ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والكساء. كذلك كان يفعل ملوك العراق عندنا من عهد الفرس. فقد كان الملك منهم إذا خرج للصيد بنوا له حائطاً طوله فرسخ يبتدئ من دجلة مثلاً أو من الفرات على هيئة زاوية، ثم يخرج الملك أو الأمير ومعه الرجال والأعوان على الخيول والبغال والحمير يطاردون الغزلان وحمر الوحش وغيرهما من الطرائد نحو الحائط والنهر، ويمنعونها من الرجوع فلا تفر منهم ويستدرجونها حتى يدخلوها وراء ذلك الحائط، فتنحصر بينه وبين النهر، فإذا انحصرت هناك دخل الملك ومن معه من خاصته وتأنقوا في القتل، فيقتلون ما يقتلون ويطلقون الباقي. وما أظن يزيد إلا فاعلاً في هذه الغوطة مثل ذلك».

فقال عبد الرحمن: «وما السبيل إلى مكان نستتر فيه؟»

قال عامر: «دعوا ذلك لي». وخرج إلى رئيس الدير. وكان الصبح قد انبلج والرئيس على السطح يراقب تنفيذ أوامره في تنظيف الدير وضواحيه، وفرش الطنافس وإعداد المجالس وترتيب الفاكهة في الآنية واستحضار المياه الباردة المحلاة بالسكر وأنواع الأشربة الحلوة. فصعد عامر إليه وحياه فرحب به الرئيس، فتجاهل عامر وسأله عن سبب ذلك الاهتمام فقال: «إن أمير المؤمنين مار بنا هذا الصباح في طريقه إلى الصيد، ومن عادته إذا خرج للصيد أن يجعل هذا الدير أول محطة يقف فيها».

فأظهر عامر ارتياحه لذلك وقال: «وقد بلغني أن مولانا الخليفة يجلكم ويحترمكم لقدم عهدكم في هذا المنصب».

قال: «ربما فعل ذلك تفضلاً منه، ولا غرو فإني أعرف أباه من قبله، وكثيراً ما كان يجالسني وأجالسه. وكان خليفتنا هذا يومئذ صبياً يخرج أحياناً إلى هذه الغوطة ومعه معلم يلقنه حركات النجوم وأنساب العرب اسمه دغفل، وكان إذا أتاني أنس بي فأكرمه، فلما تولى الخلافة ظل ذاكراً الصحبة».

فقال عامر: «إن منظر أمير المؤمنين بحاشيته وخدمه مما ينشرح له الصدر. وأراني كثير الشوق إلى مشاهدة ذلك المشهد. وابنتي أشوق مني إليه، ولكنني لا أدري كيف أستطيع أن أريها إياه من غير أن يراها أحد لأن عادتنا تقضي بالتحجب».

فقال الرئيس: «هذا أمر سهل يا بني، فإني أقدم لكم غرفتي تجلسون فيها أثناء تلك الزيارة».

فأثنى عامر على حسن ضيافته وقال: «بورك فيك يا مولاي». ثم ذهب ليدعو سلمى وعبد الرحمن. وعندئذ تذكر الرئيس ما سمعه بالأمس من الضيف الأبرص المتنكر من أن لهؤلاء حكاية تتصل بأمير المؤمنين، ولكنه لم يعد يستطيع الرجوع في قوله.

وبعد قليل عاد عامر ومعه رفيقاه فصعدوا جميعاً إلى علية الرئيس، فاستقبلهم وأوصاهم بالتستر ما استطاعوا، فلم يفقهوا لوصيته معنى غير مجاراتهم في مقتضيات الحجاب، وكان للعلية نافذتان تطل إحداهما على ساحة الدير والأخرى على بستانه. فأطلوا على البستان والغوطة من ورائه يستطلعون موكب الخليفة قبل وصوله، وكانت الشمس قد أرسلت أشعتها على تلك المروج الخضراء تتخللها الجداول والبحيرات، وتطايرت العصافير وغنت البلابل، كما علت أصوات الماشية والحمير والجمال في الحظيرة، فشاقتهم تلك المناظر البديعة بما يخالطها من ألوان الفاكهة والرياحين والأزهار، ولم يكادوا يقفون قليلاً حتى لاحت لهم من بين الأشجار خيول قادمة من جهة دمشق، وهي في هيئة موكب يتقدمه فارس بلباس زاه، وعلى رأسه عمامة صغيرة، وتجلل ثيابه جبة أرجوانية موشاة، وإلى جنبه سيف مرصع انكسرت أشعة الشمس على أحجاره الكريمة فأضاء كالمصباح، ووراء الفارس بضعة عشر من الفرسان، أقربهم إليه في مثل هيئته وزيه، فعلم عامر لأول وهلة أن الفارس الأول يزيد بن معاوية، ولكنه لم يتبين وجهه لبعد المسافة، ولم يعرف رفيقه، وإن كان قد رجح أنه من كبار خاصته.

وسألته سلمى: «من هو هذا الفارس الأول يا عماه؟ لعله الخليفة المزعوم؟!»

قال: «يظهر أنه هو».

قالت: «ومن هو رفيقه الفارس الذي يليه؟ يظهر لي أنه من أخصائه».

قال: «أظنه كذلك، فإذا اقترب تفرسته وأنبأتك بحقيقة حاله».

وظلت أبصارهم شاخصة إلى هذين الفارسين ولا يلتفتون إلى ما وراءهما حتى اقتربا من سور البستان، بينما كان رئيس الدير قد خرج برهبانه لاستقبال الضيف العظيم.

وترجل الفرسان، ودخل الخليفة أولاً وإلى جانبه رفيقه، ثم دخل وراءهما بقية الحاشية، فمشوا في البستان وعامر يتفرس فيهم وسلمى وعبد الرحمن ينظران إلى عامر فرأيا سحنته قد تغيرت والتفت إلى سلمى فسألته: «ما بالك يا عماه؟ ماذا رأيت؟».

فتنهد وقال: «يا للعجب! سبحان جامع الأشباه والنظائر، أتعلمين من هما هذان؟»

قالت: «لا.. ومن عسى أن يكونا؟»

قال: «أما الأول صاحب الحلة الأرجوانية الذي تريان وجهه شديد الأدمة وعليه أثر الجدري، فهو يزيد بن معاوية، الذي يسميه أتباعه أمير المؤمنين خليفة رب العالمين والخلافة بريئة منه! وهو كما تريانه فتى حسن الصورة لم يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره، ولم يغير الجدري شيئاً من جماله، ولكن الخلافة لا تحتاج إلى الجمال وبخاصة إذا كان صاحبها منغمساً في الملاهي. أما رفيقه الذي يسير بجانبه مختالاً، فهو عبيد الله بن زياد، ومتى اقترب منا فستشمان رائحة المسك تفوح من ثيابه».

فلما ذكر اسمه ارتعدت سلمى وقالت: «أليس أباه الذي سعى في قتل أبي؟»

قال: «هو بعينه».

فقال عبد الرحمن: «يا للغرابة! قد اجتمع القاتلان. وسيقتل كلاهما إن شاء الله». قال ذلك وحرق أسنانه. فنظر عامر إليه شزراً كأنه يؤنبه على ذلك التصريح، لأنهم محاطون بالرقباء والأعداء.

ولم يكد يزيد ورفقاؤه يقتربون من الدير حتى وصل أتباعهم ودخلوا البستان زرافات ووحداناً، وفيهم الراكبون على البغال والحمير، وفيهم المشاة وهم الأكثرون، ولكنهم على أشكال شتى في ملابسهم وأزيائهم، فبينهم أصحاب الملابس القصيرة والطويلة على اختلاف ألوانها، وبينهم حملة الحراب والنبال، وبعضهم يقودون فهوداً، وآخرون يسوسون قروداً، وغيرهم يجرون كلاباً في أرجلها أساور من الذهب وعلى ظهورها الجلال المنسوجة بالذهب، ومن حولها عبيد اختص كل منهم بخدمة كلب، فيقوم بكل ما يحتاج إليه من الطعام والنظافة. وشاهدوا في جملة تلك الحاشية أناساً يحملون طيوراً جارحة كالباز والصقر والعقاب.

وانتشر هذا الجمع في البستان، لأن ساحة الدير لا تسعهم جميعاً. وقد أحدثوا جلبة شديدة لكثرة عددهم واختلاط أصواتهم بأصوات الحيوانات والطير، من صهيل الخيل ونهيق الحمير وشحيج البغال وصياح الثعالب ونباح الكلاب وضحك القرود وصرصرة البزاة وحفيف الأجنحة.

وأخذت سلمى تسأل عامراً عن ذلك الجمع المحتشد، وما يحملونه أو يسوقونه من أنواع الحيوان، فأجابها عامر قائلاً: «إننا يا سلمى في مشهد بديع يندر أن يتفق لمثلك أن تراه. ولذا فإني أقص عليك خلاصته، فاعلمي أن الخليفة خارج للصيد، وربما أوغل في الغوطة واستغرقت سفرته أسابيع عدة. وهو مولع بالصيد حتى لقد شغله عن مهام الخلافة. ولا يقتصر في صيده على نوع من أنواع الحيوان بل يصطاد الطيور والظباء والأرانب وحمر الوحش وغيرها، وهذا هو السبب في كثرة هذه الحاشية. فإن منهم حفظة الفهود وقد أركبوها على الخيل. ويزيد هذا أول من أركبها عليها، أما أول من اصطاد الفهود فهو كليب بن وائل الشهير في حروب الجاهلية. وهي تصطاد له الغزلان وحمر الوحش ونحوها. وترين في هذا الجمع عبيداً يسوسون الكلاب وعليها الألبسة الفاخرة والأساور الذهبية، وعند يزيد عدد كبير منها، وهي تصطاد له الغزلان والأرانب».

«وأما الطيور التي ترينها في أيدي حامليها، فمنها الباز ويسمى حامله (البازيار). والباز كما تعلمين من الجوارح التي تفترس الطيور الضعيفة كالدراج والحباري والورشان والعصافير، فيحمل الصيادون الباز من الجبال ويعلمونه الطيران والرجوع إلى مكانه، فإذا خرجوا به للصيد أطعموه قليلاً وقبض البازيار عليه من رجليه ومشى به بعد أن يكسو كفه بقفاز من جلد. فإذا اشتم الباز رائحة دراج أو حباري رفرف وحاول الإفلات، فيفلته البازيار فيطير حتى يقع على طريدته فيقتلها، والبازيار يركض في أثره. وقد يهم الباز بأكل الطريدة فيدركه البازيار ويخرجها من فمه، وقد لا يهم بذلك. وهكذا يفعل العقاب، ويقال لحامله (عقاب). وكذلك الصقر والشاهين وغيرهما من الجوارح ولكنها لا تصطاد إلا الطيور الضعيفة».

فاعترضه عبد الرحمن قائلاً: «ولكنني سمعت أن الباز قد يصطاد الغزال أيضاً».

قال عامر: «ربما اصطاده ولكنه لا يستطيع ذلك وحده. فإن بعض البزاة إذا أطلقتها على غزال رفرفت على وجهه واعترضت مسيره فتعوقه عن الفرار السريع ريثما يدركه الكلب أو الفهد فيرديه. أما حمار الوحش فإن الفهد يصطاده، وقد يصطادونه بالنبال. وحمار الوحش كثير في (جرود). وهي قرية في هذه الغوطة».

وكانت سلمى مصغية تسمع حكاية الصيد وهي تعرف شيئاً منه ولكنها لم تكن تعرف هذا التفنن فيه. فلما وصل عامر إلى هذا الحد ظهر من رنة صوته أنه يهم بإنهاء الحديث فقالت سلمى: «ولكنني أرى جماعة من هؤلاء الغلمان يسوسون قروداً منها قرد عليه قباء من حرير أحمر وأصفر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بديعة، وقد ركب أتاناً وحشية عليها سرج من الحرير الأحمر منقوش عليها بألوان جميلة، وبين يديه خادم يسوسه ويطعمه الفاكهة من يده. فما هو شأن هذا القرد؟»

فضحك عامر وقال: «هذا هو (أبو القيس). وقد رباه يزيد وسماه بهذا الاسم، فإذا جلس للشراب مع منادميه طرح له مقعداً معهم. وهو قرد خبيث كثيراً ما يركب هذا الأتان ويخرج لمسابقة الخيل في أيام السباق، وقد يحوز قصب السبق عليها كلها!»

•••

اشمأزت سلمى مما سمعته عن يزيد وقالت: «أإلي هذا الحد بلغت حال الخلافة؟ أين هذا من عصر الخلفاء الراشدين، وقد كانت أثوابهم من الكرباس الغليظ، ونعالهم وحمائل سيوفهم من الليف، وكانوا يمشون في الأسواق كبعض الرعية؟.. هكذا كان أبو بكر، وكان عمر بن الخطاب، وهكذا كان علي بن أبي طالب!. أين الزهد والتقوى؟ أين العدل والقسط؟ أين الحزم والعزم؟ أين العلم والفضل؟ واأسفاه على الإسلام والمسلمين!»

فابتدرها عبد الرحمن وقال: «رويدك يا سلمى إن وقت النجاة قريب. ولا أظنك بعد ما سمعت ورأيت تترددين في إطلاق حريتي فيما عزمت عليه، وإن غداً لناظره قريب».

فتنهدت سلمى وأطرقت وكأن قلبها قد دلها على خطر يهدد حبيبها، ولكنها ظلت صامتة. وبينما هم في ذلك إذ علا نباح الكلاب في باحة الدير، فتحولوا إلى النافذة المطلة على تلك الباحة ليروا ما هناك، فإذا الخليفة ورجاله قد جلسوا على طنافس فرشت لهم تحت الصفصافة، وبين أيديهم مختلف ألوان الفاكهة، والرهبان وقوف بأقداح الماء المحلى بالسكر وأنواع الاشربة الحلوة التى يستخرجها الرهبان من الثمار، وفيها أصناف الخمور المختلفة، المستخرجة من العنب والتفاح والبلح. وكان الرئيس جالساً باحترام بين يدي يزيد، وبيده قدح من الفضة يقدمه له ليشرب. ولكن الصفصافة حجبت كثيراً من ملامح الجالسين، فلم يكن يبدو إلا بعضها من خلال الأغصان، كما أن عواء الكلاب كاد يصم آذانهم ويشغلهم عن تتبع ما يجري في ذلك المجلس الطريف.

وكان سبب ذلك العواء أن كلاب يزيد حينما تبعته إلى باحة الدير وعليها الألبسة والأساور كما تقدم، كان شيبوب وصاحبه نائمين على دكة في بعض جوانب الباحة. فلما شعر الشيخ بمجيء يزيد ارتعدت فرائصه ولم يعد يستطيع البقاء، فهرول وانزوى في مستتر من الدير ولم يدع شيبوب لمرافقته. فظل الكلب متكئاً حتى دخل يزيد وانتشرت كلابه تحت الصفصافة واشتم شيبوب رائحتها فكان أشد نفرة ورعدة من صاحبه، فأخذ في النباح وكذلك فعلت كلاب يزيد!

فلما طال النباح، أمر الرئيس بعض الرهبان أن يطرد شيبوب من ذلك المكان، فقام الراهب بذلك، وركض شيبوب إلى السلم فصعد إلى السطح. وكان لعلية الرئيس كوة واطئة تشرف على السطح فأدخل الكلب رأسه منها فرأى سلمى ورفيقيها فحمحم مستأنساً بهم، ثم وثب إلى الداخل ودنا من سلمى وقد أرخى أذنيه وهز زيله، فاستأنست هي به وجعلت تمسح رأسه بيدها وهو يدنو منها ويحك جنبه بثوبها. على أنها خافت أن تشتغل بها عن مشاهدة مجلس يزيد، فشغلته بثمرات جافة كانت في جيبها. وكان شيبوب قد ألف أكل الفاكهة مثل صاحبه وإن لم يكن هذا طبعه. ثم عادت سلمى إلى التطلع من النافذة، وأهل الباحة مشتغلون عنها بخدمة يزيد وإكرام وفادته، وكلابهم لا تزال تنبح، فلم يكن من شيبوب إلا أن أجابها بنبحة ارتجعت لها العلية واستلفتت انتباه الجالسين تحت الصفصافة، فالتفت بعضهم إلى جهة الصوت وفي جملتهم «عبيد بن زياد» رفيق الخليفة وصديقه، فوقع بصره على وجه سلمى فلم يتمالك عن الإعجاب بجمالها وهيبتها، وشعر بجاذب جذب قلبه إليها وامتلك عواطفه!

أما هي فلحظت انتباه الناس لنباح شيبوب والتفات بعضهم إلى العلية ووقع نظر ابن زياد عليها، فهرعت إلى الداخل وقد غلب عليها الحياء وتبدلت هيئتها. كان عامر وعبد الرحمن مشتغلين عن ذلك بالحديث، فلما عوى شيبوب وتحولت سلمى عن النافذة التفتا إليها فإذا هي قد احمر وجهها وظهر عليها الاضطراب. فابتدرها عبد الرحمن بالسؤال عن سبب ذلك، فأظهرت أنها لا تبالي، وقالت: «إن نباح هذا الكلب قد استلفت أنظار بعض الجالسين بين يدي الخليفة فتطلعوا إلى النافذة».

فقال عبد الرحمن: «وما الذي تخافينه؟»

فقطع عليه عامر الكلام قائلاً: «لم تخف وإنما الحياء غلب عليها!»

•••

كان عبيد الله بن زياد قد افتتن بسلمى للنظرة الأولى، ولم يبق له صبر على معرفة أمرها، ولكنه لم يجرؤ على ذلك والخليفة معه، فعزم بينه وبين نفسه على الإسراع في العودة وحده من الصيد بحيلة يخترعها ليزيد، لكي يعرج على الدير وحده ويبحث عن تلك الغادة الفتانة.

على أنه لم يتمالك عن سؤال الرئيس خلسة عن سكان تلك العلية. ولا تسل عن حال الرئيس عند ذلك السؤال بعد الذي سمعه من ضيفه الأبرص من أمر أولئك الضيوف وعلاقة ذلك بالخليفة. فلما سمع ابن زياد يسأله عنهم أوجس في نفسه خيفة، ولكنه تجلد وأجاب بسذاجة قائلاً: «إنهم يا مولاي رجل وابنته، وهم من أهل العراق نزلوا ضيوفاً علينا». ثم فطن لعذر ظنه يرضي الخليفة فقال: «ولا يخفى على مولاي أننا مكلفون باستضافتهم لأنهم مسلمون، فأنزلناهم وقمنا بخدمتهم عملاً بعهد الخليفة عمر بن الخطاب، وهو يقضي علينا بضيافة من ينزل علينا من المسلمين ثلاثة أيام».

فقال عبيد الله: «حسناً فعلت». واطمأن قلبه إذ علم أنهم من المسلمين ورجح أن تلك الحسناء عزبة، ولكي يتأكد من ذلك قال مغالطاً: «ألم تقل أن الثلاثة رجل وامرأته وابنه؟»

قال: «لا يا مولاي، إنهم رجل وابنه وابنته، والابنة عذراء».

فازداد اطمئنان عبيد الله ولكنه خاف إذا طال غيابه أن تخرج سلمى من الدير فلا يعود يظفر بها فقال للرئيس: «وهل تطول إقامتهم في هذا الدير؟»

قال: «لا أدري ولكني أظنهم مسافرين قريباً إلى دمشق لأنهم آتون في تجارة». قال: «أوصيك باستبقائهم ريثما أعود». فقال: «سمعاً وطاعة».

ثم خرج يزيد بحاشيته من الدير والرئيس والرهبان يشيعونهم إلى البستان، حتى ركبوا وهم يدعون لهم بالسلامة. أما عبيد الله فخرج وقلبه مشتغل بسلمى، وهو يعد نفسه بالرجوع إليها عاجلاً.

١ وقع فى الأصل «وبشر الذين ظلموا» ولا يوجد فى القرآن الكريم آيه بهذا اللفظ. الفصل الخامس

الحب والانتقام

نزلت سلمى ورفيقاها بعد انصراف الأضياف حتى دخلوا غرفتهم، وعبد الرحمن ساكتاً لا يتكلم، وقد أدرك عامر وسلمى ما جاش في خاطره من أمر الانتقام. فلما وصولوا إلى الغرفة هموا بالجلوس إلا عبد الرحمن فإنه ظل واقفاً والقلق ظاهر على وجهه، فتجاهلت سلمى حاله، ودعته إلى الجلوس فقال: «أتدعينني إلى الجلوس وقد أزفت الساعة التي نحن في انتظارها منذ أعوام؟»

ففهمت مراده ولكنها تجاهلت، وقالت: «وأي ساعة تعني؟»

قال: «أراك تتجاهلين حين لا ينفع التجاهل، فقد قضي الأمر وآن أوان الانتقام!»

فاختلج قلبها في صدرها خوفاً عليه من الخطر الشديد بعد أن شاهدت كثرة تلك الحاشية وما معهم من العدة والسلاح، وقالت: «دعنا الآن من الانتقام يا عبد الرحمن، فإن الساعة لم تأت بعد».

قال: «وكيف ذلك وهذا يزيد خارج للصيد بكلابه وفهوده وجوارحه؟»

قالت: «ذلك هو الأمر الذي أخافه عليك. بالله لا تلق بيدك إلى التهلكة، فإن المركب خشن والطريق وعر!»

قال: «لقد عزت وتوكلت على الله». قال ذلك وهو يبحث عن خنجره ويصلح ثيابه ويتأهب للخروج.

فأمست سلمى بذيل ثوبه، وقد توردت وجنتاها وغلب عليها الحب والحياء معاً وقالت: «بالله لا تذهب. إني خائفة عليك من هذا الأمر العظيم. إنك واحد وهم جماعة».

فقال: «دعيني، لا أبالي مهما يكن من كثرتهم، وقد صممت على الانتقام وهذا وقته فلا تثني من عزمي».

فقالت وهي تكاد تشرق بدموعها: «لا، لم يأن وقت الانتقام، فلا تذهب الآن».

قال: «إني لا أرى فرصة أنسب من هذه، فدعيني يا سلمى، دعيني أقتل هذا الرجل وأنقذ المسلمين من شره، وأنتقم لحجر بن عدي، وأشف غليلي منه».

فقالت: «إذا لم يكن بد من الذهاب فدعني أذهب معك، فإما أن نقتل معاً، وإما أن ننجو معاً!»

قال: «أليس عاراً عليّ وأنا رجل أن أصطحبك في مهمة كهذه؟ دعيني يا سلمى». وحاول التخلص منها فإذا هي ممسكة ثوبه بيدها. فغضب وأراد أن يتخلص بالعنف، ثم نظر إلى وجهها فرأى الدموع تتساقط من عينيها، فسكن غضبه ووقف وهو ينظر إليها بعين المحب المفتون وقال لها: «ما هذا يا سلمى؟ ما الذي تفعلينه؟ إنك تضعفين عزيمتي وتحملينني على الجبن! ما الذي يدعوك إلى ذلك، وعهدي بك أشد حنقاً مني وأكثر رغبة في الانتقام؟»

فقالت وهي تجهش بالبكاء وصوتها يتلجلج: «ألا تدري ما الذي يدعوني إلى ذلك؟ هو الحب يا عبد الرحمن. إن الحب يحملني على هذا الخوف!». ثم قالت بصوت ضعيف متقطع وهي تنظر إلى الأرض: «نعم، إن الحب حلو شهي لذيذ!»

فابتسم إعجاباً وابتدرها وهو يتجلد مخافة أن تغلب عواطفه على ما في نفسه وقال: «صدقت يا حبيبتي إن الحب حلو. ما أحلاه. ولكن الانتقام يا سلمى أحلى منه. ليس في العالم ألذ من الانتقام ولا أحلى. دعيني أخرج إلى هذا الرجل الذي يسمي نفسه أمير المؤمنين فأقتله بهذا الخنجر، وأنتقم لك ولي وأنقذ المسلمين منه، أو أموت في نصرة الحق و …».

فقطعت كلامه وقالت: «لا تذكر الموت يا عبد الرحمن، إن ذكره يؤلمني ويؤذيني، حماك الله من شره».

قال: «أيؤلمك ذكره، وقد ذاقه قلبي من هو أكرم عند الله مني؟. لقد ذاقه الإمام علي، وذاقه أبوك حجر بن عدي، وذاقه كثيرون غيرهما في سبيل نصرة الحق، فما أنا خير منهم. وقد آن وقت الانتقام».

وهمت سلمى بأن تجيبه فوقف عامر وقد أثر في نفسه ذلك الجدال، ووقع في حيرة لا يدري لأيهما ينتصر؟ ولكنه خاطب عبد الرحمن مترفقاً وقال: «تمهل يا بني وأرفق بنا، واعلم أنك سالك طريقاً وعراً لا نرضى أن تسلكه وحدك. دعني أسر معك، لعلي أنفعك في جهادك أو أكون بين يديك فيصيبني ما يصيبك».

فالتفت عبد الرحمن إلى عامر وقال: «وأنت أيضاً يا عماه تثبط عزيمتي؟ ألم نسمع كلام الهاتف معاً؟ ألم يقل الهاتف فوق قبر حجر: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.١ أترى بعد ذلك مجالاً لقائل. إنه لا بد لي من الذهاب، إن لم يكن إجابة لدعوة الهاتف فانتقاماً لحجر بن عدي الراقد تحت الجوزة، وانتقاماً لصهر النبي (ﷺ) وابن عمه ووصيه الإمام علي. وإن لم يكن لهذا ولا لذاك فانتصاراً للحق وإنقاذاً للإسلام والمسلمين من سلطان شغل عن رعاية الأمة برعاية الجوارح والكلاب والفهود والمنادمة على الشراب». فأراد عامر أن يجيبه ليثنيه عن عزمه إشفاقاً على سلمى فقال له: «لا أنكر عليك نبالة الغرض الذي ترمي إليه، ولكنني أظن الوقت لم يحن بعد».

•••

مل عبد الرحمن الجدال فقال: «لقد ضيقتما علي السبل، ولست أرى وقتاً أنسب من هذا للوفاء بعهدي». ثم التفت إلى سلمى وقد هاجت أشجانه فوق هياج غضبه، وكأنه تحقق عظم الخطر الذي يتهدده في طريقه فقال: «ويكفي يا سلمى أن يكون تأجيل قتل هذا الرجل باعثاً على تأجيل زواجنا، ألم أجعل قتله يا منتهى أملي شرطاً لعقد زفافنا؟ إنك تبتغين البعد وأنا أسعى في القرب وأشتريه بحياتي؟. ألم أعاهد نفسي على ذلك؟ آه يا سلمى!. إني عالم بما يهددني، ولا أجهل خطر الطريق، ولكنني مضطر لركوب هذا المركب، فاتركيني وادعي لي، فإن دعاءك من دعاء الملائكة لأنك ملاك في صورة إنسان».

قال ذلك واختنق صوته، فسكت وراح ينظر إلى سلمى وعيناه تلمعان بما غشاهما من الدمع، وقد هاجت شجونه وتلوت عواطفه وهو يغالبها بشهامته وبسالته، وسلمى لا تزال ممسكة بطرف ثوبه، والحب والحياء يتنازعانها، فلما سمعت كلامه أطرقت والدمع يسيل على خديها وهي تحاول إخفاءه بسكوتها، وعامر ينظر إلى ذينك الحبيبين وقلبه معهما، ولكنه لا يدري لأيهما ينتصر!

ظلوا صامتين وعبد الرحمن يغالب عواطفه ويخاف أن تغلبه، ولكنه تجلد وأعاد الكرة وقال بصوت هادىء: «لا أجهل يا سلمى أني سائر في مهمة ذات خطر عظيم، ولكنك تعلمين أننا إنما قطعنا البراري والقفار وجئنا هذه الديار من أجل الانتقام. وقد أردت المجيء وحدي فأبيتما إلا اللحاق بي، وهذا ما كنت أخشاه منذ بادئ الأمر، فلا تكوني عثرة في سبيلي وسبيل الحق. إنني إنما جئت إلى هذه الديار لقتل هذا الرجل. أما صدقتما ما ادعيناه من أننا جئنا للاتجار بالتمر والجمال؟! إننا ما جئنا إلا للانتقام، فهل يليق بنا بعد أن استخرنا الله وعزمنا، أن نرجع إلى الوراء؟ أليس من العلو أن يكون ابن ملجم البلغي أكثر ثباتاً مني، وهو إنما ثبت على قتل نفس بريئة، وأنا أسعى في استئصال شجرة فاسدة؟. إني أسعى في إنقاذ الإسلام من فساد تولاه، ولا علاج له غير قتل يزيد، لكي تعود الخلافة إلى حبيبنا سيد شباب المسلمين الإمام الحسين ابن بنت الرسول (ﷺ) فاتركاني أذهب في سبيلي، فقد اتكلت على الله في أمري، وما الموت الذي تخافانه علي إلا سنة الله في خلقه، فإذا حكم علي به فلي أسوة بغيري من القوم الصالحين، وأكون قد توسدت الثرى قرير العين، ألقى وجه ربي باشاً مطمئناً تشهد كل ذرة من ترابي بحسن جهادي. وإذا فزت وحييت فإني إنما أحيا سعيداً وسلمى زوجتي، والحسين مولاي وخليفة المسلمين. هذا هو القول الفصل، وكفانا تردداً».

فلم يبق ثمة مجال للدفاع فقال عامر: «دعيه يا سلمى. إن الله قد دعاه إلى عمل صالح اختاره له، فعسى أن يوفقه فيه. دعيه وألقي أمرك إلى الله».

فتركت سلمى ثوب عبد الرحمن ولكنها ظلت صامتة. فأتم عامر كلامه قائلاً: «والآن إذا أنت خرجت في أثر هذا الركب فما الذي تفعله، وكيف نطلع على خبرك؟ ألا ترى أن أسير أنا معك؟»

قال: «أقسم بتربة عمي الثاوي في هذا الجوار لا يذهبن أحد معي. أما خبري فسأحمله إليكما بنفسي وإلا». وسكت.

فعادت سلمى إلى القلق وقالت: «وإلا ماذا؟. قل..»

قال: «إني ذاهب الآن في أثر هذه الحملة إلى حيث ينزلون لصيدهم وسأختبئ في مكان ما حتى أنفرد بيزيد فأقتله، أما أنتما فامكثا هنا في انتظاري بقية هذا النهار وطول ليله، فإذا جاء مساء الغد ولم أعد إليكما فلا تطلباني، فلا أدري أين أكون..»

فقال عامر: «سر واتكل على الله، ونحن في انتظارك إلى غروب الغد فإذا غابت الشمس ولم تعد إلينا، فـ..»

فقطع عبد الرحمن كلام عامر قائلاً: «لا أظنني بعد قتل يزيد إلا مضطراً للاختفاء فلا أستطيع دخول هذا الدير». وسكت برهة يفكر ثم قال: «ولكنني أرسل إليكم علامة».

قال: «وما هي علامتك وكيف ترسلها؟»

قال: «أرمي إليكم بسهم أكتب بين ريشتيه اسم المكان الذي نلتقي فيه فتوافيانني إليه. فإذا جاء غروب الغد فانتظرا سهمي على سطح هذا الدير. ولن أذكر لكما بين الريشتين غير اسم المكان فلا خوف منه إذا وقع في أيدي الرهبان».

فأعجب عامر بفطنته وقال: «إنها لنعم العلامة».

وتقلد عبد الرحمن قوساً صغيراً وأسهماً، كما تقلد الخنجر، ولبس ثوباً أصبح فيه يشبه أتباع يزيد، وتزمل برداء فوق ثوبه. وكانت سلمى في أثناء ذلك تنظر إليه وقلبها لا يطاوعها على مفارقته، فلما أتم الاستعداد وهم بوداعها خفق قلبها وندمت على قبولها ذهابه. وأرادت أن تعود إلى منعه، فلم يتح لها فرصة بل أسرع ففتح الباب وخرج. فلم تعد تستطيع اللحاق به مخافة أن يشتبه الرهبان في أمرهم. فتظاهرت بالسكينة، وتبعته بنظرها فإذا هو قد أدرك باب الدير وخرج منه، فاصطحبت عامر والتمست سطح الدير لكي تشيعه ببصرها وهو سائر في الغوطة. فصعدا السلم وهما يتظاهران بالتفرج، فلما أشرفا على السطح رأيا عبد الرحمن قد قطع البستان حتى خرج من بابه وهو لا يلتفت يمنة ولا يسرة ثم أوغل بين الأشجار.

وفيما هما ينظران إليه من خلال الأشجار، رأيا رجلاً ملثماً خرج من الدير وسار في أثره، فلم يعرفاه ولا اشتبها فيه لخلو ذهنهما من وجود رقيب يرقبهما هناك، ولو علما من هو ذلك الملثم وما نصبه من الشراك لعبد الرحمن لتعقباه وأوديا به، أو لأرجعا عبد الرحمن عن عزمه.

وما كان ذلك الملثم إلا الضيف الأبرص الذي جاء الدير بالأمس واختبأ في إحدى غرفه. وكان قد رافقهم خلسة منذ خروجهما من الكوفة لحاجة في نفسه، لو عرفتها سلمى لارتعدت فرائصها ولما صبرت إلى غروب الغد تنتظر رجوع حبيبها.

وظلت سلمى واقفة تتطاول بعنقها وتحدق بعينيها بين الأشجار حتى غاب عبد الرحمن عن بصرها، فلما توارى أحست كأن قلبها انخلع من مكانه، ولم تعد تتمالك عن البكاء لما غلب عليها من الخوف على حياة حبيبها، وندمت على تركه يذهب وحده، ثم عادت إلى غرفتها حزينة كئيبة لا تخاطب عامراً ولا تنظر إليه.

ولم يكن عامراً أقل ندماً على ذلك، فظل صامتاً ونزل في أثرها، والرهبان في شاغل عنهما برفع الآنية والأبسطة التي كانوا قد أعدوها للخليفة.

•••

دخلت سلمى غرفتها وقد أظلمت الدنيا في عينيها وضاقت بها السبل فأطلقت لعينيها عنان الدموع واستغرقت في البكاء كأنها أشعرت بما سيلقاه عبد الرحمن من الخطر، وودت لو تتبعه عسى أن تكون له عوناً.. ولكنها لم تكن تعرف الجهة التي مضى إليها، ولا التي سار إليها موكب الخليفة، فظلت تتردد بين اليأس والرجاء، وعامر جالس منقبض الصدر وفي نفسه هواجس أمسك عن إظهارها إشفاقاً على سلمى. ثم تجلد فاقترب منها وجعل يخفف عنها ويطمئنها وهي لا تصغي إليه.

على أنها عادت تعلل نفسها بنيل المنى، فتصورت فوز حبيبها بقتل يزيد وما يترتب على ذلك مما تتوق إليه نفسها ونفس كل مسلم من دعاة أهل البيت، فضلاً عن شفاء غليلها بالانتقام لأبيها، فسكن روعها وخف بكاؤها، فاغتنم عامر الفرصة وقال لها: «خففي عنك يا بنيتي واتكلي على الله، فإنه ولي التوفيق وهو على كل شيء قدير، وما قتل هذا الخليفة بالأمر العسير، ولاسيما أن عبد الرحمن لن يقدم على قتله وهو بين رجاله، ولكنه سيتربص به حتى يراه وحده، ولا شك في أنهما إذا تبارزا فستكون الغلبة لعبد الرحمن».

فنزل كلام عامر عليها برداً وسلاماً، فكفت عن بكائها، ونهضت تتشاغل بترتيب فرش الحجرة وأثاثها، ثم استلقت وقد غلبها التعب وأدركها النعاس. وأدرك عامر ذلك فتركها وخرج ليخلو بنفسه.

وظلت سلمى نائمة إلى العصر وعامر يتردد إلى الحجرة يتفقدها فإذا رآها مازالت نائمة عاد إلى السطح وتشاغل بالتأمل في مشاهد الكنيسة، أو محادثة بعض الرهبان.

وفيما هو عائد ذات مرة رأى شيبوب تحت الصفصافة، فتذكر الشيخ الناسك، وخطر له أن يذهب إليه لعله يسمع منه كلاماً يطمئنه على عبد الرحمن. وكان يعتقد الكرامة في مثل هذا الناسك. ثم بدا له أن يصطحب سلمى لتشاركه اطمئنانه، فلما ذهب إلى غرفتها وجدها قد استيقظت وجلست مضطربة حزينة النفس فقال لها: «ما بالك يا بنية؟ ما لي أراك مضطربة؟»

قالت والدمع ملء عينيها: «آه يا عماه تسألني عن شيء أنت تعلمه؟ ولقد زاد في همي ما انتابني من الأحلام أثناء نومي».

فابتدرها الشيخ قائلاً: «دعينا من الأحلام والأوهام، وهلمي بنا إلى الشيخ الناسك لنجلس إليه عسانا نسمع منه ما يسر. فإني والله أعتقد الكرامة في أمثاله».

فارتاحت سلمى لهذا الاقتراح، ووقفت وقد انبسط وجهها وزالت عبوسته وقالت: «نعم الرأي يا عماه. فهيا بنا إليه. أين هو؟»

قال: «أظنه في بعض جوانب الدير فقد رأيت كلبه الساعة تحت الصفصافة، فلا يبعد أن يكون في زاوية من زوايا الدير، أو في بعض غرفه».

•••

خرج عامر وسلمى في أثره، فلما أطلا على الباحة رآهما الكلب فهرول إلى سلمى وهوي يحرك ذيله ويغمغم استئناساً بها. وذهب عامر للبحث عن الناسك ثم عاد وهو يقول: «سألت في كل أطراف الدير فلم أقف له على أثر، وقد أخبرني الرئيس بأنه خرج عندما كان الخليفة هنا ولم يعد».

قالت: «هل تظنه في بعض جوانب البستان؟»

قال: «ربما، هلم نبحث عنه هناك».

فمشيا حتى خرجا من باب الدير، والحظيرة إلى يمينهما وفيها الماشية والدواب، فوقفا ينظران في جوانب البستان. وكان الكلب قد خرج في أثرهما، ثم رأياه يجري إلى اليسار مسرعاً، فقالت سلمى: «يظهر أن شيبوب اشتم رائحة صاحبه فأسرع إليه، فلنذهب في أثره».

وتبعاه فإذا هو قد انتهى إلى جميزة قديمة العهد، في أسفل ساقها كهف يشبه غرفة صغيرة أوى إليه الناسك. ورأياه عن بعد جالساً الأربعاء ويداه متقاطعتان على ركبتيه، وقد أطرق كأنه يفكر في معضلة يبتغي حلها. فلما وصل الكلب إليه وجعل يلحس يديه ويتحكك به انتبه الشيخ من غفلته فرفع عينيه وشعر حاجبيه يغطيهما، وأمسك لحيته وثناها إلى فيه وأطبق شفتيه عليها، فوقعت عينه على سلمى وعامر، فجعل يتفرس فيهما وهما قادمان إليه يفكران فيما يبدآن به الحديث. ولم يكادا يدركانه حتى سمعاه يقول بصوت جهوري اخترق نطاق قلبيهما: «أين عبد الرحمن؟!»

فلما سمعت سلمى اسم حبيبها خفق قلبها وارتعدت فرائصها، ولم يكن عامر أقل بغتة منها، وارتج عليهما فلم يعلما بماذا يجيبانه.

ولم يكادا يقتربان منه حتى انتصب واقفاً كأنه شاب في عنفوان الشباب وصاح فيهما: «أين عبد الرحمن. أين ذهب؟»

فاقشعر بدن سلمى، وهمت بالجواب فارتج عليها فأجابه عامر قائلاً: «وأي عبد الرحمن؟»

قال: «أتسألني يا عامر عن عبد الرحمن وأنت كفيله؟ قل أين ذهب، وقد كان معكما بالأمس؟»

فلم يشك عامر في أنه بين يدي ولي من أولياء الله، المرفوع عنهم الحجاب، فقال: «إنه سار في مهمة، لعلك عرفتها من تلقاء نفسك».

قال: «أظنه ذهب وراء يزيد بن معاوية الذي يدعونه خليفة».

فخاف عامر وسلمى أن يسمع أحد كلامه، فالتفتا فإذا هما في معزل عن الناس فقال عامر: «نعم يا سيدي».

فضرب الناسك يداً بيد ونظر إلى السماء وقال: «حماك الله يا عبد الرحمن من ذلك الخائن المنافق. كيف تركتماه يذهب في هذا الخطر العظيم؟»

فلما سمعت سلمى كلامه ترامت على قدميه وصاحت: «قل يا سيدي! قل لي بالله عليك، هل من خطر على عبد الرحمن؟»

قال: «الخطر عليه من ذلك الأبرص الذي خرج في أثره».

قال عامر: «وأي أبرص يا مولاي؟. قل بالله؟. أفصح فقد أقلقتنا».

فأطرق الشيخ وظل هنيهة ساكناً. وهو يقبض على لحيته ثم يتركها ويداه ترتعشان تأثراً. فلم تعد سلمى تستطيع صبراً على سكوته فقالت: «قل بالله يا سيدي. ماذا ينتظر عبد الرحمن في رحلته هذه؟. ومن هو ذلك الأبرص؟»

فرفع الناسك طرف ثوبه، وغطى به رأسه وقال: «ألا تعرفان ذلك الأبرص؟ ألا تعرفان شمر بن ذي الجوشن؟»

فقالا بصوت واحد: «بلى نعرفه، وأين هو؟»

قال: «إنه خرج في هذا الصباح من الدير ملثماً بعد خروج يزيد. وأظنه رأى عبد الرحمن خارجاً فاقتفى أثره ليوقع به!»

فالتفتت سلمى إلى عامر والشيخ لا يزال ساتراً رأسه بثوبه وقالت: «تباً له من خائن، أظنه اقتفى أثرنا من الكوفة وقد علم بالغرض الذي جئنا من أجله إلى الشام. تباً لك يا شمر!». ثم التفتت إلى الشيخ وقالت: «وماذا نعمل الآن يا سيدي؟. وما الذي تخشاه على عبد الرحمن؟ قل لنا ماذا نعمل، فإنا نراك من المحسنين».

قالت ذلك وخفق قلبها وقد اصطكت ركبتاها ولم تعد تستطيع الوقوف وكأنها في حلم. وعامر ينظر إلى الناسك مستغرباً لا يدري كيف يفسر فراسته. ولكنه شغل بأمر الخطر المحدق بعبد الرحمن عن التفكير في الفراسة وكرامات الأولياء. وأحب أن يغالط الشيخ فقال له: «إنك تخاطبنا يا سيدي بالرموز والألغاز، فما هو خبر عبد الرحمن وما الشأن الذي ذهب فيه؟»

ولم يتم عامر كلامه حتى قهقه الشيخ، ثم توقف بغتة وقال: «أتجربني يا عامر وتتجاهل؟ لعل لك عذراً، ولكن الأمر الذي جئتم له لا يخفى على هذه الأحجار ولا على هذه الأشجار! وإذا لم تصدقاني فاسألا الهاتف الذي كلمكم من الجوزة ألم يقل لكم: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

فلا تسل عن حال عامر وسلمى عند سماعهما ذلك الكلام. فهم عامر بيد الشيخ ليقبلها لا يبالي برائحة قذارتها وقذارة ذلك الثوب. فلما أحس الشيخ بيد عامر ابتعد عنه وانزوى في الكهف والغطاء لا يزال على رأسه. فقال له عامر: «بالله أيها الشيخ الجليل ألا كشفت عن وجهك وأظهرت نفسك؟»

فزجره الشيخ وقال: «إلزم الأدب يا عامر، ولا تتطاول إلى ما لا يعنيك، واعلم أنني لن أخاطبك بعد الآن إلا مستتراً، ويكفيك ما علمته من أمر ابن ذي الجوشن الأبرص، وما يبغيه من اللحاق بعبد الرحمن».

فخافت سلمى أن يغضب الناسك إذا هما أكثرا من السؤال فقالت: «لا تغضب يا سيدي ولا يسوءك سؤالنا وأنت تعلم حالنا بعد ما ظهر من اطلاعك على أمرنا، إنا سائلوك سؤالاً واحداً لا نزيد عليه شيئاً، فهل تجيبنا؟»

فلم يزد على قوله: «هم هم».

ولكنها فهمت أنه موافق فقالت: «هل ترى من بأس على عبد الرحمن في مهمته هذه؟ وماذا نصنع لإنقاذه مما عساه أن يحيق به من الأخطار؟»

فأطرق الشيخ برهة ثم قال: «أرجو ألا يكون عليه بأس، فإنه عرض نفسه في سبيل خدمة المسلمين. وهذا كل ما أقوله لكما فلا تزيدا». قال ذلك وهرول مسرعاً نحو الغوطة والكلب يجري في أثره مخلفاً سلمى وعامر على أحر من الجمر، وقد جمد الدم في عروقهما وهما لا يكادان يمسكان النفس مما اعتراهما.

فلما توارى الشيخ وكلبه عنهما ظلا برهة صامتين ثم قالت سلمى: «ما قولك يا عماه في هذا الشيخ وما سمعناه من كلامه؟»

قال: «إني والله في عجب عجاب من أمره، وقد كنا نسمع بالأولياء وكراماتهم، فالآن قد رأينا أحدهم رأي العين!»

فقالت: «إني أحسبني في منام». وفركت عينيها، وتلفتت إلى ما حواليها كأنما تريد أن تستوثق من يقظتها!

وأدرك عامر استغرابها وحيرتها فقال: «لا تستغربي يا سلمى مما شاهدته من أمر هذا الشيخ مع ما يظهر من بلاهته، فإن الله يعطي من يشاء بغير حساب، ثم أنه قد توافرت فيه شروط الولاية من الزهد والتقشف، وقد قيل في أهل الولاية أنهم جواسيس القلوب، فلا أرى غرابة في معرفته حقيقة حالنا. ويلوح لي أنه على مذهبنا، فلا خوف منه على سرنا».

فقالت سلمى: «ولكن من عسى أني يكون هذا الرجل؟»

فأجابها عامر: «إن أمره حيرني، لأن حاله ولباسه يدلان على تنسكه وانقطاعه عن الدنيا، ولكن كلامه عن يزيد يدل على اهتمامه بأمر المسلمين. ويظهر أنه عربي، وكأن لهجته عراقية».

فقالت سلمى: «ليتنا سألناه عن بلده، وطلبنا إليه أن ينتسب».

فقال: «ومن يتجرأ على هذا السؤال وقد رأيت مبالغته في التستر حتى غطى وجهه، ولما طال الحديث بيننا توارى؟ فلعله من بعض الذين بلوا بمثل بلوانا فلجأ إلى هذا الدير للاختفاء».

قالت: «أظنه مصاباً بعقله، لأنه شاذ الأطوار. ألم تسمع من رئيس الدير عن معيشته وكيف يقضي نهاره بين الأشجار يقتات بثمارها، ولا أنيس له غير هذا الكلب؟»

قال: «مهما يكن من أمره فإنه ذو كرامة، وعساه أن ينفعنا بكرامته».

قالت: «وما العمل الآن؟ إني لم أزدد من حديثه إلا قلقاً». وسكتت برهة ثم قالت: «وما قولك في شمر اللعين؟»

قال: «هذا الذي شغل بالي قبحه الله! لقد طالما شككت في هذا الأبرص وخفت غدره، ويلوح لي انه علم بسفرنا إلى الشام واطلع على غرضنا، فاقتفى أثرنا ليشي بنا، ولولا ما قاله الناسك مما يدعو إلى الاطمئنان على عبد الرحمن لأسرعت في البحث عن وإرجاعه عن عزمه. ولكن هبي أني لم أطمئن فليس لي سبيل إليه لأني لا أعرف الجهة التي سار فيها. وأخاف إذا أنا لحقت به أن أضل الطريق، وتبقي أنت وحدك، ولعل هذا الخائن قد نصب لك أحبولة أخرى».

قالت: «أذهب معك أنا أيضاً».

قال: «ولكننا وعدنا عبد الرحمن أن ننتظره هنا، فقد يجيء الليلة ونحن غائبون فيرمي سهمه، وقد يكون فيما يكتبه عليه ما يبعث على ذهابنا لموافاته إلى مكان ما، فيقع السهم بين يدي أحد الرهبان ولا نطلع عليه. دعينا نمكث هنا، ونكل أمرنا إلى الله فهو نعم الكفيل».

قال ذلك ومشيا حتى اقتربا من الدير وهما كأنهما في حلم، فأراد عامر أن يشغل وقته في شيء يبعد الشبهة عنهما فقال لسلمى: «تعالي معي إلى الحظيرة نتفقد جمالنا وأحمالنا».

قالت: «دعنا من الجمال والأحمال، وحسبنا التفكير فيما نحن فيه».

قال: «هذا ما أشعر به أنا أيضاً، ولكن لابد لنا من الانتظار إلى مساء الليلة أو صباح الغد أو مسائه، فكيف نقضي الوقت ووقت الانتظار طويل؟»

فأطاعته وتحولا إلى الحظيرة، فرأيا الخدم قد بذلوا العناية في خدمة الجمال وأما أحمال التمر فلم يجدوها. فبغت عامر لأول وهلة، ثم تذكر أنهم حملوها إلى داخل الدير.

وقضيا هناك بعض الوقت، وسلمى في شغل شاغل عما حولها لا تنتبه لشيء لعظم ما ثار في خاطرها من القلق على حبيبها، ولاسيما بعد ما سمعته من الشيخ الناسك. ولم يكن عامر أقل قلقاً منها ولكنه أراد تشجيعها وتحويل ذهنها، فلما لم يفلح في ذلك، أجاب رغبتها في العودة إلى الدير، وسارا تواً إلى حجرتهما، ومكثا برهة بين كلام وتفكير.

١ وقع فى الأصل «وبشر الذين ظلموا» ولا يوجد فى القرآن الكريم آيه بهذا اللفظ. الفصل السادس

الوقوع في الفخ؟

وحين مالت الشمس إلى المغيب علقت آمال سلمى بسهم عبد الرحمن، وخيل إليها من فرط قلقها أنها لا تكاد تصل إلى السطح حتى ترى السهم ساقطاً أمامها، فحثت عامراً على الصعود معها، فأطاعها وقلبه لا يدله على خير. فوقفا على السطح ينظران إلى الأفق وقد تملكتهما الهواجس، وسلمى كلما لاح لها طائر ظنته سهماً من حبيبها حتى تعبت عيناها من طول التحديق، وعامر يراقب حركاتها ساكتاً، حتى آذنت الشمس بالزوال ولم يأت السهم ولا سمع له همس.

وكان رئيس الدير مشغولاً في ذلك اليوم بصلوات خاصة لم يفرغ منها إلا نحو الغروب، فخرج من عليته وتمشى على السطح، فرأى عامراً وسلمى جالسين ينظران إلى الغوطة، وقرأ آيات القلق على وجهيهما فلم يشأ أن يزعجهما بالسؤال، بل ظل بعيداً وفي نفسه أنهما إذا أحبا مجالسته دعواه إليهما.

فغابت الشمس وهما على السطح ولم يحدث شيئاً، فاشتد قلقهما وعامر يحاول عبثاً طمأنة سلمى بحديث أو رأي، وشاع بصرها بعد الغروب نحو الغوطة في الطريق الذي سار فيها عبد الرحمن لعلها ترى قادماً تستأنس به فلم ترى شيئاً، وأخيراً نهض عامر وهو يقول: «إن موعدنا غداً حتى الغروب، ومن العبث بقاؤنا هنا الليلة على السطح فضلاً عن أنه يوجب الشبهة». قال ذلك ومشى فمشت في أثره، وعيناها لا تكادان تستقران.

باتا تلك الليلة وهما يفكران في عبد الرحمن، وقد عزمت سلمى، بينها وبين نفسها، على أنها إذا غربت شمس الغد ولم يأتها خبر من عبد الرحمن تسارع إلى التنكر في زي الرجال، ثم تذهب للبحث عنه. ولم يكن عامر أقل قلقاً منها أو رغبة في البحث عن عبد الرحمن، ولكنه كان يخشى إذا تركها في الدير وحدها أن يكون عليها بأس، وأخيراً اعتزم إذا لم يعد عبد الرحمن أن يذهب هو وسلمى معاً للبحث عنه.

وأما رئيس الدير، فقد لاحظ بقاء عامر وسلمى على السطح، كما لاحظ أن عبد الرحمن ليس معهما ولكنه حسبه في بعض جوانب الدير، ولم يداخله ريب في أمره.

ونهضت سلمى والفجر لم يبد بعد فأيقظت عامراً وحرضته على الصعود إلى السطح عسى أن يكون سهم عبد الرحمن قد وقع في أثناء الليل، فصعد ولم ير شيئاً فرجع. فحثته بعد هنيهة على الصعود وهو لا يحتاج إلى من يحثه. وما صدق أن أشرقت الشمس حتى دعاها إلى الصعود معه. وفيما هما صاعدان على السلم شاهدا طائراً يحلق في الجو ولا يحرك جناحيه، فتطيرا به. وكان من عادة العرب، إذا رأوا طيراً يحلق على تلك الصورة تشاءموا منه! وأدرك عامر تشاؤم سلمى فابتدرها قائلاً: «أراك تطيرت بمنظر هذا الطائر وقد نهى النبي (ﷺ) عن ذلك بقوله: (من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل الله لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). وكذلك قال (ﷺ): (إذا تطيرت فلا ترجع). فانزعي من بالك هذا الوهم وكلي أمرك إلى الله». فسكتت وخاطرها لم يطمئن ولكنها سايرته وصعدت معه.

ولما طال انتظارهما واشتد بهما القلق، تذكرا الشيخ الناسك ولم يكونا قد رأياه منذ فر من بين أيديهما بالأمس ولا رأيا كلبه في الدير.

ولم يكن أطول من ذلك النهار على سلمى، فلما دنا الأصيل ولم يطمئن بالها أخذت تلوم نفسها وتقرع عامراً على التقاعد عن اللحاق بعبد الرحمن، وهي إلى الحين لم تذق طعاماً فخارت قواها، ولكنها لم تشعر بالجوع لشدة قلقها.

وبينما هي غارقة في هواجسها إذ لمحت فارساً يركض فرسه بين الأشجار بالقرب من باب البستان، فخفق قلبها والتفتت إلى عامر فإذا هو ينظر أيضاً إلى ذلك الفارس وقد علته البغتة، ورأت رئيس الدير قد خرج من عليته مسرعاً وهو يصلح عباءته وينظر إلى باب البستان، ثم نادى القيم وقال له: «ابعث راهباً ليفتح الباب، لأني أرى عبيد الله ابن زياد قادماً. لعله جاء لينبئنا بقدوم الخليفة».

فلما سمعت سلمى اسم ابن زياد ارتعدت فرائصها، ونظرت فإذا هو قد وقف بالباب، ثم هرول بعض الرهبان ففتحوا له. وهمت بمخاطبة عامر فإذا هو يقول لها: «انزلي يا سلمى إلى غرفتك واستتري هناك وأنا أبقى هنا لنرى ما يكون من الأمر». فأرادت أن تستمهله فألح عليها بالنزول ووعدها بأن يبقى هو في انتظار رسالة عبد الرحمن، فنزلت مسرعة واختبأت في غرفتها وظل عامراً على السطح.

وكان الرئيس قد نزل إلى الباب واستقبل ابن زياد، ووقف معه برهة وهما يتكلمان همساً. ثم صعدا إلى السطح وقبل أن يصلا فاحت رائحة المسك فعلم عامر أنها رائحة عبيد الله بن زياد لأنه كان مشهوراً برائحته الطيبة. ولبث عامر جالساً وقد ندم على بقائه هناك، ثم ما عتم أن رأى الرئيس مقبلاً نحوه وعبيد الله إلى جانبه فوقف له وحياه، فرد عبيد الله التحية هاشاً والرئيس يبتسم كأنه في نفسه قولاً يهم به، فتجاهل عامر وتأدب في موقفه فدعاه ابن زياد إلى الجلوس، وأمر الرئيس بطنفسة فرشت لهم على حصير فجلسوا عليها، وعامر يعجب بما يبدو من مظاهر الترحاب، ونفسه تحدثه بظنون كثيرة حتى لم يبق له صبر على استطلاع السبب، وهو يخاف أن يكون فيما سيسمعه بأس على عبد الرحمن!

فلما استتب بهم المجلس، جيء إليهم بالفاكهة وكؤوس الأشربة فأكلوا شربوا، ثم بدأ الرئيس الكلام قائلاً: «لعل مولانا الخليفة قادم إلينا فنتأهب لاستقباله».

فضحك عبيد الله وهو يصلح حمائل سيفه وقال: «لا أظن مولانا يمر بكم اليوم».

قال الرئيس: «أعائد هو إلى دمشق؟»

قال: «نعم إنه عائد الليلة».

قال: «ولماذا عجل بالرجوع من صيده، وقد كنت أحسبه لا يعود قبل أسبوع؟»

قال: «إنه تشاءم من سفرته هذه فآثر الرجوع سريعاً».

فارتاب عامر في أمر عودة يزيد، وهم بالاستفهام، فإذا بابن زياد يستأنف الحديث قائلاً: «وقد نجا أمير المؤمنين من خطر عظيم».

فلما سمع عامر قوله توسم الوصول إلى ما يتوقعه لكنه خاف أن يكون ثمة ما يسيئه، فبدت البغتة على وجهه وتطاول بعنقه لسماع بقية الكلام.

فأتم عبيد الله حديث قائلاً: «وكانت نجاته من الخطر بسر عجيب يرجع الفضل فيه إلى كلبه وإلى رجل من خاصتنا».

فقال الرئيس: «وكيف ذلك؟»

قال: «خرجنا من عندكم بالأمس، وبتنا في قرية على بضع أميال من هذا الدير، فجاءني مساء أمس رجل أعرفه من أهل الكوفة، ونبهني إلى وجود غريب متنكر يعتزم الفتك بأمير المؤمنين في أثناء صيده، فشكرت مسعاه ووعدته خيراً على جميله. وأصبحنا وأنا لم أطلع الخليفة على ذلك لئلا أزعجه، فخرجنا إلى الصيد وكلما أراد الخليفة الانفراد في الغوطة لحقت به مخافة أن يكون ذلك المتنكر متربصاً في بعض الأماكن، وأوصيت جماعة من رجالنا الأشداء أن يقتفوا أثرنا ويتأهبوا للوثوب عند أول إشارة. وكان معنا كلب من كلاب الصيد يمتاز بسرعة عدوه وذكائه، وقد أحبه الخليفة حتى ألبسه الدمقس والحرير، وملأ قوائمه بالأساور الذهبية، وفيما نحن على خيلنا بالقرب من غابة متكاثفة الأغصان نبح الكلب نباحاً شديداً وأسرع أمامنا حتى أوغل بين الأشجار وهو يبالغ في نباحه، فعجبنا لأمره وما زلنا ندعوه إلينا وهو لا يطيع حتى ارتبت في الأمر، فتفرست في أثره فإذا بشاب ملثم قد خرج من الغابة وفي يده خنجر مسلول، طعن به أول من صادفه من الحاشية. ثم طعن الثاني والثالث واخترق الجمع وهو يلتمس الخليفة. فأمرت الرجال بأن يقبضوا عليه ولا يقتلوه، فتكاثروا عليه فقتل منهم خمسة ولم يبلغوا منه وطراً إلا بعد أن عثر بجزع شجرة ناتئ، فتجمهروا عليه وأوثقوه وثاقاً شديداً وساقوه إلى الخليفة، وكنت قد سبقته إليه وأخبرته بخبره فأمر بإرساله إلى دمشق، وعدل عن إتمام الصيد وأوعز بالإياب فأسرعت في المجيء قبله لغرض عند عمي هذا». وأشار إلى عامر.

•••

سمع عامر حديث ابن زياد فلم يبق عنده شك في أن الذي قبضوا عليه هو عبد الرحمن، ولكنه عجب للغرض الذي قدم عبيد الله من أجله، وخاف أن يكون فيه بأس عليه إذ لا يبعد على الذي وشى بعبد الرحمن أن يشي بهم جميعاً! فاسودت الدنيا في عينيه، ولكنه صبر صبر الرجال وتجلد، والتفت إلى عبيد الله وهو يظهر الاستغراب مما اتفق للخليفة وقال: «مهما يأمر سيدي فإني رهين إشارته».

قال: «إنني أحببت مصاهرتك، فهل ترضاني لك صهراً؟»

فوقع ذلك الكلام على قلب عامر وقوع الصاعقة، وارتج عليه فلم يعلم بماذا يجيبه، وهو لا يستطيع مجافاته لأنه في قبضة يده، فأراد أن يحتال في جوابه. وقبل أن يبدأ بالكلام رأى ابن زياد قد وقف فجأة وهو ينظر إلى البستان وتطاول بعنقه وعلته البغتة. فالتفت عامر فإذا بالخيول تتزاحم عند باب البستان وعليها الفرسان وفيهم يزيد بن معاوية. ثم رأوا يزيد قد ترجل وحده وأقبل مسرعاً على قدميه نحو الدير كأنه يطارد شيئاً، فبغت الرئيس وأسرع إلى باحة الدير وهو يتعثر بأذياله حتى كاد يقع على السلم، فرأى كلباً من كلاب الخليفة دخل الباب وعليه الأطلس والأساور كما وصفه ابن زياد. فلما رأه الكلب مهرولاً نحوه انحرف بمسيره نحو غرفة سلمى ويزيد في أثره، لأنه افتقده وهو بقرب الدير فلم يجده، فعلم أنه دخل الدير فجاء للقبض عليه بنفسه لأنه كان يحبه، ولاسيما بعد ما بدا من نباهته في ذلك اليوم.

وكانت سلمى متكئة على عباءة وباب غرفتها مفتوح نصف فتحة، وفي يدها منديل تمسح به دموعها وهي غارقة في ظلمات الخيال، تفكر في حبيبها وما عرض نفسه له من الخطر الشديد وقد طال غيابه فغلبها البكاء وأطلقت لعواطفها العنان حتى احمرت عيناها وتكسرت أهدابها وتوردت وجنتاها. وكان شعرها محلولاً فاسترسل بعضه على جبينها وتدلى البعض الآخر حتى غطى معصمها، وانحسر كمها عن زندها فانكشف معظمه وعليه الوشم كدبيب النمل.

وفيما هي على تلك الحال سمعت خشخشة الأساور في قوائم الكلب. ثم رأته داخلاً غرفتها فتذكرت يزيد فأجفلت، وتشاءمت وإذا بها تسمع صوت يزيد وهوي يناديه، وأحست به مقبلاً نحو غرفتها فارتعدت فرائصها ومدت يدها إلى النقاب لتستر رأسها به فلم تدركه فأرسلت شعرها على وجهها ريثما تستتر وإذا يزيد قد دخل ورآها فانذهل لرؤيتها ووقف مبهوتاً لا يدري ما يقول وقد نسي الكلب وأساوره!

أما هي فغطت وجهها بكمها وغلب عليها الحياء والوجل. وظلت جالسة لا تدري كيف تحتجب! وداخلتها الدهشة فزادتها رونقاً ومهابة.. فولت وجهها عرض الحائط وظهرها نحو يزيد الذي لم يتمالك عن الإعجاب بجمالها وهيبتها، ولم يستطع أن يكبح انعطافه إليها، فناداها بنغمة المحب المفتون قائلاً: «لا تحجبي شمس وجهك عن خلق الله يا أجمل خلق الله!»

فظلت صامتة وجمد الدم في عروقها من شدة الخجل، فتحول يزيد من الغرفة وقد وقعت سلمى من نفسه موقعاً عظيماً. وكان عبيد الله بن زياد قد نزل إلى الباحة والرئيس معه فرأى يزيداً خارجاً من غرفة سلمى وأمارات الإعجاب بادية في عينيه، فشعر بغيرة شديدة ممزوجة بالحسد، لعلمه أن الخليفة إذا رآها وأعجبته لا يبقى له هو سبيل إليها. فتجاهل ما ثار في خاطره وخاطب الخليفة على سبيل المزاح قائلاً: «أرى أمير المؤمنين مشغولاً بكلبه بعد الطريدة التي اصطادها له هذا الصباح!»

فقال يزيد وهو يحاول الابتسام: «لكنه اصطاد طريدة أخرى أجمل من تلك، فتضاعف فضله علينا».

فأدرك ابن زياد تلميحه فازدادت غيرته، ولكنه اضطر إلى الكتمان وندم على امتداح نباهة الكلب، ولعن الساعة التي جاء فيها إلى الدير، ولكنه عمد إلى المغالطة ونادى أحد الخدم فسلم إليه الكلب، واستشار الخليفة فيما يراه من البقاء أو الرحيل فأشار بالرحيل، والرئيس يرحب به ويرجو بقاءه للاستراحة بقية ذلك اليوم، فقال يزيد، «لقد طرأ ما يدعو إلى التعجيل بعودتنا». ثم طلب إليه أن يتبعه فتبعه الرئيس حتى انتحيا ناحية وظل ابن زياد واقفاً وعيناه تتبعانهما حتى تواريا وراء الصفصافة.

فلما خلا يزيد إلى الرئيس سأله عن تلك الفتاة فأخبره أنها ابنة تاجر قدم من العراق منذ بضعة أيام.

فقال يزيد: «هل هي عزبة؟». قال: «أظنها كذلك يا مولاي».

قال: «حسناً». ولم يزد، ثم أمر فركبت حاشيته وركب هو وابن زياد معه، وودعا الرئيس وخرجا، وعامر لا يزال على السطح يختلس النظر إلى حركات يزيد وقد رآه وراء الصفصافة مع الرئيس.

فلما مضى يزيد ورجاله صعد الرئيس إلى السطح وفي وجهه ابتسامة استدل عامر منها على شيء في نفسه، فتقدم إليه وملامح الاستفهام بادية على وجهه. وقبل أن يهم بالكلام ابتدره الرئيس قائلاً: «إني أبشرك بالسعادة يا بني».

قال عامر: «بماذا؟ وكيف؟»

قال: «لأني رأيت أمير المؤمنين معجباً بابنتك!»

فشق ذلك على عامر وقال وهو يتظاهر بالسذاجة: «وماذا في ذلك من دواعي الغبطة؟»

قال: «لحظت من كلامه أنه يريد أن يسعدك بالمصاهرة».

فوقع ذلك الكلام على عامر وقوع البلاء العظيم. ولم يفه بكلمة وتراكمت عليه الهموم، وحار فكره بين وقوع عبد الرحمن في الأسر، وبين ما سيصيب سلمى إذا علمت بما أصابه، ثم برغبة يزيد في زواجها، فلم يعد يعرف كيف يتخطى درجات السلم لشدة كدره.

أما سلمى فأسرعت بعد أن خرج يزيد من غرفتها وأغلقت الباب، ثم وقفت مبهوتة وهي تردد ما سمعته منه، وأدركت ما جال في خاطره عنها، فوقعت في حيرة لا تدري ماذا تعمل؟ ثم عاد خيال عبد الرحمن إلى ذهنها فشغلت به عن كل هاجس، وودت لقاء عامر لتستطلع ما علمه عن عبد الرحمن، وحدثتها نفسها بأن تخرج في طلبه على السطح، ولكنه خافت أن يكون يزيد باقياً هناك فأحجمت.

وبينما هي تتردد في ذلك إذ فتح عامر الباب ودخل، فرآها على تلك الحال من القلق. وأثر البكاء في عينيها، والبغتة لا تزال غالبة على محياها. فلم يدر كيف يخاطبها، ولا كيف يفضي إليها بما جاء به من الخبر المحزن عن عبد الرحمن، فوقف لحظة لا يتكلم. وأدركت هي ما يساوره فقالت: «ما وراءك يا عماه؟»

قال: «ما ورائي إلا الخير إن شاء الله».

قالت: «هل جاءت رسالة عبد الرحمن؟ هل وصل إليك سهمه؟»

قال: «نعم ولكنه وقع في قلبي!»

ففهمت أنه سمع شيئاً يسوؤها فقالت: «ما الخبر؟ أين عبد الرحمن؟ ماذا جرى له؟»

قال وهو يتلجلج: «لم يجر له شيء، ولكن …»

قالت: «ولكن ماذا؟ هل قتلوه؟». قالت ذلك وقد اختنق صوتها وسبقتها العبرات.

قال: «لا لم تصل يدهم إلى ذلك، ولكنهم أسروه!»

فلطمت خدها حتى كادت تقع أقراطها وقالت: «من أسره؟ وكيف؟»

فجعل يخفف عنها وهو يقص عليها حديث ابن زياد، دون أن يذكر لها شيئاً مما قد بدأ به من المصاهرة. فلما فرغ من كلامه عادت سلمى إلى البكاء وهي تقول: «وقبحهم الله! إنهم قبضوا عليه. أرأيت تطيُّرى في هذا الصباح وأنت لا تزال تغالطني؟. هذا ما كنت أخشاه، فما العمل الآن؟»

فلبث عامر ساكناً غارقاً في بحار أفكاره. فابتدرته قائلة: «قل يا عماه. قل ما الرأي؟»

قال وهو يفرك لحيته بسبابته كأنه يهيئ عبارة يخفف بها عنها: «لا تعجلي يا سلمى، تمهلي واستعيني بالله. ولننظر في الأمر على مهل».

قالت: «كيف أتمهل وقد أسروا عبد الرحمن، ولا أدري ما الذي يحدث له هناك؟». قالت ذلك وأجهشت بالبكاء، فتحير عامر في أمره وهو أشد منها خوفاً عليه، لما سمعه من حديث ابن زياد، وحدثته نفسه أن يطلعها على ذلك ولكنه خاف أن يزداد قلقها فقال: «لا يفيد التسرع ونحن الآن حوالي الغروب، والليل أعمى لا نستطيع فيه عملاً، ولابد من الانتظار إلى الغد، وإن غداً لناظره قريب».

قالت: «إنني خائفة من هذا الليل. إني خائفة أن يصاب عبد الرحمن ببلاء عاجل. فلا نملك حيلة لإنقاذه».

قال: «لا أظنهم يبتون في شأنه الليلة، ولابد من أن يمهلوه حيناً ريثما يستطلعون حاله، وما دفعه إلى قتل الخليفة. وأرى أن أنزل غداً بأحمال التمر إلى دمشق، لاحتال لاستطلاع الخبر وأعود إليك، فنرى ما يكون».

قالت: «لابد من الانتظار إذن؟ فلنصبرن إن الله مع الصابرين».

وقضيا تلك الليلة على مثل الجمر، وسلمى لم تذق رقاداً، وعامر يفكر في تدبير الحيلة لاستطلاع حال عبد الرحمن. فلما أصبحا هيأ عامر جماله وتزيي بزي التجار، وركب قاصداً دمشق، وسلمى تدعو له بالتوفيق وقلبها يخفق خوفاً عليه أيضاً، لئلا يكون شمر قد دبر له مكيدة. ولما توارى عن نظرها عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ولما تذكرت حبيبها وما هو فيه من الخطر الشديد فهاجت أشجانها وأجهشت في البكاء.

وفيما هي في ذلك سمعت وقع أقدام خارج غرفتها، وصوتاً يشبه صوت الرئيس. ولم تكد تصيخ بسمعها حتى سمعت قرع الباب فأجابه قلبها بدقات متوالية، ووقفت بلا انتباه ويدها اليسرى على خمارها تتأهب لإرساله على رأسها إذا رأت في الباب رجلاً غريباً.

ولا تسل عن اضطرابها ووجلها لما فتح الباب ورأت الرئيس، ومعه «شمر بن ذي الجوشن». وقد ارتدى أفخر ملابسه وتطيب وأصلح هيئته كأنه يستعد للقاء عروس، فلما رأت برصه ارتعدت فرائصها وحدثتها نفسها أن تبتدره باللعن والتأنيب، ولكنها خافت الفضيحة وهي وحدها هناك، فتجلدت وهي ترتعش. أما الرئيس فلما رأى سلمى وحدها قال لها: «أين أبوك؟»

قالت: «أظنه ذهب إلى دمشق بأحمال التمر في هذا الصباح. فما الذي تريده منه؟»

قال: «إن مولانا الخليفة بعث إليه بهذا الأمير ليكلمه في شأن».

فلما سمعت اسم الخليفة ورسالته خافت مما وراء تلك الرسالة ولكنها أمسكت عواطفها وأجابته بهدوء فقالت: «إن أبي ليس هنا الآن». قالت ذلك وهي ترجو أن ينصرف شمر بهذا الجواب.

فابتسم شمر وهو يحاول أن يتظاهر بالرزانة والاستخفاف معاً وقال: «لا بأس، فإني مكلف بتأدية هذه الرسالة له أو لك».

قال ذلك ودخل الغرفة، فتحول الرئيس راجعاً..

وأما سلمى فظلت واقفة، وقد اصطكت ركبتاها واقشعر بدنها وخافت أن يبدو ذلك الاضطراب في وجهها فبالغت في إرخاء النقاب عليه، ولم تكشف منه إلا عينيها، ولكن شمر قرأ في تينك العينين أمارات الخوف والوجل. فلما خلا إليها، قال متلطفاً: «لا تخافي يا سيدتي ولا تظني بي سوءاً، ولكني أرجو أن تكوني قد عرفت هذا الوجه». قال ذلك وقبض على لحيته.

فقالت: «وماذا في معرفتي إياه؟»

قال: «إذا عرفته عرفت أني جاركم القديم، وإني من أصدقاء أبيك أو كفيلك عامر!». قال ذلك وهو يحاول الابتسام فأدركت أنه يهددها بمعرفة سر وجودها هناك، وتحققت الغدر في وجهه، وندمت على بقائها وحدها.

ولكنها لما تذكرت ما ارتكبه ذلك الأبرص من الوشاية بعبد الرحمن، هان عليها كل صعب وعولت على التفاني في سبيل شفاء غليلها منه فقالت: «وإذا كنت كذلك، فما الذي يهمك من أمرنا؟»

قال: «وما بالك تخاطبينني بالجفاء يا سيدة الملاح وأنا إنما جئت لاستعطافك؟»

فأدركت ما رواء هذه الملاطفة، وسكتت وقد صعد الدم إلى رأسها فتحول وجلها إلى غضب وقالت: «إنك جئت لمخاطبة أبي. ولكنه غائب، فإذا جاء فخاطبه».

قال: «وماذا يفيدني خطابه إذا لم تكوني أنت راضية؟»

قالت: «أراك تلمح إلى ما لا يليق بك بين يدي فتاة لا تعرفك!»

قال وهو يظهر الاستخفاف: «كيف تقولين أنك لا تعرفينني وأنا أعتقد غير ذلك؟ أم أنت لا تزالين مغرورة بذلك الفتى الغر الجاهل؟!»

فلم تعد سلمى تستطيع صبراً على تلك القحة، وأعملت فكرها فيما تفعل فرأت نفسها ضعيفة غريبة، والخليفة وأعوانه وكل أهل الشام ضدها وحياتها وموتها بين شفتي ذلك الرجل. فأحست كأن الجبال تراكمت على صدرها وتساقطت دموعها بالرغم منها، فحولت وجهها لئلا يلحظ شمر ذلك فيزداد طمعه فيها.

أما هو فلما رآها تبكي استسهل استرضاءها، فعمد إلى الملاينة، واقترب منها وقال في حنان: «لا تبكي يا سلمى ولا تخافي، فإني مع علمي بسرك وسر عامر وعبد الرحمن. لا أريد بك شراً، بل أن نصيرك وعونك حتى تخرجي من هذه الديار آمنة، على شرط أن تجيبي سؤال قلبي، وترحمي محباً قطع البراري والقفار سعياً إليك. فارحمي قلب هذا العاشق الولهان، واقلعي عن مجاراة الغلمان الذي يسوقون أنفسهم إلى الموت بجهلهم وغباوتهم، كما فعل ابن عمك عبد الرحمن الذي أغواك بشقشقة لسانه، حتى وقع أسيراً وسيق إلى السجن مغلولاً، ولو أردت أن أسوقك وأسوق عامراً معه لفعلت، ولكن قلبي لم يطاوعني لأني أحبك. فإذا أطعتني ورضيت بما أطلبه منك عشت سعيدة آمنة، لأن ما تسعون إلى نيله إنما هو أضغاث أحلام، ونحن الآن أهل الصولة والبطش، وخليفتنا صاحب السلطان والأعوان. فما قولك؟»

وكان شمر يتكلم وهو ينظر إلى وجهها من وراء النقاب وهي معرضة عنه وفرائصها ترتعد، وقد جمد الدمع في عينيها وحارت في أمرها فظلت صامتة. فاستبشر شمر وظن السكون جواباً فأعاد الكرة وقال: «إني والله ليعجبني تعقلك وسداد رأيك. فأفصحي لي عن رضاك وهذا يكفيني الآن».

فلم تعد سلمى تصبر على الجواب فحولت وجهها إليه وقالت: «إنك لتطمع في أمر يقصر عنه باعك، فانصرف من هنا بسلام!».

فضحك وقال: «إلى أين أنصرف يا سلمى. أأنصرف إلى أمير المؤمنين فأطلعه على أمرك فيصيبك ما أصاب ابن عمك؟. أظنك لم تفهمي مغزى كلامي بعد. فاعلمي إذن أن عبد الرحمن أصبح في قبضتنا ولم يبق له مطمع في الحياة، فاستبقي نفسك وعامراً. وإلا فالموت أقرب إليكما من حبل الوريد».

قال ذلك والخبث يتجلى في وجهه، فابتدرته سلمى قائلة: «خسئت يا نذل! أن باعك وباع يزيد أقصر من أن تنالا شعرة من عبد الرحمن!».

فضحك شمر ضحكة طويلة وقال: «أتظنين أننا قاصرون عنكم؟ ألم تفهمي أن عبد الرحمن أسير عندنا وقد قبضنا عليه وهو يحاول قتل أمير المؤمنين؟ فمن أين تأتيه الحياة بعد؟! أقلعي عن عنادك وأطيعي ناصحاً يعرض عليك السعادة، فإذا رفضتها أذاقك الموت الزؤام!».

قالت: «لا تحسبني جاهلة ما تقوله فقد علمت أن عبد الرحمن أسير، وأنك وشيت به، وأعلم أنك قادر على أن تشي بي أيضاً وتميتنا معاً. ولكن الموت مع عبد الرحمن خير من الحياة معك يا خائن! فامض لشأنك وافعل ما تشاء، والموت أسهل ما تخوفني به وهو أحب إلي من قربك. فإذا بعدت عن وجهي لا أبالي حييت أم مت!»

فوقع ذلك التقريع موقع السهام في قلبه، ولكنه كان شديد الولع بسلمى منذ كانت في العراق، وهو إنما لحق بهم إلى الشام وأوقع بعبد الرحمن طمعاً في الحصول عليها، لأنه لم يكن يجرؤ على منافسته فيها، فلما أوقعه في الأسر ظنها تيأس من حياته وتخاف على حياتها فترضى به. وكان يريد مخاطبة عامر في هذا الشأن، فلما لم يجده هناك خاطبها وعجب لشجاعتها وعزة نفسها، فقال: «يا للعجب من جهالتك! لقد كنت أحسبك عاقلة فإذا أنت حمقاء مغرورة! ولكني أعرض عليك الحياة مرة أخرى فإذا رفضتها كان ذلك آخر العهد بك».

قالت: «امض وافعل ما تشاء. اخرج من هنا وليكن ما يكون».

فخرج شمر والغضب ظاهر في وجهه وحركاته، وهو يلعن سلمى ويتوعدها. ولكن قلبه لم يطاوعه، فصبر نفسه ريثما يعود عامراً ويحمله بالوعد أو الوعيد على إقناعها.

•••

أغلقت سلمى الباب وراء شمر وأطلقت لنفسها عنان البكاء. وجلست تندب سوء حظها وتفكر في مصير عبد الرحمن ومصيرها. حتى إذا كلت من البكاء والنحيب استرجعت رشدها وأعملت فكرها فلم تر خيراً من أن تنتظر عامر فتستشيره في الخروج من هذا الدير والاختفاء في مكان آخر ريثما ينفتح باب الفرج.

ومضى معظم النهار وسلمى بين بكاء وتأمل، دون أن تذوق أي طعام أو شراب. حتى إذا مالت الشمس نحو الأصيل سمعت وقع خطوات مسرعة أمام باب الغرفة، فخفق قلبها، ثم رأت الباب قد فتح ودخل عامر وعلى وجهه ظواهر الدهشة فازداد اضطرابها وقالت: «ماذا وراءك؟»

قال: «ما ورائي إلا الخير، ما بالك في هذه الحال؟ هل جاءك أحد بخبر جديد؟»

قالت: «كيف تسألني عن حالي وأنت تعلم أن عبد الرحمن مسجون؟ هل علمت جديداً من أمره؟ وما سبب اضطرابك؟ قل ولا تطل السكوت».

قال: «أما عبد الرحمن فقد علمت أنه حي في سجنه ولا خوف عليه الآن. وأما سبب اضطرابي فإني رأيت جواداً واقفاً بباب الدير موسوماً بلفظ (عدة) فعلمت أنه من خيل الحكومة، وخفت أن يكون قد جاءنا أحد من رجال يزيد يريد بنا سوءا لأني صرت أحسب أشجار هذه الغوطة عيوناً علينا!».

فقالت: «لقد نطقت بالصواب، وأنا أيضاً أرى رأيك فهل توافقني على الخروج من هذا الدير والاختفاء في مكان آخر؟»

قال: «نعم، ولكنني أخاف إذا خرجنا الساعة أن يكون صاحب ذلك الجواد في انتظارنا، فلنصبر قليلاً».

فتذكرت سلمى حديث شمر فقالت: «ربما كان هذا الفرس لذاك الرجل الأبرص».

قال: «وما شأنه؟ هل جاء إلى الدير اليوم؟»

قالت: «نعم جاء وتطاول إلى ما يقصر عنه بنو أمية جميعهم!»

فتعجب عامر وقال: «وما تعنين؟ هل رأيته؟ وهل خاطبك في شأن ما؟»

قالت: «إنه جاء بعد خروجك هذا الصباح، وجعل يستعطفني ويسترضيني، ولما لم ير غير الإعراض خرج مغضباً وهددني بالوشاية بي إلى خليفته، ومازلت مذ خرج وأنا أفكر في هذا الأمر، فلم أر خيراً من الإسراع بمغادرة هذه البلاد».

فدق عامر يداً بيد وقال: «تباً له من غادر!.. أظنه لن يصبر إلى الغد لكي يشي بنا. وقد كان من الحكمة أن تماطليه وتدافعيه ريثما نخرج من هذا المكان ولاسيما أنك تعلمين أن قيادنا في يديه، وأنه قادر على أن يؤذينا..».

فقطعت سلمى كلامه قائلة: «لا تلمني يا عماه فإني لم أستطع صبراً على قحته وغدره وتهديده. ولم أعد أريد الحياة بعد ما أصابنا». قالت ذلك وخنقتها العبرات فسكتت واغرورقت عيناها بالدموع، فندم عامر على ما بدا من لومه وقال: «إني لا ألومك يا سلمى، فلو كنت أنا مكانك لما قابلته بأخف من ذلك، على أني أخفيت عليك أمراً وقع لي بالأمس من ابن زياد، ولم أطلعك عليه بعد».

قالت: «وما ذاك؟». فقص عليها خطبة ابن زياد لها إلى أن قال: «وقد ماطلته خوفاً من غضبه. والآن لم يبق لنا إلا التأهب للسفر، فقد بعت الجمال والأحمال فخفت أمتعتنا، ولم يبق لنا ما نحمله غير هذه الثياب».

قال ذلك وأخذ في جمع الثياب وحزمها. ولم يكد يفعل ذلك حتى سمع رئيس الدير يناديه باسمه، فأجفل وتحول إلى الباب ففتحه وتطلع فرأى الرئيس واقفاً تحت الصفصافة وأمارات البشر على محياه. فلما وقعت عينه على عامر أومأ إليه بإصبعه أن يأتي إليه.

فاستبشر عامر بوجه الرئيس وذهب عنه اضطرابه، واستأذن سلمى في الخروج إليه ثم خرج على عجل. وقبل أن يصل إليه تحول الرئيس نحو السلم المؤدي إلى السطح وهو يومئ إليه أن يتبعه، فسار في أثره حتى صعد إلى السطح، ودخلا غرفة الرئيس، فإذا هناك عبيد الله بن زياد جالساً على وسادة مثناة فوق البساط فانقبضت نفس عامر، وأوجس خيفة من قدومه، إذ تيقن أنه إنما جاء خاطباً. ولكنه تجلد وتظاهر بالبشاشة والارتباك، فوقف له ابن زياد ورحب به وأجلسه إلى جانبه، وجلس الرئيس على جانب البساط بقرب الباب.. فلما استقر بهم الجلوس قال عامر: «كيف أصبح مولانا أمير المؤمنين اليوم؟»

قال: «أصبح في خير، وقد كلفني أن أحمل إليكم بشرى أظنها تسركم، وإن كانت لا تسرني!»

فسكت عامر، ثم أدرك أن سكوته يعد احتقاراً لإنعام الخليفة فقال: «إننا جند أمير المؤمنين نأتمر بأمره».

قال: «أنت تعلم ما في نفسي من أمر ابنتك وما خاطبتك به بالأمس، ألا تذكر ذلك؟»

قال: «نعم أذكر يا مولاي».

قال: «وقد كان في نيتي أن أعود إليك مرة أخرى، فسبقني أمير المؤمنين لأنه شاهد ابنتك اتفاقاً، فوقعت من نفسه موقعاً حسناً، واعتزم أن يسعدك بالمصاهرة لتكون ابنتك من بعض نسائه».

فوقع هذا النبأ في أذن عامر وقوع السهم في قلبه، وتلعثم لسانه وظهرت الحيرة على محياه فظل ساكتاً. فلم يخطر ببال ابن زياد أن عامراً يتردد في الجواب، ولكنه حسبه فوجئ بنعمة لم يكن يتوقعها، فأعاد عبارته ونمقها وقال: «ولو لم يسبقني أمير المؤمنين إلى ذلك لكنت أحسبني سعيداً بمصاهرتك، ولكن أمره فرض، فأهنئك بهذه النعمة التي يغبطك عليها كثيرون».

فلم يزدد عامر بذلك الإيضاح إلا ارتباكاً. وحدثته نفسه أن يعتذر بخطبة سلمى لشاب آخر، ولكنه خاف أن يسأله عن اسم الخطيب وهو لا يقدر على التصريح باسمه ولا أن ينتحل اسم أحد سواه لأنه لا يعرف أحداً يسلم إليه سره في تلك الديار. فلم يستطع غير التظاهر بالقبول وإسداء الشكر ريثما يدبر حيلة للفرار، فقال وهو يحاول الابتسام: «إني أعد نفسي أسعد الناس بهذه النعمة، لأن التقرب من أمير المؤمنين شرف وسعادة، وما ابنتي إلا جارية من جواريه. ولكني أرغب إلى مولاي أن يمهلنا يوماً أو يومين حتى نتأهب لحمل الفتاة إلى دار الخليفة، لأنها ستتلقى الخبر بالدهشة لبعد هذه النعمة عن خاطرها ولاسيما أنها أصبحت اليوم مريضة».

فقال ابن زياد: «لا أظن الخليفة إلا راضياً بما ترتاح إليه العروس. وإذا تعجل الأمر فإنما يكون ذلك رغبة في استقدامها إليه ليرسل إليها من يكون في خدمتها حتى تصل إلى داره في أمن وراحة».

وسكت عامر، فحمل ابن زياد سكوته على الرضا، ثم نهض فنهض الرئيس وعامر، فودعهما وخرج.

•••

أسرع عامر إلى سلمى ليرى رأيها في هذا الأمر الجديد. وكان صبرها قد نفد في انتظاره، فلما أطل عليها وشاهدت البغتة على وجهه أوجست خيفة وابتدرته بالسؤال فقال لها: «هلم بنا نهرب فإني لا أرى فرجاً إلا بالفرار من هنا»

قالت: «ما الذي حدث؟»

قال: «إننا وقعنا في مشكلة أعظم مما كنا نخافه!».

قالت: «وما ذلك؟»

فقص عليها حديث ابن زياد كما وقع، وكان يتكلم وهو يتوقع إجفالها فإذا هي قد أبرقت أسرتها وأشرق وجهها وزال غضبها ولم تجب.

فقال: «ما رأيك يا سلمى؟ ألا ترين أن نسرع في الفرار!»

قالت: «ولماذا الفرار؟»

فاستغرب سؤالها وقال: «ما هذا السؤال؟ ألا نفر من هذه الهوة؟!»

قالت: «أتحسب الاقتران بالخليفة هوة؟». وضحكت!

فازداد استغراباً ولكنه حسبها تمزح فقال لها: «صدقت إن الاقتران بالخلفاء سعادة! هيا بنا نحمل أمتعتنا وننصرف قبل أن تداهمنا تلك السعادة!».

فقالت: «كيف نفر من سعادة يتمناها كل إنسان؟ أم تحسبني أمزح؟»

قال: «لا اشك في أنك تمزحين!»

قالت: «كلا إنما أقول الجد. ومتى رأيتني أزف إلى الخليفة، عرفت أني أجد ولا أهزل!»

فلم يصدق قولها وظل يحسبها تعبث فقال: «دعينا من المجون الآن فإن الوقت قصير. هلم بنا نرحل. وأرى أن نخرج منفردين، وإذا رأينا حمل الأمتعة يدعو إلى شبهة تركناها».

قالت: «إذا شئت الخروج فاخرج. أما أنا فإني أنتظر وفد الخليفة لأسير إليه».

فقال: «دعينا من المجون يا سلمى فليس هذا وقته!»

قالت والجد باد في وجهها: «قلت لك أني لا أهزل بل أقول الجد، وأنا باقية هنا حتى أحمل إلى دار الخليفة. وإذا ساءك ذلك فابق حيثما شئت».

فقال وقد مل إصرارها: «إذا كنت تجدين فما أنا معك. وإلا فما الذي تعنينه؟»

فقالت: «كن حيث شئت فإني أعني ما أقول».

قال: «أتعنين أن تقبلي يزيد زوجاً لك؟»

قالت: «لا تقل يزيد بل قل أمير المؤمنين».

فذهل عامر وظن نفسه في حلم! وكان وهو يخاطبها قد هم بجمع الأمتعة فلما سمع كلامها ترك ما كان بيده من الثياب، ووقف وأسند ظهره إلى الحائط مبهوتاً لا يبدي حراكاً، وهو يعجب لما سمعه منها، وقال في نفسه: «لقد صدق من قال إن النساء ضعيفات العقول! إن هذه الفتاة نسيت ابن عمها بعد أن كانت تتظاهر بالاستماتة في حبه ورضيت رجلاً كان السبب في القبض عليه وربما قتله. لك الله يا عبد الرحمن!». ثم نظر إلى سلمى فإذا هي جالسة لا تعبأ بغضبه فناداها قائلاً: «سلمى!». قالت: «نعم». قال: «أأنت ابنة حجر بن عدي؟». قالت: «لا أدري».

قال: «ألم نكن بالأمس نبكي أباك تحت تلك الشجرة؟ ألم نقسم لنأخذن بثأره؟. هل نسيت موقف عبد الرحمن والخنجر بيده؟ أنسيت عبد الرحمن ابن عمك وخطيبك؟ أنسيته لأنه وقع في ضيق ويئست من حياته؟ أطمعت في القرب من الخليفة ابن قاتل أبيك؟ أعوذ بالله! ما هذا الذي أراه؟ أفي حلم أنا أم في يقظة؟!»

فقالت بصوت هادئ لا يشوبه اضطراب وهي مطرقة: «لا، بل أنت في يقظة!»

فلما سمع كلامها تصاعد الدم إلى رأسه وبدا له فشله بعد أن شهد انقلابها فتناثر الدمع من عينيه وهو يحاذر أن تلحظ سلمى ذلك فتنسبه إلى الضعف، فتحول وخرج من الغرفة وهو لا يدري ماذا يفعل ولا إلى أين يذهب، ولم يصل إلى الصفصافة حتى لقيه الرئيس، فلم ينتبه لوجوده حتى سأله عما كان من أمر سلمى، فلم يدر بماذا يجيبه لئلا يلمح كدره فيطلع على شيء من سره، ويفتضح أمره، ولكنه تجلد وحاول الابتسام وقال: «لا ريب في أنها اغتبطت بهذه النعمة» قال ذلك وتظاهر بأن أمراً طرأ على ذهنه يدعو إلى سرعة الرجوع فاستأذنه وعاد حتى أتى باب الغرفة وهو لا يلتمسه، فأراد التحول عنه فوقعت عيناه على سلمى فإذا هي مشتغلة بشيء تحاول دسه في جيبها، ولما رأته بادرت إلى الباب فأغلقته في وجهه ثم أوصدته!

فلما رأى تسترها منه إلى هذا الحد، داخله ريب في أمرها، ولبث واقفاً بالباب وهو لا يفهم سر هذه الظواهر الغريبة. فلم تطاوعه نفسه على طرق الباب وأحب العزلة برهة لعله إذا خلا بنفسه ينكشف له شيء من هذا الغموض فانقلب راجعاً حتى خرج من باب الدير ومشى في البستان حتى تجاوزه وهو غارق في بحار الهواجس لا يدري إلى أين تسير به قدماه.

وما شعر إلا وهو على مقربة من الجوزة، ولما وقع بصره على قبر حجر اختلج قلبه في صدره لتذكره ليلتهم على ذلك القبر. فتاقت نفسه إلى البكاء فوق ترابه لعل هاتفاً ينبئه بحقيقة ما يبدو له من الغرائب. وفيما هو يفكر في ذلك مر بخاطره الشيخ الناسك فقال في نفسه: «يا ليتني ألقاه وأستطلعه هذا الأمر فلعله يفرج همي». ولم يكد يفكر في ذلك حتى رأى شيبوب خارجاً من وراء الجميزة وهو يثب على جذعها كأنه يحاول الصعود فأراد عامر أن يناديه ولكن بصره وقع على أعلى الجوزة فرأى شيخاً متكئاً على بعض أغصانها فتفرس فيه فإذا هو الشيخ الناسك بعينه. فأجفل وعجب لوجوده هناك، ثم تذكر ما ظهر منه من الغرائب السابقة فزال عجبه، وارتاح لالتقائه به في ذلك المكان. وقبل أن يهم بمخاطبته رآه يتحرك، فتربص ليرى ما يبدو منه فإذا هو ينحدر نازلاً بأسهل ما يكون، فظل عامر واقفاً حتى وصل الناسك إلى الأرض والكلب يحوم حوله ويثب على يديه ورجليه كأنه يرحب به.

وكان الناسك قبل أن يصل إلى الأرض قد أرسل شعر ناصيته على جبينه وعينيه فغطى ما بقي من سحنته خالياً من الشعر إلا رأس أنفه وصاح قائلاً: «لقد قضي الأمر يا عامر. ولكن لا تجزع فإنهم لن يقتلوه على عجل». فارتعدت فرائص عامر واقشعر بدنه وهم بيد الشيخ ليقبلها فأمسك الشيخ يده وقال: «تجلد يا عامر وكن رجلاً».

فأمسك عامر نفسه وارتاح لمكاشفته بحال سلمى فقال: «إني لا أجزع على عبد الرحمن ولكني خائف على سلمى».

قال: «وما يخيفك عليها؟»

قال: «لقد طلبها يزيد لتكون زوجاً له فقبلته بالرغم مني».

فأرخى الشيخ الناسك يده فأفلتت يد عامر. ولبث كلاهما صامتاً وعامر ينظر ما يبدو من كرامات الشيخ وقلبه يخفق. فإذا بالشيخ قد جلس وأسند ظهره إلى الجوزة وهو يحك رأسه بأطراف أظافره كأنه يفكر في أمر. ثم قال: «وأي بأس على سلمى من زواجها بيزيد؟»

قال عامر: «ألا ترى بأساً عليها يا سيدي؟ وهب أنه لا بأس عليها، فكيف تنكرت لعبد الرحمن؟!»

فضحك الشيخ حتى بدت نواجذه وقال: «لا شك في أنها لم تقرر ذلك إلا بعد تفكير».

فتعجب عامر وقال: «لكن كيف يطاوعها قلبها على ذلك؟ كيف تخون خطيبها وابن عمها وترضى بذلك الأموي بديلاً منه؟»

فقال الشيخ: «تأدب يا عامر إن ابنة عدي لا تخون. وهي لم تأت الشام وتكابد مشاق الأسفار وتتحمل الأخطار لتخون قلبها وتغدر بابن عمها».

قال عامر: «ولكنها قد فعلت يا مولاي. وها هي ذي مستعدة للذهاب إلى يزيد».

قال: «دعها وأظهر لها رضاك بذهابها ثم انظر ما يبدو منها».

فدهش عامر لتلك المعميات ولم يلح في الاستفهام لئلا يغضب الناسك. ولكنه استحسن رأيه في مسايرتها ليستطلع ما يكنه ضميرها وتظاهر برغبته في الانصراف إليها فابتدره الناسك قائلاً: «اذهب إليها على عجل».

•••

نهض عامر ومشى وهو يتعثر بأذياله لفرط ذهوله حتى أتى الغرفة فرأى الباب لا يزال موصداً فطرقه وصبر فلم يجبه أحد، فألح في قرعه ففتحته سلمى وتحولت إلى حصير جلست عليه وهي مطرقة، فدخل عامر وأقفل الباب وراءه ونظر في وجه سلمى فرأى الكآبة بادية فيه وكأنها كانت تبكي فقال لها: «ألا تزالين مصرة على رأيك يا بنية؟»

فأشارت برأسها أن «نعم».

فقال: «لقد فكرت في أمرك بعد خروجي من عندك فرأيت أنك على حق، لأننا لا نستطيع الفرار الآن وعلينا الأرصاد والعيون من كل ناحية. ثم إن تقربنا من الخليفة نعمة كبرى ستعود علينا بالخير».

فرفعت بصرها إليه وتفرست في وجهه هنيهة ثم قالت: «يظهر أنك تريد الذهاب معي».

قال: «وكيف لا؟»

قالت: «لا، لا تذهب معي».

قال: «كيف لا أذهب معك، وإلى أين أذهب؟»

قالت: «لا أدري أين ينبغي أن تذهب، ولكني لا أريد أن يذهب معي أحد».

قال: «ماذا تقولين؟. إذا كنت تعدين اقترانك بالخليفة نعمة فلماذا تريدين حرماني منها؟. إني لأرجو إذا صرت أنت زوجة أمير المؤمنين أن تساعديني في إطلاق سراح عبد الرحمن لأنك ستتسلطين على قلب الخليفة ولا أظنه يرفض لك طلباً، وربما وصلنا بوساطتك إلى مناصب رفيعة!». قال ذلك وهو يراقب ما يبدو منها وعيناه شاخصتان إليها.

أما سلمى فحدقت ببصرها إليه وهي تشك في صدق كلامه ثم قالت: «أصحيح ما تقوله يا عماه؟. هل تقرني على الذهاب إلى الخليفة. أقسم بعبد الرحمن أنك تسمح لي بذلك».

قال: «نعم يا سلمى أنه صحيح لا ريب فيه وأقسم لك».

قالت: «أطعني إذن ودعني أذهب وحدي!»

قال: «ولماذا؟. إني لأعجب من أمرك. أكلما جاريناك في غريبة أتيتنا بغريبة أخرى. إن إصرارك على منعي من ذهابي معك لأغرب من قبولك الذهاب. ما هذا يا سلمى؟». قال ذلك والأسف والعتاب باديان في عينيه. ولكنه لم يكد يتم قوله حتى رأى وجه سلمى قد علته أمارات الكآبة والغضب، فتقطب حاجباها وتوقدت عيناها وقد زادهما الاحمرار بريقاً حتى لم يعد عامر يستطيع النظر إليها. ثم وقفت بغتة وتحولت من السكون والرقة إلى الخفة والشدة وقالت: «أتظنني ذاهبة للاقتران بيزيد؟»

قال: «وفيم أنت ذاهبة إذن؟»

فمدت يدها إلى جيبها واستلت خنجراً كانت قد خبأته فيه وقالت: «إني ذاهبة لأقتله بهذا الخنجر!»

فأجفل عامر، وأكبر شجاعة سلمى وقال: «لكن كيف تفعلين ذلك يا سلمى؟.. وكيف أرضى بأن تفعلينه. إننا مازلنا نشكو من اندفاع عبد الرحمن وعدم تبصره، وأراك تندفعين إلى ما هو أشد منه خطراً».

فقالت: «وقد هاجت عواطفها: «أتعلم أن عبد الرحمن مهدد بالقتل ثم تمنعني من الذهاب إليه، وتلومني على رغبتني في اللحاق به؟. وكيف يدعونا يزيد إلى أن نسير إليه ويمكننا من التحكم فيه ولا نرضى؟!. نعم إني عددت عمل عبد الرحمن تهوراً لأنه اقترب من يزيد وحوله الخدم والأعوان. ولكن يزيد يدعوني إلى الزواج به وهي فرصة ينبغي ألا أضيعها. أم تريد أن أخاف على حياتي فأترك عبد الرحمن في خطر القتل وهو في قبضة يزيد؟. دعني أذهب إليه فإما أن أقتل يزيد وأنقذ الإسلام من شره وأنتقم لأبي، وإما أن أموت فداء حبيبي، أو نموت جميعاً. لا تقف في سبيلي إني ذاهبة إلى يزيد رضيت أم لم ترض».

قالت ذلك وقد تغيرت هيئتها من شدة ما اعتراها من الاهتياج والانفعال، فلم يزدد عامر إلا استغراباً ودهشة، وظل برهة صامتاً متحيراً ثم قال: «إذا كنت ترين الموت هيناً عليك في سبيل عبد الرحمن، فلماذا تريدين أن أبقى؟ إنني إنما أعيش لأجلكما. فأرفقي بي ودعيني أسر معك، فإما أن نموت جميعاً، وإما نجونا جميعاً. أم تراك تحسبينني جباناً؟»

فلما سمعت قوله أمسكت نفسها وتجلدت ثم قالت: «حاش لي يا عماه أن أظن بك الجبن، ولكن لا فائدة من ذهابك». ثم قطعت حديثها كأنها كانت تهم بأن تقول شيئاً ثم أمسكت عنه.

فابتدرها قائلاً: «كيف لا يكون في ذهابي فائدة؟. وما فائدة بقائي هنا؟»

قالت: «أعرني سمعك يا عماه، وتبصر في قولي.. إنك إذا ذهبت معي كنا جميعاً في خطر الأسر أو القتل. فإذا لم أفز أنا بقتل يزيد وحكم علي بالموت يحكم عليك أنت أيضاً بمثله. فمن يسعى بعد ذلك في إنقاذ عبد الرحمن؟ وأما إذا كنت طليقاً وقدر علي الموت، فإنك تستطيع حينئذ أن تسعى لإنقاذ عبد الرحمن. وإني لأرجو إذا تمكنت من ذلك أن تقرئه تحيتي. وتنبئه بأن سلمى آثرت الموت في سبيل حبه على البقاء بعده. وأن عظامها تتهلل في أعماق القبر لتمكنها من إنقاذ حياته». قالت ذلك وخنقتها العبرات، وجلست وقد خارت قواها ووقع الخنجر من يدها. ثم انتبهت لنفسها فاسترجعت رشدها والتقطت الخنجر من الأرض وقربته من فمها فقبلته وهي تقول بصوت مختنق: «إن فيك آمالي وعليك متكلي. فإما أن تغمد في أحشاء يزيد أو في أحشائي. ويا حبذا إذا كان في ذلك نجاة مالك فؤادي». ثم أغمدت الخنجر وأرجعته إلى جيبها، وجلست وقد تكسرت أهدابها من فرط البكاء وعيناها تتقدان شجاعة وثباتاً!