الفصل الثاني

4 0 00

الفصل الثاني

ادهشتني كثيرا اجابته خاصة وانه بدا واثقا مما يقول، فبدأت ثقتي بنفسي تتزعزع وتساورني تساؤلات: هل يعقل انني فعلت شيئا دون ان ادري ؟ ما الذي جرى بالتحديد ؟ عدت مجددا الى توجيه سؤالي السابق الى المحقق فيصل: ما هو هذا الدليل؟

انفرجت اسارير المحقق عن ابتسامة تشهد على خبث صاحبها وسألني: كيف كانت علاقتك باختك خلال السنة الاخيرة؟

اجبت بان علاقتنا لم تكن قريبة كما في سنوات سابقة، وانني هاتفتها مرة او مرتين منذ بدء دراستي في دبي لاستفسر عن حالها، لا اكثر!

فقال المحقق: أهذا كل شيء ؟ ألم تكن هناك هدايا ؟ ألم تكن في الامر رسائل عبر البريد الالكتروني؟

قلت: ابدا، كل علاقتي مع اهلي منذ ان بدأت الدراسة سطحية، فالدراسة استحوذت على معظم وقتي اضافة الى التغيير في نمط الحياة الذي يعتبر جديدا علي في دولة ليست بلدي الذي اعتدت عليه.

رفع المحقق حاجبه بنوع من التعجب مما سمع ثم قال بصوت هادئ: اسمع يا بني! انا اعرف كل تفاصيل هذه الجريمة، وارجوك ان لا تتخيل انني اجلس هنا لألعب معك هذا الدور مدة طويلة، فليتك لا ترهقني وتخبرني بكل التفاصيل وبصراحة، لأن الكذب لن يفيدك بل سيعقد موقفك في القضية.

سالت: ماذا تعني ؟

اجاب بسؤال مضاد: لماذا لا تقل لي بصراحة انك متزوج من فتاة تدعى كوكب، وهي السبب الرئيسي في ابتعادك عن اهلك ؟

رددت عليه وفق اسلوبه بسؤال جديد من طرفي: وما دخل هذا الموضوع في القضية ؟ وما هو الدليل الذي تدعي انه موجود ؟

اجابني المحقق فيصل وهذه المرة بنبرة شبه عصبية: انت تحب ان تلعب دور البريء وانك لا تعلم شيئا، اليس كذلك ؟

قلت: ابدا، انا لا ادري لماذا انا هنا ؟ انا اعيش منذ سنتين في الامارات، وحضرت امس في اول زيارة لي للسعودية، واختي تعرضت لجريمة قتل منذ قرابة اسبوعين، قل لي انت كيف توجهون اصبع الاتهام نحوي؟!

اجاب المحقق فيصل: أحقا امس كانت زيارتك الاولى للسعودية ؟ انظر الى هذا ..

وناولني المحقق جواز سفري السعودي، وارادني ان اتأمله.

فسالته: ماذا تريد ان ارى؟ انه جواز سفري فعلا ؟

قال المحقق: انظر ما بداخله.

تصفحته ولم اصدق ما رأت عيناي، ختم معبر الحدود في جوازي يشهد على دخولي الاراضي السعودية، قبل حوالي اسبوعين ومكوث يومين كاملين!

قال المحقق فيصل: في هذين اليومين قمت بزيارة للسعودية، وخلالهما وقعت جريمة قتل اختك في منزل والديك بينما كانت لوحدها فيه، والادهى من ذلك ان القاتل دخل البيت عبر الباب الموصد مستخدما المفتاح، وباغت اختك وخنقها حتى لفظت انفاسها الاخيرة. كما انك قمت بهذه الزيارة من دون علم اهلك، والاهم من كل ذلك انك تملك الدافع لقتل اختك وهو تهديدها لك بانها ستبلغ امها بانك تزوجت من كوكب سرا عنها ولهذا عليك ان تطلقها فورا في حال اكتشفت والدتك هذا الزواج السري.

اصبت بدهشة كبيرة لما سمعت، فهو امر لا يصدق. كلمات المحقق فيصل قادتني الى استخلاص ان احدهم نصب لي فخا كبيرا، ووقعت فيه من حيث لا ادري.

حينها طلب مني المحقق فيصل ان افكر جيدا بالاعتراف لأن ذلك سيكون في مصلحتي خلال مجريات القضية، ثم نادى الحاجب وامره باعادتي الى زنزانتي المظلمة الى حيث كنت، اعتقادا منه انه لربما اقرر الاعتراف بعد قضائي مزيدا من الوقت فيها.

جلست في الزنزانة اندب حظي ويكاد البكاء يغلبني، تارة اضرب كفا بكف وتارة اضرب راسي بالحائط علني استرجع ما قد فاتني دون ادراكي ولكن هيهات. تمالكت اعصابي، وقلت في نفسي انه ينبغي علي ان استعيد جيدا كل ما حدث لي خلال الاسبوعين الاخيرين، من يدري فلربما اتمكن من فك طلاسم ما حدث. في هذه الاثناء بدأ سيل الشكوك يتسرب الى ذهني بأن لزوجتي كوكب ضلعا في ما حدث او على الاقل انها على علم بأمور لا اعلمها انها. وعادت الى ذهني في هذه اللحظة بالذات صورتها حين سافرت الى السعودية آخر مرة وكم كانت غريبة الاطوار وكأنها تخفي عني شيئا خطيرا!! لا لا لا ...

كوكب ودعتني وكانت وكأنها تودعني الى الابد! فقد بدا عليها ذلك جليا رغم انهماكي بفكرة ان ابي بحالة خطرة ويرقد في المستشفى، ولكن مثل هذه التفاصيل التي بدت لي واهية في بادئ الامر لم تكن لتستوقفني، اما الآن وانا املك كل وقت الدنيا للتفكير ومراجعة التفكير والتحليل والاستخلاص، يقودني تفكيري الى ان كوكب تعلم ما لا اعلمه، اذن كوكب هي من قامت بتلفيق هذه القضية لي ؟

لكن لماذا تلفق لي كوكب هذه القضية وانا زوجها الحبيب، الذي فعل كل شيء من اجلها، وتزوجها خارجا عن طاعة اهله، ورغم انف الجميع، كيف لها ان تكيد لي مثل هذه المكيدة وانا لم ارفض لها طلبا في يوم من الايام ؟

يجب ان اتحدث معها وافهم الحقيقة منها كي لا اظلمها باستنتاجاتي. ولكن كيف الاتصال بها والتحدث معها وانا قابع في هذه الزنزانة المظلمة المخيفة؟

بدأت اراجع في ذهني بقية ما سمعته من المحقق فيصل. وتساءلت كيف تم ختم جوازي في المعبر الحدودي وانا لم استخدمه في سفري بل لم اسافر الى السعودية، فمن اين جاء هذا الختم دون علمي، لا بد ان هنا شيئا خارقا اقوى مني يتصرف بي دون ادراكي! من يا ترى حاك كل هذه المؤامرة المعقدة للايقاع بي ؟

في هذه اللحظة قفز الى ذهني ان كوكب طلبت مني جواز سفري قبل شهر تقريبا، للحصول على تاشيرة دخول لانجلترا التي كنا ننوي التوجه اليها في رحلة استجمام برفقة عدد من الاصدقاء.

حسنا، اذا هي كوكب التي نسجت خيوط هذه المؤامرة. لقد اتضحت الامور الآن، فهي الوحيدة التي يمكنها تصفح بريدي الالكتروني، وان تمس جواز سفري، وهي الوحيدة التي يمكن ان تكون قد تحدثت الى اختي واخبرتها بزواجنا.

لكني لا افهم ما هي مصلحة كوكب في كل ذلك ؟ فانا زوجها وحبيبها ؟ ولولا حبها لي لما تزوجتني رغم كل الظروف الصعبة التي واجهتنا سويا في سعينا للارتباط بعقد زواج؟

دماغي ستنفجر ولم اعد اقوى على استيعاب شيئا مما يدور حولي ! انا واثق من حب كوكب لي، رددتها لنفسي هامسا ببطء وبهدوء، ومع ذلك لم اعد متيقنا من شيء سوى انني الآن في هذه الزنزانة اللعينة.

استيقظت صبيحة اليوم التالي فوجدت الحقيقة ماثلة امامي انني فعلا في هذه الزنزانة المقرفة، بعد ان ظننت انني اعيش كابوسا وانه لا بد ان ينجلي عند استفاقتي ولكن الحقيقة صدمتني قبل الافطار بوجبة من التعاسة تكفي مدينة بأكملها.

انتشلني من افكاري المشؤومة صوت مفتاح السجان الذي فتح باب زنزانتي طالبا مني الاستعداد لاستقبال زوار. قلت لنفسي لعلها كوكب حبيبتي جاءت لتطمئن علي، فانا ظلمتها بأفكاري غير السوية. ولكن سرعان من تبين لي ان من جاء لزيارتي هو ابي يرافقه اخي كمال. بدا الارهاق واضحا على وجه ابي. قد يعود سببه الى قلة النوم. ايعقل ان يمر والدي بهذه المحنة القاسية بعد ان انعم على ابنائه بهذا الكم من الحب والعطاء وبعد ان كان يلبي لاولاده كل مطالبهم، هل يعقل ان يردوا له صنيعه بهذه المصيبة المزدوجة: القتيلة ابنته والقاتل ابنه؟؟؟

وقبل ان ينبس اي منهما بكلمة، استبقتهم قائلا بكل اصرار وحدة: انا بريء يا ابي، انا بريء يا اخي !!

قال كمال: اسمع يا عبد الحميد سيزورك اليوم محام يدعى سليم عبد الله، اظنك سمعت عنه، فهو من افضل المحامين في المملكة، فإن كنت بريئا كما تدعي، سوف يظهر الله براءتك، وسنسامحك، لكن ...

سكت كمال قليلا وهز راسه وكأنه متأكد من انني قاتل شقيقتي، وانني لست بريئا. ولكنه تابع قائلا: لكن والله العظيم ورحمة اختي، اذا كنت انت الفاعل فلن نسامحك مهما كان، لا انا ولا ابي ولا امي ولا اخاك خليفة.

نهضت من مقعدي مسرعا وركعت على ركبتي امام ابي وبدأت اقبل يديه مستجديا منه ان يثق بكلامي، وعندما رفعت عيني اليه لاحظت بريق دموع لا يسمح لها ابي بمغادرة مآقيه حفاظا على كبريائه وجلده امام ابنائه فرددت بصوت مسموع فيه الرجاء والاستعطاف والانكسار: انا بريء يا ابي انا بريء، اقسم برحمة اختي الغالية انني بريء، لماذا اقتل اختي حبيبتي لماذا ؟ والله على ما اقول شاهد.

هل تذكر يا عبد الحميد ؟ هل تذكر؟

قالها ابي بصوت هادئ وحزين، وفي اعماقي ادرك ما الذي سيقوله ابي، فهو يحاول ان يذكرني بشجار حدث بيني وبين شقيقتي مروة حين كنت طالبا في المرحلة الثانوية، حين ضربت مروة بعد ان لاحظتها تخلتس الحديث بالهاتف، ولم تشأ ان تخبرني مع من كانت تتحدث. وبعد ذلك اعترفت لي انها كانت تتحدث مع ابي، الذي وعدته بأنها لن تخبر احدا عن المفاجأة التي كانت تحضرها لي بمناسبة عيد ميلادي.

حينها طلبت من مروة ان لا تخبر احدا بأنني ضربتها وان تسامحني على فعلتي، لكن لم يصدق احد روايتها لان علامات الضرب كانت واضحة على وجهها، وعندما سالني ابي عن ذلك اقسمت اغلظ الايمان كذبا بأنني لم اضربها، مما جعل ابي يغضب مني مدة اربعة اشهر كاملة، وهذا دفعني الى الغضب من نفسي لدرجة الندم الشديد.

اجبت ابي: نعم اذكر يا والدي الحبيب، لكني آنذاك كنت شابا طائشا، وخشيت عقابك لي وغضبك علي، فغضبك صعب جدا، وانا لا احتمله، ولهذا اضطررت للكذب، لكني وعدتك منذ ذاك الحين ان لا اكرر ما فعلت، وقد سامحتني.

تدخل كمال وقال: نعم سامحك ابي لكنه لم ينس لك هذه الفعلة، فاختك كانت ابنته المدللة والعزيزة على قلبه، وها انت تأتي الى السعودية سرا، تدخل البيت بمفتاحك الشخصي وتقتل اختك، وحتى ساعة يدك وجدت الى جانب جثة المغدورة، كل ذلك لكي لا تفشي سر زواجك من ابنة الروسية، وبعد كل هذا تريدنا ان نثق بأقوالك ؟ مستحيل.

وجهت جوابي لابي: لكني لم افعل يا ابي ؟ وحتى ان كان هذا الكلام صحيحا، فانت تتذكر وعدك لي بأن تزوجني كوكب بعد نجاحي، اي غلطتي لا تستحق ان اقتل اختي مهما كان الثمن.

ومن جديد جاءني الرد من كمال بصوت مرتفع: يا عبد الحميد كلنا يعلم ان ابي لن يزوجك كوكب اذا علم انك تزوجتها دون علمه، وانت تعلم انه في حال قامت المرحومة اختك بكشف الحقيقة امام امي فان ذلك كان سيؤدي الى نهاية زواجك من كوكب، بل يمكن ان يكون سببا لمقاطعة والدي لك. كفاك يا عبد الحميد.

في هذه اللحظة، صاح الشرطي من بعيد ان الزيارة انتهت وان على الزوار المغادرة، فلم استطع ان اكمل دفاعي عن نفسي، وعلى ما يبدو انه سيكون من العسير جدا اثبات براءتي في قضية مهما كنت واثقا من براءتي منها في حين يقف جميع افراد اسرتي ضدي، فعادت الشكوك تطاردني وتصوب سهامها نحو زوجتي. لا احد لا احد يقف الى جانبي.

جلست في زنزانتي، بعد ان شعرت بالشلل يصيب كل حواسي لشدة القلق والغموض، ولم استطع ربط أي شيء من خيوط الاحداث، حتى اخرجني من هواجسي صوت الشرطي يبلغني ان المحامي سليم عبدالله، حضر لمقابلتي.

اجلسوني في غرفة مرتبة ودخل بعد برهة من الزمن المحامي سليم، الذي يعتبر من افضل المحامين في السعودية، والذي تتردد عنه قصص عجيبة من النجاحات في ملفات قضائية تكاد تكون مضمونة الخسارة فيحول مجراها ليفرج عن المتهم مع نهاية المرافعات. هيئته توحي بأنه رجل صلب، انه طويل القامة مما يضفي على شخصيته هيبة تقارب الرهبة. يقول مقربوه انه لم يخسر قضية في حياته في المحاكم، حتى انني استغربت كيف وكله اخي وابي للدفاع عني مع انهما لا يشككان في براءتي.

كيف حالك يا عبد الحميد؟ سالني المحامي سليم.

اجبته وكأني اشكي همي له: لست بخير.

لم يستهجن المحامي جوابي فأردف قائلا: نعم، اعتقد ذلك.

سألته مباشرة: أانت المحامي الشهير سليم عبد الله؟

فقال: نعم انا. وتابع يقول: اسمع يا بني، انا لا اريد ان اضيع الوقت الثمين، وساخبرك بالحقيقة كما هي، انا صديق والدك منذ سنين، وادرك جيدا مدى حب والدك لك، وانه يتمنى ان لا تكون انت مرتكب هذه الجريمة الشنيعة، ولهذا توجهت انا الى ابيك بطلب المرافعة عنك، ايمانا مني ببراءتك. مع ان اخاك كمال اعترض بشدة، ولكن والدك وافق في النهاية على توكيلي.

شعرت بالارتياح بأن سندا قويا يقف الى جانبي فقلت: شكرا سيد سليم، واتمنى ان تثق في اقوالي، فانا بريء فعلا من هذه التهمة البشعة، فانا لم ارتكبها.

نظر الي المحامي سليم وقال بهدوء ووقار: نعم، عليك ان تكون بريئا لكي ادافع عنك، فهذه وظيفتي. واتمنى ان تعلم ان ادلة الاتهام ضدك مقنعة جدا، والمحقق فيصل الذي يحقق في هذه القضية يعتبر من افضل المحققين في المملكة، لهذا مهمتنا ستكون صعبة جدا، وكلي امل ان تساعدنا كي نصل الى حل لغز هذه الجريمة.

ازداد اطمئناني لهذا المحامي وقلت بنبرة فيها نوع من استعادة القوى الخائرة: استاذ سليم انا بريء ولا اعرف كيف تم ختم جواز سفري بدخولي السعودية وخروجي منها، حقا لا اعرف.

فأجابني المحامي وكأنه ينوي التحدي حتى النهاية: هذا واحد فقط من الادلة يا بني، هناك رسائل التهديد الى مروة عبر البريد الالكتروني، وهناك المفتاح الذي فتح الباب ودخل منزل والديك، وهناك الدافع للقتل، هذه ادلة كثيرة واخطاء كثيرة في جريمة واحدة، اذا فهمت قصدي.

لم ادرك ماذا يعني المحامي فسألته: لا، لم افهم قصدك! ماذا تعني ادلة كثيرة واخطاء كثيرة في جريمة واحدة؟

فأجاني موضحا: من مجمل القصص التي رواها والدك عنك ادركت انك شخص ذكي جدا يا عبد الحميد، واعجبت بذكائك جدا، واعتقد ان من يريد، تنفيذ جريمة قتل، لا يرتكب كل هذه الاخطاء المتعمدة في جريمة واحدة. هذا كم كبير جدا من الاخطاء، واذا كان المجرم قد ارتكبها جميعها دون وعي فحسب رأيي لست انت هذا المجرم الذي يفتقر الى الذكاء.

واضاف المحامي: سأتركك الآن وسأسافر لملاقاة زوجتك كوكب، لأن بعض الاجابات التي ابحث عنها موجودة لديها بالتاكيد، واذا امكن ساطلب منها مرافقتي في عودتي الى هنا وقد توافق على ان يرافقها والدها.

سررت بهذه الخطوة وقلت بحماس: نعم، اتمنى ان تأتي كوكب، مع اني لست متاكدا من ذلك.

وحاول المحامي يوسف من تهدئة حماسي فقال: تذكر انه في المرة القادمة عندما آتي لزيارتك سأملك معلومات اكثر، واريدك ان تفكر مليا بما قلته لك وان تحلل كل شيء بجدية تامة، فأنا اتوقع في المرة القادمة ان احصل منك على اجابات افضل.

عدت الى وحدتي في زنزانتي واخذت استعيد حديث المحامي، فقد قالها لي بصراحة انه تم تلفيق الجريمة لي، ومن لفقها يعرفني جيدا، ومن لفقها لديه امكانية الوصول الى ساعة يدي التي فقدتها قبل نحو اسبوعين، ولديه امكانية الوصول الى جواز سفري، كما لديه امكانية مطالعة بريدي الالكتروني، واستخدمه للرد من خلاله، ومن لفق لي هذه التهمة باستطاعته كذلك ان يخبر اهلي بزواجي.

حسنا من الشخص الذي تنطبق عليه كل هذه المواصفات؟ لا احد سوى كوكب، زوجتي التي احببتها، هي من قتلت اختي، انها هي ولا احد سواها.

لا لا لا لا... ماذا اقول؟ كيف تقتل كوكب اختي وهي كانت الى جانبي طوال الوقت، ولم تتركني ابدا، ثم كيف يمكن لكوكب ان تضع ختما في جواز سفري، والسفر الى السعودية والتخطيط لكل هذه العملية الغريبة من الاساس. لا بد ان هناك حلقة مفقودة، لا بد ان يكون القاتل شخصا آخر، ولكن من يكون ؟ وما هي دوافعه؟

في اليوم التالي استدعاني المحقق فيصل للمثول امامه وكرر طلبه مني بالاعتراف ليكون موقفي في القضية افضل، فأجبته بإصرار شديد بانني بريء.

وفجأة خطرت ببالي فكرة راقت لي، فسالت المحقق فيصل على الفور: كيف لك ان تكون واثقا من انني انا من دخل الاراضي السعودية؟ هل ختم جواز سفري عند معبر الحدود دليل كاف؟

نظر الي المحقق فيصل نظرة متمحصة وسألني مستغربا: الا يكفي هذا يا بني؟

قلت: نعم يكفي في اغلب الاحيان، ولكنني الآن متهم بجريمة قتل، ويجب ان تقوموا بتحريات جدية، اليس كذلك ؟

تململ المحقق وكأنه اعتبر كلامي بمثابة درس في عملية التحقيق التي يجيدها هو اكثر من غيره وقال: نعم، وفعلا اجرينا تحريات، حتى انني شاهدت كاميرات المطار في يوم دخولك الاراضي السعودية، وشاهدتك انت بالذات من خلال الكاميرات، وانت تقوم بختم جواز سفرك.

ثارت عصبيتي في هذه اللحظة: هذا مستحيل، اريد ان ارى هذه التسجيلات المصورة فلا يمكن ان اكون انا، هذا مستحيل.

في هذه الاثناء حاول المحقق تحويل اهتمامي الى اتجاه آخر يريده هو فقال: اليس من الافضل لك ان تعترف الآن؟

اجبته وكل اصرار الدنيا في عبارتي: لا، انا بريء، مع انني متاكد انك لم تشاهدني بواسطة كاميرات المطار.

تمالك المحقق نفسه وبدا هادئا حين قال: اسمع يا بني، ساشاهد المقطع مجددا، واتحقق بدقة، فقط لكي تكون واثقا من ان الشرطة تقوم بواجبها على اكمل وجه في المملكة.

اعتبرت هذا نصرا صغيرا لي بأن ارغمه على مراجعة التسجيلات المصورة من جديد فقررت محاولة تحقيق نصر صغير آخر عليه فقلت: هل لك ان تذكرني ببقية الادلة من فضلك ؟

ولكن المحقق لم يستجب لمطلبي بالسهولة التي توقعتها فقال: المحامي سليم كان هنا بالامس واطلع على الملف بعناية تامة، واتوقع انه اخبرك بهذه التفاصيل، مع ان الشرطة لا تكشف جميع ادلتها، لكنني ساذكرك باهمها لعلك تقرر الاعتراف، وكن واثقا من ان المحامي سليم لن ينفعك في قضية كهذه.

اولا يا بني في ليلة مقتل اختك سافرت انت من الامارات الى الرياض، وعدت للامارات في اليوم التالي، اي انك كنت هنا في السعودية ليلة وقوع الجريمة.

ثانيا: استخدمت مفتاحك الخاص بمنزل والديك، ودخلت المنزل، وقتلت اختك متعمدا، وحذفت الرسائل الواردة منك الى بريدها الالكتروني.

ثالثا: بعد ان استعدنا المواد المحذوفة من البريد الالكتروني لاختك عثرنا على رسائل تهديد لها ارسلتها انت شخصيا. واعتقد ان هذه ادلة قاطعة تدينك بدون ادنى شك.

بدت لي هذه الادلة منقوصة فبحثت عن دليل بعينه: هل هذه هي جميع الادلة التي يمكنك ان تخبرني بها ؟ اليس هناك مزيد من الادلة ؟

اعتبر المحقق سؤالي وكأنه استبدال للادوار في غرفة التحقيق فأجاب بامتعاض: بلا هناك ادلة اخرى، ولكني لن ابوح بها لك وانما ستعرفها بعد تقديمها للنيابة.

فشلت في معرفة بقية الادلة التي تنوي النيابة مواجهتي بها، ولم يعد لدى المحقق ما يضيفه فأمر بإعادتي الى زنزانتي نزولا عند طلبي، فليس لدي ما اقوله حتى التقي المحامي سليم علني انجح في الحصول على معلومات اضافية.

جلست في زنزانتي محاولا جمع خيوط افكاري المشتتة وتبددت شكوكي شيئا فشيئا وبدت الصورة امامي جلية يقف وسطها القاتل واضح الملامح ، نعم عرفت من دخل السعودية مستخدما جواز سفري، ومن قتل اختي، ومن هددها قبل ان يقتلها. ولكني افضل انتظار المحامي سليم الذي سيعود بعد مقابلته زوجتي كوكب في دبي لاني ما زلت عاجزا عن ترتيب كل اجزاء صورة الجريمة من البداية حتى التنفيذ.

مرت ثلاثة ايام وعاد المحامي الى السعودية بعد ان التقى زوجتي في دبي فحضر على الفور لزيارتي. توجهت بشغف لاستمع منه الى ما توصل اليه خلال حديثه مع زوجتي ولكي ابلغه بما اكتشفت انا بنفسي، ومن هو القاتل حسب رأيي.

وما ان وصلت الى الغرفة المعدة للقاء المعتقلين بمحاميهم حتى رأيته يقف منتظرا بجوار الطاولة فمد يده وصافحني وقرأتفي نظرته وكأنه ينتظر مني اسماعه شيئا جديدا رغم انني كنت انتظر انا بدوري ان اسمع منه عما جرى في دبي من حواره مع زوجتي . في هذه الاثناء دخل المحقق فيصل وابتسامة عريضة على محياه وقال: مبروك يا عبد الحميد، انت فعلا بريء يمكنك الخروج فورا، وستغادر المعتقل برفقة المحامي سليم، واسمح لي ان اعتذر لك اذا كنت ظلمتك .

كدت اطير من الفرح لأنني ظهرت بمظهر الانسان الصادق امامهم، وسألت فورا: مهلا ايها المحقق؟ هذا يعني انكم وجدتم القاتل الحقيقي؟

فاجاب المحقق فيصل: لم نجده ولكننا عرفناه، المحامي سليم سيشرح لك كل شيء.

خرجت الى الحرية، ولم اكن اصدق انني ساخرج يوما حرا طليقا رغم الغصة والالم الذي يعتصرني لمقتل مروة. استفسرت من المحامي الذي يرافقني في طريق عودتي عن اهلي، ولماذا لم يأت اي منهم لاستقبالي؟ فقال انهم لا يعلمون، وطلب مني صعود سيارته ليقلني.

وبينما كانت سيارة المحامي تشق طرق الرياض المزدحمة، قال المحامي: كنت متاكدا من براءتك.

اجبته بنبرة من يحفظ فضل الاخرين عليه: شكرا لك على ما فعلته لاجلي، ولكنك لم تخبرني بعد من هو القاتل؟

انفرجت اسارير المحامي واجاب: قلت لك انك ذكي جدا يا عبد الحميد، واعتقد ان الاجابة لديك، وانت تعرف جيدا من هو قاتل اختك.

جواب المحامي زاد من حيرتي فحاولت ان اسحب تأكيدا لشكوكي منه: نعم اعرفه جيدا، ولكنني لا افهم دوافعه.

قال المحامي وكأنه يصدر حكمه غير النهائي في قضية معقدة: زوجتك كوكب هي السبب، فلا بد ان تكون امرأة في الموضوع، واذا لم تكن امرأة فالمال هو الدافع.

لم اقتنع بالاجابة الضبابية لأنها لا تضيف شيئا لشكوكي، بل اردت اجابة اكيدة: اشرح لي اكثر ارجوك، فلم اعد احتمل.

عندها خفف المحامي من سرعة سيارته وراح يقودها الهويدة ويتحدث بنبرة المنتصر الذي لاحظ ما لم يلحظه الاخرون في هذه الجريمة: كما ابلغتك، فقد سافرت الى دبي لمقابلة زوجتك كوكب، وفعلا التقينا وتحدثنا وقالت لي خلال حوارنا حول الموضوع انها تعرف تمام المعرفة انك متهم بقتل اختك بعد ان طالعت ذلك كخبر نشرته احدى الصحف المحلية في الامارات، وطلبت مني ان ابلغك بأنها تريد الطلاق فورا. وعندما سألتها عن السبب اجابت بانه لا يمكنها ان تواصل العيش مع قاتل اخته، وان كثيرا من المشاكل بينكما اصلا وان الامر اصبح لا يطاق، وان الطلاق سيكون افضل لكليكما.

لم اشأ مقاطعة سرد المحامي فاكتفيت بقول عبارة: الآن فهمت.

لم ينتبه المحامي الى عبارتي وواصل حديثه: في هذه الاثناء بالذات جاءني اتصال من المحقق فيصل يطلب مني تقديم بلاغ للشرطة الاماراتية في دبي ضد كوكب باعتبارها شريكة في جريمة قتل وقعت في السعودية، وان الجهات المختصة ستتقدم بطلب لتسليمها للسعودية لاحقا. وبالفعل اجريت اتصالات مع الشرطة الاماراتية وكذلك مع الشرطة السعودية، فتم القبض على كوكب وعلى القاتل الحقيقي شقيقك كمال، وسيتم ترحيلهما قريبا الى السعودية لعرضهما على القضاء هنا.

بدت لي الصورة معقدة اكثر مما توقعت فقلت: لا افهم كيف حدث هذا؟

لاحظ المحامي علي ارتباكي وعدم وضوح الصورة امامي فساعدني بالقول: كل ما يمكنني ابلاغك به لك ان اخاك كمال، كان على علاقة غير شرعية بزوجتك كوكب، وانهما اتفقا على التخلص منك. كوكب من تحدثت عبر البريد الالكتروني الخاص بك مع اختك مروة، وكمال هو من تحدث من بريد مروة الالكتروني، لكي يلفقا القضية لك.

هنا لم اتمالك نفسي فقلت بعفوية : وكمال هو من دخل السعودية بجواز سفري على انه انا، فهو يشبهني كثيرا، وطالما لاحظ الناس ذلك.

هز المحامي رأسه بالموافقة واضاف: وهو من قام بكل شيء، وهو من نفذ وقتل مروة، لكي يدخلك السجن وينفرد بكوكب، وانا آسف على قولي ذلك.

مع انني شعرت بطوق النجاة ينتزعني من حبل المشنقة، إلا ان احساسا بالغضب يكاد يفجر احشائي بعد علمي بخيانة اخي وزوجتي لي: لا تاسف استاذ سليم، فانا من اخطأت بزواجي من هذه الفتاة، انها دمرت بيتا كاملا. اما انا فلن اكون بعد اليوم ذات الانسان الذي كنت عليه من قبل، ابي وامي فقدا ابنا قتل اخته، وفقدا ابنة عزيزة عليهما. لا يمكن ان يكون مأساة اعمق من هذه.

اعادني المحامي سليم الى وقائع الجريمة وتفاصيلها ولم ينس انه محام وتهمه التفاصيل فسأل: لكنك يا عبد الحميد لم تقل لي كيف اكتشفت ان اخاك كمال هو القاتل؟

فأجبته باقتضاب شديد: الدليل.

لم يكتف المحامي بإجابتي: أي دليل؟

لاحظت عدم صبر المحامي لسماع ما لدي فلم اتركه يتلظى في نيران صبره وقلت: عندما اتى كمال لزيارتي هنا برفقة ابي، ذكر امامي الادلة التي توثق قتلي لاختي، وذكر انهم عثروا على ساعة يدي الثمينة بجوار جثة المغدورة مروة. وعندما سالت المحقق فيصل عن الادلة، لم يذكر هذا الدليل ابدا، وشككت ان المحقق فيصل يعلم به، لكنه غير واثق بانه يمكن ان يترك قاتل ساعة يده في مسرح الجريمة، حتى عندما قلت للمحقق فيصل انني لم ادخل السعودية، وانه من المستحيل ان اكون انا من شوهد في التسجيلات المصورة من قبل كاميرات امن مطار الرياض، وعدني بان يفحص ذلك جيدا، حينها تاكدت من براءتي.

وهنا اكتسب المحامي سليم صبغة الرجل الاكبر سنا يسدي النصائح لشاب في مقتبل العمر مثلي فقال: يجب عليك ان تبدأ من جديد يا عبد الحميد، ومن الافضل ان تنسى كل هذا. ولكن اخبرني، كيف تعرف كمال على زوجتك؟

اجبت: الامر في غاية البساطة كمال كان الشخص الوحيد الذي اعترفت له بزفافي من كوكب وقد زارنا عدة مرات في الامارات.

قدمت تفسيري للمحامي ولكني ما ان فرغت من حديثي حتى ناداني صوت من اعماقي يصيح: مهلا مهلا، لا يمكن ان يفعلها كمال من غير المعقول ...