(1)

8 0 00

(1)

هناك العديد من القصص التي يكون الثوب فيها بطلاً، لاستجلاء الحقيقة الغائبة عن ساحة وتفاصيل الحدث،سواء كانت جنائية أم مجازية، يكون فيها قريباً من مناطق حساسة في الجسم أو خارجه، له أنواع عديدة، منها الرخيص الذي تلبسه الطبقة الفقيرة والمتوسطة، ومنها النوعية الفاخرة لمن لا تنقصهم المادة، أو من يعتمدون على الهدايا الرمزية لمكانتهم الاجتماعية.

كان هناك ثوبٌ نسائيٌ أزرقٌ، دخل التاريخ من أوسع أبوابه في بداية الألفية الثالثة تقريباً، تناقلت أخباره أغلب وكالات الأنباء العالمية، هذا الثوب الأزرق زينت صوره أغلب الصحف والمجلات العالمية، في بداية استخدام هذا الثوب الذي لم تكن له مناسبة عامة لرخص ثمنه، ولم يكن جميلاً كفستان زواج الأميرة الراحلة "ديانا"، إنه مجرد قماش عادي انتقل من مناسبة خاصة إلى مناسبة عامة شغلت العالم لفترة طويلة من الزمن بمتابعة أحداثه، هذا الثوب هو من شهد على كذب الرجل الذي أنكر علاقته الخاصة والسرية بمن ترتديه، ثوب رخيص الثمن حمل معه قصة جنسية علاماتها واضحة على الثوب الأزرق بعد تحليله من قبل المختصين وإدانة القائم بالتدريب بتحمله مسؤولية حلف اليمين بإنكار فعلته، كان الرئيس قد ركب صاروخاً إلى فضاء السمعة النظيفة والكاريزما القوية، ووضع اسمه بجانب الزعماء الكبار للولايات المتحدة الأمريكية، أمثال لينكلون وجفرسون وروزفلت وكندي، اعتبر بعض المحللين أن الثوب الأزرق مؤامرة لتلقين الرئيس كلينتون درساً لن ينساه، وفعلاً نتج عن الدرس دروساً عدة، وأن مونيكا لونسكي هي من قدمت الدرس من خلال ما تملكه من مؤهلات سقط الرئيس في جوفها، لا أحد يعرف شيئاً عما آل إليه الثوب الأزرق الآن، وما السعر مستقبلاً لواردات بطلة القصة مونيكا بيعه في المزاد العلني؟ ومن هم الذين سيتسابقون على شرائه؟ أم لأنه خالٍ من أي رمز أخلاقي أو مناسبة وطنية، سيظل إذن مختبئاً بين الأدراج.

جرت أحداث قصةٍ لثوب آخر، ألوانه تختلف مع لون ثوب مونيكا صاحب البقع ومع النتائج أيضاً، أهداه الدكتور منذر صالح إلى زميله وصديقه الدكتور عصام أحمد، قصة هذا الثوب الذي لم تصوره وسائل الإعلام ليست بالقصيرة، فثوب منذر يرجع إلى أصوله القديمة، ولا يمكن مقارنته بثوب مونيكا الذي لا أصل له ولا تاريخ، الذي وضع لفترة ليست بالقصيرة في مستنقع حيل ودهاء الساسة قبل أن يظهر للملأ، أما ثوب منذر فقد نقع بماء فكر الفلاسفة والمفكرين والمثقفين أيضاً، فترة ظهور ثوب مونيكا قصيرة جداً عندما نقارنها بثوب منذر الذي حمل أكثر من لونين، ولكن يبقى السؤال قائماً، ما الدرس الذي تحقق لعصام من جراء ارتدائه لثوب منذر؟، وقد يكون ذلك جلياً وواضحاً في آخر مراحل وتطورات الثوب ومعرفة مدة عمره المديد إن قدّر له.

عصام على وشك أن يصبح مثقفاً عضوياً وعمره قد تجاوز الخمسين عاماً، فهو واقف على باب حرية الرفض ، يعيش المرحلة القاتلة التي تجمع بين الجرأة والخوف، حياته صعبة جداً، مقارنة بطبيعة حياة زميله منذر صاحب الهدية، أو بمن يعيشون حوله.

ساعات ثم أيام ثم أشهر ثم سنوات والثوب يتمانع وما في داخله على أن يكشف عصام ستره، ولكن قد تكون هناك حلولٌ توفيقية على غرار ما يحدث هذه الأيام في ظل الصراع على السلطة، إلى تشكيل حكومة وطنية، ولكن السؤال القائم: هل ثوب منذر يقبل الحلول التوفيقية؟

عندما يقرأ عصام ما خطته يده يتبادر إلى ذهنه مباشرة ملامح قصة حب طويلة متوجة بمحاولات فاشلة لم ير النور منها إلا القليل, لكنه في كل كبوة يقوم من رماده كطائر الفينيق، يقول بأوضح عبارة ممكنة:

لن أترك المجال لأن يسكن في داخلي أي إحباط أو وصلة اكتئاب.

يحاول عصام أن يعيد إلى ذهنه قصص الذين ينسجون دواخلهم من حجارة وعبق الصمود كي يخلق عنده توازناً يستطيع من خلاله العبور فوق سلك دقيق يربط بين الخير والشر حسب تصوراته وفرضياته.

تتكشف لنا أشياء في أحايين كثيرة عندما يقف العقل حارساً على أبواب القدر الذي يعلق البعض على جدرانه ملابسهم، ويصبحون كما ولدتهم أمهاتهم أحراراً من اتخاذ القرار، ولكنك عندما تمعن وتحدق في سيميائية الوجوه التي تقابلها وتعيش معها، تدخل في دوائر ومربعات ليس لها أول ولا آخر، ما يحيرك هو التشابه الكبير في نفسيات البشر المتناثرة فوق سطح ما يسمى بالكرة الأرضية، فهل لك أن تقرأ الأسماء ودلالاتها ، أو التشققات في الوجوه أو في سائر الجسد، أو الحفر الفكرية أو التشققات الإرادية التي تحيل الفرد إلى شخص غير مبدع، لا تستطيع الغوص في ذلك إذا لم تكن أدواتك حادة ومسنونة كسكين من أراد أن ينحر أضحيته في يوم العيد لتذهب مباشرة إلى ملكوت السماء، فهو بحاجة إلى أن يتجاوز بأدواته المشاكل والصراعات المحيطة به لمتابعة التشققات الفكرية. إذا أمعنت جليا في شخص عصام المولود في الريف المصري، تجده يملك أشياء جميلة ابتداء من الاسم الذي يعكس عصاميته دون الاعتماد على أسرته الفقيرة وغير المعروفة أصلاً أو على أشخاص آخرين، ومع هذا لعب دورا يتمثل في استبساله في ملاحقة فعل الخير أيا كان تواجده، معلقا على رقبته لوحة لا يراها أحد كتب عليها "الناصح الأمين"، يتمتع بطول القامة ووسامة الوجه، وقوة الصوت، شكله وصوته يجعل من يقابله يقتنع بما يقوله ويصدقه مباشرة ودون تردد، ولأنه يملك أيضاً مخزوناً من المفردات والعبارات خلقت عنده لياقة أسلوبية قوية تجعله لا يعجز عن التحدث لساعات طوال، وبصريح العبارة يتمتع بـ (كاريزما) قوية شبيهة بما كان يملكها بعض الزعماء العالميين في عقود ماضية عندما كان للكاريزما دورٌ مؤثرٌ في نفسيات الجماهير، لا يملك في جسده أي نوع من الإعاقة، ولا يشكو من الأمراض المزمنة، أما صديقه منذر المولود في القاهرة، تصحبه الإعاقة البسيطة في رجله التي أثرت على نفسيته، نتيجة لحقنة في وركه أعطاها إياه ممرض غير متمكن، أثرت على أعصاب رجله قليلاً، لقد خلقت عنده هذه الحادثة نوعاً من القسوة على من حوله، وأعطته حب القراءة، فقد كان يطمح بأن يكون طبيباً ولكن الإعاقة هي التي أبعدته عن هذا التخصص، فعشق الفكر والفلسفة وأكثر من قراءة الكتب الحرة في هذا المجال عندما كان طالباً في الجامعة.

على الرغم من أنه تخصص في الإعلام في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، عوض عدم دخوله كلية الطب بحبه للغة العربية التي حصل على شهادته الجامعية من هذا التخصص القريب إلى قلبه، دفعته حالته النفسية أن يتصيد الأخطاء الإملائية عند زملائه وأيضاً في القرارات الصادرة من الجامعة، وهذا الشيء يدخل عليه نوعاً من السعادة التي لا توصف، عندما يحس بأنه امتلك بعض الأخطاء الإملائية والنحوية على أصدقائه وزملائه، لكنه يتحاشى أن يتصيد على صديقه عصام الذي تعرف عليه عندما كان يدرس في بريطانيا، أي خطأ لغوي لأنه لا يريد أن يخسره، يملك عصام علاقات ممتازة داخل الجامعة وخارجها وقد يحتاجه يوماً من الأيام. بالرغم من افتتان منذر باللغة العربية إلا أنه مفتون بالثقافة الغربية من رأسه وحتى أخمص قدميه، لا يعير التأريخ ولا الثقافة العربية أي اهتمام، ويعتبر الوقوف عندهما تضييع للوقت، ومن ناحية الاسم فمنذر مستنفر دائما تجاه المستقبل، يمتلك القلق بشتى جوانبه، والشك في عوالمه. يحس دائما بنوع من الفوقية على من حوله وخاصة عندما يتحدث مع زملائه الإعلاميين، ويبين حقيقة فهمه للحياة الناتج عن اطلاعه المعرفي.

يتابع منذر الساحات الإلكترونية والمقالات الصحفية والأدبية، ولا يقف عند الجدل السياسي أو الفكري أو الثقافي إنما توقّفه يكون عند اللغة، ناقش عصام معه أكثر من مرة موضوع تصيده للأخطاء اللغوية ولكن بدون فائدة حتى أنه خاطبه:

يا عزيزي منذر هناك أخطاء لغوية في كتاباتك لكني لم أقف عندها ولا أريد أن أخوض فيها، لأن عقلك وإدراكك أعظم بكثير من الوقوف عند الترهات، حاول أن ترقى بطموحاتك واهتماماتك.

أعرف أن عندي بعض الأخطاء.

بما أنك تعرف ومعترف بذلك، لماذا أنت مسكون بهواجس المرفوع والمنصوب والهمزة والممنوع من الصرف والضاد والظاء؟

هذه أخطاء ويجب أن يدركها المبتدئون في تعلم اللغة.

يبدو أن هناك مشكلة نفسية لديك، أما أن تريد أن تنتقم منهم أو تبين مدى أهميتك وفهمك، أقسم بالله أني أعرف الكثير من المتخصصين في النحو والصرف لم يقعوا في ما أنت واقع فيه.

إني أعشق الفكر والفلسفة والثقافة.

شيء جميل أن تكون مفتوناً فكرياً وثقافياً لا أن تكون مريضاً إملائياً ونحوياً.

لا تبالغ كثيرا، إنّ ما أقوم به لا يتعدى ملاحظات عابرة.

مثلك مثل بعض الذين يقعون في مشاكل لغوية نتيجة لقصور ومشاكل في الدماغ وليس لجهلهم في اللغة، أنت أصبحت تملك مشكلة مرضية تحتاج إلى علاج.

قضيا فترة تجاوزت أربع سنوات في بريطانيا في مدينتين متقاربتين، هما لستر التي سكنها عصام ودرس فيها وبرمنجهام التي درس وتخرج فيها منذر، هناك قواسم مشتركة بينهما جعلتهم يحرصون على الالتقاء في إجازة نهاية الأسبوع، مثل الافتتان بحب "أم الدنيا" مصر، والاهتمام بثقافتها، أما من ناحية التوجه واختيار الموضوعات البحثية فكل يغني على ليلاه، طيلة لقاءاتهما في الغربة لم يحدث بينهما أي احتكاك أو تصادم فكري، إنما مساعدة بعضهما البعض، وسرعان ما انقضت فترة الدراسة ورجعا إلى بلديهما وكل دخل في معمعة التزاماته وارتباطاته العملية والأسرية والدوران في دولاب الحياة.

ركز عصام اهتماماته على معضلة الحرية الإعلامية في الوطن العربي، بينما عزف منذر أنغامه على بساط الدعاية والإعلان بالإضافة إلى بعض القراءات الحرة في شؤون الفكر والفلسفة كامتداد لمرحلته الجامعية.

في نهاية كل أسبوع يذهب منذر إلى قهوة الأنس لاحتساء أكواب من القهوة وللحديث مع مريديه، وهذا مربط الفرس مع بعض طلاب وطالبات الجامعة وبعض المثقفين والإعلاميين الذين يهتمون بالشأن الثقافي والمعرفي، ظل منذر على هذه الحالة لعدة سنوات، ملك من خلالها عشرات المعجبين والمعجبات بتحليلاته الفكرية، لا يقترب تماماً من الأخطاء اللغوية في جوه الرومانسي الليلي، كأنه أراد أن يجعل من الأخطاء اللغوية في النهار، مع شؤون الحياة، أما القضايا الفكرية فالليل موعدها، لأنه يجيد فن الإصغاء للملهمات، ولا يقاطعهن كما يفعل مع الذكور، خجول جداً مع الفتيات، وقاسٍ إلى حد ما مع فصيلته الذكورية، إذا لم تتواجد المعجبات ويظل أشباهه هم من ينصتون له لا يتوقف عن الكلام، إنه ثرثار لا يوقفه شيء إلا الصوت الأنثوي، فيعيد برمجة حديثه في حالة اقتحامهن لجو النقاش، وبعد نقاشات نهاية الأسبوع، تزداد اللياقة الجسدية والنفسية لمنذر طيلة الأسبوع الذي يلي لقاءاته ونقاشاته الفكرية، أما عصام فلسان حاله يقول كما قال الشاعر السوري نزار قباني:

عشرون عاماً يا كتاب الهوى

ولم أزل في الصفحة الأولى

فحقيقة قصة حب عصام أقوى وأصدق ألف مرة من غزل الشاعر نزار وافتتانه بالنساء، فلم يَصْدق نزار في إدعائه لنفسه بأنه ما زال في الصفحة الأولى وعشيقاته كثيرات جداً فقد ختم الدرس عدة مرات، لكن عصام وكحقيقة مع معشوقته الحرية له أكثر من ثلاثين عاماً واقفاً عند كتابة الصفحة الأولى التي يعلن فيها إمساكه بجدائلها واقتطاع بعضاً من خصلات شعرها، فنزار خطط ورسم بكلماته وأبدع فحصل على ما يريد، وعصام كان واقفاً عند باب داره ينتظر من يخبره ويقول له بأن باب الحرية قد فُتح، ادخل في جهاز الحاسوب وادخل في أروقة الجامعة، وادخل في الصحف وفي القنوات الفضائية وفي أي زاوية من زوايا الوطن واكتب باسمك الصريح، تكالبت عليه أشياء أخرى مع غياب معشوقته.

يشعر عصام بنوع من الحسرة لافتقاده وجود أخوات عندما كان صغيراً، فهو الذي يعتني بوالدته عندما تمرض بعد وفاة والده، إنه وحيد أمه كما يقولون، كان يتمنى لو كان له أخت أو اثنتين كي يشعر بدفء المنزل، فالمنزل بالنسبة له فارغ بالرغم من وجود والدته صاحبة الصحة المتعثرة دائماً، فقد كان الخوف من الموت يرافق كل صغيرة وكبيرة في حياة "صبحية مرسي" والدة عصام، فأي ارتفاع في ضغط الدم أو دوران في الرأس نتيجة لألم في الأذن الوسطى تقوم بإفزاع عصام لإحضار جارتها أم كمال لتنام عندها تلك الليلة، لأن أجلها قد قرب حسب ما تتخيله، ومع كل مرض لصبحية يتألم عصام ويقوم بإعداد الأكل وتنظيف الشقة بالإضافة إلى التزاماته المدرسية، رضي عصام بما حوله من أحداث، كأمراض أمه النفسية المستمرة وغياب الأخوات وراتب والده التقاعدي القليل، لكنه لم يطرح أي تساؤل حول الأحداث المحيطة به ولا حتى التأمل فيها، يبذل كل مجهوداته في تحصيله العلمي الذي ساعده في مواصلة دراساته العليا في الخارج وعودته لأرض الوطن كعضو هيئة تدريس في القسم الذي اختاره.

ألح منذر على عصام أكثر من مرة لمرافقته للقهوة التي وجدها عصام تفتقر إلى التنظيم شبيهة بحلقات تحفيظ القرآن في المساجد، لكنها تعج بالحضور والنقاشات الفكرية، شعر عصام وهو موجود بين بعض الطالبات بأنهن أخوات له، أحس بوجود الجزء الذي ينقصه ولم يشعر به طيلة السنوات الماضية عدا طالبات الجامعة التي لها طقوسها الخاصة والرسمية والمحسوبة عليه بحركاتها وسكناتها، هذا الشعور الإنساني والعاطفي غير موجود تماماً عند منذر، فله أربع أخوات، ولم يمر بمثل قسوة حياة والدة عصام.

كانت أكثر الموضوعات التي ناقشها عصام في المقهى الموضوعات التي تلامس هموم المواطن كالتعليم والصحة والسياسة، وخاصة حرية التعبير بالرغم من محدودية الحرية الفكرية في المناقشة، وكان يستعرض لهم طبيعة القوانين التي تكفل حرية التعبير في الدول الديمقراطية وخاصة التعديل الأول في الدستور الأمريكي.

أما منذر فيركز على قضايا الفكر وخاصة التي تمس اللغة كخاتمة للأطروحات الفلسفية، لا يحب التنقل أو الحركة داخل المقهى فإذا جلس يظل مكانه حتى موعد الذهاب لأن قضية رجله مؤثرة في كيانه، وتؤلمه نفسياً فقط بشكل قاسٍ، حتى أنه لا يذهب إلى دورة المياه في المقهى وينتظر حتى يعود إلى منزله ليستخدم "التواليت"، تزوج منذر من "إلهام" صديقة أخته فتحية، لكنه دائماً يكرر على مسامعها "المقولة":

لم تكوني ملهمة لي، فيا ليت لو تضع قبل اسمك "لا" ليصبح لا إلهام.

لن أستخدم طريقتك هذه وأضيف حرفاً أو كلمة، لأن اسمك عبر عن حقيقتك، ويشكر من سماك بهذا الاسم الظريف.

لم تحصل هذه المناكفة في السنوات الأولى، ولكنها حدثت الآن بعد أن أصبح هناك عدد من المعجبات بفكر وشخص منذر، زادت ثقة منذر بنفسه مع وجود المعجبات المتواصلات معه هاتفياً بشكل شبه يومي، وعلى مسمع من زوجته إلهام، أحس بأن هناك عدم تكافؤ بينه وبين زوجته وأنه بحاجة إلى البحث عن امرأة أكثر نضجاً معرفياً من المرأة التي اقترنت به، وهذه القضية يعاني منها الكثير من الأزواج العرب الذين أقحموا أنفسهم في القراءات الفلسفية والفكرية بعد زواجهم، وأحسوا بأن زوجاتهم يجلسن في مقاعد خارج المقاعد الفكرية، وأن هذه المشكلة قد تكون أخف بكثير لدى زوجات الفنانين والرياضيين والإعلاميين.

يلزم عصام الصمت في الأوقات التي يتواجد فيها في قهوة الأنس عندما يكون النقاش فكرياً بحتاً ومحتدماً، وخاصة عندما تدور رحاها في عمق الفلسفة، فالله لم يعطه حب الفلسفة ولا كرهها في نفس الوقت، لكنه يفضل الموضوعات الحيوية وخاصة السياسية والاجتماعية، حيث إنه تحدث كثيراً عن أزمة الرغيف التي يرى أنها مشكلة رئيسة لدى المصريين، لكن منذر يقلل من قضية أزمة رغيف الخبز، ويطالب المصريين بالتفكير في القضايا الفكرية المهمة لاعتبار أن الحياة ليست مجرد أكل وشرب، وأنه لا أحد في الوقت الحاضر يموت من الجوع.

اتخذ عصام قراراً بينه وبين نفسه أن لا يأتي للقهوة بمعية زميله منذر لاختلاف طرق تناول الموضوعات بينهما، فأمور المعيشة هي نقطة الحسم عند عصام، وزاوية المعرفة النقطة الرئيسة لدى منذر، لكن سرعان ما تبدلت الأمور فيما بعد وتغيرت اهتمامات عصام، جدت أشياء لم تكن بالحسبان، وتقاذفته أمواج معرفية عاتية لكنه ظل يكافح من خلال تنقلاته في قاربه القديم.

حلت نوع من السكينة والهدوء على العلاقة العاطفية بين منذر وإلهام بعد أن توشحت إلهام بعباءة العبارات التي توحي بالعطاء دون أن يصاحب ذلك نوع من المطالب كعادة أغلب النساء العربيات، عندما يسجلن مطالبهن الخاصة، ولهذا التغير قصة وأسباب ستكشفها لنا الأيام القادمة.

إن أسطوانة السعادة الزوجية التي يعزف عليها البعض مشروخة في أغلب الأسر، لكن عجلة الاستمرار في التفاهم السطحي هو الظاهر للعيان وكأن الأسر أريد لها أن تعيش على فوهة بركان تزينه المجاملة والابتسامات الصفراء.

سكنت صبحية في وسط محيط من الخوف، أثرت بعض قطراته القوية على ابنها عصام، كانت قابعة في جملة من مفردات الخوف من الموت ومن الآخرين ومن المستقبل، أصبح عصام بين قطرات الخوف وزخات مطر الجرأة من أبيه أحمد، حيث ورث الشجاعة منه وفي نفس الوقت ورث أيضاً الخوف من أمه، إنها معادلة صعبة جداً تجعل الفرد مستنفراً دائماً لنصرة الحق مع كم ليس بالقليل من الخوف نتيجة لما تحلى به من جرأة وشجاعة.

أصبح عصام خارج مدار الذكاء العاطفي في تعاملاته مع الآخرين، وهذا يقوده بعض الأحيان إلى التصادم مع الآخرين، ليس من أجل التصادم ذاته إنما لأنه سكن بهاجس ثقافة النقد، ولم يبن علاقاته على أساس الاستفادة المادية مع الذين حوله، إنما هناك زخم هائل من الأحلام والمفاهيم الطوباوية تعشعش في ذهنه، لكن الشيء الجميل أنه لا يملك أي درجة عالية أو منخفضة من درجات الوهم، ولم يكن لديه أي طموح قيادي لأنه قد خرج من عباءة الذكاء العاطفي ومن يخرج من هذه العباءة تصعب عليه القيادة حتى لو كان ملاكاً طاهراً، لأنه لا يجيد فن التعامل مع الكلمات المعسولة والخطط المحسوبة، الأدوات المهمة للوصول إلى مراحل قيادية متقدمة.