2
شجرة عيد الميلاد
تمر ذكرياتي عبر الصور كشهب تسقط على كوكب احزاني فتنبته حياة و تقرا عليه روايات الزمن الجميل. و هذه الرواية التي اقرأها الان في يدي في تلك الصور الناطقة بلكنة مستعارة تشبه لكنة الحقيقة الحقيقة. هي حتما حطب هذا الشتاء بداخلي و مدفئة بلكنة مستعارة تشبه لكنة الحقيقة ،هي حتما حطب هذا الشتاء بداخلي و مدفئته ،كل صورة تحمل قطعي المتناثرة و تركبها من جديد و تخلق في بصيرتي الفوضى، محدثة في جبهتي الشق الابدي ليتدفق رحيقي مثل زهرة معطاءة لا تتوقف عن تقبيل الحياة ،و يا ليت هذه الوردة في يدي الان ،لعلي اجد شيئا في الحقيقة لا في الخيال يشبهني كما ابدو و انا احضن ذلك الالبوم كما تحضن الام رضيعها لأول مرة و تنهله رائحتها و الكثير من الحنان.
ابحرت كقرصان يقطع البحور السبعة ليجد جزيرة الامل ليبتلعها. غصت كمارد غواص يبحث عن جنية بين كنوز البحر ليقبلها. تهت كهدهد موسيقار يبحث عن نوتة ليسجنها. و اضاءت عيني على تلك الصورة التي ابدو فيها طفلا في عمر الزهور، اعانق دمية امام شجرة عيد الميلاد كشمس تدير الكواكب من حولها للتباهي بها امام الشموس، تلعب بها لعبة كل الوقت الى الابد ،و كتلك الشمس ادير تلك الذكريات ببئر احلامي، و اشربها كما تشرب التربة السماء و تبتلع المطر.
جان بيار لم يكن الاسم الذي اخترته لنفسي فكأي انسان في الحياة يولد غير مسؤول عن اسمه، يتعلم ان قراراته ليست ملكه، يتعلم ان حريته تنتهي في الحدود المعهود عليها ،كل انسان يحمل القرار الاول في حياته طيلة حياته دون ان يكون له فيه شبرا من المسؤولية.
لازلت للان لا اعرف لما سميت جان بيار، و لكن بدى هذا الاسم لي في المرآة يشبهني كثيرا فكلمة جان كانت تبدي وجهي و كأنه لقمة جميلة في فم عصفور، و بيار كان يظهر بعض الصلابة اللطيفة لأي فرنسي على وجهي، كما انني كنت جميلا براقا نوعا ما في مراهقتي ،و كنت مغرورا و سيد نفسه، لا احب ان يتجرا عليا احد بالأوامر حتى ابي الى حين فراره للسماء.
كان الكل من حولي يناديني جان، و لكني كنت افضل تسمية بيار فهي اقدر على رسم شخصية فذة تدافع عن ضعفي الذي كنت اخفيه بداخلي كما تخفي الخنفساء روث البقر، فاسم جان قد يعبر على شخص رومانسي لم اكنه الى حد تلك اللحظة قبل ان ينقلب دلو السماء الوردية على ثيابي العاطفية،فغدوت بين شمس و بحر شاعر الحب الاخير. و لكن بيار في المراحل الاولى لحياتي كان يشبهني اكثر، كان يبديني كصخرة يكسر عليها كبرياء اي شخص، لم اكن ابدا استلطف ان ابدو ضعيفا و لو بالاسم.
و مع ذلك تعودت ان يناديني الكل جان، و كنت كل مرة يناديني احدهم اضيف بعده انا "بيار"، و كنت احيانا اصرخ بهذا الاسم ان احدهم ناداني بقوة حتى يقفل على صوته بالمسامير بصراخي بالنصف الثاني لاسمي.
لكن دعني ايها الزمن اعود بك سبعة و سبعين سنة الى الوراء، يوم ولادتي في التاسع من مارس، سنة الف تسع مائة و ثمانية و ثلاثين،قالت لي امي حينها ان ابي قد حملها الى المستشفى على يديه لولادتي، و كانت من شدة الالم الولادة تقهقه ضحكا على غير عادتها، ابي كان يحملها و هو يجري حافي القدمين، و ضحكها يصور بعدا كوميديا لولادة شخص لا يشبه ابدا امه في لحظاته الاولى.
امي و هي على الطاولة كانت تصرخ بقوة و تختمها بضحك هيستيري، الممرضات ابدين بعض الامتعاض في البداية ،و لكنهن سرعان ما انقلبن على لباسهن الابيض و رحن يحاولن التقاطي منها و هن يضحكن بدورهن .
سرعان ما انتشر الصراخ و الضحك ارجاء المستشفى، و قلبت الام المرضى الى كوميديا ساخرة، و ابي كان ببجامته يبدو منفعلا يدك الارض بقدميه الحافية و كأنه يعصر العنب ليخمر الوقت و يسكر.و بالرغم من اني ولدت في مارس شهر الطيور، و الورد الربيعي الاصفر الذي يزورنا هنا قبل اوانه،إلا ان ابي كان يبدو متحررا من لطافة الربيع، و ندا الايام الاخيرة من الشتاء.بدا و كأنه رعد يتلوى على عنق الصبر، و عاصفة كبيرة من العبث،كانت تصفر ارجاء هذا المستشفى مبشرة بقدوم نبي ما لم اكنه ابدا في حياتي.
انتظر الكل في المستشفى ولادة هذه الظاهرة، كان الكل يتوقع ولادة نجم كوميديا جديد يسحق الكل بوجهه الساخر، و يشفط هذا الحزن البادي هنا على تلك الاسرة المتخبطة في الفراغ التافه ،و الروتين العلاجي الناشف .كان لبد لي عند ولادتي ان اجعل الكل يحمل سريره و يمتطي الفضاء ضحكا، و لكن مع صرختي الاولى وقف ابي في مكانه مبتسما،امي راحت تبكي على غير عادتها كذلك، و لكن الممرضات سكتن لبرهة، و لم يصدقن ان عضوي الجنسي كان ذكريا، كنت ابدو كما كانت تقول لي امي فتاة صغيرة متغمدة في جمال معجز للرسامين، و عادة لا يميز بين الرضع و لكن في حالتي كنت شديد الجمال. ابتسمت القابلة لأمي و قالت لها " عمل رائع سيدتي لم يذهب جهدك سدا".
اسندت راسي على صدر امي، ثم حملتني الممرضات و كأنهن يحملن كائنا غريبا من كوكب اخر،يحجبن العالم عن عيني بقبعاتهن البيضاء الكبيرة. لم اكن اعرف الكثير من الاشياء في ذلك الوقت غير تلك الاصوات التي كنت اسمعها في رحم امي، و انا اتقلب هناك كقبل ابي على رقبتها،او تبادلهما القبل، و خرير الشتاء في ديسمبر، و لكني لم ارى وجه انسان في حياتي،و قد بدا لي بشعا جدا و لذلك قررت ان اقفل عيني لأيام دون ان افتحها.
كانت امي و معها ابي في قمة سعادتهما بالرضيع امامهما، كانا يرجوانني ان افتح عيناي ليكتمل الاتصال الروحي، فأبي كان متشوقا لتسقط عيناه الحادتان على بؤبؤ عيني ليقول لي بلغة العيون انه ابي و اني ابنه، و انه ابدا لن يتركني وحيدا في هذا العالم المتوحش.
عدنا للبيت، و لكن للان لم افتح عيني، مازلت اصر على عالمي الداخلي و منجاتي الصمت النظري، لا اريد النظر للوجوه البشرية تلك حتى لو كانت لأبي او امي .كان احيانا ابي يحاول فتحهما بإصبعه، و لكني كنت اشد عليهما بقوة " سامحني ابي، و لكن لا احد يملي علي ما يجب ان افعله ".
بالرغم من اني كنت في صحة جيدة ،إلا ان بعض القلق اصبح يلحن صدا هذا البيت، خصوصا و انه كان قد مر شهر كامل على ولادتي و لم افتح عيني، بدا ابي مصرا بشدة على اخذي للطبيب ليرى ان كان بي خطب ما.اما امي فقد كانت صوتية اكثر، كانت تحب المذياع كثيرا، لذلك لم تأبه كثيرا لعيني على قدر ما كان شغف تنهيداتي و تجشئي يخطف احاسيسها الى وادي الحنان الابدي.
ابي كان عمليا كأي رجل في العالم، فالرجال هم نفسهم الرجال سواء هنا او في ارض اخرى، متسرعين جدا و عمليين كثيرا، فأبي الذي كان يخاف ان يتلفني بين يديه و هو يحملني، و هو خائف كان يوتره كثيرا ان لا افتح عيني،لذا قرر اخذي للطبيب، لم ينتظر امي لتغير ملابسي،اكتفى بنفسه بضمي في غطائين دافئين خوفا عليا من نزلة البرد ،و لو كنا في الربيع حينها إلا ان الأطفال الرضع حساسون للبرودة اكثر من غيرهم لضعفهم الجسدي. رفع قبعته ليرتديها، و في اللحظة الاخيرة فتحت عيني، و بدت عيناي الزرقوتان و كأنهما تنادينه الى الغرق، و كأني اقول له "اهلا ابي،ها انا ذا ابنك لقد فتحت عيني لك".
رمى ابي قبعته،و لم يصدق ما رأت عيناه في تلك اللحظة الشاعرية الهمته الفرحة، فراح ينطق حروفا سريعة تمر كعربات قطار لا يعرف الى اين يمضي، و كأنه يكتب رواية غير مفهومة و لكنه يقرأها بشغف كبير، حروفا لا يفهمها هو ايضا، و كأنها لغة ما قبل بشرية تريد التخلص من قيود اللغة في لحظة، او ربما تعبير تجاوز حدود اللغة فأنسته تركيب الكلمات، ابحرت عيناه في دمعهما الساخن، و استعمر العطش تفاحة ادم في رقبته، و راح حب كبير ينتابه، و صرخ ينادي امي: ايميلي، ايميلي، لقد فتح عيناه.
جاءت امي مسرعة تبحث عنا في غرفة اخرى، رغم انها تعرف مكاني في غرفة النوم، و رغم انها تسرح شعرها دائما، و تحافظ على اناقتها، و لكنها في تلك اللحظة بدا شعرها اشعثا و كأن صدمة كهربائية اصبتها،سارعت صوبي و وقف ابي و امي يشاهدانني بحب كبيرين. احببتهما في تلك اللحظة، و كانا اولا كائنين ابادلهما الشعور ذاك، و امسكت لأول مرة في حياتي اصبع ابي و كأني اشده الى الابد.
ابي كان يبدو فرحا جدا، فتح الشمبانيا و نادى الجيران للاحتفال، انه عيد العيون، لقد فهمت في تلك اللحظة دون ادراك مني ما تعنيه النظرات للبشر.
امتلأ البيت بالضجيج المخضب برائحة البشر ،و الموسيقى العوجاء المتطايرة بين ارداف النساء و اكتاف بعض الرجال المتظاهرين بالشبعة الجنسية. اصدقاء ابي المتعطشين لأي صدر يذوب على افواههم ،و الجيران المتحمسين لرؤية عيون زرقاء اخرى تحت سماء هذا الوطن المغتصب، كلهم هنا يحتفلون بالمواطن الفرنسي الجديد، اما انا فقد تهت بين كل تلك الوجوه، لقد كان الكل يشبه بعضه بعضا و لولا رائحة ابي و امي لا تهت في معرفة من هو ابي و من هي امي، في هذا الكم من نفس التفاصيل المغردة فوق وجهي مكشرة عن اسنانها.
الكل كان يبدو وجهه محدبا عليه نقطة بارزة، تعلمت فيما بعد انها تسمى انف و عيون مثلي و فم و شعر، في الحقيقة ليس الكل كان له شعر هناك من كان اقرعا، و لكن ككل هي تقريبا نفس الاشكال البشرية تتكرر امامي، و لأول مرة ابكي خوفا من تلك الوجوه البشرية،قالت امي اني كرهت البشر منذ تلك اللحظة ،و لكني اعلم اني ابدا لم اكره احدا ،و لكني كنت امقت النفاق الذي كان يبدو على وجوه البشر. و الذي كان يفوح فوق اللطافة و الاناقة المستعارة لهم، فكما عرفت فيما بعد و تأكدت منه و بعد مراحل كثيرة من حياتي ان الانسان اللطيف لا يمكنه الا ان يكون لطيفا مع الكل، الامر الذي لم الحظه في تلك الوجوه المصفرة فعلى قدر ما كانوا يبدون لطفاء بين انفسهم على قدر ما كانوا قساة غلاة القلب، يملاهم الحقد و يذرفون الكراهية بشراهة لباقي اخوانهم الجزائريين، اللذين لا يتمتعون بنفس العرق الاوروبي و لا يأخذون الصفة الكاملة للمواطن الفرنسي، فهم حسبهم كانوا اهالي لم يكن لهم نفس الحقوق و كان لهم واجبات اكثر.
لم استطع التعايش مع هذا النفاق منذ ايامي الاولى، و كان الكثير هنا مثلي لا يستطيعون التعايش مع كذا عنصرية حيث كانوا يمقتون هذا الامر الشنيع بشدة ،فلا يستطيع الشر ان يمتطي الجميع بكذبه، فهناك حتما اناس تجتمع فيهم الطيبة و الذكاء في ان واحد في كل مكان على الارض، و على هذه الارض كذلك كانوا، هنا تتستر مشاعرهم الماقتة في عيونهم المشفقة، و لكن مقتهم لتلك العنصرية كان يتخذ شكلا سريا،فإرادة الشر في قلب المجتمعات التائهة في الكراهية و الحقد تغلب بسهولة على طابع الفرد، و يغدو الشر خيرا ان تمت تزكية عطره الكريه باسم القانون، الذي كان اغلب الفرنسيين يظنون انه لا يخرج عن مباديء و قيم الثورة الفرنسية، التي تم الدوس عليها هنا في الجزائر، فالحرية صودرت باسم الحضارة الفرنسية حماية للاستعمار و المساواة، غدت فكرة ضحلة باسم العنصرية المقدسة التي استفحلت ذلك الوقت على شعب هذه الارض الزكية، و الاخوة كان تتلاشى كلما قابل جزائري من اصول اوروبية عيون جزائرية من الساكنة الاصليين.
كان اغلب المستوطنين هنا ينشدون حبهم و ولائهم لفرنسا، حب لم احسه ابدا فيهم طيلة طفولتي، فاغلبهم لم يكن من اصول فرنسية بل استقدمهم الطمع من كل ربوع اوروبا الى هذه الارض فولائهم كان لمصالحهم التي رعتها فرنسا على حساب السكان الاصليين لا للوطن الفرنسي.
فهمت هذا الامر مبكرا جدا، ربما منذ ان فتحت عيني لألامس فرحة ابي و امي اول مرة، و منذ ذلك الحين و حتى في سنواتي الاولى كانت عيني تلاحظ التمييز، و اعيش الم الاخرين في داخلي.
بالرغم من اني كنت من عائلة فرنسية الاصل لكني ابدا لم اشعر اني فرنسي انا جزائري، هذه هي ارضي و ذلك الشعب هو شعبي، و لم اعرف سماءا اخرى إلا هذه السماء التي كانت سقفي الذي يحويني، وبالتأكيد كل من كان يتنفس معي الهواء تحتها كنت اراه اخا لي، بالرغم من اني كنت اتحاشى الحديث الى اخواني المختلفين و المظلومين في ارضهم ،إلا اني كنت اشاهدهم من خلال النافذة دائما ،و يؤسفني حالهم البائس، و اتمنى بقلبي ان يستفيق قلب القدر لأجلهم و يتغمدهم بحنانه طيلة الحياة.
امي كانت متدينة ،كانت لا تتوقف عن الصلاة ليسوع ليخلصنا من شيء لا اعرف ما هو او من هو، لكنها كانت تدعوه دائما بالخلاص بالرغم من اننا كنا نعيش حياة سعيدة. فكرت كثيرا فيها و هي تتعبد الرب، و لكني كنت اقول في قرارات نفسي يسوع سيكون احمقا بان يترك الجزائريين في فقرهم المدقع ،و كل المظالم التي يعيشون فيها ،و ينظر الى امي التي كانت تضع طقما من الجواهر يمكنه ان يسد رمق عشرة عائلات منهم لمدة شهر ربما او اكثر. كنت ارى الامر مدعاة للسخرية.
ابي لم اره يصلي لليسوع ابدا،و لكني كنت اراه يمزح مع اصدقائه مطولا عنه لذلك اعتبرت مزاحه صلاة و احترمتها، فكما كنت اصمت و امي تصلي كنت اصمت كذلك و ابي يمازح اليسوع بحكايات طريفة عنه.
سمعت امي تقول كثيرا ان اليسوع يحب الجميع،و سيسامح ابي بالتأكيد على نكته، فهو لم يكن يريد سوى اسعادنا.و اليسوع الذي ضحى بدمه ليمحي خطايانا لن يتوانى على ان يضحي بكبريائه لأجلنا كذلك.
و لكن الشيء الذي انتابني دائما حيرة ،و اضطرابا حيال اليسوع هو وجوده على تلك الحالة المزرية الى الابد، عاريا تماما على حائط كل المؤمنين به، كنت اظن ان هذه اكبر اهانة لإله ما على الاطلاق.
كبرت في ذلك الجو الروحاني الساخر،و ورثت ديني المسيحي عن اهلي مثلما يرث كل اتباع الديانات الاخرى دياناتهم، و مثلما ترث الفراشة موتها اتبعت اليسوع المخلص دون ان اصلي له و لا مرة، و في اغلب اعياد الميلاد كنت اناجي البابا نويل بدلا عنه، كانت احلامي ان امتلك كل عيد دمية و ملابس لأغير لها، و خزانة لتلك الملابس، و من فرط الامنية المتكررة التي كانت تتكرر كل عيد تكدست لدي الدمى في البيت و اسرتها و خزاناتها،في الحقيقة الدمى كانت للفتيات و لكني كنت متعلقا بها و لم اكن لأتوقع عيدا بلا دمية جديدة .
صورتي تلك رسمت ابتسامة متجذرة في وجهي، لم تكن تريد ان تترك بصري يأفل عنها، بقيت انظر للصورة تلك و انا اتذكر كل لحظات طفولتي المرحة، المرحلة التي صنعتني و اسست لما اكونه اليوم، فما طيفي الجالس هنا يتذكر حقيقته إلا شبح من تلك الايام يقارع قمر الحياة ليتفجر على ناصيته، و يخرج خبز الذكريات، و ليلتهمني، و ليعيدني لشاطئي ذاك الامس برجلي العارية. رمل السنين الذاهب كزوبعة غادية مع نار حطب ملتهب، تصارع خطى القزم التعيس الذي يعيش بداخلي متسكعا بين الحانات ليعود طفلا من جديد، و تعود الحياة التي بين مساماتي الى طفولتي السرمدية.
في الصورة المخمرة بزبدة الغياب تلك ،كنت ابدو في السن الثالثة او الثانية من عمري امام شجرة عيد الميلاد،سنة ال تسع مائة و واحد و اربعون او الا سنة ربما، او في تلك الحقبة لا ادري، و في الحقيقة لا اتذكر كيف التقطت تلك الصورة و لكن الاجدر ان ابي قد احضر المصور الى البيت ايام الاعياد ككل مرة.
حيث كان ابي يحب تخليد اللحظات لم يكن ذلك الانسان التعيس الذي يعيش حياة تفكر في الموت او النسيان، بل كان يقدس اللحظة و يقدس عائلته ،كان يحب المزاح و الضحك و يحب القمار و كذلك النبيذ الاحمر، كان لأبي ثلاثة عشر قبعة احتفظ انا بها للان، و لكني لا ارتديها هي قبعات من كل الاشكال و الالوان حتى انه قد اقتنى الطربوش الجزائري و اضافه الى عدد قبعاته المنزلية ليكتمل العدد الى اربعة عشر، و لكني لم اجده بعدها و لذلك لست احمله معي اليوم و لكني احمل ذكراه الطيبة في داخلي كما تحمل الغنكر طفلها، ففي ذلك الوقت فقط احسست بقابلية مجتمع المستوطنين الصغير هنا بالجزائر بالانفتاح على الاهالي و امكانية التعايش و المساواة، عندما رأيت ابي يضع الطربوش بحب و شغف فوق رأسه شعرت و اننا نتصالح اخيرا مع انفسنا،و مع انسانيتنا التي ضيعنها بلهفتنا وراء المصالح العرقية، واضعين شعبا بأكمله يقاسمنا نفس الهواء في سجن كبير خانق ظنا منا اننا ارقى الشعوب بكل عنصرية و تفاهة و غباء .
كانت الاضواء و النجوم الملونة على شجرة عيد الميلاد تعطي طفولتي معنى حقيقي و فلسفي عميق، فانا كنت ارى في الشجرة تلك رابطة طبيعية بيني و بين الحياة، اما تلك الانوار عليها كان تغريني بان ادفع الظلام خارجي، و اترك اشعة الشمس تتغلغل بداخلي مثلما تتغلغل بين سنابل القمح في وطننا هذا لتنبت مني انسانا حيا بضميره، ففرق كبير بين من عاش في غياهب الصمت و الظلام، و بين من عاش بين الشموس محدثا للحكمة و الحياة.
و لان الجزائر كانت دائما معطاءة للشمس كانت ايام طفولتي اجمل ايام، كنت التقط فيها الاشعة و اقطف الشمس كل يوم، فحتى في فصل الشتاء كانت الشمس تزورنا كأطياف الاحجار الكريمة او الكريستال عندما تتلالا في شعاع بداخل الكهوف المظلمة، كانت تتسلل بين الغيوم العطرة بإخلاصها للفلاحين لتلقي نظرة على ابنائها و لتتأكد انهم بخير.
الشمس هنا تعشق الجزائر و كأنها في علاقة حميمية معها، و كذلك كانت الجزائر تحب شمسها، تعشقها فكل قصص الحب كانت تكبر تحت اشعتها في هذه الارض و تزهر رحيقا للحياة و السعادة و الالوان، كما تنتش البذور اول حب لها لتبرز جنسا مع السماء.
عندما اتذكر الايام الاولى لطفولتي تستوقفني نظرتي للحياة في ذلك الوقت، لم افكر ابدا في الموت كنت اظن ان الانسان يولد الى لارجعة و لذلك كنت اعيش دون ان افكر في شيء على الاطلاق، كنت لا افكر سوى في اللعب و الدمى و الحياة و اليوم الذي اعيش فيه و اليوم الذي بعده، و عندما كنت اشعر بالملل كنت احضن امي بقوة كان حضنها كفيلا بإعادتي لشغفي الطفولي من الجديد، و انا اعيش جنة الخلود بكل اريحية.
و لكن الخلود في حقيقة الامر لا يعني ان نعيش الى الابد بل ان نموت مرة واحدة، فكل التفكير في الذكريات لا يجعلنا سوى ان ننكر حاضرنا، و نلج بذاتيتنا الى البقعة التي نريد العيش فيها الى الابد، قد تكون تلك الذكريات سيئة لحد لا يوصف و لكننا نتذكرها بسعادة انتهاء الالم، فما السعادة سوى انعدامه و هل هناك من هو اسعد من الحجارة، الخلود كما تلك الصورة ان نعيش لحظة واحدة تبقى فينا و نبقى فيها لا تغادرنا و لا نغادرها، ولا تغادر العالم بما تبقيه من انكماش على وتر الزمن تؤثر على جزيئات الهواء فتبعثرها الى الابد البعيد، و عندما نموت نكون قد خلدنا في انفسنا بما فيه الكفاية لنموت الى ابدنا الخاص موتة الخلود، و لذلك لست اخاف الموت اليوم.
و لكن مثل هذه الفكرة لم تكن لتخطر ببالي و انا طفل يراقص انغام اللهو مع العصافير، و يشد على يد الله ليرسم معه قلبا بالطباشير على الخشب الاسود، فالخلود كان امرا بديهيا لي فانا لم اعرف معنى الموت و ما يقصده بعد، و لذلك كنت ارى عالم البشر كعالم الالهة و لم افكر يوما ما في ان يسوع قد يكون الها وحيدا، فما هو الا الانسان الذي يتكرر في كل واحد فينا، فلما تعرفت على معنى الاله كنت في ذلك الوقت قد رسمت معنى للخلود لا يشبه المعنى الذي اعرفه اليوم البتة، بل يشبه انسانا اخر ضخم بشعر كثيف و لحية طويلة يجلس في مكان ما يمضغ العلك و يتصرف في حياتنا، يميز بين البشر احيانا، يرفع واحدا و يذل الاخر، و لكنه في النهاية يحب النبيذ كما يشتهي رائحة الدجاج الرومي و هو يتحمر في البيوت ايام الاعياد، كما يحب لابوش او حطب الشوكالاطة الذي تزفه العائلات لبعضها البعض عربونا للمحبة في ميلاده المخلص الحي .
بدأت طفولتي حيث يجب ان تنتهي، و في ذلك الوقت وحده عاهدت تراب هذا الوطن على ان ادفن فيه حيا و ميتا و مخلدا، و لن اسمح لجزيئاتي ان تتحلل في ارض اخرى سوى هذه فالى هنا انتمي، و هنا سابقى،و كذلك سأفعل اليوم.