3
موسم البرتقال
في عالم الصور تزهر المشاعر و يصلب المسيح الذي فينا في الزمن، و نتذكر انفسنا فيها في اللحظات التي ننسى فيها من نكون و الى حيث ننتمي، و الصورة الثانية كانت تشير فيها عقارب الساعة التي بداخلي و المعلقة على الحائط الى الساعة الرابعة و العشرين دقيقة، لم تكن عقارب الساعة واضحة جدا و لكني كنت اراها و كأنها امامي، ربما هي ساعات يوم كاملة تختزله في تلك العقارب الغير واضحة في صورة رديئة بالأبيض و الاسود، من ذلك الزمن البعيد في الزمن، و الجالس بقربي بل بداخلي، ينبتني من جديد بعد ان توقفت جذوري من وقت بعيد عن شرب ماء الحياة.
هي الصورة الوحيدة لي مع ابي عند المصور كان ابي ببدلة كلاسيكية و زهرة في جيب سترته الايمن، حسب ما كنت اتذكر فان لونها كان اصفرا لقد كان لونه المفضل، و كان يضع قبعة كعادته كعضو اخر لم يخلق معه و لكنه اختاره لنفسه، اما انا فكنت اعانق رجله خوفا من الة التصوير رافعا ابهامي و كأني الوح باني في حالة جيدة عكس ما كنت اشعر به في ذلك الوقت،ففلاش الكاميرا كان قويا جدا و كنت اظن انه يستطيع ان يمحي العالم في لحظة و يحبسنا في عالم الصورة، كان خوفي من المصورة يشبه كرهي للقبعات، مشاعر كنت اشعر بها لكني لا اجد تفسيرا لها منذ ولادتي.
فبعض المشاعر تنبت فينا كما ينبت عادة الترفاس في صحراء وطننا الكبير، تنبت دون علمنا و بكل استقلالية و كأنها تتكون في احشاء العدم، و حيث كانت تلك المشاعر تتدحرج الى الواقع من مكان لا اعلم ما هو كان ابي وسيلة لامتطاء العالم و التعرف عليه.
حسب ما اتذكر كان سني في ذلك الوقت حوالي خمس سنوات، و لكني كنت قصيرا نوعا ما بما يوحي و كأني في سن اصغر، و حتى تصرفاتي لم تكن لطفل في الخامسة من عمره فانا تعودت على الدلع المفرط لابي الحنون الذي كان يشعرني بحب كبير، يجعلني اتخيل نفسي اميرا في حديقة ربيعية مبحرة فوق زهر اللوز، فعلاقتي بابي علاقة قوية جدا تشبه الى حد ما علاقة المصورة بصاحبها، او كعلاقة الفلاح بأرضه، كان ابي هو المنظار الذي اشاهد به العالم، لقد كان شخصا مرحا يحب الحياة و يحتسي الكثير من النبيذ الاحمر.
قبل سنوات قصيرة، باريس كانت قد سقطت على يد النازيين اما ابي لم يهمه شيء سوى ان اكون سعيدا، لم اكن ارى فيه ذلك البائس الذي يهتم كثيرا للأحداث السياسية، لم يمثل له هتلر ابدا ذلك الوحش الذي يخيف، لقد كان يقول لأصدقائه دائما هتلر رجل و ككل رجال العالم كان يمكنهم هزيمته بمهبل امرأة فاتنة عوض ان يزهقوا كل تلك الارواح لأجله.
كان يأخذني للسرك و الحرب قائمة لا تنتهي في اوروبا، مع كل شقلبة في العرض كان يموت المئات تحت قنابل الطائرات هناك، كلما يرفع فيل خرطومه كانت دبابة تقصف المدن في الشمال، و حيث كانت عيني تراقب السماء الزرقاء هنا و انا استمتع بوقتي كانت اوروبا مشتعلة في حرب قذرة، مات فيها لحد تلك الساعة مئات الالاف من الابرياء العزل.
امي كانت تهتم كثيرا لأخبار تلك الحرب اللعينة فمدينة اجدادها باريس اصبحت تحت حكم الالمان، لقد كان شعورا مؤلما جدا بالنسبة لها فأمي بالرغم من انها ولدت هنا هي الاخرى و لكن موطن امها و اباها الاول كان تلك المدينة التي سرقت من شعبها، و لكن لا امي ولا احد من الفرنسيين فكر في ذلك الوقت انهم هم ايضا يقفون على ارض ليست ارضهم، فلما لم يتساءلوا ابدا عن احساس هذا الشعب هنا الذي يعيش كمهاجر متسلل في ارضه، لأنهم بكل بساطة لا يشعرون إلا بمعاناتهم الشخصية،فالفرنسيون هنا كانوا يبدون فرحين بهذا التقسيم الطبقي العنصري، و كلما كان احدهم يتصرف بطيبة كان شيء ما يدفعني للضحك.
هكذا هو الانسان اناني لدرجة لا تطاق، يعيش في حالة صراع مع نفسه و يظن انه المنتصر بالرغم ن انه دائما المهزوم، فكيف ينتصر الانسان عندما يكون المهزوم هو نفسه الانسان.
كنت اعيش حالة مفارقة عجيبة مع نفسي، فمن جهة كنت سعيدا بكل ما كان يقدمه لي اهلي من انبساط، و من جهة اخرى كانت سعادتي تغتال في كل نظرة تقع غفلة على حافة اعين اخوتي المختلفين اللذين يقاسمونني نفس الوطن، هذا الذي لم اعرف غيره فبالرغم من طفولتي و شح المفاهيم في عقلي ذلك الوقت، إلا انني لم استطع ان اسعد كثيرا و انا ارى الام الاطفال من حولي في حالتهم البائسة، كنت اشاركهم نفس الشعور و على رغم من عدم تبلور ادراك حقيقي للأشياء من حولي و للمفاهيم، و على الرغم من اني لازلت في سن لا اتمتع فيها بكل مخارج الحروف، الا ان الانسان يولد انسانا و يفقد انسانيته مع الوقت او يحافظ عليها، و لتلك الساعة كان الانسان بداخلي يرفض ذلك الظلم من حوله حيث لا يحتاج الانسان للكثير من الذكاء ليستطيع ادراك ما هو خير و ما هو شر، فكل ما يحتاجه هو القليل من حقيقته كانسان.و لذلك فقط كانت بداياتي الاولى اكبر من سني و كان كلما يمد رجل يده ليربت على شعري او يداعبني امام اهلي كنت انزع يده و امد له لساني و اعانق ابي بكل احتقار، ذلك لأني كنت امقت عنصريتهم اتجاه من يشاركوننا هواء هذه المدينة، و ارفض ان يعاملني احد و كأنه اكبر مني سنا، و هو في حقيقة الامر لا يملك حتى انسانيته ( نفاقكم اتركوه لأنفسكم لا تلمسوا شعري )، فشعري لا يمسه إلا المطهرون على رأي المسلمين، ولا استطيع ان اترك شعري الذي كان اول ما احببته في حياتي لعبة في يد قذرة تتمتع بألم الاخرين.
لم ارى ابي ابدا يعامل جزائريا بعنف و لذلك كان من البداية قدوة لي، كنت ارى فيه مثلي الاعلى فهو لم يدعي ابدا التدين، و لكنه كان انسانا بأتم معنى الكلمة و ربما ورثت هذا عنه و وضعته الى الابد في قاموسي ابجدياتي و مبادئي، و صيغ بأحرف ذهبية على جلدي الابيض، و ورثت منه طيبته و ابتسامته التي لا تخجل من الحزن تعرف كيف تجعل من انذل اللحظات شامخة في الابتسامة و الضحك.
كان مروري في هذا المقطع عن ابي ضروريا لأقص حياتي، فأبي لم يكن ابا فقط بل كان مدرسة فهو الذي اعطى ظهره لكل التقاليد الاجتماعية البالية، اسدى لي معروفا كبيرا فهو لم يفتح عيني فقط للحياة، بل فتح عقلي كذلك للتمرد على الافكار العامة التي تنخر المجتمع، كنت اسمعه يردد مرارا و تكرارا ( ان اردت ان تعش حرا لا تترك ابدا مجتمعك يشعرك انك كذلك )، فحسبه المجتمع يوهم افراده بحرية غير حقيقية حرية وهمية كتلك الحرية التي تصنعها اجنحة الدجاج، فلا حاجة للإنسان بأجنحة شرفية لا تجعله يطير، فالطيران فعل ضروري في اي مفهوم مبسط عن الحرية، و ابي لم يكن يلاحظ اني كنت احفظ الكثير من الدروس من طباعه و لكن قد تعلمت الكثير على صغر سني .
و في البيت كانت العلاقة بينه و بين امي علاقة غرامية تشبه السينما، فلطالما كان يدللها و يراقصها بكل شاعرية، فلازلت اتذكر كيف كان يطفئ الليل بشموع رومانسية تتوهج في البيت ليراقص امي على انغام هادئة، كان يضع يده على ظهرها و يرفعها قليلا لتقترب شفاهها من شفاهه، يراقصها حركة و لغة، يستعمرها بكلمات تشبه الصمت الاخير بعد الموت، يرفع يدها اليمنى ليديرها حوله ثم يباغتها بحضنه و يلقفها مثلما تلقف الشمعة اصبعي و انا احاول لمس شعلتها من بعيد، ابي كان يعرف جيدا كيف يجعل امي سعيدة، كان يضمها كثيرا و يقبلها في كل وقت حتى و هي تصلي لليسوع ، كان ابي يغمرها بحنانه حتى اني بت في شك كبير في اليسوع الحقيقي الذي كان يمنحها الخلاص.
اتذكر انه كان يفتخر مرارا بجسده امامها فكان كلما يريد حضنا دافئا منها تراه يمشي في البيت عاري الصدر، و انا لم اكن ذلك الطفل المزعج ابدا فقد كنت اشعر بحنانه في كل مرة يعانق فيها امي على الرغم من غيرتي عليه، و لكن منظرهما معا يتبدلان النظرات القاتلة،و القبلات الدافئة على ضوء الشمع، و تلك الحركات التي لم اكن اعرف لغاية تلك اللحظة انها تسمى رقصة، كانت تشد انظاري فانا كنت على صغري كثير السهر، و امي لم تكن تلك الام التي تجعل اطفالها ينامون مبكرا فشغفها بالاستماع يجعلها اكثر راحة، و انا على سجيتي ابادل نفسي بعض الالفاظ العشوائية لطفل تعلم نطق الكلمات لتوه على انغام اسطواناتها المقدسة.
ابي كان يملا بيتنا محبة و سعادة و مروري عليه مرور البخلاء لن يجعل روايتي هذه في حكم الرواية ابدا، فما قد اثر به على شخصيتي لا يمكنني ان اتجاوزه بعبارة او عبارتين، فقد كنت اعتبره يسوعا حقيقيا يتجسد كل لحظة امامي في طفولتي تلك، ليملاني حضورا بحبه الكبير الذي لا يشبهه شيء في العالم سوى حب الشمس لأركان هذه الارض التي تشبه كنيسة على ظهر سفينة تدق اجراسها للعاشقين.
و على ذكر العاشقين فان مدينتنا الجي كانت تزخر بهم في كل مكان و في كل زاوية، كنت استرق النظر اليهم و ابي يحملني فوق اكتافه، كنت اشاهدهم يعطون الحمام بعض الرز و اخرون يتبادلون القبل في الشارع، و البعض الاخر يداعب الشمس التي تداعبهم بدورها، كانت تلك المشاهد تطبع ايقونات لا تنسى من مدينتي من زاوية عالية و حنونة، و انا استمتع بأيامي الاولى مع ابي اصد وجه العنصرية بصدره،و اتمرغ في الحرية على مقربة من رقصته مع امي.
و امي بدورها لم تكن تلك المرأة التي تقضي طيلة يومها تختار ما تلبس، و لكنها كانت سيدة بيت تعتني بنفسها في حدود جمالها الخارق الذي لا يحتاج للكثير من العناية لكي يبرز، فجمالها الهادئ و الفاتن كان يظهر و يختفي منها كومضات سريعة ثلاثة مرات كل لحظة، و في تلك الهنيهات القصيرة جدا من البشاعة بين اللحظات العميقة من الجمال كان قبر السحابة يلتفت ليمطر السكون، الذي كان يعطي فرصة للناظر اليها للتفكير مليا في جمالها المهذب و الراقي و ربما هذا هو الجانب الذي ورثته عن امي، زيادة على شغفها المتواصل بالراديو، و اظن اني ابي كان محظوظا جدا بها فلا انثى في العالم يمكنها مقاومة كلماته و اصواته، كما اني متأكد انها لو دارت العالم بأسره لن تجد رجلا مثله، فأبي كان الرجل الوحيد في العالم من يحقق الخلاص للمرأة بضمة صدر، و يلغي الروتين البشري في قبلة، و يقضي على الحزن بصدره العاري الذي كان يعطينا الكثير من الحرارة بالبيت.
لقد كبرت في هذه الاسرة الحنونة التي قد ينقصها اي شيء إلا الجمال، كبرت في عالم روحاني من المحبة و الشغف المتواصل بالأشياء من حولي، وفي سن مبكرة جدا اطلقت العصفور من قفصه و تركته يطير بحرية و سلام، و لم ابه كثيرا للقضبان فهي الاخرى عليها ان تأبه للحام فليس في العالم ما يخيف اكثر من قفص تقدسه الاوهام.
و العصافير الجزائرية كانت تحادثني بلكنة غريبة لم اكن افهمها، فلغتها كانت اقرب للغة الاهالي منه الى لغة المستوطنين، حيث حافظت هي الاخرى على هويتها حين اراد الشر ان يرافقها الى الاحتضار.
و كزقزقة عصفور جريح كان الصبية يمسحون احذية المنافقين، و يبتسمون بشراهة تلتهم السماء، لا لشيء سوى لان الحياة الجميلة لا تقتضي المال الكثير، و انما غاية للحياة تكون هدفا مستنيرا يضمد جراح العصفور تكون الحياة فيها وافرة بالحياة.
و كشهد نحل يقوم مساحو الاحذية بإعالة عائلاتهم، تكليف لهم يرونه تشريفا اكثر منه ذلا، فتغدو العصافير اسمى شموسا للتضحية التي قد تضيء ابتسامة حقيقية، حيث يريد لها ذلك المنافق الشرير ان تافل ليشعر بتكبره عليها، هم وجدوا غاية لحياتهم بكل بساطة تحققهم كبشر، بينما الاخرون مازالوا يهتمون لأحذيتهم اكثر من انسانيتهم بكل حقارة.
العصافير خلقت لتطير و كذلك اؤلائك الاطفال من حولي، و كذلك انا حيث لم اكن احب الجلوس في البيت كثيرا، فقد عودني ابي على التجوال بين ازقة مدينتي المحلقة في شغف الاصوات كمذياع امي، و قد تعودت ان اخيط الشوارع كل صباح كقماش يطرز بأقمار الجنة لينسدل على الجسد المرتحل في الجمال الغاط في نوم الاطفال، جسد ابيض كان يشوبه بعض الحزن على اطفاله الضائعين، جسد تعودت المشي على جلده الرطب و تعود هو على راحة قدمي الصغيرة التي بدأت تحيك بعض جذورها عليه لتتصل مع هذه الارض، التي بدأت هي الاخرى تتجذر بداخلي و تترك بي انطباعا عميقا يشبه ابار النفط التي ثبتت الاستعمار اكثر بهذا البلد، غير ان الابار التي كانت بداخلي كانت خالدة و صادقة لا تباع و لا تشترى، ابار من المحبة الخالصة التي لم اعرف ابدا تفسيرا لها كجزء من تلك المشاعر التي لا نعرف مصدرها و لكننا نشعر بها بصدق.
الساعة كانت تشير في الصورة بداخلي و على الالبوم الى الرابعة و العشرين، لم اعرف لما اختار ابي المساء لالتقاط الصورة بالرغم من اننا كنا مع بعض كل الوقت من الصباح الباكر الى ان تنهض النجوم من نومها كل ليلة، فانا تعودت ان ازاحم امي عليه في السرير لأنام في احضانه، و لكن ذلك اليوم لازلت اتذكره حاضر معي في هذه الغربة، و اعيشه و كأني مازالت بداخل ذلك الجسد الصغير اضاجع الطفولة الخرساء و السعيدة.
فلما عدنا ادراجنا صوب البيت كانت الرياح توحي و كأننا نغني في فصل الخريف و الاوراق الصفراء تراقص حزننا الذي يتشعب فينا كوداع للحظات الصيف الاخيرة. اخير بالرغم من اننا لم نكن في فصل الخريف فعلا، فلم يمر وقتا طويلا على بداية الصيف فلا تزال الجزائر تكتسي الثوب القصير، ولازالت المايوهات تزين الحياة هنا، ربما لم يمر سوى شهر من الصيف لا اتذكر جيدا، و لكني كنت احسب ايام الصيف مطولا فقد كان فصلا هاما بالنسبة لي، فصل البحر و السعادة تملاه الالوان و الموسيقى، الا في ذلك اليوم الذي جربت فيه لأول مرة في حياتي الحيرة، حيث ما ان عدنا للبيت ضم ابي امي باندماج عميق من خلفها و هي تهم بالبكاء و كأنها لا تريد النظر الى وجهه، ادارها اليه، و مسح دمعتها، و راح يعانقها و كأنه يحتضر، لم افهم ذلك المشهد تماما اذ لم يكن يمثل لي شيء على الاطلاق، لأني بصراحة لا ادرك ماهيته فحتى انا لم اكن اعرف البكاء كثيرا من فرط السعادة في ذلك البيت، لم افهم لما قد يبكي الكبار لما قد تبكي امي التي كانت تنام على ادفى صدر في العالم، امي التي كانت تمسح دمعتي عادة ذرفت سماءا من الدموع، و لم تلبث مطولا تشتم صدر ابي و اذا بها تصرخ في وجهه (اكرهك ابتعد عني )، لقد اخذتني الصدمة فعلا لم اكن اعرف ان الكره جميل لتلك الدرجة، و لم اكن اعرف ان كل تلك الحياة الجميلة التي عاشها ابي و امي و انا بينهما كانت تسمى كره، فانا عادة كنت احسبها حبا و لذلك فقد احدث الامر شرخا كبيرا في عقلي، و كنت على وشك ان اغير جميع المفاهيم التي نسجتها طيلة السنوات السابقة في لحظة واحدة، لكن ابي انقذها بضمه لأمي بقوة و هو يردد كما يتردد ضوء القمر على وكر الخفافيش، و هو يمحي فيها ذلك الظلام بقوله: احبك، احبك، احبك.
كان يقولها على غير عادته و كانه يريد خلق دين جديد من تلك الكلمة، كان يعبر من خلالها على كل هيجانه، كان يبدو ذلك المشهد كمعركة مضطربة بين غزال جريح و ثور فقد قدرته على الانتصاب، لا افهم كيف استطعت ان اتعمق في ذلك المشهد مطولا دون ان اعمى او اجن، فقد كان الامر اشبه بكسوف عميق لشمس فقدت شعاعها في يدي طفل بريء، لم افهم لما قد يتصرف ابي و امي بتلك الطريقة الغريبة، كان مشهدهما و هما يتبدلان الاحضان و القبل يرسم لوحة تكعيبية غريبة لم اتعود على جماليتها بعد، اذ يتحرك ابي كثمل فقد وعيه اثر جرعة زائدة من الكحول، و امي تتناوب مع نفسها على منجاة سماء مشتعلة كراقصة بالي نست ايقاعها، حيث كانت رقصتهما تلك مضطربة و على غير عادتهما دون موسيقى، و قد بدا لي في تلك اللحظات ان اضع اسطوانة و اشغل الموسيقى لهما لأتمم المشهد، حملت اسطوانة كالعادة و واضعتها على الالة، و انزلت ابرتها كما يضع المجرم سكينه في قلب مقتوله اذ اردت ان اقتل حيرتي، و رفعت على اذانهم الموسيقى و جلست على كرسي الطاولة انتظر شيئا ما ليحدث، رقصة رومانسية مثلا تنظيم لإيقاع مضطرب رتابة اقدام تزرع المحبة على الارض.
ضم ابي حبيبته بقوة و هي تصرخ ان يتركها الى ان هدئت، ثم راحت تحضنه و كأنه وسادة طرية، و تحولت في برهة عين عضلاته الخشنة الى قطن ناعم و انتشر السكون كالهدوء بعد العاصفة، و راح ابي يلصقها بجسمه اكثر و هو يغني مع الاغنية بصوت مبحوح و كأنه يحاول ان يجعلها تنام بين احضانه، اما انا فكنت قد تخلصت من حيرتي اذ يبدو ان المشهد عاد لتوه مفهوما ( ابي يراقص امي التي تحبه كثيرا ).
كان لأبي حضنا دافئا جدا قد يغفو عليه القمر، لم يمكن ابدا حضنا عاديا فقد كان به شيئا ما يحول دون ان تبقى صاحيا على متنه، و امي كأي عصفورة تبني عشها استعملت ريش لباسها لتكنز ابي في حضنها و كأنها تخبئه للأبد كعنكبوت تلتهم ذكرها، لم ارى في عيون امي شيئا اشبه بالحزن الذي رايته فيهما في ذلك الوقت، حيث احمرت جفونها و سال لعابها منها كما سالت منها الحياة، و لم تعرف كيف تتصرف لأجل شيء لم اكن اعرفه انا الاخر، إلا انني كنت قد استجمعت نفسي و عدت طفلا من جديد، ثم نهضت من مكاني و رحت اعانق ارجلهما، و مدت امي يدها الى شعري و راحت تنفس عن غضبها و هي تمشط خصلاته الذهبية بأصابع يديها المرتعشة لموقف حاد جعلها تفقد اتزانها، و ابي لحزنه الشديد ذرف دمعة واحدة من عينه اليسار و ضمها اكثر، و اكثر، و اكثر .
رأيت امي في تلك الحالة في ابشع لحظاتها و لم يغفر لها الالم اذ دفعها للضحك بطريقة هيستيرية، اذا لا تضحك امي إلا و قد كان الالم فظيعا يمزقها من الداخل،و قد امتزج ذلك الالم بنشوة حب زائدة، كانت تضحك و ابي يضمها الى صدره و قد رافق شعاعها الى اقدس نقطة بداخلها، يحاول ان يلملم منها ما تبقى ليعيد دمجها بنفسها قبل ان يدمجها في قوقعته الفولاذية التي سماها منذ سنوات على اسمها.
اذ ان ابي التقى امي اول مرة في المكتبة و هي تطالع بشكل ملائكي خاطف للعقل، فأصبح يتردد كل يوم للمكتبة كحج مقدس ليقرأها ككتاب، و يرتلها كترانيم عطرة. لم يكن ابي يقرا سوى تلك الكتب التي تنتهي منها هي، ليبدأ هو من حيث انتهت كان يشتم تلك الاوراق و يقرأها حرفا، حرفا فيديها الناعمتين قد لامستها، و قد كان عطرها قاب قوسين او ادنى من نسجها حية في غلاف الكتاب، كما كانت هي كائنا ملائكيا جميلا في صفحات وعيه، فالكتاب الذي وقعت عيناها عليه كان اقدس من اي كتاب في العالم، كل كتاب تقرأه هو افضل كتاب في العالم، فأبي عشق فيها سكونها و هدوئها الذي يخبئ فيه اسرارا عميقة كنهر يقطع الجبال بانسيابه، كجبل يكسر السماء برسوه، كبحر يرسم افقا بعيد لا تلمسه يد الشعراء، عشقها لبراءتها و ابتسامتها الاخاذة فقرر ان يسقط في غرامها كما يسقط النيزك في حديقة ما بعد الموت.
عشق كل تلك الكتب التي قرأتها و اصبحت المكتبة على مقربة لقلبه من حبل الوريد، استسلمت شرايينه اليها و غدا من مساء و مساء يخلق نفسه مجددا انسانا جديد، فبالرغم من تكررها ألاف المرات في ألاف المشاهد حوله، و هو الذي لم يكن يفكر في انسان اخر سواها إلا انها كانت تقتل الروتين بشكل بشع، فالروتين كان يموت في هدوئها كما كان يموت ابي كطفل يولد لمليون مرة عندما تقع عيناه بالصدفة على رموشها و هي تخفض نفسها كجناح ملاك اسير في الجمال. لم يفهم ابي نفسه لقد قص علي قصته اكثر من مرة، و كان يقول اني ساجد حب حياتي يوما ما في شغفي و مكان لن اتوقعه ابدا ان يكون بداية لمشاعر لا تنتهي بداخلي. ابي علمني ان الحب ليس ان نكتب الشعر صباح مساء، بل ان تراه محلقا في كل مكان، ان ترى العالم شعرا لا يستطيع شاعر كتابته، فعندما نحب نرى العالم جميلا، و ابي قال لي متى احسست ان العالم غدا بين لحظة و توأمتها كذلك كن متأكدا انك وقعت في الحب، فعندما يجد الانسان نصف روحه يتشبث النصف الذي فيه كالمغناطيس بالنصف الاخر. و هو وجد فيها شيئا كان يدفعه بشكل غريب لكي يقبلها كفراشة تحط على ورد الربيع، حاول اصطيادها كفهد طائر إلا انها لم تكن طريدة سهلة، كانت فهدا هي الاخر تبحث عن واد يحمل شموعها الى قصر الغرام، و ابي فهم رومانسيتها المتمردة و عرف كيف يدخل عليها من الباب الذي تفتحه كل يوم، من باب الكتب. الكتب التي كانت تحمل في طياتها خاتم الخطوبة، و تسلقت الاماني جدران الفنجان، و قرأته عجوز القدر بحب بليغ و جمعتهما في حب واحد و حياة واحدة، و كان عرسهما في مسبح اذ قررا ان يستبدلا خاتم الزواج و هما مبللان كما عمد يوحنا المعمدان المسيح ابن الله ، و كنت انا من بعد ذلك من برج الحوت كيرقة صغيرة تخرج من بحر من الحب و الدفء و الحنان.
ابي لم يعرف في حياته حبا سوى امي لذا غمرها بما لم تشعر به ابدا، و هي تقرا كتبها و تستمع للمذياع، امي كانت صوتيه و يمكنني ان اتخيل ان ابي كان يقرا على مسامعها ملايين الكلمات الحلوى التي قد الهبت مسامعها كعشق ابدي و كلطف يحوم في الغرفة عليها، كان ابي يتعمد ان لا يجعلها تضحك بصوت قوي فالم حبه و هو يدغدغ انوثتها لا يمكنه سوى ان يجعلها تحبه بكل سكون و هدوء، و عندما تتشعب فيه و هي تراقصه بحزن كذلك اليوم، كانت تبدو بكل مفاتنها انها انثى ضعيفة لا تريد ان تخرج من صدره، و رائحته المشبعة بالرائحة التي قرأها معا كما تتنفس الرئتين معا او تموتان معا.
لقد كانت تلك الرقصة الغريبة التي يتغمدها الحزن مثيرة للريبة، لم افهم لما قد تبكي امي، لما قد يحدث كل ذاك، لما قد تنسى خطوات رقصتها المعتادة و تحضن ابي، لما ابي قد يردد على اوجاعها كلمات الاغنية بصوت مبحوح، لم افهم شيء من تلك الاحداث سوى اني قد التقطت صورة لي مع ابي على غير العادة، فأبي بالرغم من انه كان يحب الصور لكن ليس في ذلك الوقت و ليس في المساء.
كل شيء كان غريب،كان ذلك اليوم اغرب من الخيال اذا خيم الصمت على البيت و قطع اوصاله، كنت ارى البيت ينزف دما من دهانه، و انتظرت جدرانه في كل ثانية ان تقع، و ان يحلق سقفه بعيدا، و تطير الغربان من مزهرياته، انتظرت ان اعيش كابوسا حيا و تخرج الافاعي من قبو المنزل، انتظرت و لم افهم شيء حتى اني كدت انسى انه فعلا ذلك البيت الذي تربيت فيه، و ترعرعت في كنفه هل يعقل ان يتحول الى سواد هكذا.
لقد انتابني خوف كبير من ذلك المجهول الذي استوطن اسرتنا، يا ترى لما بكت امي بتلك الطريقة، لما صرخت في وجه ابي بأنها تكرهه و من ثم عانقته عناق الاشتياق، سؤال عميق عمق الجانب المظلم للحكاية، لا توجد اشباح لتقول لي الحقيقة عليا الانتظار كان عليا الانتظار.
انتظرت مطولا و كان كل شيء جميل في ذلك البيت قد تحول الى رفات خنزير ميت، لم اكن اريد فعلا ان ابقى حبيس حيرتي، حاولت الوصول الى خيط ما يدلني عن حقيقة الامر لكن لا جدوى، عقلي الصغير لم يشر لي لأي معلومة كل ما كنت اراه هو الحيرة فطباع امي تغيرت، و كانت تتصرف مع ابي و كأنها تشتاقه بعد موتها، و هو كان يلامس كل ما ينبض في المنزل حيا كان او جمادا بشغف عظيم، و انا اراقبهما من مكاني بصمت، اتابع كل حركة او غفوة او سكون لعلي اجد في الامر سر المشكلة، فافهم هذا التغيير المفاجئ الذي طرا على غير العادة على اجواء بيتنا فجعلته يتحول من جنة الى جحيم بين ليلة و ضحاها.
ولان للجحيم دفئه هو الاخر فلم يفقد بيتنا على الرغم من حزنه حنانه، فالاشتياق الذي كان يعزف نفسه فيه لم يتوقف عن حمل قوس كمانه، بل العكس لقد زادت نوباته بما كان يوحي باقتراب قيامة المسيح، كان شيء هناك في هوائه يدل على طعم حامض لليمون يمزجه بعض التين الحلو، سار البيت يجمع اكل التناقضات في هوائه و لم اعد ذلك الصبي الذي يمرح طيلة الوقت، بل بات العالم جاحدا يحسدني في ابتسامة، و بات من الصعب علي ان افرق بين الطفولة و السؤال الضبابي الحاد الذي ارداني حائرا لوقت طويل، لما يتحول بيتنا بهذا الشكل؟
كان ذلك السؤال اولى تلك الاسئلة الفلسفية العميقة التي حيرت تفكيري، و ابرزت على سطحي ذلك العنصر الخفي مني و هو الفضول الحاد، و التفكير العميق فانا الى غاية تلك اللحظة لم اعش حياة الفلسفة بعد، مع انها حياة تستوجب حضورها في دور شخصية ستعيش ما عشته انا، و كون كل طفل يولد بقلب فيلسوف عظيم، الا اني لم اكن اشعر بالفيلسوف بداخلي شاردا كما كان في تلك اللحظات، حيث كان التحول الجذري في العلاقات داخل اسرتنا الصغيرة يحرك في قريحتي ألاف الاسئلة التي لم اكن اجد لها اي جواب، كأي فارس يحاول امتطاء حصان شفاف كفقاعة صابون لا يرى منها سوى ما يلمع مع الشمس، و مع ذلك حاولت امتطائه و الحقيقة تفر من يدي كالزئبق، و مرت الايام على روتينها و فضولها دون ان ادرك مربط الشمس في الحكاية او حتى اجد حصاني الشفاف.
ست ايام مرت على التقاطي تلك الصورة و انا لازلت اناقش اشباحي على ابعادها، و باتت رقصة الحب تتكرر في البيت اكثر من أي شيء اخر، و اصبح صدر ابي شمسا تتوهج بيننا و كأنه يزرع حنانه بما يكفلنا حنانا لعشرات السنين، اذ لم يتوقف شعاعه على بعث احضانه فينا، لقد قاربنا انا و امي ان نندمج بصدره الى ابعد نهاية الا اننا حافظنا على وجودنا بما يكفل غريزة حب بقائنا على قيد الحياة، التي كانت هدفه الاسمى دون أي هدف اخر يزاحمه في مراده هذا، و مع ان احضانه كانت دافئة جدا لكني كنت اشعر في قرارات نفسي ان شيئا ما سيء سيحصل قريبا و سنموت كلنا من شدة الصقيع
و في صباح اليوم السابع نهضت على بكاء امي، نهضت من سريري و انا اشعر ان ابي قد قبلني قبلة الوداع و انا نائم، نهضت و انا اجري مسرعا نحو الباب، امي قاربت على فقدان وعيها من شدة البكاء، و هي تحضن ابي بشدة تتسوله بان لا يذهب، ان لا يذهب، لكن اين لم اكن ادري، ابي كان يعانقها و كأنه يودعها الوداع الاخير، اما انا فلم اكن افهم ما يجري امتلأت جفوني بالدموع دون ان ارادة مني و جريت صوب ابي و رحت اتسوله ان لا يذهب، فيما كنت ابدو اني متأكد من ذهابه لمكان ما و يتركنا لوحدنا، فأبي كان مهما جدا في حياتي و لم اكن استطيع ان اتخيل حياتي بدونه ابدا.
فك جسده منا بصعوبة و نحن نتشبث به كما يتشبث الجبل بالأرض، و كما يرفض الجنين الخروج من احشاء امه افتك جسده بصعوبة، و كان جسده متشبثا بنا هو الاخر، كان ابي يحزم حقيبته و كأنه يسافر الى لارجعة، حمل نفسه و هو ينظر الى الارض دون الالتفات ورائه، يحبس الصورة الاخيرة في رأسه عن عائلته السعيدة،
اغرورقت عيناه دمعا راح يتساقط منه كحبات البرد وهي تعكس نور شمس الصباح الصيفي المتوهج، و غدا كجندي هارب من معركة مع ذاته، شد قبعته البيري و ركب ما كان يشبه حافلة لنقل الموتى.
انطلقت الحافلة كحوت اخضر تسافر في الزمن، و راحت امي تجري ورائها و هي شبه عارية ترتدي لباس نومها الاحمر و هي حافية القدمين، تحاول ان تسترجع ما ذهب منها، الى ان سقطت على الارض دون ذلك، و هي تمد يدها تحاول مسك يد ابي الذي بدا سرابه يختفي رويدا، رويدا دون ان يمسح دموعها كالعادة. حاول الجيران اسعافها و هي تسكر في حزنها الشديد الذي لم اره يطوق جسدها كما رايته في تلك اللحظات.
عادت للبيت كالذليلة و قد مرت على خيبة مرة و انتكاسة قاتلة في حياتها لم تتوقعها، و هي قد ودعت ابي على غير العادة في مشهد حزين جدا كبقعة زيت تطفو فوق ماء حياتها، الماء الذي انساب في دربها من باب البيت الى وقوعها ارضا محاولة استرجاع ابي الى احضانها دون جدوى.
عادت و قد اوصدت الباب و تحول بيتنا الى جنازة سوداء و شعرت باليتم لأول مرة في حياتي، امي لم تتحرك خطوة واحدة من جانب الباب، جلست على الارض امامه و كأنها تخشى دخول البيت الذي غادره زوجها، و اتجهت انا صوبها احاول ان افهم من حضنها ما يجري و الدموع الصامتة لا تريد ان تتركني بسلام، شعرت بخوف شديد كما لم اخف ابدا من قبل، جلست في حجرها السائل على الارض و هي تتدفق من نفسها كما تسكب السماء مطرها الترابي حاملة معها رمال الصحراء، جلست هناك و مسحت دمعتها و سألتها بكل لطف: ( امي الى اين ذهب ابي؟) أما هي فكانت تبدو و كأنها تخبئ بحرا من الاسرار، محاولة الحفاظ على طفولتي كأي ام تعشق اطفالها، إلتوت علي كأفعى تملاني بالحنان، و كأنها تخشى علي ان افر و اتركها انا الاخر، ثم ردت بكل لطف و انوثة و رقي: ( لا تخف جان بيار بابا راح للحقل لجني البرتقال و سيعود قريبا )
تنهدت في تلك اللحظة و كأني صدقتها، و حضنتها بقوة سعيدا باني تعرفت على الحقيقة اخيرا، الحقيقة التي لم تكن لتقنع سوى طفلا مزال طعم حليب امه في فمه، و لكني اكتفيت بها على الرغم من ان موسم البرتقال كان يبدو بعيدا بشهور، الا اني صدقت لارتاح لأكون سعيدا، و ضمتني امي لصدرها ضمة مفارقة للحياة على الرغم من انها كانت بعيدة جدا عن يوم احتضارها، و راحت تشمني كأخر اثر من رائحة ابي بين احضانها، و انتظرت من ذلك اليوم ان ينتهي موسم البرتقال و يعود ابي لأحضاننا ثانية .