4

7 0 00

4

الحرية للملاك

بدا الفصل الجديد من حكايتي بدون ابي، و انا اقطع ورقة من الرواية بنزعة مازوشية رغبة في نسيان تلك اللحظات المأساوية التي رافقتني طيلة غيابه، و انا خار ارتل الايام كالصلاة اناجي بقلب طفل يتفتت لأبسط لحن و هو ينتظر صدر ابيه، قلت يوما ما و انا ارسم خربشات على الورق فيما كنت اظنني ارسمه ملاكا، انسان بأجنحة طويلة و اغلال تشده لكي لا يهرب بعيدا عن بلاط الالهة، محاطا بأشجار البرتقال، لم اكن افهم في ذلك الوقت لما رسمته مكبلا، ربما لأني كنت اعني به ابي الذي انتظرته بعد موسم البرتقال ان يعود، و لكنه لم يأتي، او ربما كنت اعني من خلاله عتبا ما لملائكة لا تحمل صلاتنا انا و امي للسماء لتعيد لنا حبيبنا و ينتهي موسم البرتقال ذاك الى الابد، تأملت ما رسمته و رحت اكلم الملاك بصيغة الجمع انا اوبخ من خلاله امبراطورية الالهة، اقرئي ايتها الملائكة ثورتك على اعتاب السماء، انفضي عنك القيود، قبلي لأول مرة في حياتك، امسكي يد الشيطان و ارقصا معا، لما عليكما ان تكونا اعداءا للأبد ،كونا اصد قاءا سيكون الانسان اكثر سعادة بذلك فما يحدث عندكم يؤثر عندنا، فلتتحد كل قواكما الخارقة خيرا كانت او شرا و اعيدا لي ابي بسلام، لقد اشتقت له و لم يعد لي لا انا ولا امي القدرة على الصلاة.

كانت امنيتي ان اصعد للسماء، و ان التقي الرب و اطلب منه ان يسجن الحزن، و يرمي الغياب الى لا رجعة، و يعيد لي ابي الذي بات اشتياقه مكرسا بذهني، و انا اعيش حالة العزلة كسمكة لا تجيد السباحة في المياه الضحلة، و هي تشتاق للبحر الفسيح. لم اكن اريد شيئا من هذا العالم البائس سوى ان يعود ابي.

عندما وجدت ذلك الرسم في البوم الصور تأملت صديقي الجالس امامي، و ابتسمت له و تشكرته ثانية، و عدت اناجي ذلك الملاك الذي بقي سجينا كل تلك السنين دون ان يتحرك من مكانه، لقد كنت نسيت هذا الرسم حقا و لو لم اجده في الالبوم لما تذكرته ابدا يسعدني اني وجدتك هنا عزيزي.

ثم عدت ثانية اعيش الماضي بكل فنتازية، و انا اتذكر لحظاته و كأني اعيش فيها، و هي التي تعيش بداخلي، فقد افرجت عن كل ذكرياتي و انا احمل ذلك الالبوم الذي يحملني كسفينة شراعية تغدو على شعاع شمس غربية ترسم خطها كدرب الحلزون و هي تتهاوى في الخليج العربي-الفارسي.

اما ذلك الرسم بالتحديد فلم يكن رسما عاديا، كان مقطورة من الماضي تحمل فيها طفلا كان يراقص السنونو بأرجل حافية و انامل يدين مصليتين، و كأي دعاء يقرأه اله ما بالصدفة قرأت صلاة طفولتي في هذا السن البعيد كل البعد عن الطفولة، و رحلت لتلك النقطة، و تربعت هناك كالطوارق احادث ثنيات الوداع و كثبان رمال الذاكرة و سراب الماضي المندثر، و افرغها كالشاي على الشيخ الطاعن في السن الذي البسه، و استجمعه ككفيف يرسم صورة لطريقه نقطة، نقطة بعكازة هي بصره. كذلك رسمت طريقي الى الماضي عن طريق تلك الخربشات البريئة التي تعبر عن سذاجة طفل في عمر الزهور، سذاجة طفل ودع اباه دون ان يقبله، دون ان يعانقه عناقا اخيرا، و هو لا يعرف موعده الثاني معه، كل ما يكنزه منه هو بعض قبعاته، و صورة بالأبيض و الاسود، و شغف للبرتقال لم اعرف معناه و فراغه الذي تركه هاملا في البيت.

كانت احيانا تصل رسائل منه لأمي، و كانت كل مرة تقرأها تبكي كاليتيم الذي فقد كوكبه و تاه في مجرة غريبة عنه في الفضاء، لم تكن تخبرني بكل ما كان مكتوبا فيها، و لكنها كانت تقول لي في اخر كل مرة و هي تمسح دموعها و تمثل الابتسامة: (اباك يقبلك كثيرا و يقول لك انه اشتاق.)

كانت تلك الكلمات تشعرني بالدفء و الحنان الذي كان ينقصني كثيرا و ابي بعيد عني، و انا اصارع اشتياقي بجمع النجوم احيانا من النافذة، و انا احاول عدها او انا اشاهد القمر كوني كنت متأكدا انه لا يوجد سوى قمر واحد في العالم و ربما في لحظة حظ عابر الامس القمر بعين و يلامسه ابي في نفس الوقت بالعين الاخرى، و بالتأكيد كان ذلك اداتي الوحيدة للاتصال بابي.

ولا عجب ان تحول ساعي البريد الى معشوقنا انا و امي فكنا ننتظره بالأيام و بالأسابيع على احر من جمر، حيث كنت اجلس على عتبة الباب او العب بدراجتي الوردية مع اصدقائي هناك، و كانت عيني تتتسلل بين كل منعطف في الزمن و اعوجاج في المكان لألمح ساعي البريد او ظله، اجري صوبه بكل اشتهاء و انا اساله (سيدي سيدي هل لنا رسالة من ابي.)

لم تكن اجابته دائما تسرني،و لكني كنت ارى في حقيبته المليئة بالرسائل كنزا لا يقارن بأي كنز اخر في العالم، فلا عجب كذلك اني رأيت في ساعي البريد اغنى اغنياء العالم، فكنت اراه يحمل المشاعر الملتهبة في حقيبته تلك و يوزعها كما يشاء على العائلات، كنت اكرهه كثيرا عندما لا يسلمني اي رسالة، و لكني كنت اطير عشقا فيه عندما يربت على شعري و يفتح تلك الحقيبة الرائعة رويدا، رويدا و يقول لي (تفضل هذه لك نادي، احد من اهلك ليمضي على الاستلام )

كنت ارمي دراجتي في قارعة الطريق، و اجري صوب امي و انا اناديها و كأني وجدت الحقيقة المطلقة، و كأني وجدت ما يمكنه انقاذ العالم بأسره، لا يمكنني حتى انا الان ان اتخيل حجم الفرحة التي كانت تنتابني عندما امسك تلك الرسالة في يدي لأعطيها لأمي لتقرأها.

و امي كانت دائما تقرأها سرا و بلهفة عطشى لكلماته، و تقرا عليا انا رسالة من نسج خيالها عن موسم زاخر بالبرتقال، و ان الحقل كان كبيرا جدا و انه قد وجد برتقالة على شكل دبدوب قد خباها لي، و تختمها دائما بنفس الطريقة ابي يقبلني و يعبر عن اشتياقه لي.

كم كنت بائسا حينها حيث لم اكن اجيد قراءة تلك الرسائل بنفسي. كنت اشعر بتلك الاعاقة تنخر فضولي لذلك تمنيت بقوة ان التحق بمقاعد الدراسة لأستطيع بعدها قراءة تلك الرسائل بنفسي .

كانت تقول امي اني كنت في سن الالتحاق بالمدرسة فقد قاربت لسادسة من عمري، إلا اني سألتحق بتلك المقاعد متأخرا قليلا بسبب ميلادي في الاشهر الاولى للسنة، كنت ارى المدرسة شمسا يحتاجها جسمي البارد و عظامي المتكسرة التي لا تستطيع حملي الى حضن ابي ثانية، كنت كلما امر على مدرسة ما اتنهد امامها و اتوقف استنطقها لتعبر لي عن شيء ما، حيث كنت ارى فيها طوق نجاة من تلك الاعاقة التي كانت تحول بيني و بين قراءة تلك الرسائل التي كنت احضنها بقوة في صدري، و اخاف عليها ان تلتهمها النسمة العليلة فهي كانت احب على قلبي من كل ما في العالم، و كيف لا و هي ما تبقى من ريح ابي الذي ابجله، و اقدسه اقدس من اي شيء اخر .

و في حين اني كنت اتوق للمدرسة ،كانت بطن امي تنتفخ على غير عادتها في امر كنت اجهله صراحة، في الحقيقة كانت امي حاملا في شهرها الخامس الامر الذي لم تعرفه سوى بعد ما يقارب الشهر من ذهاب ابي .

كانت امي تضع راسي على بطنها لاستشعر تلك السمكة اللطيفة التي تداعبها داخلها، لقد كان شعورا ممتعا حقا ان انتظر اخا او اختا لي كما وعدتني امي بذلك، لقد كنت مشتاقا للرقم ثلاثة كثيرا في البيت فغياب ابي ترك فراغا كبيرا اشبه بالموت، و كان يجب لعنصر ثالث ان يملا القليل من فراغه، و حضور هذا الحمل الان جاء في وقته تماما لينقص علينا بعض الشعور بالغربة،الذي كان يتملكني في كل لحظات الغياب بدون انقطاع على الاطلاق،و كأنه ذئب يغرس بداخلي كل انيابه و مخالبه فلا اتحرك قيد انملة بعيدا عنه.

لا احد يستطيع ان يشرح الاشتياق بكلمات سهلة، انه شعور مضطرب يعبر عن حاجة قوية لأمر ذو قيمة عالية في حياتنا، لا نستطيع ملاقاته في واقعنا، فنرسمه في خيالنا،و نمسكه في احلامنا، و نعيشه اكثر من اي واقع فينا او حولنا، فعندما نشتاق نكون قد وصلنا لذروة الحب،و مع ذلك ليس ذلك هو المفهوم الصحيح للاشتياق.

ربما هو اكثر من ذلك، هو جوهرة تشع بداخلنا و نحن نعيش حالة الظلام، نفترق في اخر النفق و نعود ادراجنا للخلف نبحث عن اثار اقدامنا التي مشيناها معا، نشتمها و نحضنها و نبعث فيها انفسنا لنولد تحت الارض، لنبزغ املا نحو السماء، السماء التي لا تبدو انها تبعد كثيرا. عندما كنت افكر في ابي حيث كانت كل الطرق الطويلة تبدو قصيرة جدا امام الدرب البعيد الذي حال بيننا انا و امي من الجهة الباردة للقصة، و ابي من الجهة المليئة بالبرتقال من الواجهة الاخرى.

على الاقل كانت هناك امي تحاور بطنها المنتفخ تجعلني اتشبث بالأمل، و لولا ذلك الجنين الذي كان يتكون هناك على مهله لفقدت قدرتي على الحياة نهائيا، فرؤيتي لأمي و هي تحمل ذلك البطن كل يوم و تلبي لي طلباتي التي كانت شبيهة بالأوامر، و تقوم بكل واجبات البيت من طهي و غسل و تنظيف و تسوق، علمني بعض المسؤولية خصوصا في غياب الحارس الاعظم صاحب القبعات ابي المجيد و المبجل، و لذلك كان يجب عليا ان اعوض ذكر البيت و لو قليلا، و لم اجد سبيلا لذلك سوى بمساعدة امي في التسوق او بشراء بعض حاجيات البيت من البقال.

كان اشتياقي يكبر و بطن امي يكبر هو الاخر، يكبران معا و يحدثان بداخلي اضطرابا فظيعا في المشاعر، فالاشتياق يبعث عادة الحنين المضجر بالحزن، اما حالة الارتقاب على طلة البطن المنتفخ فكانت تستحضر مشاعر الفضول المزخرف بفسيفساء من المشاعر يغلب عليها طبع الفرح و المسؤولية .

كانت امي تبدو اجمل و هي حامل، كانت تذكرني بأنها ام حقا، كان ذلك الحمل احب شيء الى قلبها، كنت اشاهدها احيانا تتعرى نهائيا و تجلس على الارض و تفرش نفسها ملتوية على بطنها و هي تعانقه و تحرك يديها عليه بنفس الطريقة التي كانت تشد بها على صدر ابي، و كأنها تصعد السياج نحو ذروة الاشتهاء.

كان ذلك الجنين بداخلها اخر ما زرعه ابي بها، و كان وجوده هناك و هو يتحرك بجوفها تذكارا جميل عن زوج رحل بصمت، و تشتاق له بصمت، و لكني لم اكن افهم لما تتعرى بتلك الطريقة لتلامسه، ربما لأنها كانت تشتاق ان تعرى امامه، او ربما ان ثقل الملابس على جسمها كان يزيد على الشوق الذي كان ينخرها ثقله.

لم يكن يمكنني ان اهدي لأمي اي شيء لكي ابلسم جروحها سوى عناقي، حيث لم اجد انا الاخر من يبلسم جروحي التي اصبحت تصب دمائها في السكون غير ابهة لأي حركة اقوم بها،او اي لعب، و ما الفائدة في ان العب دون ان يلاعبني ابي، لقد فقدت الامل في كل شيء، و ما عدت اقوى سوى على مضاجعة الصمت لكي اتناسى وجودي في لحظات عميقة من اللامبالاة بشيء سوى بمساعدة امي للمضي بعيدا عن هذا النفق، و كل امنيات ضائعة متبخرة لا يبدو انها تصل الى عتبة السماء في ان يعود ابي ثانية الى احضاننا، و نستقبل اخي الجديد بحب عميق يجمعنا كعائلة حقيقية بعيدا عن الزيف و انعدام المعنى الذي كنا نعيشه .

امي كانت تبدو لصيقة بالراديو تتابع احداث الحرب بطريقة مستفزة احيانا، حيث لم تكن تعيرني اي اهتمام عندما تنغمس هناك امام ذلك المذياع الخشبي الكبير، الكلمة الوحيدة التي كانت ترددها على مسامعي كانت ( اشششت ) .

لم اكن اشعر انها كانت تتفوه بها بكره و لكنها كانت تقولها بطريقة عمياء عند استماعها لذلك الخشب، و كأنها تريد تصل لشيء ما يتصل مباشرة مع روحها من خلاله، و لكنني كنت كلما اراها مندمجة بذلك الحجم مع احداث تلك الحرب اللعينة و مع تلك اللعبة الخشبية اتوق بقوة ان احمل اي شيء في يدي و اكسره لعشرات القطع، فقد كان يسرقها مني و يجعلني اشعر باليتم بشكل مضاعف، كما اني كنت اخالها غبية جدا او مجنونة فمن هذا الذي يجد الراديو طريقا لقلبه، و قد رحل عنه لتوه اقرب انسان لقلبه، لقد كان ذلك المشهد يمثل لي الاحتضار بكل ما في الكلمة المزرية من معنى.

و بالرغم من اني لم اكن ارى في الاحتضار سوى مشهد عصفور نافق على عتبة الباب، لم اكن اعرف ان الانسان يموت حقا و حتى اؤلائك اللذين كنا نسمع عن موتهم كل يوم في ظل الحرب، لم اعطي لموتهم معنى حقيقي بل كانت اخالهم يموتون في تمثيلية اذاعية يصحون بعدها، و هم على ما يرام ليواصلوا حياتهم بشكل عادي. حيث ان الموت لم يكتمل حضوره في صمتي، و قد كنت اقتله في حركتي، و لم اكن ابدا لأتخيل ان الموت هو نهاية ابدية.

و في ذلك المشهد الضبابي كنت اعصر ذهني لأتذكر لحظاتي مع ابي و اتقمصها و كأني اعيشها في غيابه،و كأنه حاضر يبسط يديه ليعانقني و يرفعني للسماء ليلقيني هناك، استشعر النجوم كما كان يفعل دائما ليسليني، لقد كانت ضحكتي غايته المطلقة و كم كان يبدو سعيدا عندما كانت اسناني تبدو هي الاخرى كذلك،و هي تلمع بشيء يظهر على عيني،و هي تناشد ابي بان يرفعني اكثر الى السماء.

كم انا تعيس بدونه، و كم هو بائس العالم في غيابه،و كم هو حقل البرتقال ذاك محظوظ بحضور المخلص بين اشجاره، يزيدها اخضرارا كما كان يزيدني شغفا بالحياة، و كنت كلما الامس برتقالة في يدي تعصرني هي في يدها، فيما يشبه التداخل بين العوالم فتنقطع رغبتي في المواصلة، و تبدو البرتقالة في كفي يقطينة بشعة و يبث الحنين في قلبي اوجاعه من جديد، فاغدوا فارا حقيرا لا يجد من مؤوى سوى مصيدة الحرمان فيلقي فيها نفسه لتزرع بداخله اسنانها كلها بكل شراهة، تتخلص من اخر قطرة حياة في جسده التعيس الذي نبت الغبار في اركانه،و غدا نسج العنكبوت في مشاعره المنتظرة اقوى من ان تنفضه الرياح العاصفة، او ان تهد اوصاله المتشابكة، فشباكه كانت اعتى من شباك امهر صيادي الامل، حيث كنت استشعر الحزن في كل شيء من حولي او بداخلي و لكني احافظ على ابتسامتي لكي لا ازيد الالم على امي، كالتين اليابس الذي كان يبيعه الجزائريون،تين فقد ما تبقى فيه من حياة و لكنه ليزال يحافظ على حلاوته حلاوة الجثة و الذوق الرفيع لرذاذ الموت.

لم اكن فعلا على قيد الحياة بل كنت اتظاهر اني كذلك، فالجانب الوحيد من ظلي الذي كان يستنشق الهواء هو الذاكرة فهي الوحيدة التي كانت تعرف كيف تبعث فيا الروح من جديد،و على انغام تلك الذاكرة كنت اراقص ما كان يشبه الحياة في الحركة و التنفس التي كنت اقوم بها بسبيل غير واع، فعن نفسي لم اكن لاسمي دخول الهواء و خروجه من رئتي المحطمة تلك تنفسا، بل كان سحبا للهواء و ملا للفراغ بداخلي ذلك الذي تركني ابي فيه اتخبط وحيدا على اقصى تقدير.

سئمت مني الارجوحة، و سئمت مني الدراجة، و سئمت انا الحياة إلا ما كان فيها يعطيني املا في ان احضنه مجددا، و لم يعد شيء في الوجود يجعل الوقت يمر بسرعة او ليجعله يتهدم، ذلك القصر الشوكي الذي استحوذ على كل قطعة بفؤادي فاغدوا حرا اقطف ورود الحماقة، و انا اعلم ان لي ابا في ظهري يحميني من هفواتي فارتكب الاخطاء بحرية كأي طفل في سني يتعلم الحياة بأخطائه .

اما انا اليوم في غيابه فليس لدي حق في الخطأ، فقد طرقت المسؤولية باكرا بابي و لم يعد لي اي قسط من حرية الاطفال، بل كان علي ان انفخ صدري كأي ذكر في اي قطيع كائنات حية لاحمي امي التي كانت بدورها تحاول حمايتي، و انا احضنها هي و الجنين الذي بداخلها، يتحرك لكي يشعرني بوجده لكي اترك له مكانا بجانبنا، و كأنه يقول لنا بصوت حي انه هنا و يستحق ان نشعر بحضوره، و لكني كلما كنت اضع اذني على خافقه البعيد بتجويف بطن امي كنت اظنه يحاول ان يلفظ باسم غير اسمي، ربما ظن اني اباه، الامر الذي كان يخيفني حقا فانا لم اكن على قدر مسؤولية الاباء، اذ لا يمكنني ان احمله و ارفعه عاليا في السماء مثلما كان يفعله ابي، و لا يمكنني كذلك ان احمله فوق ظهري ليلاقي مدينته، ولا يمكنني ان اشتري له كل عيد دمية و خزانة، و لا يمكنني ان اجعله سعيدا مثلما كان يجعلني ابي كذلك بسهولة، و كأنما قد تكون في الابوة لملايين السنين قبل ان يجمعني في يديه و يغرفني من حنانه و كأنه جعبة لا تنتهي منه.

كنت احاول الاتصال بأخي ذاك او اختي وأنا لا اعلم حينها جنسه لأتمتم له رفضي لتبنيه، كون له ابا افضل من اخاه الطفل هذا سيعود حتما من حقل البرتقال يوما ما ليجعلنا كلانا نضرم نار السعادة لتدفئنا للأبد بكل اخلاص.

لم يكن جديرا بي ان استحوذ على مكان ابي في ذلك السن، فانا الاخر كانت بداخلي حاجة ماسة لحضنه و كنت لا اشجع نفسي على شعور كهذا، فالأمر كان شبيها بنذير شؤم قد يجعل ابي يتوه في حقل البرتقال و يرحل عنا للأبد، و لذلك كنت ابعد تلك الارواح الشريرة التي كانت توسوس لي بذلك درئا لأي مكروه قد يحل بنا، و يختفي ابي في زوبعة فنجان.

لا يا عزيزي لا تفكر ابدا في اني اباك بل انا شقيقك الذي سيقسم لك من روحه ان اقتضى الامر، و يهدي لك قلبه و عيونه بكل كرم، لكن من مكاني كأخ و ليس كاب فلست يتيما، فستولد ابنا لأروع اب في العالم و لن تكون سوى راضيا عنه.

كنت ابقى مطولا غافيا على بطن امي و كأنها حامل بتوأمين، فمن جهة كنت اشتم حنانها هي الاخرى و ارافق نظراتها، و هي سارحة في مخيالها تفكر في ابي،و كنت اسافر من خلالهما لتلك النقطة البعيدة في خيالها و كأني اسمع كل نبضاته، و الجنين هو الاخر يرسم لنا صورة من مكانه المظلم ذاك، يرتشف بعض الحياة معنا في اول مرحلة من صناعة الخيال التي يمر منها الانسان لترافقه في حياته، تلك النعمة الرائعة لتنسيه واقعه في احلك الظروف التي قد يمر عليها كمسكن للألم يولد معنا ليمنعنا الموت في كل لحظة نتمنى فيها بعمق الانتهاء.

في الحقيقة لا اعلم ان كان الخيال فعلا نعمة، لست متأكدا من ذاك بل ذاك من يقاربه من الشك، ان الخيال قد يكون في بعض الاحيان خدعة الحياة لتجعلنا نواصل التجديف الى ابعد نقطة من الالم دون وعي منا كتخدير موضوعي ينسينا الوجع، و لكنه لا يمنع كدماته من الحاق الضرر بنا، و لا لجروحنا ان تنضب بل في غالب الاحيان. يدفعنا الخيال لكي نتخضب بالألم اكثر و عندما نستفيق نكون قد نسينا الطريق و ينقطع عنا السلام الى لا رجعة.

او ربما الخيال ليس بذلك البشاعة، ربما هو ملاك يزورنا و يحملنا معه الى عالم اخر ليكفر لنا عما ارتكبه القدر فينا من جرائم و مجازر، فنسافر معه الى تلك النقاط المخبئة فينا، فيجعلنا نربط بينها و بين ما يختلجنا من مشاعر حزينة و بين ما نخبئه من مشاعر سعيدة و مهجورة، فنجد مربط الفرس في ذاك فنفر معه الى هناك كلما اقتضت الحاجة اليه سبيلا .

و كانت الحمامات دائما تزور نافذة غرفتي توقظني كل صباح فيما يشبه ترنيمة سمائية، تطفو على مسامعي كقبلة إلاهية، تنقص على المي و لوعة الفراق، و انا استحضر قبل ابي الصباحية في كل هديل حمام، يربت على الوجود ليرسم لوحة اقل بشاعة عن الحقيقة، ترافقها صوت اجنحتها و هي ترفرف بعيدا تذكرني بان كل شيء يمضي في الحياة، حتى تلك الاوقات التعيسة فيتشعب فيا الامل من جديد كجدول ماء صافي يعيد لتراب الانسان الذي احمله بجسدي بعض الروح و السلام.

امي لزالت تقاوم لكي تخبئ حزنها بأوصالها، لكي لا تشعرني بالغربة اكثر في ذلك البيت الذي اصبح يبدو كابوسا، لولا ان امي ممثلة ماهرة استطاعت في بعض الاحيان ان تمده ببعض اللطافة مما كان يجعل الفرح يسترق النظر احيانا على مكب النفايات الشعورية التي كنا نعيشه، فأمي على الرغم من كل شيء لم تنسى عيد ميلادي السادس وضعت قالب الحلوى الذي صنعته بنفسها، و وضعنا القبعات الطويلة انا و هي، و على الرغم من كرهي للقبعات الا اني ارتديتها احتفاءا بابي، و وضعت قبعتين على كرسيين فارغين امامنا في الطاولة، الاول تكريسا للغائب، و الثاني تنبؤا للقادم الصغير. غنت امي بصوتها بقوة عشرين صوت ( جوايوزاني فاغساغ ) اغنية عيد الميلاد، و غنيت معها و انا اتبع نبرات صوتها، و كنت سعيدا برؤيتها تبتسم و تغني، و تمنيت امنية قبل ان أطفئ الشموع و امنيتي كانت ببساطة ان يعود ابي من حقل البرتقال، ملأت جسمي بالهواء كما لم افعل من قبل و أطفأت تلك الشموع و كأني اضمر غضبي فيها كأي اعصار يجسد غضب الطبيعة، و لكي تصل بسرعة الى السماء و ينتهي كابوسنا و تحل الشمس ثانية على وادينا البارد هذا، فيعود ورد الربيع فيها يسبح في امواج الشمس ثانية و الى الابد.

اقترب انيني الداخلي على الانفجار لم يكن بمقدوري ان اقاوم اكثر، و حالتي مع اطفال الحي لم تعد ذاتها الحالة السابقة، حيث كنت الولد البشوش الضاحك الذي يحب اللعب من الصباح الى ان تغرب الشمس، الا اني في حالتي الجديدة اصبحت اتشاجر كل لحظة مع احد الفتية لأتفه الاسباب، محاولا اخراج تلك النقطة الجافة من داخلي التي لم يعد بمقدوري تحملها اكثر، و حتى دراجتي التي لطالما احببتها اصبحت تمثل لي تابوتا يقترب من تفتيت كياني و هي تذكرني بفراق ابي المطبوع في كل اجزائها برائحته، و كانت بنفس الطريقة ملجأ لي فلطالما كنت اعانقها او اقبل عجلاتها لا لشيء سوى لان ابي قد علمني قيادتها، و قد لامست يديه مقودها. و كل شيء غدا من حولي مقبرة للحياة، و الملل اصبح روتينا يوميا يزهق طفولتي في اول سنواتها، و لم يتسنى الوقت لي حتى ان امارسها كباقي الاطفال فلم اعد سوى كتلة صغيرة لإنسان فقد انطلاقته من الوثبة الاولى، و غدا ريشة تتخطفها انفاس الالهة، و تحملها ريحها من مكان لمكان دون استئذان، و توسعت بؤرة الضباب بداخلي، و بعد كل تلك الشهور من الغياب التي مزقت روحي بكيت لأول مرة في صدر امي شهقا دون ان اخبرها سبب بكائي، و همت هي بالبكاء معي دون سابق انذار، و بكينا مع بعض و قد وصلنا الى سقف العالم حزنا، و قد زرع الاشتياق نفسه فينا حتى غدنا اشتياقا بشريا يجسد الاحساس ذاك و لم يعد لنا اي طريقة حرة لنكتمها بداخلنا اكثر و تصرفت الدموع بذاتها و ولجت بكل استقلالية عنا الى العالم الخارجي تخرج القليل من الحزن الذي فينا الى عالم الحقيقة .

و في صباح باكر ليوم مشمش، سمعت امي تصرخ ضاحكة بقوة فاقشعر بدني و تشوك جلدي، و الفكرة الاولى التي راودتني هي عودة ابي الى البيت، نهضت من مكاني بكل فرح و انا لا ارتدي سوى ملابسي الداخلية التحتية، و رحت اجري صوب الباب إلا اني لم اجد احدا هناك، بينما امي لزالت تضحك باستمرار مخيف و مربك رحت ابحث عنها في كل مكان، و لا اعلم لما لم ابحث عنها في غرفتها من البداية و لكني وجدتها هناك و هي تقول لي: ( اني الد جان اني الد ) .

امتزجت المشاعر بداخلي و لم اعرف شكل الاحساس الذي كان يتملكني ذلك الوقت، فمن جهة قد كان الامر خيبة كبيرة للأمل إذ لم اجد ابي امام الباب، و في نفس الوقت شعرت بالخوف فانا لم احضر بنفسي ولادة في حياتي،و لم اكن اعرف ماذا افعل نهائيا. لقد تملكتني الصدمة و امي تصرخ احيانا ( جان ساعدني، اني الد) ثم تختم صراخها بضحك هيستيري.

لقد كان ضحكها يربكني اكثر من امر الولادة، قالت لي امي ان امد يدي الى مهبلها و ان اساعدها في اخراج الجنين، لم اعرف اصلا ما معنى مهبل، لقد كان الامر مقززا جدا و لكني واصلت فيه، لم تكن لدي حيلة فقد كنت مسؤولا في تلك اللحظة على ولادتها، و لم يكن بمقدورنا ان نقوم بشيء اخر فقد دقت ساعة ولادتها الان، الان فقط ولا يقبل الامر اي تفويت.

مددت يدي الى داخلها و انا احاول مساعدتها في سحب اخي او اختي، و لمست راس الجنين و هي تدفعه خارجا، و تصرخ و تضحك، و احسست بوخزات في رجلي و لم يعد بمقدورهما ان يحملا جسدي اكثر من ذلك، و لكن ثبتهما على الارض كمرساة ثقيلة و حملت نفسي عليهما لأجل امي، فلم يكن بمقدوري ان اتركها تعاني لوحدها هناك.

تصببت عرقا و الما، و كأني انا من يلد و ليست امي من يفعل ذلك، كنت اصرخ معها و احاول سحبه اكثر، و هي تشد على السرير و تنادي ابي بأعلى صوتها، و كنت انا هناك اسحب الجنين و شكل امي المخيف يربكني اكثر، ترددت اكثر من مرة على سحبه و لكني كنت اواصل.

بدا مهبل امي يتسع في يدي، اذ راس اخي يخرج للحياة و تدفق باقي الجسد فيهما و انساب كحمم البركان، و ملمسه اللزج يقراني بتوتر ينسيني نفسي و احلامي و كل شيء، و صرخ الكائن الحي بقوة في وجهي فخفت ان اكون قد المته فبكيت و قلت لأمي ( امي، امي انا خائف.)، صاحت امي في وجهي ( هات المقص ) ، لم افهم جيدا ما قالته و بقيت أتأملها كالفزاعة، قالت هي ثانية ( المقص هات المقص، انه هناك في علبة الخيط ).

رحت اجري صوب العلبة و افرغتها رأسا على عقب، و بينما المقص كان كبيرا و باديا إلا اني رحت اخلط الابر بحثا عنه، الى ان اصطدمت يدي بالصدفة به و امسكته بين يدي، و اخذته الى امي التي قطعت الحبل الذي كان يتدلى منه و قالت لي بصوت رطب:( لديك اخت الان جان بيار. )

عدت الى حالتي الطفولية العادية ثانية، و اغرورقت عيناي بالدموع و سالت امي: (لدي اخت؟ ) فردت هي و تبتسم في ان واحد: ( نعم اخت و انظر كم هي جميلة تشبهك كثيرا. ) رحت المحها و المح امي ثانية دون ان اصدر اي صوت، و كأني اصلي و وضعت شمعة بداخلي لكي لا ترى اختي على افقي الظلام، استسلمت لها و تركتها تتشعب بداخلي كفيض من الاحاسيس، شعرت بكهرباء تسترق النبضات من قلبي الذي اصبح يخفق في كل مكان في جسمي، و انا ألاحظ وجهها الصغير يمزق ذاكرتي، و يطبع نفسه داخلها، و كأنني اعرفها منذ مليون عام حيث تربت مشاعر حب كبيرة اتجاهها بطريقة سريعة لم اعهدها من قبل .

لقد كان لأختي من يومها مكانا كبيرا في كياني و حياتي و كيف لا و انا من اخرجها للحياة من اعمق نقطة في فرج امي في هذا السن امي قالت لي حينها ان دور الطبيب يليق بي و لذلك كبرت احلامي من يومها على اصبح طبيبا يوما ما.

امي اعطتني الحرية ان اختار لاختي اسما، فانا من ساعدها على الولادة و قد قاسمتها معاناتها، و انا في هذا السن الصغير حيث ارادت تشريفي بهذا الدور البسيط لها و العظيم بالنسبة لي، حيث كان اعظم حتى من مساعدتها على الولادة فان يولد الانسان فهو لا يفعل ذلك إلا مرة واحدة، اما ان اختار له اسما فسيبقى هذا الاخير مطبوعا فيه الى ان يموت، و مع ذلك فاني لم استغرق وقتا طويلا لاختار لها اسما بل تفوهت به مباشرة، فيما كان يبدو عليها وجهها السكري الطعم و اللون و الشكل، سكت لبرهة واحدة فقط ثم نطقت اسمها و كان ( ايلين ) بكل بساطة، و منذ تلك اللحظة اصبحت الين مهجتنا و اكسجين البيت و دفئه.

كانت زيارات الجيران لإلين طفيفة جدا، و كان هذه المواطنة الفرنسية لم تملا عيونهم، و لكني لم اكن ارى في الامر شيئا سيئا، اصلا كنت ارى في استقبالهم مضيعة للوقت لذلك لم اعرهم اي اهتمام و واصلت حبي لإلين.

اختي كانت تشبهني كثيرا، و على عكسي فتحت عيناها من اليوم الاول،كانت كثيرة الرضاعة و كثيرة التغوط كذلك، مما كان يدفعنا الى تغيير حفاظاتها كل مرة، و في الحقيقة الحفاظات في ذلك الوقت لم تكن بنفس التطور الذي هي عليه الان، حيث لم تكن الحفاظات في زماننا ذاك سوى قطعة نيلون و مجموعة من الاقمشة و بعض المرطبات، و في غالب الاحيان كانت تترك اختي بنصفها الاسفل عاري بسبب الحساسيات الجلدية التي كانت تسببها تلك الحفاظات .

كم كانت تعجبني عندما كنت اضنها تحمر خجلا لأجلي بينما هي كانت تحمر من شدة عصرها لنفسها اثناء التغوط، لقد كان شكل برازها جميلا جدا،احيانا كان يخرج منها بأشكال غريبة اصفرا احيانا، و احيانا اخضرا، و احيانا تتخلله بعض القطع الحمراء كالياقوت و المرجان.

كل شيء فيها كان يعجبني حتى اقذر الاشياء كانت جميلة جدا، انها نعمة الاخوة الكبيرة ان تشعر ان هناك انسان اخر نبت في نفس الرحم، و خرج من نفس المهبل لكي يزاحمك في مكان في العائلة، و يشتم معك نفس الهواء بصدر مختلف.

في الحقيقة قبل تلك التجربة لم اكن اعرف ان الانسان يأتي للعالم بهذه الطريقة التي كانت بدورها تبدوا قذرة في البداية، و لكنها اصبحت تمثل لي احد اجمل المشاهد التي لامستها في حياتي، فقد كنت اظن في البداية ان الحياة صنعت بشكل الذي نعيشه، ابي خلق ابا لي و امي كذلك، و انا وجدت طفلهما،و العالم كل في دوره كأشخاص في لوحة زيتية رسموا كما هم في اعمارهم البادية دون ان يكبروا او ان يولدوا او شيء من هذا القبيل او ذاك، و لكني بعدما سحبت اختي الصغيرة من مهبل امي سحبت معها فكرة جديدة عن الحياة، و عن وضاعتها، و عن حقيقتنا البشرية التي يجب ان نخجل منها كل لحظة نحاول فيها ان نتكبر او ان نترفع عن الاخرين .

ولدت اختي في الخامس من افريل من برج الحمل، حيث كانت تمثل البداية و الحياة، بينما انا ولدت من البداية حوتا، و كأني اولد من النهاية حيث امثل الموت و الابد، و كان الامر باديا في وجهها الذي يفتح شهية الناظر اليها ليسبح مدى الحياة في شلال متدفق على ارض متعطشة للتنفس تبلع الاحزان، و تخرج من املاحها ورودا للفرحة و تألق .

اما انا فكان نهر الغانج يتدفق من وجهي بما يبعث خليطا غير مفهوم من الحزن و الفرحة، و صداما الاهيا بين الحكمة و السذاجة، و ازمة فريدة من نوعها تعكس صورة الغول في عيني، بينما تخبئ بداخلها الملاك الذي قد يخرج في اي لحظة ليحمل السماء عني و يريحني من مشاكل العالم التي تخطها ابجديات الفلسفة العميقة عندي، كلما ارتسمت على عيني لحظات بؤس الاخر فتتقزم كل المعاني دفعة واحدة، و تغدوا الحياة كل مرة واحدة و للأبد تافهة جدا ولا تستحق ان تعاش.

شهرين كانت ترسم فيهما اختي في البيت ابتسامة كنا فقدناها بسبب غياب ابي، ابي الذي كنت اراه في عينا اختي البريئتين، و الذي تمنيت بقوة عودته الينا لأحضنه مجددا، و اهديها طفلته التي اصطدتها بنفسي من داخل امي كعربون محبة له و للعائلة.

و في يوم ربيعي بائس تعيس و بارد كالصقيع تجمد بيتنا على خبر وقع علينا كما تقع اعتى ناطحات السحاب، لازلت اتذكر ذلك اليوم جيدا و سيبقى دائما محفور في غياهب ذاكرتي اللعينة التي يبدو انها لا تنسى شيء على الاطلاق.

كنت واقفا بالمقربة من الباب و انا احمل احد العابي مستعدا لألاعب بها اختي الصغيرة الين، و اذا بطرق قوي على الباب رميت لعبتي و رحت اجري صوبها لأفتحها، و لكن امي خرجت من المطبخ بسرعة و صرخت في وجهي ان لا افعل. اتجهت صوب الباب و هي تمسح يديها على مئزر الطبخ و سالت قبل ان تفتح الباب من الطارق، فإذا بصوت خشن يخبرها انه من الجيش الفرنسي، فتحت امي الباب بسرعة و كلها لهفة، فاذا بشاب صغير السن تبدو عليه بعض الجروح يمد يده اليها و يعطيها خاتم ابي و سلسلته و قال لها بصوت دافيء لا يشبه صوته الاول: ( لقد كان ميشال يحبكم فعلا، و لكن القدر اختار ليجمعه مع احبائه في السماء ميشال رحل عنا في الحرب.)

اغمي على امي في الباب، و حملها الشاب الى البيت، و احضرت لها كأسا من الماء و بعض الليمون. في الحقيقة لم اكن اعرف ما معنى تلك الكلمات التي قالها و لكني كنت انتظر امي لتصحى لتخبرني اياها، لقد كانت يدي ترتعش و كأنها تحاول الفرار مني عانقت امي بقوة و ترجوتها ان تصحى.

فتحت امي عيناها رويدا، رويدا و لم تبدي اي حركة. بقيت ساكنة كالتمثال، وقف الشاب و قدم لها تحية عسكرية ثم قال لها بلكنة قوية ثانية : (سأتركك الان سيدتي اتمنى ان تتجاوزي محنتك الوداع .)

رحت اسالها راجيا منها ان تحادثني و لكنها بقيت ساكنة، ثم راحت دموعها تنسكب من عينيها بغزارة دون ان ترمش او ان تحرك ساكنا، لقد كانت كالبلهاء و كأنها لا تعرف شيئا البتة، رأيت فيها رجل الثلج بجموده و ذوبانه في دموعها، و رأيت على وجهها عباد الشمس الذي تثقل رأسها حباته السوداء فيغدو راكعا للسماء بعد ان تشبث بشعاعها، و حيث ما كان يختلج صدرها كان اكبر من ان تعبر عن على شاكلة لغة، ثبتت عيناها في نقطة واحدة و كان عقلها قد انصرف عنها الى مجاري النسيان الكلي محو كلي و لكل شيء.

قلت لها بصوت خائف: ( امي، امي ارجوك اخبريني الى اين رحل ابي؟ هل غير حقل البرتقال؟ متى سيعود ابي؟ و عن اي حرب كان يتكلم؟ ارجوك، ارجوك امي اخبريني هل سيعود الينا من حقل البرتقال )

تأملتني امي و الحزن يرسم على محياها صورة بشعة، عن حياة ضبابية ليس لها اي معنى، تأملتني و كأنها تعرفني غريزيا فقط، و قالت لي بهدوء تام: ( بابا لن يعود ابدا من حقل البرتقال، جان بيار و لكننا يوم ما سنسافر اليه هناك.)

لم يكفني جوابها ذاك بكيت في صدرها و طلبت منها بإلحاح ان نسافر اليه الان، و لكنها لم تجبني عادت لسكونها ثانية بكل احتقار لكل شيء من حولها.

في الحقيقة ابي كان قد استشهد في الحرب ضد المانيا، و لكن امي لم تكن تريد ان تجرحني بذلك الخبر المشؤوم، و لكني تمنيت بقوة ان اسافر في تلك الايام السوداء لجنازة ابي الشكلية، الى حقل البرتقال، حتى اني سالت الحافلات و كل سيارات التاكسي عن هذا الحقل لكن دون جدوى، احسست في ذلك الوقت اني قد افلت اصبع ابي من يدي الى الابد .

في الحقيقة وفاة ابي تركت في حياتي بصمتها، فانا لم اكن قد رسمت وعيا كافيا في ذلك الوقت يمكنني من نسج علاقتي مع المجتمع او الاخر، فأبي كان حلقة مهمة لي في ذلك و الاكيد ان فقدانه كان امرا بشعا جدا لم اكن لأتوقعه ابدا في ذلك السن، و لكني ما زلت احمل ذكرى عميقة و طيبة عنه، الاكيد ان مروره في حياتي و لو كان قصيرا إلا انه كان كافيا برسم لوحة كاملة المعنى عن المفاهيم الانسانية العادية، و عن الجماليات التي ستبقى دائما مدرسة لي في الحياة، و اكثر ما كان مؤسفا في الامر هو ان تعيش اختي الين طيلة حياتها دون ان تشم رائحة اباها او تعانقه.

و بعد كل هذه السنين حملت رسم الملاك ذاك الذي كنت جعلته يعيش مكبلا بالأغلال طيلة تلك السنوات، و طلبت من اهل البيت ان يعطوني ممحى و على الرغم من طلباتي الغريبة تلك إلا ان اهل البيت كانوا يحققون كل رغباتي الشاذة تلك، و مسحت لأول مرة تلك الاغلال عن الملاك و تركته حرا، و رسمت له ابتسامة على وجهه فانا و بعد كل هذه السنين لا اعلم ان كنت سأعيش اكثر ولذلك سأضمن له على الاقل حريته قبل موتي.