٣
كان فيليبون قد عاد من الصيد، ودخل القصر منذ حين دون أن ينتبه إليه أحد من الخدم، فسار اتفاقًا إلى السطح الذي كان يلعب الطفل عليه.
وكان الظلام قد أقبل، فلم يسر بضع خطوات حتى عثرت رجله بألعوبة الطفل، وهي فرس صغير من الخشب، فتحقَّق منها وجود الولد؛ لأنه لا يفارق ألعوبته، وبينما هو يبحث عنه إذ سمع غطيطًا خفيفًا، فسار إليه فرأى الطفل نائمًا بقرب حصانه الخشبي وقد تعب من اللعب.
وكان فيليبون قد صرف جميع ساعات النهار في العزلة، يجهد الفكرة لتمكنه من حيلة يلقي بها الطفل في شراك الموت طمعًا بأمواله وتشفيًا من أمه، فلم يهتدِ إلى سبيل، ولم يُفتَح له باب، فلما رآه راقدًا على السطح أيقن بالفوز والظفر بأمنيته، فأخذ الطفل بين يديه، ونظر إلى الجهات الأربع نظرة السارق يحاذر رقيبًا، ثم ألقى به إلى البحر، ووقف في الرواق يراقب سقوطه بعينين تتوقدان بنار ذلك القلب الفظ الأثيم، فهوى الطفل إلى البحر، واحتجب عن مرآه بين الأمواج، فكان كفنه الأبيض ذلك العَجَاج المتلاطم.
ثم وقف بعد ذلك يبتسم ابتسام المنتصر، وهو يقول في نفسه: قد بلغتُ ما أردتُ؛ فإن تلك الثروة العظيمة ستكون لابني من بعدي ولا دليل على جرمي، فإن ما يتبادر إلى الذهن هو أن الولد قد هوى إلى البحر من نفسه ولا بد لي في ذلك، ولم يرني أحد عند دخولي فلا خوف عليَّ من التهمة. ثم لبث برهةً ساهي الطرف بغير حراك إلى أن عاد إليه هدوءه وسكونه، فدخل إلى غرفة امرأته، وكان ما كان من محادثتهما.
أما امرأته، فكانت قد أقلقَتْ بصياحها القصرَ وساكنيه، فشُغِلوا جميعهم في البحث عن أرمان، يجولون من مكان إلى آخَر، وهي تبكي بكاء الخنساء، وتنادي ولدها بصوت متقطع يذيب قلب الجماد، كل ذلك وفيليبون يسير في إثرها وهو يتكلَّف الحزن ويتظاهر بالقلق، وما زالوا كذلك إلى أن عاد إليهم أحد الخدم وبيده قبعة الطفل وألعوبته، فلما رآهما فيليبون أظهر الاضطراب، وقال: وا أسفاه! إني أخشى أن يكون قد سقط إلى البحر. فوهت قوى امرأته لخوفها من هذا القول، وسقطت على كرسيها وهي توشك أن يغمى عليها من الإشفاق، فبينما الخدم يحيطون بها وفيليبون يحاول أن يطمئنها ويسكن روعها، إذ دخل رجل غريب ووقف في الباب ينظر إلى فيليبون نظرةَ العظمة والاحتقار، فلم يكد فيليبون يتبيَّن وجهه حتى رجع وجلًا إلى الوراء منذعرًا، كأن الصاعقة قد انقضت عليه، واتَّكَأ على الحائط كأن رجليه قد ضعفتا عن حمله.