الفصل الخامس
معتقل الأحلام !
عمت الفرحة جميع المعتقلين فى سجن القلعة عندما سرت شائعة بأننا سننقل جميعاً إلى معتقل الفيوم . وسر الفرحة أن سجن القلعة سجن كئيب وهو من مخلفات العصور الوسطى ، وليس فيه حوش للفسحة ، ولكن مجرد ممر للإنتقال بين الزنازين لا تشاهد فيه إلا حيطان وزفت وأبواب خشبية مطعمة بالحديد.
الصفحة 46
الصفحة خالية
الصفحة 47
ويبدو أن هذا الواقع المؤلم المرير دفع البعض إلي التحليق بعيدًا ، فتصوروا أن معتقلا في الفيوم لا بد أن يكتسب شيئًا من صفات الفيوم ، وشطح البعض بعيدًا فزعم أن معتقل الفيوم علي شاطئ بحيرة يسبح فيه البط وعامرة بكل أنواع الأسماك ، ومسموح للمعتقلين بالصيد وبالسباحة أيضًا . وصدق العبد لله الأكذوبة الكبيرة ، فرحت أعد العدة لتكوين فريق كرة قدم أخوض به مباريات الهول ضد الفرق الأخرى ، ولكي أجعل من الكورة سكينًا لقتل الوقت . ولكن فرحتي لم تدم طويلا ، فسرعان ما تبددت في المساء عندما ناقشنا الأمر داخل الزنزانة ، ورحت أستعرض أمام زملاء الزنزانة الجنية الموعودة في معتقل الفيوم ، حيث يقوم المتعهد بتوريد المواد الأولية من لحم وخضار وفاكهة ونقوم نحن بطهي الطعام بأنفسنا ، ودق لحم متبل وطواجن محوجة وفتة بالكوارع وملوخية بالأرانب وفول مدمس مهروس في زيت الزيتون . وسرح الفريد فرج في الجنة الموعودة ثم قال : - لو كده .. الواحد يقعد ويكتب مسرحية ، وعلق فتحي خليل قائلا : ما اعتقدش فيه معتقل بالشكل ده . وقضى عمر رشدي علي كل أمل في وجود معتقل من هذا النوع ، وكانت شهادته فوق كل شهادة ، لأنه زبون قديم لجميع السجون والمعتقلات . قال العجوز عمر رشدي : السجن اللي انتوا فيه ده ، هو أحسن سجن هاتشوفوه في الحبسة
الصفحة 48
كلها ، وأي انتقال من سجن إلي آخر معناه انحدار في المستوى وفي المعاملة ، وإذا ذهبت إلي معتقل الفيوم ، فستبكي دمًا علي الأيام التي قضيتها هنا ..
ولزمت الصمت بعد تعليق عمر رشدي ، وقضيت ليلة مضطربة ، فقد انتابتني حالة من القلق والإحباط . ولكن رأي عمر رشدي لم يقض تمامًا علي الشائعة ، لأنني استمعت إليها من أكثر من واحد في أنحاء السجن في صباح اليوم التالي ، وأضاف البعض أن في معتقل الفيوم صالة للألعاب الرياضية وملعبًا لكرة القدم ومستشفى صغيرًا لعلاج المعتقلين ..
وتمزقت أحلام العبد لله بين عمر رشدي وأحلام المعتقلين . وفجأة وبعد الظهر بقليل دخل السجن الرائد فوزي مدير المعتقل وبصحبته ضابط آخر بالملابس المدنية ، وأمرا المعتقلين جميعًا بالاصطفاف في طابور ، وألقى الضابط الزائر كلمة قصيرة ، قال فيها : إن الدولة قررت أن تمنح كلا منكم فرصة لتوضيح موقفه السياسي تمهيدًا لتصفية المعتقل ، ولذلك سنسمح لكل منكم أو لمن يطلب ذلك بمقابلة أي مسئول في الدولة يكون علي صلة به في الماضي . ومر الضابط بين الصفوف حاملا ورقة وقلمًا وراح يسأل كل معتقل عن المسئول الذي يريد مقابلته ، البعض قال إنه يريد مقابلة عبد الناصر ، والبعض ذكر اسم حسين الشافعي وأنور السادات وزكريا محيي الدين ، وعندما جاء دور العبد لله طلبت مقابلة النائب الأول لرئيس الجمهورية العربية المتحدة .. أكرم الحوراني . أما سر اختيار أكرم الحوراني بالذات فلأنني تعرفت به عندما أقمت في سوريا فترة من الزمان مندوبًا لجريدة الجمهورية ، وكنت لدواعي العمل قد أصبحت علي صلة بكل زعماء سوريا ، خصوصًا أكرم الحوراني وصلاح البيطار وعبد الغني قنوت ومصطفى حمدون وأحمد جنيدي وعبد الحميد السراج وعفيف البزري ، والوحيد الذي لم أستطع هضمه أو الاقتراب منه هو المرحوم ميشيل عفلق ، فقد كان أغلب الوقت نائمًا علي روحه ، إذا تكلم فكأنه يتكلم من تحت الماء . ولكن إعجابي بأكرم الحوراني كان بلا حدود ، شدتني إليه واقعيته الشديدة وعناده واستعداده للنضال في سبيل
الصفحة 49
ما يؤمن به حتى آخر لحظة في العمر ، ومن فرط إعجابي به أطلقت اسمه علي اسم ابني الوحيد أكرم . وظلت الصلة بيني وبين أكرم الحوراني مستمرة حتى بعد أن جاء للقاهرة وأصبح النائب الأول لرئيس الجمهورية . وأذكر في أول لقاء بيني وبينه في شقته الصغيرة المطلة علي نادي الجزيرة قال للعبد لله وهو يرعش حاجبيه من شدة الدهشة : إيش هدا الحال يا أخ محمود ؟ الجماعة أصحابك ها دول ما فيهم غير جمال عبد الناصر ، الباقين لا بيعرفوا سياسة ولا بيفهموا في السياسة ولا بيشتغلوا في السياسة ، ها دول عسكر وبس ..
وكان أكرم الحوراني يقصد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر . وفي آخر مقابلة تمت بيني وبينه قبل اعتقالي بأيام ، كان يبدو شديد القلق وشديد الحزن أيضًا . وأغلب الظن أنه كان يشعر بقرب انهيار التحالف بين البعث وعبد الناصر .
المهم أنني طلبت مقابلة أكرم الحوراني ، وعندما جاء الدور علي عمر رشدي طلب مقابلة العقيد حسن المصيلحي رئيس مكتب مكافحة الشيوعية بإدارة المباحث العامة . واستهزأ العبد لله بعمر رشدي والطلب الذي طلبه ، فمن يكون حسن المصيلحي ؟ وماذا يستطيع أن يفعله بالمقارنة بالكبار الذين طلب بقية المعتقلين لقاءهم ؟ ولم تنقض أكثر من 48 ساعة حتى جاء قائد المعتقل وطلب من عمر رشدي أن يستعد لمقابلة المسئول الذي طلب مقابلته ، وارتدى عمر رشدي ملابسه وجلس ينتظر حتى جاءت سيارة في الساعة السابعة مساء ، وذهبت به إلي إدارة المباحث العامة ، ولم يعد من هناك إلا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل . وعندما دخل علينا الزنزانة استقبلناه بشوق كبير ورحنا نمطره بالأسئلة ، ولكن عمر رشدي لم يشف غليلنا ، قال إنه ذهب إلي إدارة المباحث والتقى بالعقيد حسن المصيلحي ، وأكد له أنه ترك الحركة الشيوعية منذ فترة طويلة وأنه قطع صلته نهائيًا بالشيوعيين ، وأنه لا يعرف جدوى اعتقاله وهو لم يشارك في أي عمل سياسي منظم ضد الدولة . وقال أيضًا : أن حسن المصيلحي وعده خيرًا ، ولم يضف حرفًا واحدًا بعد ذلك .
الصفحة 50
وانتظرنا أن تستدعينا الشرطة لمقابلة المسئولين الكبار الذين طلبنا لقاهم ، ولكن الأيام راحت تمضي تباعًا .. ولا حس ولا خبر ، ثم جاء من استدعى عمر رشدي فحمل أمتعته وغادر الزنزانة والمعتقل ومضى . ولم نعرف إلي أين مضى إلا بعد أسبوع من ذهابه ، عرفنا أنهم أفرجوا عنه علي الفور ، وأنه يجلس كل مساء علي قهوة ايزافيتش بميدان التحرير كما اعتاد من قبل . وبدأ الملل يتسلل إلي جميع المعتقلين ، فالأيام خلف الأسوار متشابهة ومتكررة ، وبدأت سلسلة من الخناقات الصغيرة بين المعتقلين علي أشياء تافهة ، ثم بدأ التناحر بين التنظيمات الشيوعية علي تجنيد المعتقلين الذين ليس لهم في الطور ولا في الطحين . وكانت عملية مضحكة للغاية ، لأن بعض الأعضاء الجدد كانوا يدخلون الحزب الشيوعي في المساء لينفصلوا عنه في الصباح ، ولينضموا بعد الظهر لتنظيم " حدتو " أو تنظيم " ط / ش " ، أو تنظيم " و / ش " ، وللأسف الشديد كانت حركة الانتقالات تتم أحيانًا طبقًا لكمية السجائر التي يصرفها كل تنظيم لأعضائه المنتمين !
ولجأ بعض المتهمين الشيوعيين إلي أساليب تعلموها من المجرمين الذين تعرفوا بهم في مختلف سجون مصر ، وكان أحدهم قد تم نقله إلي مستشفى قصر العيني بعد أن ارتفعت حرارته إلي 42 درجة ، ثم أعادوه في اليوم التالي إلي السجن بعد أن اكتشفوا أن الحرارة المرتفعة كانت نتيجة وجبة من الحلاوة الطحينية المخلوطة بالشطة !
وكان قد مضى علينا شهر بأكمله خلف أسوار سجن القلعة ، وكان شهر رمضان قد ولى ومضى العيد أيضًا ، وازدادت ليالينا في السجن مللا وظلاما ، وكنا خلال شهر رمضان نستمع إلي الحفلات الفنية والدينية التي تذيعها ميكروفونات تبث من حي القلعة ، وذات أمسية من أمسيات رمضان المبارك ، استمعت إلي صوت الشيخ مصطفى إسماعيل يلعلع عبر الميكروفونات ، وبكيت في تلك الليلة لأن الجدران الصماء والقضبان التي علاها الصدأ تحول بيني وبين صوت الشيخ مصطفى إسماعيل الذي أعشقه . وكم من ليلة تعقبته فيها وسافرت خلفه من القاهرة إلي طنطا ،
الصفحة 51
وأحيانًا إلي دسوق ، كما تعقبته في داخل القاهرة من بولاق إلي سيدنا الحسين إلي السيدة نفيسة إلي جامع الأزهر حيث كان يقرأ السورة في صلاة الجمعة . ولم أكن وحدي الذي أتعقبه ، ولكنها كانت شلة كبيرة ، من بينها الفنان الكبير صلاح منصور ، والقارئ المصري السوداني الشيخ مهدي الذي كان يومًا ما من سميعة الشيخ علي محمود ، ثم أصبح مجنونًا بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل ، ولم يترك حفلا للشيخ مصطفى إسماعيل لم يحضره .
وذات مساء أكلنا علقة في حفل ديني كانت تقيمه إحدى الطرق الصوفية في مسجد بولاق ، أعتقد أنه مسجد الخادم ، أو شيء من هذا القبيل . وكنا قد ذهبنا مبكرين لكي نضمن مكانًا بجوار الدكة التي سيجلس عليها الشيخ مصطفى ، ولكن بمرور الوقت صار المسجد يزدحم حتى ضاق بالناس عن آخره ، ومضت ساعتان ولم يحضر الشيخ حتى خيل إلينا أنه اعتذر عن عدم إحياء الحفل السنوي الكبير ، وفجأة هب رجل واقفًا وسط المسجد وصرخ صرخة مدوية .. الله حي .. الله حي ، وإذا بجميع من في المسجد يهب واقفًا .. الله حي .. الله حي ، وهم يتمايلون ذات اليمين وذات اليسار في سعادة تامة ونشوة بالغة ..
لم يبق في المسجد من يفترش الأرض إلي شلتنا ، وكان منظرنا غريبًا ومريبًا أيضًا ، فها نحن أولاء في قلب القعدة الصوفية ومع ذلك لزمنا أماكننا فلم ننهض ولم نتمايل ، وأدركنا أننا أكلنا مقلبًا فضحكنا . واعتبر البعض ضحكنا مؤامرة ضد الليلة المباركة ، فانهالوا علينا بالضرب . وحاولنا الفرار ، فاصطدمنا بالحلقات المضروبة بعضها فوق بعض ، وعندما تمكنا من اختراق الحصار والخروج من المسجد ، كنا قد أكلنا علقة ولا حرامي في مولد ، وأصبحنا حفاة بلا أحذية بعد أن تركناها على باب المسجد ولم نجرؤ علي التوقف لارتدائها من شدة الضرب وقسوته ، ووقفنا علي ناصية الشارع الذي يقع فيه المسجد وأعتقد أن اسمه شارع سليمان الخادم ، وأخيرًا جاء الشيخ مصطفى إسماعيل ، واصطحبنا معه إلي المسجد ، وأصبحنا محل حفاوة وتكريم الجميع . يا لها من أيام
الصفحة 52
جميلة مرت كالحلم ، فلم ندرك قيمتها إلا بعد أن أصبحنا أسرى وراء الأسوار.
علي العموم .. أصبحت الأيام ثقيلة في السجن وبطيئة وقاتلة ، إفطار وغداء وعشاء ، ومناقشات مكررة ومعادة ، واجترار حكايات واستعادة صور . وتمنيت ذات ليلة وأنا سارح في ملكوت الله لو كنت فلاحًا في بلدنا أسرح في الغيطان علي كيفي ، وأخوض في مياه الترع علي مزاجي ، وأنام في الوقت الذي أريده ، وأجالس من أختاره ، وأعيش حياتي عيشة الوحوش الكاسرة والطيور المهاجرة . ملعون أبو المدينة وملعون أبو السياسة ، وملعون أي نظام يأخذ الناس بالشبهات ويسجنهم بدون حكم من القاضي ..
حظنا المهبب أننا ولدنا في العالم الثالث بعد المائة . لا يوجد في أوروبا مثلا مواطن مسجون لأنه ضد سياسة تاتشر ، أو لأن وجهة نظره تختلف مع وجهة نظر ميتران ، لأن هناك كل مواطن له رأي ، وكل صاحب رأي محترم حتى لو كان رأيه يخالف رأي الحكومة . ولكن ما العمل والميلاد نفسه قسمة ونصيب ؟
وإذا كانت فرنسا ليست مسقط الرأس .. فالحمد لله علي كل حال لأننا ولدنا في القاهرة ، ولا أحد يدري ماذا كان يمكن أن يحدث لو كانت زائير هي مسقط الرأس أو شيلي أو بيرو أو كمبوديا ؟ علي أيه حال جاء الفرج ونفخ في النفير وأمرونا بالاستعداد للسفر إلي المعتقل الجديد ، في الفيوم .
والغريب أننا انتهينا من الاستعداد في السابعة مساء ، ولكننا لم نبدأ التحرك إلي السجن الجديد إلا في الثانية صباحًا .. وكانت رحلة بائسة وليلة مظلمة .. مازلت أذكرها كأنها حدثت بالأمس !
الصفحة 53