الفصل السابع

4 0 00

الفصل السابع

كان صباحا حارا شديد الرطوبة عندما بدأ الإضراب عن الطعام في معتقل الفيوم وقد جاء الأخ غطاس وأغلق جميع النوافذ حتي لا نري ما يدور في الخارج , وكان عنبر واحد هو الذي يقف في وش المدفع ولطفي الخولي بين المعتقلين في العنبر إياه . وكان لطفي قد أصبح شخصية مرموقة في المعتقل والمأمور يعمل له ألف حساب .

العنبر رقم " 4 " !

الصفحة رقم 64

صفحة خالية

الصفحة 65

والسبب أنه وسط هذا الجو الرهيب سمحت السلطات بزيارة لطفى الخولى ، وجاء بعض أقاربه واجتمعوا به فى حجرة المأمور ، وبالرغم من جهل المأمور الذى صعد من تحت السلاح ، إلا أنه أدرك بذكائه الفطرى أن لطفى شخصية ذات وزن ، ومن الأفضل اتقاء شره وعدم الاحتكاك به . وجاء المتعهد بالطعام ولكن مندوب عنبر واحد أعلن رفض الاستلام ، وأبلغ المامور بأن العنبر مضرب عن الطعام . وتصور المأمور أنه يتعامل مع مجموعة من مهربى المخدرات فوقف يهدد ويتوعد وقال فيما قال .. انه مفوض من فوق باتخاذ كل الاجراءات إلى حد ضرب النار فى المليان . ثم أمر العنبر بالخروج فخرج جميع المعتقلين على الفور . وكأنهم كانوا يستعدون منذ فترة لهذا الموقف الرهيب . وراح المأمور يكرر اسطوانته المشروخة ، وأنا عندى أوامر بالقتل ، واللى مش هياكل سأدفنه فى المعتقل .. إلى آخر هذا الكلام الهرش مخ . ثم قال بعد أن فقد صوته من شدة الحزق .. اللى مصر على الاضراب يأخذ خطوة قدام . وتقدم اثنى عشر معتقلا خطوة إلى الأمام وفوجىء المأمور بأن لطفى الخولى من بينهم ونظر المأمور إلى لطفى وقال .. بلاش انت يا أستاذ لطفى . ورد عليه لطفى الخولى .. وبلاش أنا ليه ؟ أنا أولهم ! وزفر المأمور زفرة حارة ثم شوح بيده ، وقال .. خلاص اتفضلوا خشوا جوه العنبر ، ثم راح يحجل فى اتجاه مكتبه ، واضطر إلى التنازل فوافق على اجراء حوار مع بعض المعتقلين لعرض شكواهم على البيه المأمور .

الصفحة 66

وكان هذا الحادث الصغير سببا فى انهيار نظام المعتقل ، صار الأمر فوضى . وتراخت الأيدىالتى كانت ممسكة بقوة على زمام الأمور ، لم يبق إلا العيسوى فى حالة اشمئناط دائمة ، وغطاس فى حالة البحث عن رشوة من أى مكان .

وبعد عدة أيام كبس المعتقل عدد من رجال المباحث العامة ، وراحوا يفتشون فى العنابر ويوجهون أسئلة إلى بعض المعتقلين وعندما دخلوا عنبر 3 حيث كان العبد لله يقيم ، راحوا ينظرون هنا وهناك ، وعندما اقتربوا من سريرى القوا نظرة تحته .. ثم سألنى الضابط .. إيه كل الحاجلت ده ؟ وقلت للضابط ببراءة شديدة .. دى الكوميونة . وقال الضابط فى براءة مصطنعة .. إيه الكوميونة ده ؟ وراح العبد لله يشرح للضابط مهمة الكوميونة وكيف أننا نوزع السجاير والفاكهة والأطعمة على الغلابة المعتقلين ، وبعد أن استمع الضابط وانشكح وسألنى عن اسمى ، وقام بتدوينه على ورق قبل ان ينصرف ، ومرت أيام قليلة ثم حضر إلى السجن مفتش المباحث بالفيوم وعدد من مساعديه واتجهوا إلى مكتب المأمور وغابوا فيه قليلا ثم عادوا من حيث أتوا ، ولكن المأمور اتجه نحو العنابر وفى يده كشف طويل ثم حدثت حركة وجلبة وضوضاء فى أنحاء العنابر التى دخلها المأمور ، ثم جاء إلى عنبر 3 وراح ينادى على أسماء وكان اسم العبد لله من بينها ..

اجتاحتنى نوبة شديدة من المشاعر والانفعالات هى خليط من الفرحة والخوف والقلق ، أخيرا بدأت المياه تتحرك فى البحيرة الراكدة وهذا الذى يحدث الآن قد يكون خيرا وقد يكون شرا ، ولكنه شىء مختلف على كل حال ، أخيرا فهمنا أن المقصود من هذه الحركة هو اجراء حركة تنقلات بين المعتقلين لأسباب أمنية .. هكذا قال حضرة المامور العليم ببواطن الأمور .. ووجدت نفسى أخيرا فى عنبر 4 مع وجوه جديدة ونزلاء أخرين ، كان من بينهم الماركسى القديم أسعد حليم والمناضل القديم عزب شطا والزميل عبد الستار الطويلة ، ونفس المعتقل السابق ذكره الذى بكى ذات صباح ونحن جلوس فى صفوف منتظمة خارج باب سجن القلعة والذى

الصفحة 67

رأيته بعد ثلاثة أيام فى فناء السجن يرتدى فانلة كورة شبية بفانلة فريق الترسانة ومعه براد شاى كبير وعدة أكواب فى اليد الأخرى وينادى على بضاعته .. مين يشرب شاى يا زملا ؟ المعتقل أحمد شوقى عبد الهادى ، الذى سيلازمنى كل مراحل فترة الاعتقال ، والذى سيكون له شأن كبير فى تنظيم زمش عند تأسيسه فى سجن الواحات الخارجة .

ورحت استفسر من معتادى النضال والمترددين على المعتقلات عن سر هذا الاجراء الذى ضمنا جميعا فى عنبر واحد . وجاءت الاجابات مختلفة ومتناقضة ، البعض قرر أن هذا الاجراء هو تمهيد لبدء عملية الافراج وتصفيية المعتقل .. وأكبر دليل على ذلك هو وجود العبد لله وسط هذا الحشد من المعتقلين ، فقد كان العبد لله فى نظر هولاء بريئا من تهمة الشيوعية وأخيرا جاء دور أسعد حليم ليفسر للعبد لله هذه الظاهرة ، فقال فى هدوء شديد وفى ثقة العالم الكبير: ان تجميع هذا العدد من المعتقلين هو نذير سوء بلا شك .. وأننا جميعا فى الطريق إلى المحاكمة أو إلى التصفية الجسدية ، وعندما سألته عن سر تشاؤمه إلى هذا الحد ، أجاب بأن كل الموجودين تم اختيارهم بدقة ، فأغلبهم سبق اعتقاله أكثر من ست مرات ، وبعضهم قضى نصف حياته فى السجون وبعضهم صدر ضده أحكام من المحاكم ، وضرب أسعد حليم مثلا بعبد الستار الطويلة الذى تردد على المعتقلات أكثر من سبع مرات وعزب شطا الذى يخرج من المعتقل إلى المعتقل ، كما أنه شقيق محمد شطا أحد رموز الحركة الماركسية فى مصر ، ثم راح يعدد ويشرح ويفيض فى الشرح ، وأخيرا سألته : ولماذا أنا وسط هولاء ؟

أجاب .. هذا هو الشىء الذى يحتاج إلى تفسير .

صدقت نبوءة أسعد حليم ودخلت المعتقل فى صباح اليوم التالى قافلة من السيارات الضخمة ، وسرية حراسة مسلحة بالمدافع الرشاشة يرأسها ضابط برتبة عقيد ومعه اثنان برتبة المقدم وثلاثة برتبة رائد ونصف دسته من النقباء والملازمين ثم عدد لاحصر له من الصولات والشاويشية . وفتحوا باب عنبرنا وراحوا يقيدون المعتقلين بنوع من القيود

الصفحة 68

الحديدية يطلقون عليه اسم الحجلة وهذه الحجلة تقيد القدمين واليدين ويتصل القيد الذى فى اليد بالقيد الذى فى القدم بسلسلة طويلة تحدث صوت أثناء عملية السير وتقيد الحركة فلا تسمح إلا بخطوة قصيرة وركبنا السيارات وغادرنا معتقل الفيوم فى الصباح الباكر ، وراحت السيارات تتهادى بنا عبر طريق زراعى موحش وغير ممهد فى طريقها إلى بنى سويف ، وافتى بعض الخبراء بأننا فى الطريق إلى سجن بنى سويف تمهيدا لتقديمنا إلى المحاكمة وقرر البعض أن سجن بنى سويف هو أسوأ سجون مصر على الاطلاق ، ان لم يكن أسوأ سجون الدنيا كلها ، ولكن القافلة اتجهت إلى محطة بنى سويف وتخلصت من حمولتها هناك وأجلسونا على الأرض وأعادوا فرزنا من جديد ، ولما اطمأنوا إلى أننا ( تمام ) ولم ينقص منا أحد تركونا جالسين على الأرض ، بينما أحاط بنا العساكر والمدافع مصوبة نحونا ، بينما احتل عشرات من الجنود أسطح المحطة ، وافترش آخرون الرصيف المقابل وخيل للعبد لله أن الحلفاء القوا القبض على هتلر وزعماء النازى وقادة الجيش الألمانى وأفراد جهاز الجستابو الشهير ..

كانت شمس مايو تتوسط الأفق والحرارة شديدة والعطش يستبد بنا عندما مر من أمامى مساعد حكمدار بنى سويف واسمه على ما أذكر صدقى الغنام أو صادق الغنام ، وكنت قد عرفته فى العام 1951 ابان معركة السويس حيث كان وقتئذ برتبة نقيب وكانت له مواقف وطنية إلى جانب الفدائيين مع اليوزباشى نجم الدين واليوزباشى محمد عسل واللواء مصطفى المتولى ، ونظر الغنام للعبد لله طويلا ، واعتقد أنه وقف أمام سؤال هل الجالس وسط المعتقلين هو العبد لله أم شخص يشبهه ؟ وعندما التقت نظراتنا أسرع بعيدا عن المكان ثم اتجه نحو قائد الحراسة وألقى نظرة على كشف المعتقلين الذى يحمله ، وعندما تأكد أن الشخص الذى رآه هو العبد لله ولا أحد غيره بقى بعيدا ولم يقترب مرة أخرى من المكان ..

وبعد ساعات من الحر والعطش والجوع والانهاك الشديد وصل القطار

الصفحة 69

المتجه إلى الصعيد ، واكتشفنا أننا سنسافر فى عربات خصصت لنقل البهائم ، وبدأت عملية حشرنا داخل العربات بينما كعوب البنادق كانت تساعدنا على الاسراع فى عملية الركوب وتلقى العبد لله شلوتا فى ظهره وأنا أهم بدخول العربة وعندما القيت نظره خلفى اكتشفت أن صاحب الشلوت هو العقيد الغنام نفسه ، ولا أعرف السبب الذى دفع الغنام إلى ضرب العبد لله بالذات ربما انتابه الخوف من أن أكون قد فضفضت إلى غيرى من المعتقلين بعلاقتى السابقة أيام معركة القناة ، ربما خشى أن يكون أحد من المسئولين على علم بهذه العلاقة أراد أن ينفيها بشدة وأن ينفيها عمليا ، فأهدانى هذا الشلوت وأنا على باب عربة البهائم التى ستذهب بى إلى سجنى الجديد ، وراح القطار يزحف مغادرا بنى سويف فى طريقه إلى أبو طشت ، ولكن وقع حادث رهيب أثناء توقف القطار فى محطة صغيرة بعد سوهاج ، وكنا مربوطين كل عشرين معتقل فى حجلة واحدة . اذا أراد بعض المعتقلين من فريق حجلتنا أن يستنشق بعض الهواء النقى ، فوقف على السلم أثناء توقف القطار ، ولكن القطار اندفع فجأة إلى الأمام فسقط اثنان من المعتقلين على الأرض ثم سقط اثنان آخران أذكر من بينهم شعبان الحدق و عبد الستار طويلة واندفع القطار بهمة فى طريقه إلى الأمام ، بينما راح المعتقلون يسقطون أسفل القطار واحدا وراء الآخر ، وصرخ عبد الستار الطويلة والقطار يجرجره على الأرض .. مؤامرة .. مؤامرة يا زملا .. المخابرات المركزية .. المخابرات المركزية يا زملا ..

كان الصف الذى أمامى قد سقط على الأرض بينما انحشرت أنا وزميلى شوقى عبد الهادى عند الباب ، نحاول دون جدوى أن نتشبث بمكاننا عند الباب ولكن الحمل ثقيل والذين سبقونا إلى الأرض يجذبوننا بقسوة ، وفى هذا الوقت انطلقت عدة رصاصات فى الهواء تبعتها زخات من طلقات المدافع الرشاشة ، ويبد أن السائق انتبه إلى أن هناك شيئا يجرى فى القطار فتوقف عن السير ، وكانت وقفته المفاجئة سببا فى وقوعنا على الأرض ولكننا لم نصب إلا بخدوش بسيطة ، بينما اصيب شعبان الحدق وعبد الستار الطويلة وآخرون برضوض وجروح خطيرة ، وتوقف القطار

الصفحة 70

نصف ساعة لاعادة حصرنا من جديد ولما تأكدوا من أن عدد الجثث الحية مضبوط عاود القطار سيره فى هذا الليل إلى محطة الوصول ..

وصلنا إلى أبو طشت فى الصباح الباكر وتوقف القطار فى محطة جانبية وبدأنا فى النزول ثم الجلوس القرفصاء على رصيف المحطة انتظارا للقطار المتجه إلى الواحات ، وجاء القطار فى الحادية عشرة صباحا وبدأنا رحلة جديدة إلى واحة المحاريق وسط الصحراء ، وكان قطارا أشبه بلعبة من لعب الأطفال ومن النوع الذى يظهر فى أفلام والت ديزنى ، ولكنه كان أفضل من قطار الصعيد فيه مقاعد ونوافذ ، وامتدت الصحراء أمام أعيننا بلا نهاية ، تضاريس أشبه بتضاريس القمر التى رأيناها على الشاشة عند هبوط أول رائد فضاء على سطح القمر ، فجوات وتلال وأخاديد ورمال محترقة ورمال ناعمة وكهوف وجحور ومناظر لم تقع عليها أعيننا من قبل ، وسرحت بعيدا إلى سجن الواحات ، لابد انه سجن رهيب أقيم خصيصا لتأديب عتاه المجرمين ولابد أننا سنلاقى الشدائد والأهوال خلف أسواره ، واذا كان معتقل الفيوم كان يشبه معتقلات النازى فماذا يكون شكل معتقل الواحات وهو على بعد مئات الأميال من وادى النيل ؟

واستسلمت لنوم عميق ولم استيقظ إلا والزملاء يهزوننى بعنف لاكتشف اننا فى محطة المحاريق ، كانت المحطة أشبه بمحطات الريف مجرد رصيف وكشك ثم لاشىء بعد ذلك ، وصحراء بلا نهاية وفرقة من عساكر بلوكات النظام يحملون البنادق ، ونزلنا وسط هذه المظاهرة الأمنية الشديدة واتخذنا طريقنا على الأقدام إلى سجن الواحات ..

كان السجن عبارة عن عنبرين كل عنبر من دور واحد بناؤه يشبه بناء المساكن الشعبية ومبنى ثالث أغلب الظن أنه مبنى الادارة ولك يكن للسجن سور والعنابر منها للصحراء بلا حواجز ، وعدنا للجلوس على الأرض أمام عنبر رقم 1 ، ومن خلال قضبان باب العنبر جاءنى صوت ينادى باسمى وكان صاحب الصوت يرتدى بدلة سجن زرقاء ويضع على عينيه نظارة طبية ودققت النظرر فيه ، كان صاحب الصوت يشبه صديقى الكاتب الكبير صلاح حافظ وكان قد غاب فى السجن منذ عام 1954 ، ولم

الصفحة 71

أرد على صاحب الصوت فقد خفت من تكرار ما حدث فى معتقل الفيوم ، ولكن الصوت عاد ينادى من جديد ، ثم نادى على أحد عساكر السجن وأمره بالبحث عن محمود السعدنى وأعطاه سيجارة مشتعلة لكى يعطيها لى ، وراح العسكرى يفتش عن محمود السعدنى وسط هذا القطيع البائس فلما اقترب منى وسألنى عن اسمى أجبته فناولنى السيجارة ولكنى اعتذرت ولكن العسكرى أصر ، وناولنى السيجارة فأخذتها وأنا غير مصدق لما يحدث أمامى ، هل المعاملة هنا أفضل من المعاملة فى معتقل الفيوم ؟! وهل العساكر هنا أرق وأرحم ؟ غريبة .. هل هذا هو سجن الواحات ؟

ولم تمض دقائق حتى صرنا داخل عنبر وتلقانى صلاح حافظ بالأحضان ، ووجدت نفسى داخل حجرة لا تشبه حجرات السجون ولكنها أشبه بحجرة عادية فى بيت ..

ووجدت نفسى مع خمسة عشر معتقلا بينهم أديب ديمترى ولطفى الله سليمان صاحب المكتبة الشهيرة فى شارع عادلى وأسعد حليم وأحمد شوقى عبد الهادى ، ثم جاء الغداء ملوخية لو أتذوق مثلها منذ ماتت المرحومة ستى هدية ، وعيش لم أر مثله منذ أغلق مخبز الرمالى الشهير ولحم ليس له نظير فى محل الشيمى . وانتعش العبد لله وهتفت فى أعماقى يا سبحان الله .. أين أنت يا سجن الواحات الخارجة ؟

ولماذا تعطل مجيئنا إليك منذ يوم 27 مارس وهو يوم القبض علينا ؟

وهكذا قدر للعبد لله ان يكون واحدا من فئة الشواشى العليا المناضلين الكبار ، فليس بعد سجن الواحات مرتبة يرتفع إليها المناضل الكبير ، وهكذا أيضا قدر للعبد لله أن يتذوق طعم النوم العميق لأول مرة منذ خطفنى الضابط المهذب طوسون من بيتى فى الجيزة إلى مكتب المباحث العامة فى الدقى مؤكدا للعبد لله ان العملية لن تستغرق أكثر من خمس دقائق .. لا تزيد !

الصفحة 72

صفحة خالية

الصفحة 73