الجزء الثالث
صوته الذي حمل كما هائلا من السخط والحزن نشلها من بين سطور رسائل غسان كنفاني لغادة : ماذا تفعلين ؟
- أقرأ رسائل غسان كنفاني لغادة السمان .
- قرأت ذات مرة عبارة من هذه الرسائل وعلق في ذاكرتي يقول هذا المقطع "إنني أحبك كما لم أفعل في حياتي، أجرؤ على القول كما لم يفعل أي انسان وسأظل" أشفق عليه غسان أحبها بجنون وأظن جازما أن غادة كانت تحاول إرضاء غرور الأنثى في داخلها عن طريق استنزاف مشاعره على الورق ومن خلال رسائله لها ..ومع أنها أجابت بعض رسائله كما هو واضح إلا أنها كانت تفعل بقليل من الإهتمام تدفعها الشفقة في بعض الأحيان .. تمنيت لو أنني قرأت ردودها .
" أتعاون معك على مواجهة كل شىء وأضع معك نصل الصدق على رقابهم " كانت العبارة تتراقص أمامها وكأنها تطلب منها أن تختارها لترد عليه ، صمت قليلا وكأنها شعرت به يبتسم ، قالت :المرأة عندما تحب رجلا لا تنتظر منه أن يبذل جهدا كبيرا للوصول إلى قلبها وقد تقدم له الكثير من التسهيلات وتقوم بكثير من التنازلات ليصل بسهولة ، نعم بعض النساء يتلذذن بتعذيب من يبذل جهدا لاستمالتها ولكنها لا تفعل هذا مع من تحب ،أتعلم سأهديك نسختي عندما أعود إلى عمان ، والآن أخبرني ما سبب هذا الحزن في صوتك ؟
- لا شيء مجرد إرهاق خانته تنهيدته ، متى ستعودين اشتقتُ لكِ!
- لا تغير الموضوع هيا أخبرني .
- زوجتي بدأت حملة التشويه، تتصل بمعارفي وأصدقائي وتدعيّ بأنني ضربتها وشددتها من شعرها ، أتصدقين أنني أفعل مثل هذا بها وإن فعلت لماذا لم تشكوني للشرطة ، لا أعلم ما هدفها ولماذا تقابل كل ما بذلته لأجلها بهذا الجحود والنكران .
- حاولت أن تتكلم ولكنه استرسل : أتذكر أنها في يوم غضبت مني ولم أعرف السبب الذي دفعها لشتمي والصراخ في وجهي ومن ثم غادرت المنزل إلى بيت أختها ، ساءني أن تبقى غاضبة رغم أنها من أخطأ بحقي ومن يجب عليه الإعتذار لكنني رأيت أنه لا فرق بين الزوج وزوجته وأن هدية بسيطة قد تجذب قلبها ناحيتي فنصل معا إلى تسوية لمثل هذه الخلافات التافهة والحد منها ما أمكن ، أهديتها طقما من الماس أتصدقين ! من يفعل هذا لزوجة متمردةٍ ، لا أحد أعلم وأعلم أنكِ ستقولين أن ما فعلته لا يعد من تصرفات الرجولة بشيء وأنه كان يجب عليّ معاقبتها بالهجر بدلا من إهدائها أي شيء حتى وإن كان بسيطا ، وفي هذا أوافقك ، وكأنني كنت أسعى لأن ترضى عني لأنني مهما قدمتُ لها ومهما تصرفت معها بلطف لم تقابله إلا بالغضب والسخط وهذا أشعرني بالنقص .
- ما الذي دفعك للإنفصال إذاً!؟ من الواضح أنك تحبها ولا تستطيع التخلي عنها حاولت ان تتحدث معه بعقلانيه ، وأن تسمع منه اعترافا بأنها لم تعد تسكن في قلبه .
- ساءت أخلاقها أكثر من ذي قبل حتى أنها في أحد المرات حاولت ضربي ووصفتي بالجبان المتخاذل ، لم أتمالك نفسي وثارت عليّ رجولتي وتملكني الغضب لدرجة انني أمسكت برقبتها وألصقتها بالحائط وضغطتُ عليها حتى ازرقَّ وجهها وجحظت عيناها ورأيت فيهما نظرة الخوف والتوسل ..
وكان رجاؤها وتأسفها لي في تلك اللحظة كفيلا بإخماد النار المشتعلة في صدري ، فصحت في وجهها بعد أن أفلتُّ قبضتي هذه آخر مرة تتجاوزين فيها حدودكِ معي ، وستدفعين ثمن كل كلمة وكل فعل قصدتِ من خلاله الإساءة لي.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى المحكمة لأطلقها ولكن القاضي طلب مني أن أتروى وأن اراجع نفسي ، أعلمتها بقراري فضحكت بهستيريا وقالت كالشامتة : لن تستطيع التخلي عني لقد اعتدت العيش بذلّ .
متى كان التنازل باسم الحب ذلا والتضحية ضعفا ، ولكنني فعلا هنت على نفسي وخاصة عندما اقتنعت أو ادعيت اقتناعي بأن الحمل والولادة سيؤثران على رشاقة جسدها ولا داعي للأولاد في حياتنا .
تخليت عن حقي في الأبوة ليبقى جسمها رشيقا أي جنون هذا !!
- هذا ما يسمونه الحب ، قالتها وفكرت : لماذا لم ألتقيكَ قبلا ! كيف يكون ....بهذه البشاعة أنا أتعلق بحازم فيذبحني وأنت تتعلق بزوجتك فتحرقك ، حتى أنه لم يذكر لي أسمها !!
- ما اسمها ؟
- عنود ، وكان لها من كل اسمها نصيب لم ألتقِ في حياتي من هي أعند أو أكثر جرأة ووقاحة وسوء تربية منها ، دلال أبويها أفسدها .
شعرت بوخزات كشكات الابر تجتاح جسدها وبرأسها يثقل فوق رقبتها رفعت يدها وأخذت تدلك التشنج الذي يحاول منع الدم المتدفق في أوردتها إلى رأسها ، شعرت بحاجة قوية إلى تغيير الموضوع وسحبه من ذكرياته إلى واقعها ، فقالت : أين أنتَ الآن ؟
- في السرير .
- طيب أغمض عينيك .
- ضحك : هل ستغنين لي .
- صوتي بشع ، ضحكت : سأقرأ لك حتى تنام.
- هل ستفعلين حقا !
- نعم فأنتَ من الآن فصاعدا طفلي المدلل ولن أدعك تنام وأنت مكدر الخاطر ، سأقرأ لك في كل ليلة حتى تغفو .
- حسنا ، ماذا ستقرأين ؟
- إحدى رسائل غسان لغادة وهي من أحب الرسائل إلى قلبي ففيها عبّر غسان لغادة عن مدى حاجته لها وأهمية وجودها في قربه ، ومنها أعبر لك عن مدى أهمية وجودك في حياتي :
" عزيزتي غادة..
مرهق إلى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع . سعادة الألم التي لا نظير لها . أفتقدك يا جهنم ، يا سماء، يا بحر. أفتقدك إلى حد الجنون . إلى حد أضع صورتك أمام عيني وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .
ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك. لها طعم نادر كالبهار ....إنها تبتعث الدموع إلى عيني أيتها الشقية. الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك: فحين أغلقت الباب وتركتني أمضي عرفت ، عرفت كثيراً أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك. لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي ، تتشبث بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها إلى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة.
لن أنسى. كلا. فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً . لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساك، لا...إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك.
سأكتب لك أطول وأكثر...لقد أجلوا المؤتمر إلى 30 ولكنهم سيسفروننا غداً ، الأحد إلى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم. يا للهول. ويبدو أنه لن يكون بوسعي أن أعود للقاهرة قبل الرابع . وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل...إلا إذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدْواً..
حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة ......قال لي وهو يهز رأسه: أخيراً أيها العفريت وجدت من يُسكت شراستك. سينشر الموضوع في (المصور) التي علمت أنها توزع في كل البلاد العربية أعداداً هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم ...ولكنني بالطبع لا أعرف متى..
وزعت كتبك.تحدثت عنك كثيراً .فكرت بك.بك وحدك..وأنت لا تصدقين..وأنت حين (أعذب نفسي في المساء) موجودة في الماي فير مع الناس والهواتف والضحك..
حاولي أن تكتبي لي: فندق سكارابيه شارع 26 يوليو .القاهرة فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين..
آه.. يا عزيزة
غسان كنفاني "
- أنتِ في حياتي كغادة .. لن اقول كطريقتها في إذلاله فأنتِ رقيقة وبريئة إلى درجة تخيفني عليكِ مني ، ولكنكِ أصبحت في مجرى دمي نبضا وليدا يكبر كل يوم ، تصبحين على خير وفائي .
- تصبح على خير .
حملها اسم الدلع بعيدا إليه ، لم تكن تتخيل في يوم أن لها أكثر من اسم دلع كانت تتلذذ به من شفاه والديها " فوفو " والآن لن تتخيل أن يكون اسمها من شفتيه إلا " وفائي "
سطرت في أول صفحة من الكتاب " في حياتي غسان "
كانت تهم بركوب سيارتها عائدة لعملها بعد أن أكملت أسبوعا متنقلة مع والدتها من منزل جارة لأخرى خلال النهار وفي المساء تلتقي واياد على الهاتف وكان النهار لا يخلو من رسائل نصية تضحكها أحيانا و تخجلها آونة فتصبغ خديها باللون الأحمر مما دفع أمها لتقول لها ذات مرة : أخشى أن يؤذيك كما فعل غيره ، عندك سوء اختيار يبنى على حسن النية ...
- إنه مُختلف يا أمي ، ألم تقولي لي أن الرجال ليسو كلهم سواء؟
- نعم ولكني أخشى عليكِ من علاقةٍ في نهايتها انكسارك يا ابنتي ، ومن واجبي كأم أن احذرك كوني حريصة على أن لا تسمحي له بالتوغل كثيرا في تفاصيل حياتك ، اتركي بينكما مسافة أمان حتى لو ابتعد لو فكر في الهجر ، لو فكرتِ أنت في أنه غير مناسب ،أن لا تفقدي ما تبقى لديك من أمل بأن الحياة أجمل.
- لا عليك أمي ، سأكون حريصة على نفسي يكفيني ما عانيت في علاقتي السابقة ، لن أسلم قلبي له هكذا بسهولة ..
إبتسامةُ الشك التي قابلتها بها أمها رافقتها طوال الطريق ، كانت توهم نفسها أنها تحاول أن تقنع أمها بأن شعورها غير صحيح وأنها لا تغرق في حبه كل يوم اكثر .
- وفاء أين أنتِ الآن .
- على مشارف عمان ..لماذا ؟
- أريد أن اراكِ .
- الوقت متأخر فلنؤجلها ليوم غد ..
- سألتقيك أمام شقتك ...لم يترك لها مجالا للإعتراض : ماذا قلتِ؟
كيف ترفض وهي التي تعجلت عودتها لعمان لتشبع نهم قلبها من محياه : حسنا .
أمام منزلها ينتظرها عمرها القادم بكل رحابة صدره بكامل شروقه ، داست على البنزين لتنطلق السيارة بسرعة جنونيه تجاوزها عن السيارات كان عنيفا ضحكت بصوت عالٍ وأطلقت لصوتها العنان لتندمج مع أغنيةٍ انطلقت صاخبة من المذياع "
وبينا معاد لو احنا بعاد
اكيد راجع ولو بيني وبينه بلاد
قصاد عيني في كل مكان " ، كانت الإشارة الضوئية أمامها حمراء لكنها لن توقفها عن الوصول إليه تجاوزتها وصاحت هيا عمرو لنكمل عادت لتغني " ومش قادر علي الايام
ولا يوصف هوايا كلام
وطول ليلي ولما بنام
قصاد عيني "
بدأت الألوان حولها تتغير ، إمتزج سواد الليل بالأحمر ومن ثم الأزرق تتابع ظهورهما ومن ثم علا صوت سيارة شرطة تطلب منها أن تتوقف إلى جانب الطريق : أنا في عجلة من أمري ألا يجوز أن ينتظروا للغد ويرسلوا لي بالمخالفة إلى مكتبي ! يا إلهي .
- مساء الخير يا آنسة ..قال لها الشرطي
- مساء الخير .
- هل لي برخصتك ورخصة السيارة .
- خير إن شاء الله !! سلمته الرخص .
- فقال لها : ألم تنتبهي الى ان الإشارة حمراء اللون .
- ردت بلا مبالاة : بلا إنتهبت
- رفع حاجبيه وهو يقلب رخصها بين أصابعه : ومع هذا قطعتها أي استخفاف بالأرواح هذا !
- كنت مستعجلة و.. قاطعها رنين هاتفها، أمسكته كان إياد لم تستطع التحدث أمام الشرطي فضغطت على رفض المكالمة .
- قال لها الشرطي مبتعدا راجعينا على قسم الشرطة غدا .
- أرادت الإعتراض آآآه لو يعلم أنه ينتظرها كان سيتفهم أكيد : أطلت من شباك السيارة : هل يمكننا أن نتفاهم .
- قال لها دون أن يلتفت ناحيتها : بدون كثرة كلام ، سنتفاهم غدا في القسم .. لا أعلم بماذا فكرتِ وأنتِ تتجاوزين الإشارة الحمراء !!
عاد الهاتف للرنين : ألو إياد .
- تأخرتِ أين أنتِ ؟
- أوقفني الشرطي وسحب الرخص مني ، تخيل لأنني تجاوزت الإشارة الحمراء ، أتصدق أنه سحب رخصي لهذا السبب الغبي .
- وفاء ، هل قطعتِ الإشارة حمراء ؟
- ضحكت نعم ألم تجربها ، تمنحك شعورا رائعا بالإنطلاق وخاصة عندما تطلق العنان لصوتك تغني وتضحك وربما تحدث نفسك ...رائع فعلا .
- لا تتعجلي بالعودة ما زلتُ بانتظارك لا داعي لأن تقودي بسرعة هل فهمتِ .
- هل أنتَ غاضب ! كان صوته غير مطمئن وكأنه يكز على أسنانه .
- سنتحدث عندما تصلين .
كانت توقف سيارتها أمام المنزل عندما شاهدته يسير بسرعة تجاهها ..اخافها اندفاعه وألصقها بكرسيها دون حراك ..فتح باب السيارة بعنف وسحبها من يدها أمسكها من كتفيها وصرخ في وجهها : هل أنتِ مجنونة ، كيف تفكرين ، أو أنكِ لا تفعلين لا تحركين عقلك قيد أنملة ، هل تنوين قتل نفسك !!
يا إلهي كم من المرات قطعتِ الإشارة ، بقيت صامتة تتأمل غضبه : أجاب نفسه : أظن أنها مئات المرات إذا فأنتِ تقودين بسرعة ، نظر إليها بخوف : هل تفعلين ؟ هزت رأسها موافقة ..
فرحةٌ هي نعم ..تراقبه بكسل ،أسعدها خوفه عليها ، فابتسمت : خائف أنتَ عليّ ، تحبني ..هذا واضح .. أنتَ تحبني ، قلها هيا قلها .
أمسك بكتفيها وشد عليهما بأصابعه ، شعرت بالحرج فحاولت إبعاده :إياد السيارات ، الجيران سيروننا ، أرجوك .
- فليفعلوا ما يحلو لهم ، لن أترككِ حتى تعطيني وعدا بأن لا تتركيني ، أبعدها قليلا وقال : أن لا تقودي بسرعة أو تقطعي الإشارة حمراء لا أريد أن أفكر مجرد تفكير أنه من الممكن أن أفقدك ،أو حتى أن تبتعدي عني .
- إعتصرها شعور الذنب كيف فعلت به هذا ، كان همها في أن تصل إليه أكبر من خوفها على نفسها : أعدك ..
- ردديها بصوتٍ عال ثلاث مرات هيا .
- أعدك ..أعدك ..أعدك..هل أغنيها لك ..ضحكت : أترك كتفيّ الآن فأنا بحاجة له .
- أطلقها وذهب ناحية سيارته ، ويده ترتفع ناحية وجهه ومن ثم تعود كأنه يتحدث مع نفسه ..تناول شيئا صغيرا من خلف المقود وعاد إليها : كنت أريد أن أهديها لكِ بعد أن أدعوكِ الى العشاء غدا ، ولكن أظن أن هذا هو الوقت المناسب لتذكركِ عند رؤيتها بأن لا تفعلي ما يقلقني عليكِ.
اخرج من علبة بلون الجوري اسورة من الذهب الأبيض يقطعها خمسُ فصوص من الياقوت الأحمر الصغير مثبتة بسلسلة رقيقة ..
- ما أجملها قالت وهي تتلمسها ، نظرت إلى عينيه ـ ولكنني لا أستطيع قبولها .
- أمسك برسغها الأيمن : ومن قال أنني أطلب رأيك في قبولها ، ألبسها الاسورة وطبع قبلةً على ظاهر كفها ثم قربها من خده منحها تمرير أصابعها فوق ذقنه غير المحلوق شعورا بإرتفاع حرارة مفاجئ اقتربت منه: أنا آسفه لم أظن أنني سأغضبك ، الويل لهذه المدينة المليئة بالعيون التي تطل من النوافذ وتخترق الأبواب ، أود لو أضمك إلى صدري وأشبع حاجتي منك .
أمسكها من يدها وقال تعالي سنمنح للمدينة فرصة ابتلاعنا وإخفائنا في جوفها أحتاج إلى أن أتحدث إليكِ كما لم أفعل مع غيرك أن أطلعكِ على التفاصيل الصغيرة في حياتي أن أتغلغل بكِ أتمدد في أعماقك لنتوحد في جسد وقلب واحد لا يخفق إلا إن إجتمعنا سويا .
- لم أكن أعلم أنك رومانسي إلى هذا الحد .
- سأدعكِ تكتشفينني وكأنني لم أكن موجودا قبلك .
كانت الإضاءة الخافتة في الشارع الضيق تضفي على وجهه سحرا يزيده وسامة ورجولة ، مشت بضع خطوات امامه والتفتت إليه تقابله وتمشي إلى الوراء : كنت احتاجك في حياتي منذ كنت طفلة انتظرتُك ولكنك لم تأتِ إلا مُتأخرا ، أين كُنت مختبأً؟
- وكأنني كُنت انتظركِ حتى تكبرين ، كأنكِ طفلتي التي لم أنجبها وأمي التي نشأتُ بعيدا عن حضنها ، اتدركين حجم الحنين إليك حتى قبل ان أعرفك ، كنت أشعر بأنكِ قريبة رغم أننا لم نلتقِ قبلا ، شاهدتُك في أحلامي تمسحين على شعري وأغرق رأسي في صدرك ..أنتِ حلم كنت أظن أنه لن يتحقق.
ضحكت وحاولت أن تبتعد لكنه استعجل في مشيته سار في محاذاتها وأمسك بيدها نظرت إليه بشوق فقال : نظرة واحدة كهذه كفيلة بأن تنسيني أين أنا ، ثم قال مشاكسا ومع من .
ضربته بقبضتها على كتفه وقالت ضاحكه: ألم أقل لكَ أنك لئيم .
نظرت إليه وقالت هامسة عندما نصبح قريبين من بوابة منزل كبير : إنتظر هنا سأريك خدعة ..
جذبها قبل أن تبتعد متوجهة إلى المنزل : ماذا ستفعلين !
- إنتظر سترى ، تقدمت ببطئ من الجرس على طرف البوابة نظرت حولها ضغطت على زر الباب وهربت خلف شجرة قريبة وضعت يدها فوق فمها وأخذت تضحك .
- جمده خروج شاب بعد دقائق ، في مقتبل العمر من المنزل أخذ ينظر إليه بعد أن لاحظ خلو الشارع إلا منه ، وقال : تفضل .
- تخبط ونظر إلى الجهة المعاكسة مشيرا : ضغط صبي على جرسكم وهرب في هذا الإتجاه .
- هؤلاء الحمقى لو أنني أمسك بأحدهم لأوسعته ضربا ، لم يستطع التركيز معه وهي تقفز خلف الشجرة كاتمةً ضحكتها بيدها .
- دخل الشاب إلى منزله ..وركض هو إلى ناحيتها موبخا : لماذا فعلتي هذا .
- كان وجهك المصدوم مثيرا للضحك ، تخلص من الجمود يا عزيزي وتصرف بتلقائية ، دع الفرح يضفي على يومك صوتا صاخبا ...بدلا من أن تُلبسه ملابس الصمت والإنضباط ولا تلبث أن تكتشف أنه أصبح يشكل معالم جسدك.
- لم يتمالك نفسه من الضحك : أيتها الشقية كدتُ أتورط من خلال هروب ضحكةٍ عندما تخيلته يركض خلفك ويبرحك ضربا ، نظر إليها وهي تضحك وضع يده فوق خدها بحنو وقال : من يعرف مدى جديتك في عملك ومقدار الحواجز التي تبنينها بينك وبين الرجال لن يصدق أبدا انكِ شقية ورفقتكِ ممتعة .
- سأدعكَ تكتشفني وكأنني لم أكن موجودة قبلك ،قالت وهي تقلد طريقته بالكلام ، وقفزت فوق سور صغير أعلى الرصيف مشت وهي تمد ذراعيها لتوازن خطواتها ، فقال : ألن تنزلي لنتحدث كالكبار و شدها من يدها وأنزلها ، جلسا على مقعد قريب .
- الفرح في داخلي يشتت العمر حتى أشعر به يتقلص ويتقلص إلى أن يصل إلى الفترة الزمنية التي سبقت موت والدي وتحديدا في الخامسة عشر من عمري ، لم أتخيل أنني سأفقده هكذا بسهولة كان معلمي الذي بذل جهدا ليمكنني من مواجهة صعاب العالم ، عاملني كأنني رجل يعتمد عليه لمواجهة أي موقف ولكنه لم يعلمني كيف أواجه شعور الإنكسار الذي أحدثه موته ، نظرت إليه : لا أريد أن افقدك ولا أجرء على التخيل حتى ، سأستغل كل حدث لي معك وكل لحظة تجمعنا سويا سأدع نفسي لمرة واحدة تتصرف بأنانية وأحتفظ بك لي مدى العمر .
- في الماضي لم أكن أتخيل أن أحب امرأة بهذا العمق كأنها جزء من روحي أضحك عندما تفعل وأشعر بالحزن إن هي شعرت به ، أتعلمين عرفت الكثير من النساء .
- قاطعته : لا يهمني من عرفت وكم عرفت ، اهتم فقط بما أنت عليه الآن وماذا أعني لك ، وكيف ستحافظ عليّ والأهم حبك .
- أريد أن أخبرك دعيني أكمل ، عشتُ شبابي كما أريد لم اترك فتاة إلا وخرجت برفقتها لا أنكر أنني قضيت معهن أوقاتا مشينة حتى أنني أملك الكثير من هداياهن لي ورسائلهن في صندوق أحتفظ به في خزانتي ، أتصدقين أنني لم ادع عنود تراه أبدا ولكنني أتوق إلى أن أفتحه معك أستذكر جرائمي النكراء بحقهن ونضحك سويا ، وصلت إلى مرحلة الإكتفاء وفاء لم أستطع الإستمرار في علاقات غير شرعيه تمنيت أن أحظى بعائلة وأبناء وكانت عنود خياري الأول للإستقرار فتاة لا تشبه من عرفتهن قبلها ، تسعى إلى الإستقرار من خلال الإرتباط لم تطل فترة خطبتنا مع أنها لم تخلو من التنغيص من قبلها ومن الطلبات التعجيزية التي كانت تطلبها بداعي مستوى العائلة العالي إلا أنني قررت المضي قدما بزواجي ، إنتقام الله مني كان شديدا لم يمنحني طفلا ولا عائلة وها أنا ذا أحاول الدفاع مستميتا عن سمعتي ومالي الذين تحاول أن تسلبني اياهما باسم حقوقها الزوجية .
لم تخف عليه ملامح الصدمة التي ارتسمت على محياها : أعترف أنني عشت ماضِ لا أفخر به مطلقا ، ولا أسعى بأي شكل لأن أعيش كما كنت حينها .
- حازم قال لي ذات العبارة ، أخذت تفكر.
كيف يمكنني أن أصدقه الآن ؟ وما الذي يضمن لي أن لا يعود لحياته العابثة تلك ؟ لماذا تحدث.. لماذا لم يبقي ماضيه مغطى ، لو بقيت جاهلة بماضيه ، لو أنه ترك العلاقة تسير دون هذه العقبة الكبيرة التي زرعها في مقدمتها !!
-أجفلت عندما قال متوسلا : لن تفعلي ذلك ؟
- أفعل ماذا ؟
- تشكين بأنني سأعود إلى تلك الحقبة المشينة من تاريخ لا يشرف .
- سعيها لأن تدخل أعماقه لتصدقه بكامل إرادتها دفعها لسؤاله ببراءة : ألن تفعل ؟
- لن أفكر مجرد تفكير في أذيتك إلم اخبركِ قبلا ألا تصدقينني ولو لمرة ،أنتِ تعنين لي أكثر مما تتخيلين .
دخلت البيت منتشية أغلقت الباب فتفاجأت بغادة منكفئة على وجهها دون حراك قريبا من دورة المياه أصابها الهلع فرمت ما بيدها وركضت ناحيتها ربتت على خدها :غادة ، غادة .. كانت فاقدةً للوعي فلم تجبها.
سحبتها إلى الأريكة ، وبعد محاولات عديدة لإيقاظها فتحت عينيها وأخذت تبكي هذه الفتاة القوية المتمردة التي لم تسمح يوما لأحد بإضعافها تبكي الآن : ما بالك ، لماذا تبكين ؟
علا صوتُ بكائها ولم تجبها : غادة تحدثي ، قالت وفاء بحزم .
بصوت متقطع يكسوه الخزي : أنا حامل .