الجزء الثاني

6 0 00

الجزء الثاني

كأن ذاكرتها تُسحب بخيوط رفيعة من الماضي لتلتقي والدها الذي لم يكن يتقبل منها الضعف كرد فعل على مصاعب الحياة التي قد تواجهها فهي الشاب وهي الفتاة التي تساعده في ميكانيك السيارة وترافقه إلى كثير من جلسات الرجال ، حدث أن اعترض كبير في السن من عائلتهم على إحضار والدها لها مرددا على أسماع والدها : تزوج بأخرى لتنجب لك ولدا يحمل اسمك بدلا من إحراجنا باستقبال ابنتك في جلساتنا .

شعرت بوقع الإهانة على والدها تخيلت أن يرد بعنف لكنه اكتفى بالإبتسام والإنسحاب ..

سألته ببراءة في طريق عودتهما : هل ستتزوج يا أبي ، لتنجب ولدا !!

حملها على كتفه وقال : أنتِ فتاتي عن ألف شاب ..المنغصات يا حبيبتي كالبهارات الحارة التي تترك أثر اللسع على لسانك قليلا من الوقت ثم تغادر تاركة لكِ الشعور بأن ما حدث ،حدث ليقوي حاسة تذوقك للأحداث بعقلانية أكبر.

لن تنسى وجه والدتها الزجاجي الذي عكس كل مشاعر الإنكسار والألم والوحدة عند نقلهم لخبر وفاة والدها لم تشاهدها تبكي لم تسمع نشيجها لم تولول كباقي النسوة في حارتها أو حتى تشد شعرها وتشرح للمشاركات بالعزاء أنها كانت تعد طعام العشاء وبعد أن تأخر خلدت للنوم فاستيقظت على طرقات مذعورة تخبرها أنه وجد في سيارته ميتا بعد تعرضه لحادث ، كانت صامتة تحرك عيونها فقط ممددة على سريرها في المكان الذي اعتاد أن ينام فيه ، لم تودعه عندما أحضروا جثمانه ، كانت جثة حية كأنها توّد لو تدفن معه ، سنة أو أكثر بعد موته لم تتقبل من أي شخص قوله أنه مات أو أنه غائب لن يعود ..هجرتها الدموع فاكتسبت قسوة الرجال وجلدهم على العمل وحزمهم في التربية ، تعنيفها لها عندما كانت تبكي والدها شوقا أو عندما كانت تسقط وتتبعها بالبكاء .. والتأكيد عليها بأن السقوط بداية جديدة للإنطلاق زادها خوفا من خذلان أمها فحبست مشاعرها داخل جسدها الصغير وكبرت وازدادت صلابة وتحملا لمشاق الحياة تاركة مشاعرها في سبات حتى جاء حازم وأيقظها : الويل له كان يتصرف كأبٍ لي عندما أصاب بالإحباط ، يشدّ على كفيّ ويهز رأسه بأسف بحنو ليخبرني أنه هنا .. أنني سأكون بوجوده بخير !!

ذكريات من هنا .. كوابيس من هناك هكذا انقضت ليلتها حتى اطراف النهار .

خط فاصل أذاب العتمة بخفة وروّية في شمس صباح أشرقت على شرفة حاضر يطل على مستقبل سماؤه مشوشة بتوقعاتها ومساحات شاسعة من أشجار اكتست أوراقها صفرة كأنها انعكاس نتائج مسبقة لإجابات عن تساؤلات قادمة ..

ارتشفت فنجان قهوةٍ مُحلى بشعور وِحدة .. سحبتها اللحظات من يدها لتمضي بخفة راقصة باليه نسيت نفسها ترقص على أنغام بحيرة البجع لتشايكوفسكي

تنطلق على درجات السلم الموسيقي تتنقل بين النواتات تداعب الأنغام صعودا وفجأة وجدت نفسها تهوي لأسفل و الأزمنة تتساقط خلفها كلما مرت عن إحداها .

فترات زمنية كاملة سقطت من اللاوعي لتستقر على عتبات ذاكرتها .

ارتدت ملابس العمل ، ركبت سيارتها وانطلقت في شوارع عمان ، أدارت الراديو قلبت المحطات حتى دغدغ سمعها صوت فيروز " ما فينا إلا نعد ونعد بالأيام شو ضيعنا أيام وبالأحلام شو كبرنا أحلام "....

- قالت بعد أن أغلقت المذياع: هذا الصباح له طعم الذكريات الممزوجة بالوجع يا فيروز وأنا قررت أن لا أسمح لأي كان أن يسبب لي الألم من جديد ...

ركنت سيارتها في موقف مقابلٍ لمبنى عملها واختارت مكانها بين المشاة ، تأملت وجوههم .. غرباء تجمعم أرصفة وتفرقهم طرقات وإشارات تطل عليها من بطء حركاتهم في رغبتهم إلباس الوقت بعض اللامبالاة كأنهم يركبون على أكتافه ويؤرجحون أقدامهم ، يمسكون أذنيه يشدونها للخلف ..في محاولة منهم لإيقافه عن المُضيِّ بهم لأماكن عملهم ..

- في بلدي وتجتاحني رياح الغربه يالله ما أقسى شوارعكِ يا عمان !!

إنعكاسات أشعة الشمس على زجاج سيارة قريبة تسير بمحاذاتها قطعت عليها تخيلاتها ، ليغير بوجهه كل معالم الطريق فتزهر الأشجار وتنبت الأعشاب ويضحك الصباح من فصل ربيع حل على عجل، في منتصف ذهولها ورغبتها المتوقفة بين التصديق والتمني ، كان إياد يركن سيارته أمامها ...

لم تكن تعلم أن لترجلّه من السيارة مراسم ملكية ، كما لم تكن تعلم أن شخصا قد يملك الحياة في راحة يده إلا عندما مدها لمصافحتها ...

وقفت وكلها رغبة في أن تلامس كفه لتكسب بعض مباهج الحياة ، ثم ترددت وفكرت في أن الرفض سيبقي على استقرارها النفسي حتى لو كان الوقت يمضي رتيبا دون وجوده ..

- يا إلهي بضع ثوان بحضوره وبدأتُ بطرح الأسئلة وأخذت أقدم الحلول أيضا .. هو رجل التساؤلات والحلول معا..

تركت أصابعها تتوحد بأصابعه بشبه قبضة كموج التقى بشاطئه بعد طول غياب وهي جالسة هناك على متن سفينة أفكارها التي فقدت بهمسته : كيف حالك ! توازنها .

أخذت تتقافز أمامها تفسيرات عديدة لهاتين الكلمتين اللتين قلّبتا مفرداته على نار خجلها ، لتتذوقهما بطعم جديد وتملأ صدرها برائحتهما المُنعِشة ، هل كانتا بهذا الوقع الفريد من قبل؟ .. وهل حملتا معنى أشمل من : هل أنتِ بخير أوهل تقضين وقتا سعيدا !

تسابقت شفتاها لتجيبه على استعجال : الحمد لله بخير.

بقوة لطيفة سحبت يدها من يده وضمتها إلى صدرها لتقرب جزء من جسدها لامسه وتتركه يغفو مطمئنا قريبا من قلبها.

تشلنا أوقات الفرح وتخيفنا البسمة نتعوذ منها باستمرار نقنعُ أنفسنا بأن الضحك دليل مصيبة قادمة ، هذا ما منعها من مقابلة بسمته بأخرى .. خوفا من أن تكون المصيبة أن تصحو من حلمها الجميل لواقع مرير لا يحتويه أو أن تأخذه الظنون إلى أنه ذو تأثير قوي عليها .

- ما بالي أعطي الموضوع أكبر من حجمه وماذا لو كنت أحلم ، قرصت ساقها دون أن تلفت انتباهه فسرى في جسدها ألم لذيذ أشعل حماسها وأنعش قلبها ..أنه هنا حقيقي أمامي يا إلهي سأجن .

تأمُلِه لوجهها زاد من توترها بحثت حولها عن استراحة قريبة ودعته لفنجان قهوة .. سبقها في اختيار الطاولة .. سحب لها كرسيا لتجلس كانت حركته بعفويتها تفوق تصورها ، كيف يتهمون المرأة بأن لا شيء يُحرك قلبها ويلفت انتباهها للرجل إلا حجم ثروته !!

وهذا الرجل أمامي سحب كما هائلا من مشاعري تجاهه بحركته تلك ..أخذت نفسا عميقا بينما كان يرتب نفسه فوق نبضها ومشاعرها .. رائحة عطره شهية تـسللت لأعـصابِـها

إستَنفــرتها بِـهدوء ... حتى فرَضَت على حَـواسِّـها وجــوده ....

وتـركـتها مُـندَهِــشة بِــحضُـورِه فإذا ما حاول أن يبـتَــعد ...

أيقَــنت أن مُـجَـرَد مُـرورِه .. أصبَــحَ إدمــاناً

- إلى أين يأخُذني ؟ كأني معه مسلوبة الفكر أرافقه إلى نفق مليء بالنور ..لا أرى آخره ، شعور الرضا بصحبته بدأ يخيفني .. هذا الرجل الجالس أمامي يجمع كل ما تمنيت وكأن أمنيتها سقطت وسط قلبه .. وجودها معه في نفس الحيز المكاني يمنحها شعور الإتكال عليه .. كأنه ينتزع منها حمل سنين مضت ليمنحها الأمل في حياة سعيدة قادمة .. وجدت نفسها تراقبه بشوق فتاة مراهقة لفارس أحلامها.. ولا يهم إن كان يركب حصانا أم سيجيء هرولة المهم أن يصلها دون تأخير..

- اربكتها ابتسامته الهادئة كأنه يقرأ أفكارها ، فسألته: لما أنت هنا ؟..

عاد للخلف متكئاً على كرسيه وأخذ يراقبها بهدوء بدءً من رأسها متجولا في ملامح وجهها حتى جعلها ترتبك وتفكر في أنها يجب أن تعيد ترتيب نفسها من أجله ..

هذا رجل يتقن فن الإرباك دون أن يعلم أنه بذلك يترك في نفسي بعضا منه ...وكثيرا من شخصيته

- جئت لأسألك عن قرارك بشأن العرض الذي قدمته لك البارحه ..

- بهذه السرعة .. لم تمضي إلا بِضعُ ساعات فقط .. ؟ ضحكت بتوتر

استغرقت عملية اخراجه لسجائره فترة تفوق احتمالها ..

فقالت باستغراب : عجول أنت ! وإن كنت كذلك في عملك أتعجب أنك تحقق نجاحات واسعة في مشاريعك !

- بعض القرارات كالحُب والنظر مباشرة في عينيها ، تؤخذ على عُجالة فإن تركتها دون المباشرة السريعة بها أصابها البرد والعطب ... كما أن بعضَ الأمور لو تركتها للمنطق والعقلانية لن تتحقق ابدا وستأخذ طريقا تبعدها عنا ..أعلم أنك لستِ في عجلة من أمرك ولو تركتك تفكرين ستأخذين طريقا بعيدةً عني لهذا كان لا بد لي من متابعتك ..

سكوتها ماء بدأ يتجمد على سطح بحيرة .. بعد أن جاءت عاصفة حركته بقوة ثم اكتسحته موجة هواء باردة ..

أشعل سيجارته فحُبــست في الخيط الرفيع المحتــرق ..نِــصفُ أعصابها رماد والنِصــف الآخر يشتعل كُــلما أخذ رشفةً من سيجارته ...

- استعادت إتزانها : الأمور المصيرية تحتاج إلى كثير من التفكير، والتفكير بحاجة الى وقت .. ليس من المعقول أن تطلب مني ترك عملي في المساء ثم تأتي صباحا لتسمع جوابي !!

نظر إلى النادل يضع القهوة أمامه وأخذ يتأمل وجه الفنجان .. سافرت في تفاصيل وجهه ..بشرة ناعمة سمراء .. عيون ناعسة ..أنف دقيق ..وشفاه ممتلئة .. شَعر كقصيدة تغلغلت فيها اللغة لتسطرها أمواجا متعرجة دفعت بخيالها لأن تقترب بخبث عاشقة من جبهته بروية حتى تطبع شمسا بشفتيها ... تملأ رئتيها برائحته وتعود لمينائها منتشية .. تنهدت بعمق وأغلقت عينيها : لست بهذا البؤس ، لا ليس صحيحا ولستُ أنا من تُفكر بهذه الطريقة من الإنحلال ابدا ، وكيف أتعلق برجل لا اعرف عنه إلا القليل القليل ! ..

فتحت عينيها فخطفها بصره .. أسرها بين رموشه .. أجبرها على مواجهته مباشرة ...لم تقو على التحرر حتى أنها لم تحاول كانت حدقة عينيه تضيق وتضيق بشكل لذيذ كأنها تستحوذ عليها لم تعرف كم انقضى من الوقت وهي محبوسة ..حتى بعد أن رن هاتفها في الحقيبة وجدت صعوبة في الوصول إليه ..

- ألو ...

- وفاء ... أين أنتِ ؟

- في المقهى القريب من العمل ..

- لوحدك!

- سأخبرك لاحقا فداء ..قالت بتوتر

- أُشم رائحة موعد ..وكأنها ترى ابتسامتها الشقية من خلف المكالمة

مضطرة للذهاب ..

- لن أتأخر، أجابتها .

أنهت المكالمه وهربت لفنجانها

- يجب أن أذهب ... فداء قلقة وهناك أعمال متراكمة يجب أن أنهيها اليوم.

- لا أعلم لماذا يأتيني شعور قوي بأنك تتهربين مني ..؟

- ولماذا أتهرب ؟

نظر إليها مطولا ، وقال بإندفاع : أتوافقين على أن تكوني حبيبتي وشريكة حياتي ؟

غصت بالقهوة ..وأخذت تسعل بشدة شعرت أن كلماته تدفع بما في جوفها لتستعجلها في إعطائه الإجابة .. شعور الفرح يتراقص في داخلها يقلب لقيمات القهوة يلُفها في الداخل لتنعش بها قلبها ...ثم يرفعها عاليا برقصة سالسا سريعة ومجنونة .. اطفأتها كأس الماء التي ناولها لها .. وقف إلى جانبها قلقا : هل أنتِ بخير ؟

أيحتاج حبه إلى أذن منها !! وهي المُندفعة بكل مشاعرها في اتجاهه كأنها على موعد مرتب مع حبه منذ سنوات!

لستُ في وعيي أنا متأكدة ..ما كُل هذه المفاجآت !! هدأت بعد أن انتهى السعال : نعم أنا بخير ، ولكن السؤال لك أنت : هل أنتَ بخير ؟

ضحك بصوت عالٍ وعاد للجلوس قبالتها : تظنين أنني مجنون ، معك حق ، لم نلتقِ إلا منذ شهر واحد تقريبا ولكنني أشعر بك قريبة جدا مني مُنذ أول لقاء بيننا وفكرت في أننا في مرحلة عُمرية تمنحنا العقلانية في اتخاذ قرار الإستمرار أو التوقف عند مرحلة معينة بعد فترة التعارف التي سنعيشها خلال الفترة القادمة ،إن حظيتُ بموافقتك على طلبي .

أنتِ أول أنثى أفكر في الإقتراب من قلبها ، لطيفةٌ .. صادقة ..صمت قليلا وتابع هامسا ومجروحةٌ مثلي .

ودّت لو تهرب من أمامه بعد أن أصاب وترا مشدودا حتى يكاد أن يقطع ، لا يعزف عليه إلا من سبر غور نفسيتها : من قال لك أنني مجروحة ؟ ألست المبتسمة دائما ! مدت رقبتها بشقاوة أمامه وابتسمت ثم عادت مكتفة اليدين تسند ظهرها على الكرسي بحنق طفلة .

- ضحك واسترسل : ألم يخبرك احدهم من قبل أن ابتسامتك رسول أحزان يوزع على قومه ما تحملين في داخلك من خيبات ! وجهك في ملامحه الصامتة يبث الكثير من الرسائل وما علمته عنكِ في الفترة القصيرة الماضية سيجعلني فخورا بنفسي إن وافقتِ على عرضي لنكوّن معا عائلة في المستقبل .

لم أكن أنا فقط من يجمع المعلومات عنه إذا ..يالبلاهتي كنت اعتقد أنني انا التي ألاحقه !! والحقيقة اننا ككرتين في بندول .

حاولت تغيير الموضوع فقالت : هل كان عرضك لي في أن أكون مديرةً لمكتبك جادا ، أم أنه غطاء لعرض مشروع حُب ؟

- نعم كُنت جادا ..ولكن رغبتي في معرفتك بشكل شخصي والإرتباط بك تفوق رغبتي في أن تكون علاقتنا عملية فقط إسمحي لي بالتقدم خطوة واحدة تجاهك وسأتكفل بإزالة تراكمات الماضي، فقد حان الوقت لتزول آثاره ونبدأ من جديد بشكل صحيح.

تمنت لو كانت طفلة صغيرة لتحشر إصبعها في أذنها وتحركه إلى أعلى و أسفل لتتأكد من أنّ ما تسمعه حقيقيا ...تلقت الكثير من عروض الزواج ولم تشعر بجزء ولو بسيط من تخبط المشاعر الذي وقعت به الآن ، كأنها برج مرتفع ضربه برقٌ فانشطر نصفين.

- أعلم ما تعرضتِ له في خطبتك السابقة وحجم المعاناة وشعور الخذلان الذي تلا الإنفصال وددتُ لو ألغيتها جميعها وزرعت الأمل مكانها .

- توقف رجاءً ، شعرت بغضب داخلي ، كيف قدّرتَ أنك من يستطيع محو الألم من حياتي ومن أخبرك بكل هذه المعلومات .. ؟

- لا داعي للغضب تعلمين أننا نعيش في مجتمع شرقي لو ذكرت اسمك أمام أي شخص من بلدتكم سيقدم لي كل المعلومات التي اريدها.

- من سمح لكَ بالسؤال عني أساسا ، ألم يكن باستطاعتك أن تسألني ، لقد منحت من قمت بسؤاله قصة يلوكها مع غيره ويزيد عليها ما يريد وحسب خياله.

- بعد هروبك مني في الأيام الماضية كان لا بد لي أن الجأ لهذه الطريقة في معرفة كل شيء عنك ، ولا تخافي فقد ذكرت أنني التقيتكِ في أحد الإجتماعات وهو تكفل بإعطائي المعلومات دون أن أسأله .

- يا إلهي أنا الآن مكشوفة لم أكن كذلك من قبل ولن أسمح لأي كان أن يعلم عني أكثر من ما أريده أن يعلم ؟

- إسترسل بعد أن لاحظ صمتها: أنا وأنتِ وجهان لعملة واحدة قد نلتقي وأسعى لذلك بكل ما أملك من مشاعر وإن استوجب ذلك أن أبذل ثروتي لن أتوانى .. وبحزم ، قال : أنا وأنتِ سنجد طريقنا معا أنا متأكد من ذلك ..

لم تكن مباشرته هي المخيفة (هو رجل المفاجآت) قالت لنفسها .. المخيف أنه رجل يشكل عالما منفصلا عن باقي جنس آدم ... تشابهت عوالم رجال كُثر مرت بهم في حياتها ولكنها لم تلتقِ أبدا برجل عالما لوحده ...

- فقط لو تفسحين لي الطريق لأتقدم خطوة واحدة نحوك واتركيني أمسك يدك لنكمل مسيرنا معا

- قالت بخوف: سأفكر في الموضوع وبعد تردد أضافت: هذا أغرب وأسرع عرض للزواج تلقيته في حياتي .. ضحكت بتوتر: أنت تعلم أن الملدوغ يخافُ من جرة الحبل .

- قال لها قبل أن يغادر: بعض الوقت بعيدا عنك وبعض الوقت قريبا منك وأنتِ تسكنينهما معا.

- صافحته وقالت ببرود مصطنع: أراك لاحقا .

مشغولة الفكر ..تسير إلى مكتب فداء لا تعلم كيف أصبحت أمامها .. كل ما فكرت به أنها تريد أن تتحدث إليها.. أن تخبرها أنها لا تحلم وأن ما يحدث حقيقة أن الأرض ترفع فوقها رجُلاً انفردت به عن سائر بني جنسه ليكون بهذه الروعة ..يُدعى اياد

- وفاء - قالت فداء بقلق - ما بال وجهك مُصفر ؟

- اصفعيني فداء ..

- أجننتِ

- نعم .. أرجوكِ ..

وقفت بتردد أمامها .. وصفعتها برفق ..

- نعم أنا لا أحلم .. قالت لها ساهمة

جلست فداء إلى جانبها ووضعت يدها تتحسس جبهتها : أتشعرين بالمرض؟ .

إستدارت وفاء وجلست بمواجهتها ..

- أجفلت: وفاء أنتِ تتصرفين بغرابة!

- نعم أنا أتصرف بغرابة... ليتني أجد تصنيفا مناسبا يفسر ما حدث اليوم ...

- شوقتني تكلمي... لو أملك مرآة الآن لوضعتها أمام وجهك لتشاهدي الفرح الذي يراقص تعابيره ...هيا تحدثي .

أخذت وفاء نفسا عميقا وبدأت تقُصّ عليها ما حدث وفي نفس الوقت تراقب تغير ملامح وجهها والإنتقال من فرح إلى حزن ثم سكنته خيبة أمل ..دفعتها لسؤالها كمن يشعر بالذنب :

- ماذا حدث أأخطأتُ أنا بتصرف أو كلمة ؟

- سكتت قليلا ثم قالت بتردد: اياد متزوج ..

تلاشت الإبتسامةُ عن وجهها .. هوةٌ أخذت تنمو في داخلها تكبُر وتكبر إلى أن ابتلعت كل ما حدث هذا الصباح : كُل هذا الإهتمام منه ..كان كذبا !! يا إلهي كيف استطاع خداعي بسهولة إعتقدتُ أنني أمنيته الأخيرة وأنني حلما غادره ليسكن بي

- لا تبتئسي غاليتي نعلم كِلانا أنكِ محبوبة ومرغوبة وسيفعل أي شخص اكثر مما فعل إياد ليصل إلى قلبك ، سيتقدم من هو أفضل منه ...على الأقل رجل نتوسم منه الصدق ..

تنهدت وقالت دامعة :أخشى أنني مُعجبةٌ به لدرجة لا تُمكنّني من التفكير الآن في غيره .

-العتمةُ لفت غرفتها .. الصورة التي رسمتها له مشوشة مهزوزة .. أخذت تتغنى بأبيات لغادة السمان

“في المساء

يتفتح شوقي إليك

حقلاً من أزهار الجنون الليلية ...

آآآه كل تلك الأسوار بيننا ...

آآآه بيني و بين وجهك

ليل طويل من الفراق ...

و ريثما يطلع الصباح

ستلفني الكوابيس كالكفن ..

و سأستيقظ كالعادة على صوتي ..

و أنا أنادي اسمك ..

و تحلم بك أحلامي ! ؟"

آآآه يا إياد ألم تجد إلا شبه إنسانة لتجهز على ما تبقى منها !!

وسط موجات بُكائها أعلن الهاتف عن وصول رسالة نصية أمسكته حاولت مسح دموعها والجلوس كأنها ترتب نفسها لتستقبله بعد أن شاهدت اسمه يسبق الرسالة :

"عشقكِ كالرمال المتحركة كلما حاولت النجاة منه أوغلتُ فيه عمقاً ، وكلما حاولت الشفاء منه إزددتُ جراحاً ، يا ألمي الذي احببت ، ويا أملي الذي هربت منه .

غاليتي ..كنتِ كذلك ، ولا أدري إن بقيتِ في أعمق نقطة في قلبي ولا أذكر بأي تاريخ أصبحتِ حلمي !"

- سحقا ، لماذا لا أجتذِبُ إلا المخادع والكذاب ... كأنني شجرةٌ هرمةٌ لا يلجأ إليها إلا الغربان والوطاويط ؟ ..

عصبيتها دفعتها للرد بقسوة : أرجو منك أن لا تعاود مراسلتي أو الإتصال بي أو حتى محاولة لقائي مجددا ..

- من أعطاه الحق في اللعب بمشاعري وكيف تغفو أجفانه ليلا ؟ صرخت وهي تدفن في الوسادة وجهها .

أغلقت ذاكرتها ..وضبطت لِسان حالها على وضعية الصامت ..

وها هي تنامُ قهراً.. تُـعيد شريـطَ أحلامها معه .. محاولاتِـها لإلتقاطَ صورتِـه من ألبوم الأحلام تشبه إلى حد كبير إِمساك ضوء قمر في ليلةٍ عاصفة وتثبيته في مكانه.

أشرقت شمس صباح جديد بدأت معها إزالة كل رواسب اليوم الماضي .. هكذا عودت نفسها في إنهاء خيباتها واستكمال يومها وكأن شيئاً لم يكُن أفرغت كل همومها في عملها .. وأنجزت كل المتراكم من الأيام السابقة.

كانت تتحاشى نظرات فداء المُتسائلة خلال الأيام القليلة التالية حاولت أن تشغل نفسها ولكن هيهات فقد كان يُطل كُل ثانية ليخلق فوضى غياب أربك ترتيب الخطة التي وضعتها لنسيانه .. رسائله التي اكتسحت هاتفها ومكالماته الفائتة التي لم تنقطع بددها دخوله إلى العمل ومشاهدتها له يتقدم باتجاه مكتبها مباشرة ثم إغلاقه للباب كل هذا حدث كجزء من تسلسل رؤيا تمنت حدوثها وها هي تتحقق بمثوله أمامها و: ماذا يحدث ؟ تخرج من فمه بعنف ..

- بقيت صامتة ومن يدها انسحبت الأوراق بخجل لتستقر تحت طاولة قريبة في انتظار أن ينهيا عتابهما ..

حاولت أن تجلس القرفصاء للملمتها لكنه أمسك برسغها وأجبرها على مواجهته ..موجة كهرباء أرعبت حواسها فتسابقت إلى موضع أصابعه تلهب ما حولها .

- سحبت يدها وقالت بغضب : نحنُ في العمل.

- أخبريني ما الذي فعلته أو أي جرمٍ اقترفته إن كان حبي لكِ جرما ! حتى تعاملينني بهذه القسوة وهذا الجفاء ؟

- من يسمعك يعتقد أننا كنا عشاقا ونقضتُ أنا عهدي معك!!

وقف بصمت كأنه تلقى صفعة قوية على وجهه ..

- تابعت: كان هناك عرض منك وتصرفي هذا يعني عدم الموافقة مني ..

- أخبرتها أنك متزوج ... قطعت فداء عليها حديثُها: كان عليك أن تكون اكثر وضوحا معها منذ البداية .

- نظر إلى فداء ... وقال: لو تريثتِ قليلا فقط ...لم أكن لأخفي شيئا عنها ..

- لا داعي لذلك سيد اياد ...سننهي الحديث بهذا الموضوع الآن ..كانت مجروحة تكاد تختنق

بعد أن سمعته يطلب وقتا للشرح نزلت تلملم الأوراق ..حاولت أن تخفي وجهها الحزين : نحن في مكان عمل أسندت ظهرها ووقفت امامه بعد ان ألبست وجهها قناع اللامبالاة : أتمنى أن تغادر المكان ..

كان مِن الإرتباك ما دفعه لتأمل ملامحها القاسية ..لم تكن بهذا العنف من قبل ..أمسكت فداء يده وطلبت منه مرافقتها إلى مكتبها..

وصل الى الباب والتفت إليها : يالقسوة قلبك وكأنه قُدَّ من حديد !! في يوم ما سأكون المكان الوحيد الذي تهربين منه إليه ، هذا وعد .

الطريق الضيق أخذ ينفرج أمام سيارتها لتفصح عن بلدتين تسترخيان بين كتلة من أشجار البلوط المتشابكة ..ألوان تتمازج لتشكل قوس قزح يفترش الأرض وأغصان أشجار تحاول لمس السماء ، تتماوج كأنها تغني لحضورها أوقفت السيارة إلى جانب طريق زراعي وصعدت لرأس تلة تشرف على القريتين ..

عبين وعبلين مساحة ومسافة واحدة .. بيوت قديمة ،جبال عالية وكروم عنب و شجيرات تفاح مصفوفة بعناية تحرسها أشجار التين وتحف جوانبها أشجار اللوز .

كانت جدتها تحاول أن تصرف انتباهها عن التعب الذي تشعر به أثناء مساعدتها لها في أعمال الحقل فتحكي لها قصة تسمية هاتين القريتين والتي تعود للعصر الروماني حيث منح الملك آنذاك القرية الصغيرة اسم ولده الامير عبلين واطلق اسم ابنته الاميرة عبين على القرية المقابلة.

كانت تعترض بضجر : ألم يجد والدهما غير قريتينا ليطلق عليهما أسماء أبنائه !!

فتقهقه جدتها وتقول : الخير في الأرض والبركة ترافق العمل ، وقد أحب والدهما المنطقة واعتبرها كأولاده ، سحرته فلم يقوى على تركها ، في آخر قصتها كانت تتوج رأسها بطوق من الورود البرية ..وتقول لها أنتِ الآن أميرةٌ رومانية تحبكِ الأرض وستمنحكِ سحرها عما قريب .

ماتت جدتها ومات والدها كرهت بلدتها ، كانت تتحين الفرصة لمغادرتها إلى غير رجعة ، حتى تحققت أمنيتها وسكنت احدى الشقق فأيقنت أن الأرض الخصبة في داخلها لم تعد صالحة .. إنحسار المساحة الخضراء كشف عن الألم الذي توغل في ثنايا قلبها منذ غادرتها .

الحارات التي دخلتها بسيارتها أعادتها إلى طفولتها وأبناء الجيران لم تكن ممن يفضلون اللعب مع بنات جنسها بألعاب البنات كما كانت تقول لأمها عندما تعنفها : أمي لا أستمتع بألعاب نط الحبل والقفز فوق خطوط رسمت لأصل إلى نقطة النهاية أريد أن أقفز وأتسلق الأشجار أريد أن اختبىء وأثبت للأولاد أنني أفوقهم حيلةً ودهاء .

فترد أمها مغلوبة على امرها : ومن سيقنعك يا ( حسن صبي ) أنكِ أنثى وعلى أساسه يجب أن تتصرفي بنعومة !!

قبلت يد أمها ..ورمت نفسها في حضنها

- مُنحتُ إجازة قسريه ، ضحكت بمرارة . كانت فداء مِن الحزم في فرض الإجازةِ عليها أمرٌ غير قابل للإعتراض ، نظرته إليها مِن بعيد عندما هم بمغادرة الشركة ، أشعرتها بأن أمعاءها تتمزق بعد أن أغلق الباب خلفه ، دخلت فداء ووقفت لبرهة أمامها : يا إلهي ، أنتِ تحبينه !

- قالت باستسلام : لستُ كذلك ، ولكني متعبة هذا كُل ما في الأمر .

أدارتها فداء لمواجهتها وقالت : وجعُ الحُبّ لا يخفى على أحد عزيزتي ، والنكسةُ تشيرُ لكِ كأنها تقول: هُنا عاشقةٌ تتمزق .

علا صوتُ بكائها وكأنه سيلٌ تدفق فجأة بعد انحباس ...ضمتها فداء و أمرتها بإجازة جبريه .

- خالتك دعتنا لتناول طعام الغداء عندما علمت أنكِ قادمة أصرت على تلبيتنا للدعوة -راقبت شرودها للحظة فسألتها : هل أنتِ معي ؟

- نعم أمي ، ولكنني متعبة ألا يجوز تأجيل الدعوة للغد ؟

- لا يا ابنتي فقد دخلنا وقت الغداء ، ولا مجال للتأجيل الآن .

ضحكاتهم فرحا بقدومها كدعوة صريحة للجدران للتصفيق على رأسِها ، وخنقها ، حتى ابتسامة المجاملة تحولت إلى ما يشبه فتح وجهها بأداةٍ حادة تؤلمها بدلا من أن تدخل لقلبها الفرح ..

بدأت أصواتهم تبتعد رويدا رويدا وسافرت في الفراغ الذي غزا عقلها: ماذا يفعل الآن ؟ هل سيعود من جديد أم أنني أخفته ...آآه لو كنت سمعته لو تركت له الفرصة للحديث ، لماذا لم أمنحه الفرصة هذه الشخصية المتوترة المترددة المحطمة التي تحتلني ستبعده عني شعرت بلمسة دافئة فوق يدها نظرت إلى أمها ثم إلى خالتها ، التي كانت قد وجهت لها سؤالا:

- أعذريني خالتي كنتُ شاردة ؟

- هل اتصل بك حازم في الآونه الأخيرة ؟

إختفت ابتسامتها المتعبة ، لم تكن تحتاج فوق جبل أفكارها المتراكمة قشة حازم ليسقط لسانها في فمها ... قلبت نظرات حزنهم عليها صفحات الكتاب حتى عادت لفصل نهاية قصتها مع حازم وكيف وقفت قريبا من النافذة تراقب سيارته تغادر ساحبا معه الضوء ليعود من جديد إلى جسدها في المستشفى .

شعرت بالهمهمات تملأ حواسها بالحنق ها هم يصوبون نحوها فوهات شكوكهم .

- أجابت بحزم : لا ، ولما يفعل ؟ لقد انفصلنا مُنذ وقت طويل إلى غير رجعة .

- نظر الجميعُ في وجوه بعضهم ، شعرت بأن هناك خطبٌ ما : ما بالكم أهناك ما يجب أن أعرفه !

بتردد قطرات الماء المتسللة من صنبور ماء قديم ، قالت خالتها : حازم مريض ، مُصابٌ بورم خبيث .

يالإنتقام القدر كيف جاء قاسيا حتى وإن شعرت تجاهه بالكره في وقت ما إلا أنها لم تفكر في يوم من الأيام بأنه من الممكن أن يصيبه مكروه : أتمزحين ..ضحكت باقتضاب بعد أن لاحظت وجوم الجميع ، وقالت بإختصار : لا لستِ كذلك ..يا الله ، ربي عفوك ، أضافت بشفقة : وكيف هو أقصد نفسيته ، ووضعه الصحي ؟

- ما زلتِ كما أنتِ عطوفة ، حنونة ، حتى لو كان ظالمكِ يتألم تأخذكِ الرأفةُ عليه ، قالت خالتها .

- من لم يخطئ في حياته خالتي ، هل أنا ملاك ؟ لا لستُ كذلك ، لقد أخطأت مرات عديدة ، كُل شخص يحمل في طيبته ، جانبا مظلما يسطو على شخصيته أحيانا ، صمتت فجأة وقالت : أتمنى من الله أن يشفيه .

- لكنه لم يخطئ في حق نفسه أجابت أمها بقسوة بل قام بخداعك والإستهتار بمشاعرك وهذا بحد ذاته جريمة لا يمكن مسامحته عليها .

كانت مستلقية على سريرها عندما دخلت والدتها ووقفت قريبا من الباب : لم يكن يجب أن تعلمي عن حازم ، لا أستوعب فكرة أن تتألمي ثانية حتى لو كان ألمك عليه دون علمه .

كنت سأعلم إن لم يكن الآن ففيما بعد أمي ، أشفق عليه حقا فبعد أن ظن أنه حقق أمنيته بعائلة وأبناء أتى المرض ليسرقه منهم هكذا - وفركت الإصبع الأوسط والإبهام ليصدر عنهما صوت – وكأن المرض أنهى حياته وهو يتنفس ، أعرفه أكثر من أي شخص آخر أمي ..سيقتله الخوف قبل أن يقتله المرض .

- لا أتمنى له الموت ، لكنني أتمنى أن يذوق من ذات الألم الذي قدمه لكِ .

- أعلم أنكِ قاسية ولكنني أبدا لن أقتنع بأنكِ حقودة .

- ليس حقدا إنما هو وجع الفقد ، ولا أحد يشعر به إلا من يعانيه ، فكيف بحبيب يتركك بكل سهولة وينام في حضن أخرى .

لم تسمع صوت الباب الذي أغلق خلف أمها لم تلحظها وهي تغادر ، كان إياد يطل عليها من شباك ذاكرتها.. يمسك رموشها ويرفعهما لأعلى لتبصر وجهه يزيح الظلام يختار مقعده فوق المكتب القريب ويبدأ في تأملها ، دفنت وجهها تحت الوسادة فاحتضنها طيفه طوقها بين ذراعيه بدفء شدها إلى أعماق جسده لف شعرها بين أصابعه يشمه ويطبع خلف أذنها قبلة قبل النوم .

هزت كيانها دغدغته اللذيذة تذكرت زوجته فأبعدته عنها لكن الدغدغة استمرت بسحبها إلى أن استيقظت من النوم استمر الشعور بالدغدغة تحت رأسها فمدت يدها حتى أمسكت الهاتف كانت قد ضبطته على وضعية الرجاج قبل نومها خوفا من أن لاتسمعه إن هو اتصل ، عدلت جلستها رقمه يتراقص على الشاشة ، أترد أم تتركه معلق ؟ لماذا لا تمنحه فرصة للحديث !

ضغطت زر الإجابة .. لكنها تأخرت وأعلنت الشاشة عن وجود مكالمة فائتة ، بدأ ضوء الشاشة يخبو حاملا معه أملها في أن يتصل ثانية : هل أطلبه ! لا .. لا لن أفعل ..

كانت تهم بوضع الهاتف تحت المخدة ولكنه دغدغها ثانيةُ معلنا عن رسالة ، فتحتها بسرعه : أعلم أنك مستيقظة لقد شعرت بك عندما استيقظتِ من النوم ، أجيبي مكالمتي ، سأطلبك عند إنتهائك من قراءة الرسالة.

شعور غريب رافق الهاتف في تحركه مع طلبه لها مرةَ أخرى ، كيف علم أنني استيقظت ، كيف شعر بي ؟

- ألو ، قالت بتردد هامس .

قابلها بتنهيدةِ سكنت وسط أذنها ، ظنت أنه لا يسمعها ،أعادت : اياد ،ألو .

لحظاتٌ من الحديث الصامت ، كلاهما يقرأ الاخر عن بعد ، تتخيله يقول لها : لما القسوة ؟

فتجيبه : رد فعل طبيعي لخيبتي فيك .

- لن أبرر ، كان إخفائي لحقيقة زواجي خوفا من أن أخسرك قبل أن أبدأ .

- قال بخوف : زواجي ....

- قاطعته : هذه حياتك الشخصية .

- أرجوكِ دعيني أكمل ، اياد يرجوها لا تحب أن تلمس ضعفه ، لماذا أوصلته إلى هذه المرحلة من اليأس ليرجوها ! دمعت عيناها .

قطع حوارهما بقوله : لم يقدّر لزواجي الإستمرار ومنذ عام تقريبا وأنا منفصل عن زوجتي أجلت البتَ في الطلاق للمحافظة على سمعة العائلة السعيدة التي حاولت أن أبقيها كذلك أمام المحافل الراقية والمجتمع المخملي ، ولكن في الحقيقة أنه زواج فاشل يقوم على تمثيل أحد الأطراف بالسعادة ويستمر الآخر بالإبتزاز المالي ، وجئتِ أنت في ليلة قررت هي أن لا ترافقني بسبب توقفي وتصميمي على أن لا أدفع لها المزيد من النقود .

- والتقيتك ،لو تعلمين ماذا فعلتِ بي تلك الليلة !!

و كأنه يستعيد اللحظة : إبتسامتك الخجولة أشعرتني بتفاهة تمثيليتي ، لهذا وبعد أن علمت عنكِ ما علمت ورأيت شجاعتك بقولك لا لمغريات الحياة التي تحاول تغيير مبادئك رغم أنها حلول في بعض الأحيان لما يحيطك من مشاكل ، قررت المضي قدما في طلاقي .

والآن بعد رفضها لموضوع الطلاق أصبحت قضيتنا في المحكمة ولكنني أخشى أن تطول المدة فمثل هذه القضايا قد تأخذ عاما أوأكثر ، خاصةً بعد مهاجمتها لي في كافة الأصعدة ومحاولتها الحصول على جزء كبير من الثروة بتقديم أوراق ثبوتية تثبت أن قسما كبيرا من ثروتي يعود إليها .

أعلم أنكِ تكنين لي المشاعر ، حتى دون تصريحك لي بذلك ،لن أقول أنني رجل كامل دون أخطاء جميعنا نخطئ ، ساعديني لأقف من جديد متجاوزا فشلي الذريع في اختياري .

لا تريد ان تصدقه ، لا تريد أن تستسلم له بسرعة ، ما الذي يثبت لها أنه صادق وما يتحدث عنه حقيقة ، لماذا لا يكون هو المشكلة وليست هي ، في محاولةٍ لإبعاده قالت :

لا يهمني مال أو جاه أو حتى جمال ما يهمني في الرجل هو صدقه وعقلانيته وتقديره لعواقب الامور كرجل شرقي بفكر متحرر إلى حد لا يخدش مجتمعنا المحافظ.

قاطعها : فقط قولي نعم ، تحرري من هذه الظنون معي ، سأكون الأمان الذي تلجأين إليه ، ووالدكِ الذي فقدتِ ، وحبيبكِ الذي لن يتخلى عنكِ أبدا ، فقط أنطقيها قولي أنكِ موافقة وسأحميكِ حتى مني .

كيف تقول نعم بهذه السهولة بعد قصةٍ قد يكون نسجها للتو ، ليست بهذه السذاجة أكيد ، ولنفرض أنها كذلك فعلى ماذا تقول نعم ، تخبطت وجدت نفسها معه وبعيدة عنه في آن معا ، مغامرتها في منح حازم فرصة لم تورثها إلا الخيبة والخسارة ، لكن الحياة ليست بهذا السوء ، قالت لها والدتها ذات مرة : ليس كل الرجال واحد وحازم أبشع من مثّــلهم !!

- إذا من يمثل الرجال يا أمي إن كانت تجربتي لا تعكس حقيقتهم ، وإن كان حازم قد حاول انتهاز فرصةٍ تمكنه من الحصول علي وبذل نفسه من أجل تحقيق مآربه مني بطريقة بشعة ؟!

- نعم من ثلاثة حروف لا تحتاج إلى كل هذا التفكير ، رجل الإرباك عاد ليهز الأرض من تحتها .

- لكن ( نعم ) في هذه الحالة قاتلة إن لم تكن في مكانها الصحيح ، لن أشرع بابي مرةً أخرى للصقيع ليجمد أعماقي ، الدفء القليل الذي يسكنني هو سبب بقائي حية المشاعر للآن .

- لماذا تحاولين اقناعي بأن الوصول إلى قلبك صعب ؟ وأن عقلك موجه فقط في اتجاه واحد كفرس في مضمار وضع ما يحجب نظره إلا على الهدف الذي يسابق الآخرين للوصول إليه ، دعي روحك تتنفس ، أطلقي العنان للطفلة التي في داخلك ، لن أؤذيك وإن شعرت بسوء سيصيبك بسببي سيسبقه انسحابي من حياتك ، وهذا ما لن يحدث .

وعوده كانت نابعة من القلب دفعت المقاومة للإنسحاب لهفته دفعتها لتعلن : نعم، أعماقها تمردت وأعلن صوتها الخافت ولاءها،منذ متى كان الحب مضمون النتيجة؟