-2 -
استيقظت باكراً على صوت أمي وهي تصلي، تنصتّ لتمتماتها ولدعائها، استعذت باللّه ونهضت من سريري. حيث نمت بعمق وارتياح، لأول مرة منذ أسبوع.
توضأت ولبست معطفي وخرجت قاصداً الأرض الشرقية. أرض جدي التي استولى عليها السلماني بالحيلة إثر موت أبي. وأنا أشق طريقي إلى ما حلمت به طويلاً، لفحتني نسيمات الفجر الباردة ورطبت وجهي رطوبة الجو، وتناثرت فوق رأسي حبات المطر القليلة، المختبئة على أوراق الشجر منذ ليلة أمس.
على التربة الصلدة صليت. ثم شرعت في إلقاء نظرة شاملة، فاحصة عليها. قررت أن أبدأ معها. أفتتح مشاريعي بها... خططت وحذفت، وسمعت ومحوت، نصبت أسلاكاً وأعمدة وأقمت أسواراً وحدوداً في الهواء، حفرت وطمرت ثم استرحت، بقيت جالساً حتى أشرقت الشمس، وبدأ الناس يتوافدون جيئة وذهاباً. فقررت الذهاب إلى المختار. لكن ما إن ابتعدت عن الأرض حتى قادتني خطاي رغماً عني إلى مقهى نصار!
وجدتها مكتظة بالعاطلين، والعمال الباحثين عن العمل، والأزواج الهاربين من ضغط الحياة، وثرثرة نسائهم ومطالبهن.
وبسبب الحرب كان عدد الرجال قليلاً. وبعد هجرة الفلاحين أصبح عددهم بعدد الأصابع.
استقبلني الأصحاب بالقبل والأسئلة الثقيلة على القلب. وحين أدرت لهم ظهري راحوا يتابعون ثرثرتهم، ويلعبون النرد والدومينو والورق، ويدخنون بشراهة ويتحدثون عن موسم الحصاد الهزيل وظلم السلماني..
بقيت صامتاً لم أتدخل أو أشارك في أي حديث. عيناي وحدهما كانتا تتحركان، ولولاهما لبدوت للكثيرين أشبه بالصنم.
وكاد صمتي يستمر لولا سعدو. تناهى اسمه إلى مسامعي فتنبهت. تنصتّ إلى الحديث الدائر ففهمت أنه في مصيبة" أصغيت جيداً فسمعتهم يتحدثون عن "ثعبان ولج حظيرة حيواناته فقتل خروفاً ودجاجتين. واستقر في مربض البقرة عزيزة، التي فرت هاربة. ولولا زهرة زوجة سعدو وابنه لما استطاع أن يجد لها أثراً".
ونظراً لخبرتي الفائقة مع الكواسر، وشهرتي في الصيد فقد رمقتني العيون. كأنها تترجاني أن أنهض لمساعدته!
وكانت فرصتي... راجعت حساباتي، دورت الأمر في عقلي مرات، ثم وثبت فرحاً.
-إلى أين يا كاكاحمه؟ إلى أين!
هتف أكثر من شخص فلم أجب. أشرت إلى نصار وأنا اقتحم غرفته الملحقة بالمقهى، ليتبعني، ففعل مستغرباً:
-أغلق الباب وراءك يا نصار.
أمرته ففعل وهو أشد استغراباً.
أخرجت رزمة الأوراق من جيب معطفي وسحبت منها ما يخصه. دفعتها إليه، تناولها وتمتم.
-ما هذا يا كاكاحمه؟
قلبها بيدين مرتعشتين. وفحصها بعينيه الذاهلتين وهمس بفرح طاغ:
-إنها الصكوك وسندات الفائدة والأمانة... التي بذمتي لـ...
-أطبق شفتيك... خذ الزناد وأحرقها.
مددت يدي فاختفى. اصفر وجهه وتردد. فصحت به:
-هيّا... لا تؤخرني... احرقها...
انحنى على جبهتي، قبلني بحرارة وتناول الزناد.
أحرق أصابع الجمولي التي كانت تتحكم به، تحكم قبضتها على رقبته ونثر رمادها على الأرض وداسها بنعليه... بعدئذ تنفس الصعداء.
-الآن أصبحت حراً يا نصار... ما عاد الجمولي يخيفك، ويهددك بشيء، فانسى الموضوع برمته، ولا تأت على ذكر ما حصل لأحد: إياك... إياك... وإلاّ سأذبحك بيديّ هاتين..
وأنا أمد يدي مهدداً بان "غدر الصقر بجلاء" فتذكرت قطعة اللحم التي اقتطعها الغادر بمنقاره، وازدردها!
لمحت طيف ابتسامة على شفتي نصار، القوي الطويل، ابن الاربعين.. والذي شغل القرية بشقاوته ومشاكله قبل أن ينتهي به المطاف "أسير مقهاة"... هادئاً مسالماً!
انحنى نصار ثانية وهمّ بتقبيل يدي فرفضت:
-كاكاحمه، أيها العزيز، أنت لم تفك رقبتي من الأسر فحسب، بل أعدت لي الحياة من جديد... إنني مدين لك بعمري...
-السلام عليكم..
قاطعته مودعاً، لم أدعه يكيل لي المديح والثناء، تركته وذهبت إلى المختار ثم إلى الحاج صالح، كل على حدّة، وفعلت الشيء ذاته معهما، حرق الصكوك وسندات الأمانة وتهديدهما بالذبح إذا ما فتح أي منهما فمه. وأخيراً وجدت نفسي حراً، وكي لا يتسرب الضجر إلى روحي كان عليّ أن أبدأ بتنفيذ خططي على الفور، وأشرع دون تردد في استرجاع حقي. فما عاد أمامي مجال للتخاذل، فالأفكار التي تحتشد في رأسي حان أوان إنجازها، لأن الزمن لا ينتظر أحداً... ومن تمر أيامه لا ترجع إليه أبداً. لذا وجب استغلال الفرصة والإسراع في العمل. حتى وإن اقتضى الأمر المجازفة... وليحصل ما يحصل... فلقد ضاعت مني المهجة والبهجة فهان عليّ كل شيء.. كل شيء...
واتتني شجاعة مفاجئة، كدت أجاهر بها وأتفاخر ليس أمام نفسي فقط، بل أمام الدنيا كلها. فاندفعت إلى بيت سعدو وكلي إصرار على استرداد كل فلس سرقه منا..
تحركت بهمّة وحماس، والخطى تهتف بي "هيّا يا كاكاحمه، لا تتراجع إنها تجربتك الأولى فثبت قدمك... ولا تلتحف بالعجز، عجز الواقع فلن يفيدك بشيء... هيّا اكسب المعركة... إنه امتحانك الأول... لكن إياك أن تفاتح سعدو الان بمسألة الأرض وتنزوير الشهادات... إياك"
مضيت قدماً... هادفاً طحن العتمة التي تريد أن تجرني إليها... وأستنبت النور للأيام القادمة، وأقهر اليأس كي تتكسر النصال الحاقدة تلو النصال على جسدي العليل..
صادفت بغلة سعدو تسرح بعيداً، وسحابة من البرغش تحيط بها، فعجبت! لأنه يحرص على ربطها في ساحة داره الأمامية، لتكون نصب عينيه وتسهل عليه مراقبتها وإبعاد الأطفال الذين يحاولون ركوبها، أكثر من خوفه من "البكر".
وعند عتبة الدار وجدت الصغير راضي، يفترش الأرض. يتلهى بآلة الجرش الصخرية، كأنه يساعد أمه. وقفت أراقبه وهو يجرش الطحين، ويدّور العتلة الخشبية بصعوبة. ثبتّ عيني على الحنوب التي يرميها، لاحظت أن الحبة مهما فعلت لتنجو فلا خلاص لها، تسقط بقلب الطاحونة في النهاية! أدركت مصير الإنسان. وحدست أن اللّه أوقفني لأشاهد الحقيقة. ولأعرف أن لا سبيل لنيل الحق إلاّ الإّقدام، ما دام الأمل معلقاً على سحائب من خوف، ويرسم شارات المصير...
اقتحمت الصالة. بوغتّ بالخبيث سعدو يلطم على رأسه، كثكلى فقدت عزيزها الوحيد! وبجانبه جلست امرأته تولول أكثر منه، وعلى وجهها سيماء من حلت بها فاجعة...
تجاوز هذا المحتال القصير القامة الخمسين من عمره ولم يزل موضع الريبة والشك من الجميع وإن تظاهر بالبراءة والطيبة استقبلني بوجهه العابس دوماً. رمقني بدهشة، بنظرة مرتابة، كأنه يتساءل عما جاء بي، وأزاح بصره عني حالما اقتربت منه، وحنى رأسه إلى الأرض. بينما ظلت عينا الخالة زهرة معلقة بي... وقفت أمامه. ربتّ على كتفه الأيمن وخاطبته:
-ما هي خسائرك يا سعدو؟
غزا الاضطراب وجهه كمن أخذ على حين غرة. رفع رأسه الكبير... تأملني في حذر وحنق، وقال بلهجة عتاب:
-أجئت تشمعت بي! اذهب جزاك اللّه خيراً... اذهب.. دفعني دفعاً، مسكت يده. انحنيت فوقه وقلت:
-لم آت لأجل الشماتة يا سعدو.
-إذن لم جئت؟
فكرت: أخيب ظنه وأفزعه بصورة غير متوقعة، فقلت:
-جئت لأسألك عن عقوبة شاهد الزور، ولآخذ حقي. جن، انتفض كالملسوع وصرخ آمراً:
-حقك!! اذهب من هنا... اخرج... هيّا... اخرج...
لم أتحرك من مكاني ولم أنفعل! هو يعرف طبيعتي الهادئة. فأنا مسالم "لا أحل رجل دجاجة" وإذا غضبت فالكلمات تخرج من بين شفتي قسراً... ولولا ذلك لما أخذ يدمدم، يرعد ويزبد... ولا أدري ماذا كان سيفعل لو علم بما لديّ من أوراق!
لم أبال بصراخه تابعت وعينا زوجته تكادان تطفران من محجريهما وكلمات مجيد "باغت عدوك تنل مرامك" ترن في أذني.
-أتريد اللحاق بخروفك ودجاجتيك، أو تدفع فوراً"
ارتعش بدنه. ولحظت ارتجاف عينيه وهو يتأملني بغيظ:
-أدفع ماذا؟!
حاول التملص والمراوغة فأمسكته من كتفه:
-دين أبي... كم بذمتك لنا؟
-ماذا!! ماذا!!
-أبي، أظنك تذكر كم استدنت منه... تذكر جيداً..
-أمجنون أنت؟! اخرج... اخرج..
أحكمت قبضتي على رقبته وهددته:
-سأمهلك دقيقة واحدة فقط لتتذكر جيداً، وترد الدين وإلاّ فسأدفعك إلى حيث الثعبان.
ازداد جنوناً فصاح:
-اتركني... اتركني يا مجنون.
لطمته على رأسه فهطلت دموعه.. وحاول أن يقاوم فرفسته على خصيتيه فجأر من شدة الألم.
وهبّت زوجته متوسلة بعد أن بانت لها جديتي.
-ماذا بك يا كاكاحمه! اتركه... دعنا في مصيبتنا.
-لا تتدخلي يا خالة زهرة.. أرجوك... أنت امرأة مؤمنة.
نهرتها فسكتت على مضض... وعاد هو للصراخ والتهديد:
-سأشتكيك إلى الآغا السلماني... سيدق عنقك. شددت ضغطي على رقبته وهمست:
-مضت نصف دقيقة.
لم يبد تخاذلاً، أو يظهر استسلاماً مما أجبرني على سحبه بقوة نحو الداخل، إلى حيث المربض، وهو يجأر ويرفس الأرض بقدميه. وإذ حدس عدم جدوى ذلك، قام بحركة يائسة من يده تدل على الخضوع.
أدخلته المربض، فلحقت بنا الخالة زهرة، وفي عينيها فزع كبير. تتساءل باستغراب:
-ماذا تريد منه يا بني؟ ماذا تريد؟!
-أريد استرداد حقي... دين أبي الذي أنكره سعدو...
-أي دين هذا يا كاكاحمه؟ أي دين؟!
-خالة زهرة.. أرجوك لا تتدخلي... هذا الخبيث يعرف كل شيء...
-وأين كنت طوال هذه السنوات؟
-كنت غبياً، لا عقل لي. والآن عقلت فجئت آخذ حقي...
-لا شيء لك عندي.. لا شيء..
هتف سعدو بعناد وقدماه لم تتوقفا عن الرفس.
-صحيح أنك بغلت يا سعدو وصرت بليداً، لكنك لم تنس ما بذمتك حتماً... ينسى الدائن ولا ينسى المدين، أليس كذلك؟
خرس ولم يحر جواباً. تمنيت من كل قلبي أن تجري الأمور كما يجب، وقبل أن أدنس يدي وأتورط بعمل أندم عليه... لكن سعدو لم يتح لي مجالاً للتفاهم، فاضطررت إلى سحبه.
-سأرميك وحق اللّه. لن أدعك تفلت من بين ناب الثعبان...
-دخيلك يا كاكاحمه... دخيلك...
-قل، كم بذمتك لأبي؟ قل..
امتنع عن الكلام. وبدأ المقاومة حاول الإفلات لإنقاذ نفسه، وخشية أن يستقوي عليّ ويفلت من بين قبضتي ومهاجمتي وعندها أخسر سمعتي وتضيع مني كل الفرص لتحقيق ما في ذهني من المشاريع، لطمته ثانية بقوة ودفعته إلى الداخل...
تهاوى على قدمي مرعوباً.. واعتقدت أنه سيستلم فإذا به يهبّ واقفاً يروم الخلاص، فأعدته واللطمات تتوالى على رأسه أنذاك فقط أيقن أنني لا أمزح! فرفع يديه مستسلماً بصق دماً، وحدجني بعجب وعض إصبعه وضغط عليه بما تبقى له من قوة وأعلن بيأس:
-مائة وخمسون ديناراً.
-والفائدة؟ فوائد أكثر من خمسة عشرة سنة.
لنقل إنها أربعون، خمسون.. يصبح المجموع مائتا ديناراً زائدا عشرة دنانر عن الحلال والحرام...
-مائتان وعشرة... مائتان وعشرون... اتركني، سأدفعها لك فيما بعد...
-لا... ستدفعها فوراً..
-لا أملك فلساً واحداً..
لا تكذب... قبل أسبوعين سلمك الجمولي ثلاثمائة وخمسون ديناراً... حصتك السنوية..
ارتعب، وتطلعت الخالة زهرة إليّ تستقرئ في ملامحي حقيقة ما سمعته، لقد فاجأتها حقاً وأدهشتها، ظلت لثوان تنظر مستنطقة عينيّ. ثم تمتمت بذهول.
-ثلاثمائة وخمسون ديناراً! من أدراك بها؟
-أنسيت أن الجمولي زوج خالتي.
اكتفيت نحو سعدو يتملكها الغضب وسألته باحتقار:
-لِمَ أخفيتها عني؟
-أراد الزواج بها.
-كذب... لاصحة لذلك.
اعترض سعدو فرفسته في خاصرته. وجنت زوجته حين كشفت لها المزيد من الأسرار:
-ألم تتوسل إلى كهرمان لتتوسط لك مع ابنة أخيها؟
-من هي كهرمان...؟ تساءلت زوجته بذعر. أسقط في يده فخاف استطرادي، رمقني بنظرة ذعر وتوسل، بألا أزيد النيران لهيباً.
-إنها قصة طويلة، لن تنفعك، مهمتنا الآن تنحصر في قص جناح هذا الخبيث.
-سأشعل موتى موتاه..
صرخت وهمّت بمهاجمته، فانكمش وتراجع مذعوراً. حجزت بينهما. منعتها قائلاً:
-هيا سلمني المبلغ.. لا وقت لديّ... سلمه بيد خالتي زهرة لتعطيه إلى أمي... بيد أمي...
بدا مرتبكاً حائراً، لا يدري ماذا يصنع. وأصبح لصوته رنة تضرع وهو يحدث زوجته، التي راحت تولول وتندب حظها.
تقدمت منه وشددت الخناق.
-هيا.. لا تؤخرني... لن أتركك قبل أن تدلها على مخبأ نقودك سلمها المفتاح أولاً... هيّا..
أظهر خنوعاً تاماً، حرك أصابعه المرتعشة باتجاه رقبته الطويلة. انتزع منها خيطاً رفيعاً، تدلى المفتاح في نهايته.
-تعالى... خذيه..
ناديتها فلم تستجب. كانت ترتجف من الغيظ. تود نهش لحم سعدو المر... أخذت المفتاح من يده ورميته إليها.
-هيّا... لا تؤخريني... خذي مائتين وعشرين ديناراً... سلميها لأمي... بيدها... ولتأت إلى هنا لتعلمني.. وخذي الباقي... إنه حصتك أنت وابنك.. اشترى لك ثوباً ولراضي كل ما يحتاجه... هيّا.
كلمتها بانفعال فتحرك الدم في أوصالها. واندفعت بجسدها الطويل المكتنز تلبي ماطلبته. فبانت عجيزتها تتراقص من شدة الفرح.
أخرجت سعدو من الحظيرة وأجلسته قرب بابها.
-ابق هادئاً... لا تتحرك وإلا دفنتك.
أمرته وأنا أتربع على بعد خطوات منه. لم أسمح له بكلمة واحدة.. رحت في سبات اليقظة... خيل إليّ أن "النقيب خالد" يقف على رأسي يبسط كفه مرحباً ويمد ذراعه ليسحبني ففززت صحت به:
-اذهب.. اذهب.
-حاضر... حاضر..
سمعت صوت خالتي زهرة. وهي تستدير وتمضي سريعاً... تحمل رزمة الدنانير، ابتعدت زهرة عن عينيّ لتحل محلها صورة الصغيرة "مها" تنتظر أباها. وبجانبها أمها "سناء" منفوشة الشعر محمرة العينين، تبكي بحرقة تفتت الصخر آلمتني فمددت يدي لأواسيها فسبحت في الهواء! وحلت صورة أمي محل صورتها!
جمدت وانقطعت أنفاسي... للحظات مبهوراً بزغ وجه أمي الضاحك وهي تستفسر والدنانير تملأ كفيها:
-ما هذا يا بني؟ لمن هذا المبلغ؟
لا أدري كم من الدقائق مضت! لكني عرفت بنجاحي... بهرت وعادت أنفاسي تنتظم... لقد نجحت أولى مشاريعي..
-هذا هو المبلغ الذي استدانه سعدو من أبي" وأنكره بعد موته... احفظيه عندك إلى حين...
-أتذكر... كان ذلك منذ زمان!
-خذي خالتي زهرة.. لتشتري ثياباً وطعاماً لها ولراضي.. حاولت أمي الكلام مثلما حاول سعدو فمنعتهما:
-اسمع يا سعدو.. سأكافئك على الوفاء بدينك وحفظك للأمانة، كل هذا الوقت، بإخراج الثعبان من بيتك... دهشت أمي فصاحت محذرة:
-لا.. لا تفعل... إنه ثعبان سام... ليس صقراً أو نسراً أشرت إليها لتخرج ففعلت مع المرأة الفرحة... وزحف سعدو مرعوباً لا يكاد يصدق... لم بنبس بحرف وفر من وجهي معتقداً أنني أنقض على مصيري معصوب العينين.
غدوت وحيداً فتنبهت إلى محتويات الممر الفاصل بين الصالة والحظيرة. خزانة خشبية كبيرة، بلا أبواب رصت على رفوقها أكياس المؤونة، والعلب المعدنية المختلفة الأحجام وكومة من القضبان الحديدية وحاجات أخرى متنوعة. لم أهتم بها. خطوت نحو الحظيرة.
دفعت مصراعي الباب غير المحكم فأنفتحا. دخلت فصدمتني رائحة مقززة. رائحة روث البقر والخراف، مختلطة مع روائح البول المخمر والرطوبة العفنة.
ولجت رغماً عني. وراح بصري يفتش عن الثعبان بحذر بان لي دون عناء. يضطجع باسترخاء فوق الرف المقابل حيث علبة السمن الحر!
لونه الرمادي المبرقع بالأصفر أثار اشمئزازي. قدرت طوله بمتر ونصف وتحفزت.
عاد الصقر يذكرني بغدره. بالدم الذي سال من يدي ومن عينيه. فالتهب صدري بشعور لم أعهده من قبل. شعور يستعذب الألم ويستهين به. فلم تمسني الرهبة أو يتملكني الخوف.
تناولت عصا غليظة وتقدمت بقلب ميت.
أحس بي فرفع رأسه ورآني، انتصب، تماوج. وفح منذراً متوعداً، وهز ذيله... وتحرك.
فجأة، وكالسهم شب عليّ، فابتعدت، ضربته ضربة ماحقة إلاّ أني أخطأته، سقط قرب قدمي حاولت التخلص منه، فسبقني. كان أسرع مني وأكثر خبرة في الغدر. وثب على ساقي، التفّ حولها بمهارة وخفة، وأنبت نابه في لحمي بلؤم.
أحسست بألم العضة فشهقت. شعرت كأن خنجراً حاداً مسموماً يغمد في قلبي. سرى في جسدي ألم مبرح وأنا أمد يدي وأضغط على رقبته بينما راح ذيله يلتف ويضغط كمن يريد شل ساقي.
انغرز نابه في عضلتي. فشددت قبضتي، بحيث غاصت أظافري ومن ثم أصابعي في لحمه الطري. وانبثق دمه، مما دعاه لأن يخفف من عضته ويبعد فكيه عني، فازددت إصراراً على محقه من الوجود.
سحبته سحباً، انتزعته ورميته أرضاً، وأبقيت رأسه في قبضتي، نطحته بالجدار القذر مرة مرتين، ثلاثاً حتى هرسته تماماً. وحين أسلم الروح نزعت حزامي وربطت ساقي بإحكام.
تركته وخرجت. لم آبه للألم ما دامت الأيام تمر تباعاً من تحت أنفي وعيني مرور الكرام. لكني تساءلت:
-أيعجل هذا في مصيري؟
اتجهت إلى باحة الدار، فوجدت سعدو واقفاً يتلصص جلست وعيناه تراقباني بدهشة ممزوجة بالرعب. تنفست بعمق ومسحت العرق المتصبب من جبهتي، ثم أخرجت سكيني شرطت ساقي تشريطاً. ورحت أمص موضع العضة، وأعصر أمص وأعصر... وأبصق ما يأتي من دم وسم إلى فمي على الأرض. ولم يحتمل سعدو المنظر فأنفتل خارجاً، ملتاعاً يطلب النجدة!
جاءت أمي ومعها زهرة، ولحق بهما بعض الرجال وعلى رأسهم نصار وبأمره تناوبوا إلى مص السم والدم الملوث وقذفه إلى الخارج.
أحسست بخدر ثم تورم ساقي.. أرادوا تمديدي على ظهري وإجراء اللازم فرفضت. سمحت لهم برش الخمر المعتق على الجرح.
وجاء عمي حسن يرتعش من الرهبة. استفسر من الموجودين وحين تأكد أنهم أدوا الواجب، أمرهم بحملي إلى أرض الصبيرة. وهناك مددني وحقنني بإبرتين. وأنهمك في قطع كمية لا بأس بها من الصبير الطري، قشرها بسكيني وأمر نصار بدهن موضع العضة والجرح. ثم موضع الخدر، والساق بكامله... واتقاءً لكل المضاعفات تعريت أمام الخلق وراح نصار يدهن الجسد بكامله جاءت أمي لتساعدنا وهي تبكي...
-لا تخافي عليه. جسمه أقوى من أن يؤثر به سم ثعبان عجوز مازح نصار أمي فضحكت وضحك الرجال وهم ينصرفون تباعاً.
-وهذا ليس أوان موتي..
طمأنتها فارتاحت.
أضفت وأنا أرتدي ملابسي الداخلية:
-هل أعطتك الخانم ما طلبته؟
صفن عمي لرؤيتها تتلعثم وتجيب بعد ثوان:
-أعطتني... لكنها استغربت.. ورجتني ألا أخبر الأغا إذا عاد.
-وما دخل هذا الكلب! أهي ملابسه التي أخذناها؟!
إنها ملابس نسائية لا يلبسها هو!
-هل تحتاج لشيء يا بن أخي؟
استفسر عمي بحنان. فعدت للتحقيق مع أمي:
-ومصطفى، هل أعد مستلزمات العرس؟
سكتت برهة كمن تصقل كذبة، وتلفق أقوالاً عن لسان غيرها لتريحني:
-يابني، مستلزمات العرس لا تتم في ساعة! مصطفى فرح حقاً وإن أبدى استغرابه. أنت فأجأتهم بطلبك!
-يعني وافق.
-بالطبع يوافق.
-أتتزوج يا كاكاحمه دون علمي؟!
تنهد عمي مدهوشاً فأجابته أمي:
إنها خطبة.. أخذ رأي فقط.
-على بركة اللّه.. على بركة اللّه..
ردد بطيبة تبادلت مع أمي النظر وسألتها:
-والملاّ؟ ماذا قال لك؟
لم ترد. فهمت من عينيها المحرجتين موقفه.
-رفض أليس كذلك؟ حسناً.. سأذهب إليه بنفسي.. وسأنتف لحيته.
-لا... يا بني لا... الملاّ رجل يحبك، لكنه استغرب.
-كلهم استغربوا!! استغربوا!! ألم يتزوجوا قبلي؟
-ماذا طلبت منه يا كاكاحمه؟ قل لي علّي أستطيع تقديم الواجب.
عرض عمي مساعدته فتدخلت أمي.
-إنه يريد الزواج من...
أغضبتني أمي فقاطعتها بحدة:
-اسمعي يا خجة، وليكن عمي شاهداً. إنني سأتزوج هدهد. وإياك ...إياك أن تمانعي... أوتسمعي مصطفى أو زوجته كلمة تسيء إليهما...
-هداية بنت مصطفى!
تمتم عمي بعجب فصارحته:
-هي يا عمي، ألديك اعتراض؟.
أخذته الرجفة فأوضح:
-اختيار موفق يا كاكاحمه... بارك اللّه بك.. بارك اللّه. أفرحني رد عمي فالتفتّ لأمي:
-أسمعت يا خجة... والآن أعطي لعمي خمسين ديناراً، واحتفظي بالباقي لك وإياك أن تصرفي منها فلساً واحداً على عرسي. إنها أموالك الخاصة. فغر عمي فاه فرحاً، والتمعت عيناه بوميض الدهشة، بينما راحت أمي تعدّ الدنانير:
-لم أفهم! من أين لكم هذا المال... كل هذه الدنانير؟
لم أجب على سؤاله وأمرته بلطف.
-اشتر ما يحتاجه البيت. ولا تنسى الصوف لخالتي هاجر، ستغزل من جديد.
-أهي دين يا بني؟
استفسر بحرج وأصابعه تتلاعب في الهواء دون شعور.
-لا يا عمي.. إنها هدية مني إليك.
لم يصدق. تناول المبلغ من يد أمي، يكاد يطير فرحاً..
-ومن أين ستدبر نفقات العرس؟
-من أين؟! لا تشغلي بالك يا خجة... عدت لأسترداد كل حقوقنا.. ابتدأت بسعدو وسيأتي دور السلماني... كفى سكوتاً يا أمي... -هل أخذت المال من سعدو؟
أستوضح عمي بحيرة. فهزت أمي رأسها بالإيجاب:
-هذا هو المبلغ الذي استدانه من المرحوم لقضاء حاجة، ثم أنكره.
-أعرف ذلك.. أعرف... سألته مرات أن يرده، يعيده إلينا فلم يقبل.
-وكذلك لم يرضخ لتوسلاتي، ولم يأبه لمرارتنا وشظف حياتنا.. أكملت أمي بمرارة فتنهدت قائلاً:
-واليوم قبل ورضخ رغم أنفه! وسيرضخ السلماني أيضاً، سيدفع ما أريد ذعرت أمي، تحركت صوبي مستفسرة، وتبعها عمي مستغرباً:
-ماذا ستفعل؟
-كيف؟!
-إنها قصة طويلة.. قد لا تصدقانها.. وأنا أنتظر السلماني لأباغته بها.
-قصها علينا لنفهم..
-أبي لم يبع الأرض ولم يقبض فلساً واحداً... السلماني زوّر الورقة...
البصمات التي عليها ليست بصمات أبي... الجمولي زوج خالتي ساعد السلماني دله على الطريقة وشاركه في الجريمة. قال له: سعد اللّه مات، فمن يقرأ ويكتب ويتحقق... ولا أحد يعرف بصمات المرحوم.
لا تستغربا.. وأرجو أن تحفظا السر حتى عودة السلماني، لا أريد أن يعرفه أحد غيركما. تطلعا إليّ باندهاش فرجوتهما بعينيّ كي يصمتا. فهم عمي وغيرّ الموضوع:
-ربما يتورم جسمك كله.. دعنا نذهب إلى أربيل..
-لا تهتم يا عمي.. امض إلى بيتك.. سلّم على خالة هاجر وقبّل الصغير.. اشتر لهما ما يحتاجان. ولا تنسى الصوف.. لا تنس..
-وأنت؟ دعنا ننقلك إلى المستشفىن ربما لن تنفعك إبري.
-لا تهتم.. سم يأكل سم.. المستشفى، لن تنفعني وما بقي من سم ربما يطيل عمري.. وعليّ استغلال الوقت.
-لا أفهم.. ما بك؟! ماذا في رأسك؟
-يا عمي، تعلمت في الجيش أن ما يؤخذ بالسيف لن يرده إلاّ سيف أقوى. اذهب يا عمي. وإذا احتجت إليك فسأناديك حلق فرحاً وذهب. تذكرت عمتي " بتول" والاشاعات التي راجت حول إقدامه على ذبحها، تغطية لفضيحة هروبها مع الحبيب! كان عمي في الخمسين من عمره. شبيهاً إلى حد كبير بأبي، مربوع القامة عريض المنكبين، طويل الوجه بارز العينين، أصفر الشعر، يتولى إدارة المسجد وتنظيفه، إضافة إلى محله الصغير، فيتقاضى من الملاّ ما يكفيه لمسك رمقه. فقد أولاده الأربعة تباعاً في الحروب المستمرة والقتال العنيف، في السنوات السابقة، ولم يبق له إلاّ طفل في الخامسة..
-أتدرين أنني لم أحس بنخزات شوك الصبار؟!
أخبرت أمي بعجب. وأضفت:
-لذلك سأنظف الأرض الشرقية.
-احذر يا بني احذر.. ماذا دهاك؟ إنها ليست أرضنا هتفت مذعورة، فزدت ذعرها:
-ستكون. سأزيل أشواكها وأقتلع صبارها وأرفع صخورها.
-يا بني، السم ما يزال في جسمك. ارتد ملابسك، الدنيا باردة.. وربما ستمطر بعد قليل..
لم انتبه لتغير الطقس من قبل. تطلعت إلى السماء. دهشت وأنا أراها تتلبد بالغيوم كأنما تريد أن تمطر حقاً كامرأة حبلى تهمّ بالوضع..
-أنت على حق يا خجة. امضي اجلبي لي شيئاً آكله..
جعت يا أمي.. جعت امضي واجلبي معك المنجل القديم.. إنه على سطح الدولاب..
-ألا ترافقني إلى البيت؟ تساءلت بحيرة وحين لم تسمع ردي مضت. راقبتها وهي تبتعد. لاحظت فرحتها. تبدل حالها وتغير مزاجها سريعاً، والمال لا يبدل الأنفس فحسب، بل ينعش الأرواح.
حاولت أن استنشق مدى الألم الذي عانته، منذ موت أبي، واستشهاد أخي.. فلم أقدر.
رأيتها تقف، تتحدث مع عدد من النسوة والصبايا، كن يتفرجن عليّ عن بعد. خمنت علام دهشتهن وعلام ضحكهن! تمددت شبه عار ورحت أفكر في الأرض الشرقية لقد أدرجتها في أول الجدول.. جدول "قراراتي المصيرية".. أثناء رقودي في المستشفى، وإثر خروجي.
جعت وساورني القلق. سيطر على مشاعري! بالأمس، قضيت إحدى عشرة ساعة في الطريق، سيراً على الأقدام أو طلباً للراحة. نمت ست ساعات بالتمام، وفكرت كثيراً كثيراً فدخت ومن الطبيعي أن أجوع.. لم أفطر اليوم ولم تدعني بشيرة أمس أشبع.. جعت فلم القلق؟!
رحت أفكر.. حتى عجزت.. لم أعد قادراً على تحديد سبب القلق الذي بدأ يلهب أعصابي.. لولا افتخار.
جاءت مع أولاد أختي. مازحتني حول التعري:
-ما فعلها أحد قبلك في القرية!
-هل أعجبك منظري؟
لكزتني بمرفقها وضحكت:
-بعدما "رأتك" كل بنات القرية، ما عدت راغبة فيك.. أضحكتني فأردفت بشماتة:
-إنها "حوبتي" أرأيت كيف أشوّر"! حتى تتأكد إنني لم ولن أسامحك إذا..
لم أسمع بقية كلامها. آنشغلت بأمي العائدة..
جلبت لي خبز شعير وقطعة جبن التهمتها بنهم..
وغفوت بجفوني المتثاقلة