الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

الأختبار الأول

تساءلت جينيفر مرار إن كان دايفيد سيحضر الحفلة ، و قد أدركت الآن أنها ظلت طوال الوقت تتوقعه سرا . خفق قلبها لمجرد رؤية ملامحه المكتملة الجمال تحت شعره الأشقر الكث.

حين التفت أليها قرأت ذهولا في عينيه ... بالتأكيد سيمد يده إليها في اللحظة التالية و بهدها تتلاشى خلافتهما كلها ... لكنه بقي جامدا و قد بدا عليه الاضطراب . و فجأة ظهرت فتاة شابة و وقفت بجانبه ، فأدار رأسه نحوها ملاطفا.

تسمرت جينفر في مكانها و الذهول يكتنفها . لقد ابتعد دايفيد عنها. ارتسمت في عينيها نظرة كئيبة و بدا المكان حولها خاليا حتى من ستيفن الذي كان يتأمل وجهها القريب.

انقبض قلبها و هي تفكر أن دايفيد وجد فتاة أخرى بسرعة . ثم ابتسمت له الفتاة ... كانت ابتسامة رقيقة صادرة من القلب أكسبت وجهها فتنة، و لم تستطع جينيفر أن تكبت شهقة صغيرة صدرت عنها . فسمعها ستيفن . و ضاقت عيناه اهتماما.

تمتم هامسا في أذنها : إذن هذا هو؟.

- من هو ؟.

- الفتى الجميل مع الفتاة الباهتة البليدة...

- لا أدري ماذا تعني بالفتى الجميل...

- إنه أسبه بتمثال من السكر على قمة كعكة الزفاف.

قالت بجهد : هل لنا أم نترك هذاالموضوع جانبا؟.

- لماذا؟ أنا هنا فقط لنريه أنك لا تهتمين به مثقال ذرة . دعينا نريه إذن...إلا إذا كنت خائفة؟.

أجابت بسرعة : لست خائفة طبعا.

ثم تقدمت من دايفيد و هي تقول: دايفيد ، ما أجمل أن أراك!.

تراجع دايفيد ، و هو يتمالك نفسه بدوره ... علمت أنه لم يكن يتوقع رؤيتها مع رجل آخر ، ثم قال : جينيفر ... يا لها من مفاجأة حلوة!.

- لكنك كنت تعلم أنني سأحضر .

- نعم ..... آه ، نعم طبعا ..... دعيني أعرفك إلى (( بيني )).

و جر المرأة الأخرى إلى الأمام ، فنظرت إلى جينيفر بخجل سرعان ما اتبعته بابتسامتها الحلوة.

و عنما تصافح الرجلان ، بدأت الثقة تعاودها . أصبح دايفيد يعلم الآن ، أنها لم تجلس في البيت تلفخا التعاسة و هي تترقب رنين الهاتف . و ليس من الضروري أن يعلم كم من المرات كانت على الكآبة.

و ابتسم ستيفن بحرارة مسرحية تكاد تكون بلهاء . تملكتها رغبة جنونية في الضحك ، و كأنهما ، تربط بينهما نكتة لا يفهمها سواهما ، حتى و لا دايفيد .

عبس دايفيد بضيق ، و ما لبثت (( بيني )) أن استحوذت على انتباهه فذهب معها . أما جينيفر فقد أبقت رأسها عاليا ، و ابتسامتها مرسومة على وجهها ، و كم كان ذلك صعبا للغاية !.

زينت القاعة خمسون مائدة مستديرة و لم تعرف جينيفر هل تسر أم تبتئس لجلوسها في مواجهة (( دايفيد)) و (( بيني )).

كانا مواجهتها تقريبا ، فتأملت كيف جذب كرسي بيتي ليجلسها عليها بشهامة . كان دوما مرافقا شهما في حفلات العشاء ، هكذا أخذت جينفر تفكر قبل أن تغرق في الكآبة..إنه حقا مرافق ساحر للغاية !. عندما حولت عينيها ، سألها ستيفن : حدثيني عن دايفيد كونر . ما عمله ؟.

- إنه يمكلك شركة صغيرة لصناعة معدات الماكينات.

- هل أنشأ الشركه بنفسه ؟.

- كلا . لقد تركها له والده .

شغلهما تناول الطعام لفترة ، أدى ستيفن أثناءها دوره إلى حد الكمال ، مهتما بكل ما تحتاجه ، باسما . ثم استهلت الخطابات بإلقاء الكلمات الرسمية المعتادة.

انتهى إلقاء الكلمات و تنفس الناس الصعداء . ثم بدأ بعضهم في التنقل من مائدة إلى أخرى . و مر بها شخص أو اثنان فتحدثا إليها . و عندما انتهت . لاحظت أن ستيفن يجلس مع دايفيد و بيني كما رأت دايفيد يتحدث بجدية بينما ستيفن سصغي إليه مقطبا جبينه باهتمام بالغ فتساءلت إن كان المسكين يحاول تغطية سأمه.

- قالت له: ما رأيك في مراقصتي؟.

- ليس على سيدتي سوى أن تأمر.

أجاب ستيفن بذلك و هو يقودها إلى الحلبة.

- لا تعرفين مقدار السرور الذي يغمرني حين أرقص مع امرأة يسمح لها طولها بالنظر في عيني ، إن عضلات رقبتي تتصلب في العادة.

- خطر لي أن أنقذك من دايفيد .

- أخائفة من أن يسمو حديثه الجاد فوق مستوى إدراكي ؟.

- ماذا اخبرته عنا ؟.

- إنني فتاك العابث.

- هل يمكنك أن تتحدث بجدية و لو لدقيقة واحدة ؟.

- سأخبرك الآن بجدية ! لست واثقا أنني سأساعدك على استعادته . قد ينتهي أمركما بالزواج ، فكيف أصفح عن نفسي عند ذاك ؟.

- ماذا تعني ؟.

إنه ليس بالرجل المناسب لك . ستتشاجرين معه دوما حتى على المرآة.

- يا لهذا الكلام الفارغ !.

- ليس كلاما فارغا يا (( جيني ))...

فقاطعته بسرعة : لا تتلفظ بهذا الاسم ! دايفيد فقط يدعوني (( جيني )).

- هذا اسم لا يناسبك ، على كل حال . (( جيني )) اسم طائر صغير بني اللون ، بينما أنتي عصفورة مغردة من عصافير الجنة.

فقالت بمرح : لا تكن واثقا من كلامك هذا ، فقد أستحيل غرابا ذات يوم .

انفجر ضاحكا ، فجذب بعض الأنظار ، بمن فيهم دايفيد . تلاشت ابتسامتها على الفور و هي تحدق في وجه ستيفن ، فبادر إلى القول متفهما : لا بأس ، إذا كنت تريدين اللعب بهذا الشكل ! إنك رائعة ، و أرجوا أن يدرك دايفيد هذا تماما .

- إنه مدرك طبعا.

- هل أتى على ذكر الزواج ؟.

فترددت : بطريقة ما .

- ماذا تعنين بذلك ؟.

أجابت كارهة: بأعماله لا بكلماته.

- لا تخدعي نفسك يا جينيفر . هذا قول تخدع النساء به أنفسهن ، فيعتقدن بأن الرجل قدم إليهن وعدا صريحا حين لا يكون ذلك صحيحا . أردته أن يخطبك رسميا بينما أحجم هو عن ذلك . هل هذا سبب خلافكما ؟.

- هذا لا يهمك.

- بل يهمني طبعا . فأنا حبيبك حتى منتصف هذه الليلة ، و غيور حتى الجنون من الرجل الذي تحبينه . إنك تحبينه ، أليس كذلك ؟.

- تماما.

- يا للحماقة ! و ما سبب الخلاف ؟.

كيف يمتنع هذا الرجل من توجيه الأسئلة ؟ يبدو و كأنه يملك قوة ساحرة تجذبها إليه و تجعلها رهن اشارته ، ولكن من الصعب أن تحدد شبب الخلاف لأنها هي نفسها غير واثقة من ذلك . كانا يتحدثان عن مشكلة صادفت دايفيد في شركته رأت الحل واضحا ، فسرها أن تساعده . و فجأة رفعت بصرها فرأته ينظر لإليها بشكل غريب . ثم سألها بهدؤء : هل تعلمين عن هذا الأمر أكثر مما أعلم ؟.

حتى ذلك الحين لم تكن تحس بالخطر ، فأجابته ببشاشة : كان ذلك يحدث مع جدي . اسمع عزيزي ، كل ما عليك أن تفعله هو ...

لكنه منعها من الكلام ، متهما إياها بأنها تحاول استلام المسؤلية .

أنكرت ذلك بغضب ، لكن الأمور ازدادت حدة بينهما . و عندما افترقا كانت المشاكل قد تفاقمت حتى ضاع السبب الرئيسي.

و أخيرا قالت : لم يكن الأمر يتعلق بالزواج .

- أنا مسرور لهذا . فأنت تستحقين رجلا أفضل منه .

- لا تقل هذا .

- هذا حسن .أحبك عندما تشع عيناك بهذا الشكل . لا تداوي على مراقبته ، و إلا أفسدت تأثيرك . ركزي اهتمامك علي أنا .أظنك ضربة قاضية لكنني أضيف إلأيك أيضا الشجاعة و الحيوية .

- هل تتحدث دوما إلى زبوناتك على هذا النحو؟.

- زبوناتي ... ؟. آه أنا لا أفعل ذلك كثيرا . بل أميل إلى مجابهة الآخرين بالحقيقة الصريحة بدلا من المجاملة المعسولة . ابتسمي لي فهو ينظر إلينا .

منحته جينيفر أكثر الابتسامات اشراقا فردها لها بالمثل و هو ينظر في أعماق عينيها ، قائلا : هذا عظيم ، إنما انتبهي ، فأنت أكثر تاثيرا عندما تغضبين .

- إذا تجرأت على القول إنني أبدو جميلة أثناء الغضب ، سأدوس على أصابع قدميك .

- أعدك بألا أقول شيئا كهذا .

- هذا جيد .

- حتى و لو كان صحيحا .

رأته يوشك على الضحك فلم تستطع منع نفسها من التجاوب معه ، و سرعان ما كانا يضحكان معا ثم قالت بمرح : آه ، اذهب الى الجحيم.

- هذا أكيد . عندما تكونين معي يمكنني الذهاب إلى النار و العودة منها.

و اتجهت عيناه صوب دايفيد ثم تمتم يقول : يبدو قلقا عليك.

- من ؟.

- دايفيد ، لا تقولي إنك نسيتي ذلك المسكين؟.

- كلا . طبعا .

قالت ذلك بسرعة . لكنها حقا استغرقت في هذا الرجل بكامل جوارحها حتى نسيت دايفيد لقترة قصيرة .

و فجأة دنا منها ستيفن ثم همس في عينيها : دعينا نقلقه حقا . ثوبك هذا يعجبني.

اضطربت و تملكها الذعر عندما شعرت باحمرار وجهها . كانت واحدة من تلك المحظوظات اللاتي تحمر وجههن بشكل جذاب فغمرها بنظرات مهتمة ، ثم قال : إنك أجمل امرأة هنا.

فهمست: كفاك تملقا .

- لكنك تدفعين لي أجر هذا الكلام .

فصعقت . لقد أوقعها هذا الرجل بسحره ، حتى نسيت أنه مجرد وهم اشترت مجاملاته بنقودها بينما هي لا تعني له شئ . تمتمتبصوت مرتجف : حسنا ، ما دمت تحت امرتي ، فأنا آمرك بالسكوت.

- لقد استأجرتني لكي أجعل دايفيد يغار . و هذا ما سأفعله.

أجابت بسرعة ، و هي تتذكر ما قاله أخوها تريقور : بل استأجرتك لمصلحة الشركة.

- هراء . إنا فائدة ثانوية فقط ، فدايفيد من يهمك أمره . مع أن هذا لغز يحيرني.

رفع ذقنها باصبعه . لم تستطع مقاومته ، و فجأة أخذ قلبها يخفق بعنف. حاولت تجاهل أحاسيسها و التفكير في الدور التمثيلي . لكنها لم تستطع أن تتذكر ما هو الدور ، او لماذا تقوم به . بدت و كأنها تسبح في حلم.

أذهلها هذا الإحساس الذي تملكها . يجب أن تتوقف عن هذا عليها أن توقفه لكنها لم تأت بأي حركة ، و كأنها لم تستطع الكلام .

و تملكها شعور مدمر و كأنها فقدت السيطرة على نفسها.

فقدت كل إحساس بالزمان أو المكان . لم تعد تسمع الموسيقى ، أو ترى الراقصين الآخرين يدورون حولها بل كانت شبحا في الفردوس في رقصة يا ليتها تدوم لنهاية العمر ! و بدأ قلبها يخفق بعنف حتى صعب عليها التنفس.

همست : دعني أذهب.

قال ببطء : لو عاد الأمر لي لما تركتك تذهبين أبدا . لاختطفتك إلى مكان لا يعثر عليك فيه أحد ، ثم لاكتشفت أي نوع من النساء أنتي حقا . و قد يكون الجواب مفاجأة لك أنتي أيضا.

- ما أشد جرأتك !.

- هذا غريب ، أليس كذلك ؟ لكنني أصبحت أعرف عنك ما لن يستطيع دايفيد كونر أن يعرفه أبدا . أنا أعرف ما أريده منك ، أكثر منه.

ذعرت و هي تشعر بكلماته ( أعرف ما أريده منك ) ...كان في صوته عزيمة فولاذية لم تسمعها من رجل . لقد أحبت دايفيد لرقته و طباعه الحلوة لكنها في أعماقها شعرت بأنه يفتقر العزيمة . و مع أن العزيمة لم تكن تهمها إلى هذا الحد ، لكن مع هذا الرجل القوي الإرادة شعرت بتجاوب بعث الرجفة في أوصالها و ملأها حذرا.

سمعته يتمتم بكلمة (( تبا لهذا )) . ثم تبددت الأحلام بعد أن أدركت أن الموسيقى توقفت . انسحب الراقصون شيئا فشيئا أما هي فبقيت بجانب ستيفن ليري ، تتأمل الصدمة في عينيه و هي تعكس الصدمة في عينيها ... لن يعودا إلى سابق عهدهما أبدا !.

و في الساعة التالية ، انشغلت جينيفر تلقائيا بالمناقشات التجارية و رأسها يدور نتيجة تلك المواجهة المدمرة مع ستيفن .

من زاوية عينها لمحته يرقص مع بيني . و أخيرا أقبل إليها مرة أخرى ، قادها إلى البوفيه قائلا: لا بد أنك بحاجة ألى بعض المرطبات . و كذلك أنا ، فقد كنت اعمل من لأجلك.

فقالت بلهجة ذات معنى: رأيتك فعلا ترقص مع (( بيني )) .. كيف وجدتها؟.

- إنها ترقص باحتشام تام ، بينما أفضل المرأة التي ترقص و كأنها تتبادل الغزل مع مراقصها.

و بدا التحدي في عينيه ، فقالت جينيفر و هي تغطي موجات حرارة أخذت تتملكها : يمكنني تصور ذلك . هل هذا هو العيب الوحيد الذي وجدته في (( بيني )) المسكينة ؟.

- كان حديثها لا يخرج عن كلمتي ( نعم ) و ( كلا ) ... كما أنها تخطئ في خطواتها ، فيما أنظارها لا تفارق دايفيد ...

بالمناسبة هي سكرتيرته ، و لم يدعها إلى الحفلة إلا بعد ظهر اليوم .سمعها تتأوه بارتياح ، فقال بخبث: يبدو و كأنه ترك الأمر إلى آخر لحظة ... لعله رجا أن تتصلي به . لكنه لا يفهمك لأنه أناني ، و هو يشعر بسعادة أكبر مع فتاة لا ترتقي إلى مستوى جماله . كان الفراق قدرا لا مهرب لكما منه ، أنتما الأثنان.

- أنا و دايفيد لم نفترق نهائيا.

- بل هو نهائي إذ تدخلت (( بيني )) في الأمر ، فهي حريصة عليه.

فاندفعت تقول بحرارة : يمكنني استعادته متى اشاء.

- و لكن هل يستحق ذلك ؟.

أجابت بمكابرة : نعم .

- لا بأس . هيا بنا .

ثم قادها إلى حيث كان دايفيد و بيني يتحدثان ، و بظرف جذب بيني بعيدا ، تاركا دايفيد لجينيفر فأخذ نفسا عميقا و سألها بأدب : كيف حالك ؟.

كيف حالها ؟ و تاهت بها الذكريات ... كانت متلهفة إلى اتصال هاتفي منه ، و تحطم قلبها من طول الانتظار ... كم بكت وحدها و كم حاولت أن تخفي دموعها عن الناس من دون أن تفهم ما هي غلطتها!.

و مع ذلك أجابت ضاحكة: حسنا ، إنك تعلم كيف هي الأعمال في هذا الوقت من العام .فالملفات تتكدس علي. أظن الأمر نفسه يحدث معك.

أخذ يبحث عن النظرة القديمة في عينيها قبل أن يجيب موافقا : هذا صحيح ، فقد كنت مشغولا تماما . وفي الواقع ، كنت مسافرا معظم الأسبوعين الماضيين لهذا ما كنت لتجيدني لو اتصلتي بي.

ردت بتوتر: كلا ، لم اتصل في الحقيقة .

- طبعا لم تتصلي ... لم أعن ... حسنا ، على كل حال...

أنهى كلامه و هو يهز كتفيه بعجز ثم ابتسم ، أما هي فحبست أنفاسها و قد اجتاحتها هذه الابتسامة التي أضاءت وجهه الوسيم.اندفعت تقول وهي تمد يدها له : دايفيد.

سرعان ما يهتف باسمها هو لآخر و يتلاشى الجفاء الذي بينهما.

- لا تضيعي الوقت بالحديث يا عزيزتي ، السهرة ما زالت في أولها.

- لكن الصوت صدر عن ستيفن الذي ظهر بجانبها من حيث لا تعلم .

و قبل أن تعترض كان قد سحبها إلى حلبة الرقص.

قالت ساخطة لماذا فعلت هذا ؟ كان دايفيد على وشك أن ... ما تظن أنك تفعل ؟.

- أنقذك من اقتراف غلطة شنيعة . كنت أنظر إليكما و لم يكن هو على وشك أن ... بل أنت التي كنت على وشك أن ترتمي عند قدميه.

- ليس هذا من شأنك.. أعني ما كنت لأفعل هذا.

- و لكن وجهك قال لي شيئا آخر . هل هذا كل ما يحتاجه الأمر ؟ أن يمنحك تلك الابتسامه الصبيانية الصغيرة ، فإذا بعقل المرأة يطير؟ .

- دعني أذهب حالا . لم تعد صالحا لشئ.

و اخذت تكافح للتخلص منه لكنه منعها و هو يقول : كان عليك أن تشكريني أيتها المرأة الجاحدة ! لو إنك انهرت عند أول اختبار لما استعدت علاقتك به أبدا.

ماذا تعني بكلمة اختبار؟.

- هذا أول لقاء يجمعكما بعد الخصام ، فكنت أنت أول من تهافت . أراهن على أنه كان يتحدث عن نفسه . ليس عنك أو عنكما معا بل عن نفسه فقط . إنه يبدو من أولئك المعتوهين الذين يظنون أن كل الطرق تؤدي إليهم .

فضلت الموت على الاعتراف بأنه على صواب . لكن قلبها يتلوى ألما و خيبة ، فدايفيد كما توقعت و جرحت كرامتها بعد ان شهد ستيفن على ذلك.

- لماذا تقع امرأة مثلك في غرام رجل ضعيف ؟.

- ليس ضعيفا . لكنه ليس متغطرسا ،إذا كان هذا ما تعنيه . بعض الرجال لا يشعرون بالحاجة للغطرسة ، المسألة تتعلق بالنفس.

- و ماذا فعلت لكي تدمري ثقته بنفسه؟.

قالت بحدة : هذا كلام حقير!.

- و أقرب إلى الحقيقة!.

و فجأة شعرت بأنها نالت هذه الليلة أكثر مما تتحمل، فقالت : أظن وقت الرحيل قد حان.

- حسنا . سنخرج بعظمة . ارفعي رأسك !.

قادت جينيفر السيارة بصمت و قطعت قرابة الميل قبل ان تسأله : أين تريدني أن أوصلك؟.

- أنزليني فقط عند محطة الباص التالية.

- أنا مستعدة لأخذك إلى بيتك.

- شكرا ، لكن الباص سيقوم بالمهمة.

فقالت بصبر: لا حاجة بك للمعاناة . أخبرني بمكان إقامتك.

- هل علينا أن ننهي تعارفنا بالجدل ؟.

فقال باكتئاب: و ما اهمية ذلك ؟ فالسهرة كلها كارثة.

- ليس السهرة كلها. فقد مرت لحظات من التسلية.

ذعرت و هي تشعر بوجنتيها تلتهبان للذكرى . و لتتأكد من انه لن يلاحظ ذلك ، قالت: إنسها ، يا سيد ليري . فقد سبق و نسيتها أنا.

هذا ما لا أصدقه.

هذه أمور تحدث ، فينجرف الناس معها . لكنها لا تعني شيئا.

- هل تتصرفين هكذا مع كل رجل تلتقينه ؟ عار عليك.

انتبهت إلى السخرية في صوته ، فجاهدت لتصون كرامتها.

- تعلم ما اعني . لقد انتهت الليلة و لن نجتمع مرة اخرى أبدا.

- أتظنين؟.

- نعم ، ما دمت أستطيع أن امنع ذلك.

- قد يرى الرجل المتهور في ذلك تحديا له.

- لا تجرب.

- أراهن على أنك ستتصلين بي قبل نهاية الأسبوع.

- لقد وصلنا إلى محطة الباص ، تصبح على خير يا سيد ليري.

و عندما وقفت عند المنعطف ، أخذ ستيفن ينزع أزرار كمي القميص الذهبيين: الأفضل أن تستعيدي هذه.

لم تشأ ذلك فهي لن تهديمها إلى دايفيد بعد الآن ، فردت بمزيج من الضعف و الخيبة : لا حاجة بي إليها . احتفظ بها لتعزيك بخسارتك للرهان . ستجلب لك ثمنا جيدا.

كان ستيفن قد فتح الباب الآن ، فقال لها ببرودة:بل أحتفظ بها كتذكار منك.

- أفضل ألا تفعل هذا . أريد أن أنسى كل شئ عن هذه الليلة.

قالت ذلك و هي تتمنى لو يذهب و يتركها لأحزانها ، فأجابها بحزم : لكنني لا أريدك ان تنسيني.

همست بصوت مبحوح: كفى.

- لا أريد أن أنتهي ، و كذلك انتي.

حاولت ان تنكر هذا ، أن ترفض سيطرته التي اعتبرتها أمرا مسلما .... لكن قلبها عاد يخفق بشدة و ضاعت منها الكلمات . ودون

وعي تنظر إليه شعرت به يتوتر ، ثم سمعته يقول : كيف لرجل مجهول أن يكون له هذه القدرة على التأثير فيك ؟.

فصرخت به : ليس مفروضا منك ....

فقال بغضب: تعنين أنه لا يجدر بالمرافق المستاجر أن يقترب منك ، أليس كذلك؟.

صرخت بصوت مرتجف : اخرج من السيارة ، اخرج حالا . هل تسمع ؟.

- نعم ، ربما من الأفضل أن أهرب ما دمنا سالمين.

خرج و اغلق السيارة ، و ظل ينظر إليها من خلال النافذة المفتوحة ثم تابع: إلى أن نتقابل مرة أخرى.

- لن نتقابل أبدا.

- فرد بخشونه: لا تكوني حمقاء . إنك أكثر حمكة من ذلك .

لم تملك سولا طريقة واحدة لإسكاته ، فداست على البنزين و انطلقت بالسيارة ، و عندما نظرت من المرآة الخلفية رأته ما زال واقفا هناك ينظر إليها و العبوس يكسو وجهه.