( 1 )

4 0 00

( 1 )

آدمو ، مارتجلو

كسوفرو . . .

زفر آدمو زفرة حارة خالها تذوب فى الصوت الآتى من مكان ما : آه ، ووه . .

مارتجلوووه ‍‍‍‍‍‍!! فى تلك الليلة وعلى غير عادة أهل القرية الذين خرجوا

من

حرب لتوهم ، لم يكن محور أحلامهم ذلك الفارس الملتحى الذى أتى من شمال

أفريقيا

بساق واحدة ورمح ، كما هى العادة ! فمنذ الحرب الأهلية الأخيرة مع " بنى

جلول "

وحلفائهم من أعراب لم يعد هذا الحلم سوى ذكرى بغيضة لكابوس تافه ! . . .

ولم

يعد أحد يطيق سيرة ذلك الفارس فى زمنه البعيد ، الملقى بظلاله على راهن

شعب

الوادى ولم يعد ثمة من يتذكر كيرا بشكل مقدس وعندما يمر أحد الغرباء الذين

تحمل

سماتهم ملامح " دار صباح "* يتهامس شعب الوادى " صلندون كوَى **"

كتعبير

عن رفض كل الغرباء الذين يرتبطون بذكرى ذلك الفارس البعيد! .

صار محور أحلامهم الآن مبهماً ! مثل ذلك الشعور الذى طوَق آدمو موغلاً فى

الغموض وهم يسمعون عن طرق الأسفلت والجسور المعلقة على النيل ودور السينما

والثياب الفاخرة والمصانع والبنايات العالية والمشافى والمدارس والكهرباء

والمياه التى تجرى عبر الأنابيب و. . . و. . . ويشتعل هذا الإحساس خريفاً

بصفة

خاصة ، عندما يعزل شعب الوادى تماماًعن الشعوب التى حوله فالوديان تمتلئ

عن

آخرها بالمياه الهادرة ويصبح الطريق مخاطرة غير مأمونة العواقب إذ تنتشر

الأوبئة والأمراض التاريخية التى إنقرضت !! والناموس والأمراض الجنسية ،

ويفقد

الأطفال السوائل فلا تجدى أملاح التروية التى وهبتها اليونسيف للحكومة

نفعاً !

. . حتى هذه الأملاح كانوا يشترونها من موظفى الحكومة ! لكن ذات هذا

الإحساس

يشتعل بشكل يومى فى درجات متفاوتة عندما تأتى اللوارى والشاحنات الكبيرة

لتحمل

خيرات شعب الوادى من " الأسواق الدائرية "*** إلى تلك المستعمرة البعيدة ،

المحاطة بالجبال ! . . ورغم كل ذلك لم يكن شعب الوادى قادراً على تحديد

التفاصيل الأساسية التى تثير هذا الشعور ! لكن همومه الغامضة ظلت تدور حول

مثل

هذه الأشياء التى لايستطيع أن يعبر عنها بقدر مايحسها ، لكن أبداً يبقى

مارتجلو

وطائره الذى يحترق فيموت فيحيا ، أكثر عنفواناً متنامياً فى داخلهم

وشاهقاً

يغطى قرص الشمس . . يحدقون فيه كأنهم يلتمسون تحقيق أحلامهم الخفية التى

لايعرفها أحد سواه . . مارتجلو . . " مارتجلو سيد بيت كل ناس هنا "****

هكذا

*دار صباح : يعنى بها الفور الشمال**صلندون كوَى : يعنى بها الفور ،

التساؤل عن

لماذا أتى هذا الغريب

*** بلغة الفور ( أم دورور ) : حيث تتنقل اللوارى بين الأسواق الإسبوعية

المتناثرة فى القرى **** رب الأسرة أو المسئول

يطالعونك وهم يحكون لك عن مارتجلو " بخصيته الثالثة مكان القلب تماماً "*

وكيف

أصبح جزءاً من جغرافيا وواقع المكان قبل أن يبدأ زحف كسوفرو من بلاده

القاحلة

حاملاً فى ركابه ذلك الفارس المعقور الذى تقدمه بثلاث ليالى ونهار !! . .

أدهشت

المعارف الميتافيزيقية الواسعة لشعب الوادى ، كسوفرو . . ووقعت بلادهم

الخصبة

منه موقع القلب ، فقرر أن يبسط سلطانه عليها .. هكذا مثل كل الذين ليس لهم

آباء

وأكثر شهرة عبر التاريخ !) لكن تمرد شعب الوادى أقلق كسوفرو وقض مضجعه الى

أن

أشار له ذلك الفارس القادم من شمال أفريقيا ، أن يأمر شعبه بإنتزاع

مارتجلو من

جذوره لأنه الفحل الرمز الذى يستمد شعب الوادى من عروقه الصمود والمقاومة

! لم

تكن هذه الفكرة الخبيثة نتاج ذكاء ذلك الفارس المعقور ، فقد أخبرته حبيبته

الكيرا بذلك بعد أن إستشارت العرافة الحيزبون الميرم ، الأشد خبثاً

ودهاءاً من

إبن آوى ، وأمر كوسوفرو شعبه الغازى بنقل الجبل الفحل مارتجلو وضمه الى

أخوته

من الجبال التى تحيط بالقصر الذى إبتناه على بعد ليلة من جبل " مرة "***

ربما

خطر لكوسوفرو أنه بذلك سيستمد القوة من مارتجلو وسيهابه شعبه أكثر . .

وبدأ

شعب كسوفرو ينبش فى جذور مارتجلو وإثر كل نبشة ينطلق طائر النار من فجاج

مارتجلو فيساقط الحمم والصخور الملتهبة . . وأخذ شعب كسوفرو آلات من

الأراضى

القاحلة يتناقص ويتململ ويتذمر حتى أعلت تمرده صراحة فأسقط فى يد كسوفرو .

.

عندها سربت العرافة الحيزبون للفارس المعقور عبر حبيبته الكيرا أن على

السلطان

كى يفرض سطوته على جنده المتمردين لأن يعلن أنه لن يمتطى الجياد مثل

العوام

ويأمر بإحضار " تيتل "*** ليكون مطيته وإعتقد كسوفرو أن ذلك سيعيد له

هيبته

ويجعل تنفيذ أمر نقل الجبل مارتجلو إلى جوار " مرة " ليستمد منه قوته

الملكية

أمراً قاطعاً مطاعاً ! ورغم إحساس كسوفرو بخطورة ما سيقدم عليه قرر أن

يغامر ،

لم يكن هناك سوى خيارين : ( أن يتولى قيادة شعب الوادى وشعبه شخص غيره ،

أو أن

يخوض المغامرة مثل أى قائد متهور ليموت ! ) وكأن الأمر سيان ، حياً كالميت

أوميتاً بشكل بطولى مجيد ، يتلائم وتاريخ الذين لا آباء لهم ، وركب كسوفرو

"

التيتل " الذى يرعى أسفل الجبل الثانى لمارتجلو ذو الجبال الأربعة

المترادفة !

وبعد أت ربط خصيان القصر وقنانه ، كسوفرو على ظهر لتيتل بجلد البقر النيئ

،

عزفت الجوارى الطبول وشرب شعب الوادى من " دلالينق البقو " كما لم يشرب من

قبل

ورقص الجميع " الكسوك وإبيرة ودرَّت "**** وصار هذا اليوم إحتفالاً شهرياً

عند

كل قمر . . لم

* ماركيز ـ خريف البطريق ـ بتصرف ** هو أحد أهم جبال دارفور *** التيتل

هو

االماعز الجبلى

**** الكسوق : رقصة إحتفالية لاتخلو من الإشارات الحسية و إبيرة ودرت :

تعنى

ألإبرة الضائعة ، يمثلون البحث عنها بشكل حسى حميم يلتصق فيه الرجال

بالنساء

يتوقف إلا هذه المرة ! منذ إنطلاق التيتل المشبع بالعشب المروى من عروق

مارتجلو

. . ركض التيتل فى إحتفال بهيج ، منسرباً فى الوديان والغابات الممتدة

بأحراشها الشوكية ، القاسية وتمزق جسد كسوفرو على الأشجار إلى أشلاء

وتحققت تلك

النبوءة الخفية ، التى أسرت بها الحيزبون " ميرم " لكيرا ذات صفاء عارم لم

يخلو

من " البقو "ورائحة الغرام التى لاتزال تتضوع من حروف كلمة " كيرا " كلما

ذكر

إسمها ! تماماً كما فى ذلك المساء الغسقى قبل أن تطأ قدميها دار الحيزبون

الميرم . . وكرست تلك الحادثة فى أعماق شعب الوادى أن أسرة كيرا سليلة

للوجد

الإلهى وتنتمى لروح ذلك النبى السرى " مارتجلو " الذى يرعى إرث الأجداد ..

كانت

العرافة قد أخذت فى ذلك اليوم ، تحكى ذات حكايتها - اليوم الذى تمزق فيه

جسد

كسوفرو - القديمة ، المألوفة عن مارتجلو الذى فوجئ به الأجداد منتصباً

ذات

صباح قزحى على شفة الوادى ، محيطاً برسخ القرية الوادعة ، كإسورة . وكانوا

يسمعون لها بذات اللهفة ، مثل كل مرة ، كأنهم يسمعون لأول مرة وهى تستلذ

الحكاية ، فتتعجن فى صوت مولع بالايحاء والغموض عن ذلك الفارس والنبى

السرى

الذى يعرف سر الأفلاك وحركة الأجرام وسرائر النفوس ومواقيت المطر واتجاهات

الطريق الى دار صباح ، مارتجلو !.. لم يكن عرافاً ، بل نبياً ، سحرياً ،

آسراً

.. يغوص بعينيه النفاذتين إلى أقصى تفاصيل شعبه ، يحيطهم بسحره المخملى ،

المنبعث أقصى تفاصيل الوعى !!.. كان مارتجلو برائحة الأعشاب البرية التى

تحاصره

كهالة ، وجسمه الأسمر المديد ، المحلى بجلد النمر والأسد والأصلّة وريش

النعام

وأياقين العاج والحجر وعظام الجماجم والقرع .. كان مارتجلو الأشهر، لكن لا

أحد

يستطيع الجزم بأن لاأباً له ! فقد أتى طفلاً من مكان ما ومُنذ أتى أخذ

مكانه

كقديس أو محارب ، بل مضى به الحال إلى أن صار يؤدى مهام " الشرتايات و

الدماليج"* و العمد وكان يصطاد الأرانب دون " سفروك " ** ويهزم بنى جلول

فى

المعارك الضارية دون أن يستخدم " حربته " العاجيه اللامعة ! وكان رسول شعب

الوادى للشعوب المجاورة ومهندس علاقات الجوار والتجارة والمصاهرة السياسية

، بل

لم تكن الكساوى حتى وقف متأخر ترسل الى البيت المقدس البعيد عبر درب

الأربعين

إلا بعد أن يقدم السلطان قرباناً لمارتجلو الجبل ! وفوق ذلك كان مارتجلو

محباً

للسلام ، كونى الرؤية ، لكن لم يكن ثمه من يستوعيه تماماً فقد سلبت الدهشة

،

شعب الوادى علاقات التفاصيل وكيفية التفكير وتحديد الهدف ! ومنذ طفولة

مارتجلو

لم يستطع أحد أن يحدد أن كان ذكراً أم أنثى أم الاثنين معاً !؟ أم كان

طائراً

ملوناً ! لكن الجميع إتفق فى ذلك الوقت على تسميته ( بالقديس ذوالخصية

الثالثة

مكان القلب تماماً ، الطائرمارتجلو ) ولكن لم يستطع أحد أن كان يحدد كيف

ومتى

تحول مارتجلو الى جبل !؟

* من مناصب النظام الإدارى الموروث الخاص بالفور ** بشبه الخزروف فى

وظيفته

إلى حد ما يكون معقوفاً ، يقطع من الشجر بشكل مسطح معين ، يستخدم فى الصيد

لكن بعض الروايات التى لم تروها الحيزبون أكدت أنه فى الليالى الموغلة فى

الظلمة كان يرى كطائرضخم يحتوى الجبل بجناحيه ومشتعلاً برفرف ، متطايرة

منه

ألسنة اللهب الى أن يزوى شيئاً فشيئاً متحولاً الى رماد يملأ الوادى

والجنائن

والحقول ، ويبقى الجبل شاهقاً يغطى قرص الشمس عند مشارف الصبح ! كما يطيب

للميرم أن تكرر أن الفتيات اللائى يصحين من النوم فيجدون أنهن فقدن

عذريتهن على

نحو غامض ومريب أنما أختارهن مارتجلو قرباناً للخصب والنماء…

شهاب أبوعلى .. تداعيات ..

آه ياأبوعلى ، لاتزال تحمل جراحاتك .. داخلك وحدك .. سرك الوحيد نوار ..

آخر

سلالات الكيرا .. سرك الذى لم تٌطلع عليه أحد أبداً ، حتى خالد الأقرب منك

إليك

، لا يعرفه سرك الذى تخبئه حتى عن نفسك .. أنت وسلوى .. وحدك ولا أحد غيرك

يفهم

معنى أن يعشق الانسان نوار .. أن يرتاح كل مساء بين ضنفتى عينيها ، ان

يصطليه

لهيبها فيستند على جرح الحراز وأغنيات الجدول و البابور ليرحل حتى آخر

الدنيا

.. آه نوار .. فى هذا الزمان الحذاء ، هى الاشياء تتبدى عن الغموض ، حتى

الإحساس ! لا أدرى الآن كيف أحس بك ، هو الحزن يشعل الاحساس ويشل الخاطر

ويجدد

الشعور بالقهر والاحباط ، أم هى مطرقة التيه على هذا الرأس ، المتوتر

القلق ،

الحالم ، حرب إستنزاف هى .. كل التفاصيل تتجرد عن ماهيتها و تصبح الأشياء

دون

هوية ! ياله من شعور مائى و تمزق عميق كالهواء ! ما الذى يعنيه الهتافَات

و

التصفيق والعيون الدَهِشَة التى زغللها القمع ، لاأحد يفهم ان تتقمصك نوار

و

تحاول الفكاك منها ! دون جدوى تهتف فى داخلك فتقابلها بالشعارات ، حباً

لوطن

لايستوعبك ، ضيق .. أضيق من " خرم إلابرة "* .. وطن تتوسده اللافتات وتمشى

عليه

الهياكل حد الحزن تبحث لنفسها عن نوار تملأ المدينة فرحاً ونوارس وخضرة ،

تخرج

من بؤرة الشمس لتتناثر عصافيراً و أنجم .. ولدت أنا ونوار طى الجبل

الرابع من

مارتجلو .. لم يكن احد يدرى ان مارتجلو بجباله الأربع يطوى نينا وآدمو

مثلما

طوى الكيرا والمعقور ! .. نوار ذاكرة الحراز البرى ، المقدس وأخت القمر

وفاتحة

الوجود فى لحظة التكوين الاولى ، لا لا أحد يدرى بالبشارات تجوب الشوارع

حين

تصدح نوار بمدائح " قوت الزمان " فى البنى العدنانى ! تجوبالشوارع الحالمة

،

الضيقة فى مرزوق ، واقماير ودار السلام ، تقف لتواسى " المجذومين " الذين

يقعون كالكلاب أمام الجامع الكبير فى قلب السوق العربى وتوزع الهبات على

"

شحادى " أبوجنزير و الشهداء و سوق الخضار بحرى ! … انها نوار تبعث من

الأزقة

الخائرة لتلقمها الخلاص ، تداعب الصدور التى نخرها السل والاجساد التى

هرأتها

الكوليرا والجوع والتهاب السحايا ، وكالمسيح تماماً تملأ الاجساد المنهكة

والمنهوبة صحة وعافية.. هى نوار تستصحبك الآن يا أبو على مع سبق الاصرار

والترصد ولا يزال ( يهوذا الأسخريوطى ) ينكرك فى اليوم ثلاث مرات ، يغرز

فى

داخلك الحزن كنصل صدئ .. يسمم شرايينك ، يعذبك ولا تموت ، يهوذا فى كل

زمان احد

ابناء القاع ، الوافدين من دماء الشركس وغرب افريقيا ، سلالات الذين باعوا

تراب

الاجداد ، لا ينتمون لهذه الارض ومع ذلك يحكمونها ! لم تقل فكتوريا ان سيف

المهدى ملك شعب كامل ! فقط رفضته لانه قطع

* ثقب الإبرة

رأس غردون ! يهوذا وقف مع الاتراك وهم يقتلون الجعليين ، ليفنوهم عن اخرهم

ويشردونهم

حتى اقصى جنوب النيل الأزرق ، فى أرض الحبش !.. يهوذا الآن .. يهوذا .. لم

يكن

الشلالى وحده ،.. ونوار ياأبوعلى .. أين هى ؟! كلهم شاركوا فى حرق جثة

المهدى ،

ونثروا رمادها فى النيل ، كان يهوذا يتوسطهم .. ومنذها ظل يتوسطهم !..

أشعر بالخطر .. بالعسس .. أرجينى يانوار .. سأتقدم لو أستطيع لألتقيك عند

بوابة

عبدالقيوم ، أتكى على صدرك المذبوح قليلاً ، وأصرخ ، أنا الآن الرهينة !..

وأمسح غبار الأيام عن جفنى المجهد وأحملك حتى آخر الدنيا على صهوة جواد لم

يركب

مثله موسى ودجلى .. فأنا الآن الرهينة ، وأنت الآن يانوار إحترافى ..

أغنية

ليست مثل أغنيات " التروبادور " بل كالسيل ، الفيضان .. تزيح أنت التاريخ

المتعفن ، المقعى ككلب مشرد ضال على حافة الحلم ، مهجس بعظمه!..

هدب نوار يرف وأبوعلى يدنو والجلباب الواسع الذى ترتديه ينحسر عن الغيب

والمجاهيل والجو بارد ، وللهواء طعم الشهيق ، الزفير ولون النيازك والشهب

،

احساس حاد حد الفجيعة والحزن والجنون ورائحة الدمع والغروب وملامح الطفلة

التى

رحل عنها القطار وتغولها آخرالمساء الفاتن وشقوق الأرض الزراعية الشيقة

للمطر

..

الأرض ونوار نسجتا أغنية حارة كالصهيد ، أزيح صدرها المثقل .. ليس ثمة

ذكريات

وهموم شقية ، ليس ثمة قلق وتوتر يلمان بالذاكرة فتسهد ، فقط تقض مضجع

القلب ،

الظامئ لرحلة إبن بطوطة ..

ليس ثمة "حُوًار "* دنئ لامام دعى وشيخ سافل ، تبيت زوجته موحشة فى الليل

البارد والفراش الخاوى من صهيد ، رغم جسده المتمدد جوارها .. يوحى ثمة

أسرار ما

! تماماً ليس من شئ ينقص على هذا لتكتمل الدوائر الشقية !!..

كم هو شقى هذا العالم يانوار !.. لزج وبارد كالحذاء المتعفن ! كم هو شقى

ألا

تنساب فى لحظة دفق دافئ :ـ ( لنتزوج ! ) ..

ـ ( لنتزوج !) ..

وغابت دوائر النور فى الظلام "الجروف" تحرق رائحة خضرواتها فى القلب، تشعل

الدم

، تصهر الشرايين .. الكحل المتسايل على العينين وصوت البابور والجدول

يتضائل ..

يتلاشى .. تتسع الفجوات والفراغات والدوائر ، تنقبض ، تفيض .. يا بحر ..

يا دم

.. لم تكن ثمة نهايات ، تماماً كرحلة " جلجامش " الطويلة فى البحث عن قيم

الحق

والجمال يا نوار !..

* الحوار: جمعها حيران ، وهم المريدين للشيخ ( طلبة العلم )

ليس ثمة نهايات اذ لم أكن آخر الغازين ، لديار لم تعرف الشقوق بين ضفتى

انثى "

تشم " للمره الاولى رائحة العرق الذكورى ..تتفتق بها عن افوافها المختبئه

خارج

الغمد او القلب الذى يتوشح بالسباسب والوهاد ..

هو الظمأ الذى يقتل هامش المدن وسكان الارياف والصحارى البعيده ، لنبحث فى

دواخلنا عن وطن يوحدنا يا نوار ..

ادرى جيداً طعم تلك اللحظه الانصهار ،لم أكن ثقيلاً وكنت تُطيقين الخروج

عن نفق

قصور الامويين والعبابسة وقباب بنى حمدان !!…

الجسر متكأنا يا نوار ، لا الرصافة ، فما بينهما جسدين لقلب واحد !!…

( لنرحل ..) (لنرحل ..لا سأبقى !..) .. لم تكن نوار وهماً ،

قالت أمى :

ـ الولد ركبتو جنية !..

ولم يدر أحد بسر (الذى فى القلب أغمد نصله ) … رحلت نوار ولم يكن ثمة حلم

بديل

،مداراً للوطن الذى يرحل فى داخلنا دولة ! نزرعه فى دواخلنا فيحصده

الآخرون ،

الجحيم !..

هنا كان يعمل الأجداد أقناناً ، يزرعون القمح والقطن وأشجار الفواكة ،

لترتفع

أرقام أرصدة المالك الوحيد فى لندن !.. سيدى الكبير كان يوصيهم يانوار

بزراعة

اشجار النيم !لانه من أشجار الجنة كما زعم ! فظلوا يأكلون النيم !.. كانوا

يتركون له أسواق المانجو والموز والبرتقال ، لا شريك له ! ولامنافس ، فقط

وحده

! يقطعون له الأشجار لتتغذى مصانع لانكشير بالخشب الذى تصدر منه الورق

إلينا

.. الورق الذى تكتب عليه مراسم اعدامنا !.. كانوا على ثقة تامة أن أى شجرة

يقطعونها له ، سيأخذون مقابلها متراً فى الجنة ، لذلك لم يكن أى واحد منهم

يحلم

بأقل من عشرات الفدادين فى الجنة الموعودة ! إنهم أهلى .. أهلك يانوار !!…

كانوا يهربون أبنائهم من الانجليز ، عندما يجيى موعد دخولهم المدارس ،لأن

المالك المبجل أوصاهم بالخلاوى خيراً ، وخطب فيهم أن "مدارس النصارى ستخرب

عليكم الاولاد!" بينما يدرس أولاده شخصياً فى أوروبا !!..

هى لحظة دفء ، تنسى القلب عذاباته وحزن عشرات السنين ، هى المتاهة ما

يبتدى عنه

لوز القطن الذى تأخذه القطارات الى لندن ، ليكتمل إزهاره هناك و لندخل نحن

فى

مزيد من الحنين إلى الحنين إلى شفق !! ..

مبارك من فى الارض يحمل حزنك ياابوعلى ، طوبى له وهو يحمل وطنك كالحقيبه و

العار يلاحقه أينما ذهب ، يسافر خلاله ظللاً لفانلة داخلية وسروال ممزق !

وذلك

الجلباب الذى حسرته تلك الامسية المجنونة على البابور .. لتقذف شيئاً من

وطنك

فى الظلام الجميل .. هذه الأرض تنمو شيئاً فشيئاً فى الغياهب !.. تسبل

نوار

أهدابها الطويلة … ترتخى رموشها على الحضن .. ترتعش .. ( لاأحد يخاف

الوطن

يانوار ! .. ) .. وبرغم كل شئ لم يكن مابرحم نوار لك ياآخر سلالات بنى

ذبيان

وفزاره ، لم يكن لك كما الوطن .. نافذتين لقلبين يبتعدان ومهاجر من حيث

كان الى

حيث يكون .. بعيداً ، بعيداً ..

أواه .. وهذه الطحالب و الفطريات التى نبتت فى كل مكان ، اختبأت خلف كل شئ

فأين

الملاذ !..

لاترفع المصحف على أسنة الرماح ياأبوعلى ، فلست متهماً وقميص عثمان فرية

،

وأبداً لم تكن يوماً اليمامة ، حبيبتك .. وكل المرابين الذين يتكئون على

العمارات السامقة " جساس " وليس ثمة أقوال أخرى عن القادم من خط الاستواء

كمدينة من الحلم تشرع أبوابها دون حرس .. .. أنا باب المدينة يانوار ..

فأين

المدينة ؟! وهذا البرد يصلب جسدك للدفء ليتقطر الحب ندى شفيف و خرير

ورابية تطل

على الجدول ….

*

سلوى : الحنين إلى الحٌلم ..

بلغنى أيها الشهاب السعيد ، أن الكلس بينما هو يمشى متفقداً بلدته التى

شمخت

فى قلب " الصى " أبصر " هيلدا " أمى .. كانت صبية كالبدر عند تمامه لم يرى

فى

عمره مثلها ، فصاح بخ ، بخ .. فيا سعد من تكونين حليلته ..

وتزوج الكلس من أمى ياشهاب فى ذلك الصى القاحل ، وعاشا فى سعادة وسرورالى

أن

جاءت الحكومه بخدمها وحشمها ووقعت المعارك الطوال ، وتلاشى الكلس فى

الصحراء

الممتده وأبتلعته وديانها التى جاءها غازياً ، ولاذا اليها هارباً ..

لم يستقر المقام بأمى .. اذ كان هاجس القبض عليها يملؤها بالخوف والهلع ،

الذى

كان يزيده الاحساس بفقدان الكلس ، مرارة وحرقه .. كان خوفها علينا أكثر من

خوفها على نفسها .. هذا الخوف كان دافعه الاساس إنتقالنا فى سرية تامة من

مدينة

لأخرى ولم نستقر فى مدينتكم الا وقد بلغنا سن المدارس ..

أذكر أن أمى فى الليالى المقمره،كانت تجلسنا عن يمينها وشمالها ، وتحكى

لنا عن

شعب اللوة العظيم ورحلته الشاقه من أوروبا إلى السودان إثر إنهيار الجليد

..

كانت تحكى عن الحرب التى دفعتها وأسرتها للهجره الى أسفل النيل ،تجدد

مشوار

اللوة العظيم ..

لم تكن تحمل بغضاً للمنكور ولم يكن الكلس مجرد بعلاً لها ، كان هو دينج .

وكل

دنيتها و دنياها لذلك ظلت وفية للعهد ، وفية لذكرى الكلس هذا الوفاء

النادر

الذى عبأنى بالحنين إليك .. كافحت لأجلنا طويلا دون أن تمد يدها لأحد ،

لأننا

أبنا الكلس..

وكان لها جنوح نحو الصحراء ، علها ترمى لها بالكلس ليعوضها عن كل ما ضاع

من

عمرجميل .. وكلنا كان يداعبنا هذا الامل .. وذاك زمن مرير ، وله طعم خاص

..

عندما اذكره يشتد على الحذن وتدلهم الحياه فى وجهى وابقى بين حاضره وغايبه

عن

الوعى .. انتقلت امى .. انتقلت الى حيث لا يستطيع احد اتهامها بالتخابر مع

دوله

اجنبية ، أو العمل مع منظمه سرية ..انتقلت الى هناك حيث الشفق المخملى

والانهار

( المسكرة) لانها كانت طيبه .. والى هناك لا يمضى سوى الطيبين .. الم

يقولوا ان

الجنه لا يدخلها سوى الطيبون يا شهاب ؟!

ليتك تشعر معى بكيف هو الاحساس بالمطارده ، الاحساس بالغياب الابدى ،

الاحساس

بكل من حولك ، أي واحد منهم .. لو علم من انت ، قد تختفى إلى الابد ..

تحملت

أمى عبء هذا الاحساس لسنوات طويلة ، إلى أن أخذها الضباب السماوى الأخير !

..

تحملته دون ان تشكو فعروقها التى تجرى فيها دماء (دينج ) تجدد فيها

الاحساس

بالصمود والمقاومه ! .. لكننا كنا نشعر بمدى ثقل العبء عليها !..

كانت أمى فى الأوقات التى يحاصرها فيها الصفاء ترقص وتغنى ( بالرطانة )

أغنيات

الصيد والحرب والحصاد .. ترقص حتى يتقطر العرق من جبينها ولا تتوقف الا

بعد ان

نحاصرها بالاشفاق ، وسواعدنا تحاول تقييد حركتها ، فتستجيب على مضض ...

كانت امى على دين اسلافها .. ومع ذلك حرصت ان ننشأ كما يليق بأبناء الكلس

وعلى

دينه .. لم تحاول التأثير على عقيدتنا .. عقيدة الكلس ، أبداً .. كانت قدر

الإمكان ، في طفولتنا ، تحاول تأدية صلواتها الطقوسية خفية منا ، إلى أن

إشتد

منا العود..

لكأني أسمع ترانيمها الدينية ، المتسامحة لأنها تملؤني بالصفاء و الصفح !

..

بلغني يا شهاب أن والدي يكون في أوج سعادته وهو يسترق إلى " ترانيمها "

المقدسة

السمع ، وهي تصلي .. كان يحبها و يحب كل شئ تحبه ، هكذا كان يا شهاب ،

الكلس

الذي غمرنا ، الذي عَمَّرَ الصحراء ، و بنى فيها بلدة شمخت تباهي المدن !!

..

إننا أولاده ، أولاد الكلس الذي قرر ذات يوم السكنى في حَّى قاحل ، و شمخت

بلدته في قلب الفلاة ! .. الكلس يا شهاب سيحمل رايته على ، يعمر الأرض ، و

يآلف

القلوب ، وبالناس المسرة وعلى الجميع السلام !!..

ـ حيطلع على خالو عتام !..

ـ ومالو خالو ؟ .. زينة الرجال!...

ـ إنت متعلمة ومثقفة يا سلوى !..

كانت أمي تقول لعتام عندما تراه يلعب (ستحمل الراية التي سقطت من أبوك يا

ولد

.. قوم ، إنت ما عندك وقت للهو ) .. و كان يترك كل شئ عندما سمع صوتها ..

لا

توجد قوة في الأرض تسطيع التأثير عليه كما تفعل هي !..

ظل التاريخ يطاردنا يا أبو علي ، ما إن إشتممنا رائحة مؤامرة ما ! هربنا !

كنت

و عتام حينها خلصنا الثانوي .. هربنا إلى بلاد يموت فقيرها جوعاً ،

فالخرطوم

مدينة تخلو من المؤمنين ، منها خرج الكلس و إليها يعود أبناءه!!..

لا زلت أذكر الكلمات الأخيرة لأمي و هي في النزع الأخير ( أغفرى لي يا

بنيتي أن

زوجتك حاج عباس ، لا تبقى أرملة تزوجي ليطلع من رحمك الكلس !.. و لو أخذ

صاحب

الأمانة أمانتو فلا تزعجي عتام أخوك في بلاد الغربة ).. و ماتت أمي يا

شهاب ،

بكيت عليها كما لم تبكي فتاة أمها من قبل و لا من بعد .. و إلتزمت البيت

حزناً

لسنوات ، و كاتبت عتام حول كل شئ سوى الحزن الكبير .. إلى أن جاء و عرف

بالأمر

، إحتضنني بحرقة و ألم يذوب فيها شوق سنوات أعجف من سابقاتها و بكى كما

تبكي

النساء ..

ـ لماذا لم تخبريني ؟!

ـ لم أود إزعاجك في بلاد الغربة !

ـ لكنها أمي ! ..

ـ وأمي أنا أيضاً .. لقد نفذت وصيتها .. قالت ألا أزعجك !!..

و ظل يبكي لسبعة شهور كاملة ، مرّت كلمح البصر!..

على يا شهاب سيحمل ملامحك أكثر من ملامح خاله ، هذه الأرض هي لنا ، لنا

نحن فقط

، لا يشاركنا فيها أحد ، نحن أولئك الذين جاءوا من أقصى مجاهيل البلاد

شرقاً و

غرباً و جنوباً و شمالاًو تمازجوا في الحَّي ، حتى الكلس الذي ينتمي

للصحراء ،

و سُمي عليها !!..

ـ و هل يستطيع على فعل شئ ، سيحاربونه مثلما حاربوا جده ، سيحاصره الإعلام

المسكون بالوساوس القهرية و عصاب الدين.. وتتهمه الدوله بالطابور الخامس و

تطلق

خلفه آلاف المخبرين ياسلوى ... و لن تطيقي صبراً، فأنت لست هيلدا !..

لهكذا ياشهاب ولد .. عليه يحيا وعليه يموت !.. لن يموت ياسلوى من تشكل

وعليه

بفلاة الكلس ! ...

لاتزال متردداً تجاهى ياشهاب .. بين .. بين نوار وسلوى بين الفنانه

التشكيليه

التى زارت مدينتكم فى وقت ما وأقامت معرضاً للوحات بينها لوحه للنوار ..

كما

أوصتها نوار وبين أنا .. و مع ذلك سنتماهى يوماً فى المارتجلو .. ليولد

على

فارس القبيله الحامى ..

ـ أنك تصرين على كاريزما الفرد فى الزمن ...

قاطعته :

ـ من قال أن زمن “ الكايزمات “ قد إنتهى ، لا تزال قدرات الفرد الشخصية

و

مواهبه الفرديه تلعب دوراً حاسماً فى ...

قاطعها :

ـ لا ، لاأستطيع فهمك ياسلوى ! ...

ـ وهل كنت تفهم نوار ؟ !

ـ أحياناً تبدين بسيطه ، بروح الفنانه التشكيليه الشفافه ، واحياناً تبدين

طاغيه ..

ـ فى كل شئ ؟ !

همس :

ـ حتى فى جمالك ..

ـ و نوار ..

ـ ألم تقولى أنها أوصتك بى خيراً أمرتك باقامة معرض فى مدينتى فى وقت ما

،...

ـ لنلتقى ! .. كل ذلك لنلتقى كما تريد نوار ! ..

ـ ومع ذلك أحبك ياسلوى ... أحبك ... .

إفادات عن دفتر الاحوال