( 2 )
شعب الوادى :
يشير التاريخ المرسوم على عروق مارتجلو ان شعب الوادى بدأ يفقد تدريجياً
مقوماته وخصائصه التى توارثها عبر الاف السنين .. ومنذ توالى ( دورة ،
كورو ،
قرط ، دالى ، بوش ، دود بنقا ، ابو الخيرات ، على دينار ، سليمان ، "
صولونج "*
، ايفا وتوسام ..) اخذت ملامح هذا الشعب تأخذ فى التغيير .. والى حد ما
كان
محافظاً حتى مجئ سلالة الكيرا ، بدءً بالسلطان كورى والد سليمان العربى
(1640-1667 ) وبنهاية حكم دينار فى 1916 ، كانوا قد فقدوا ماتبقى من نفوذ
مارتجلو !.. لكن لم يكن من السهل ان يرتد التاريخ على قفاه من السلطان
دوره
والى الخلف !! ومع ذلك بقى الحنين حتى ليكاد يتجلى فى حلم دينار بدوله
مستقله
عن الفرنسيين والانجليز والمهديه !..
نوار : أبو على :-
كانت امى وابى ينادياننى ( بنينا ) لكن شيخ بابكر هو الذى اسمانى نوار ..
جدى
لأبى من سلالة تاج الدين البهارى ، تلميذ الشيخ عبد القادر الجيلانى ..
كان
شيخاً ورعاً وتقياً ولزواجه من جدتى فى سنار قصة طويلة ، فقد زعم كما
أخبرتنى
امى عن ابى ، أنه رأى جدتى فى رؤيا وهى تضع ابى تحت شجرة حراز ! كان
المكان
صحراوياً ، قاحلاً ! خالى من كل حى ، إلا شجرة الحراز .. ومع الصرخة
الاولى
لميلاد أبى وعينيه تريان النور،اخضرت الارض القاحلة واثمرت شجرة الحراز
شيئاً
ما لا هو باللحم لا هو بالنبات ، يزعم جدى انهما المن والسلوى ! فاخذ يبحث
عن
المرأة التى أنجبت له فى الرؤيا هذا الجنين الذى يحمل الخير الوفير ، حتى
وجد
إمى بعد بحث مضنى ... زفرت نوار ، زفرة حاره ! و تنهدت و هى تضيف و (لقصتى
فى
جبال النوبه شأن كبير ، فقد سبيت أمى ذات خريف يانع ، إثر هجوم البدو
الأقحاح
على سنار ... قطع بها الغزاه الفيافى و القفار إلى أن نال منهم التعب و
اخذ
منهم كل مأخذ ! فاستراحوا عند جبال “ كترى “ عندما سنحت الفرصة وهربت ..
ولم
أجد نفسى ( هكذا تقول ! ) ! إلا ومحاربين اشداء من النوبه يحيطون بى احاطه
السوار بالمعصم ، و أخذونى إلى احد جبالهم ... كانوا يتبعون لاحد سلالات
نوبة
الشمال فجدهم اسمه (حسن صاى ) ترك هو و" خشم"** بيته النوبه الشماليه حين
ادرك
ان الاتراك قاضين عليه وعلى أهله لأنه لم يسلم كما سلم بعض مشايخ الشمال!!
..
فدخل إلى هذه الجبال و صاهر أهلها .. قالت أمى ( وكانت إمرأة صالحة ) أن
جدوى
كان حواراً للشيخ الهميم و كان يعرف الكثير
* فى لغة الفور تعنى العربى
** تعنى أهل بيته
عن لغة الطير و الحيوان و عنده أسرار الأنس و الجان ، كان يدنو أو يبعد
من
النبى سليمان و تضيف أمى عن أبى عن جدى .. كيف أن جدى أصبح “ حوار “ للشيخ
الهميم هذا أمر تطول قصته ، ويتسع شرحه ! إذ كان دون أهل بيته جميعاً
كالوثنيين ، يبعد عن السماء عنوةً ! ... للحد الذى تكاد تجزم فيه أن "
سمعته "*
هناك لا سيئة فحسب ، بل لا سمعة له إطلاقاً .. لايعرف سوى " أنداية "**
وردة
" بطرف " الحلة ، ولايجيد سوى الامساء فى " المريسه " والاصباح عليها ،
الى ان
سمع هاتفاً ذات ليله فأصابه الخوف و الهلع ومنذها تغير حاله ! .. وهكذا
كان ..
أصبح “ حواراً " للشيخ الهميم "***، ويطيب له مثل الهميم ، التجلى فى
حضرة (
منانة ) " ضاربة الدلوكة "**** .
كان قليل الكلام بطبعه و لايفضى بسريرته لأحد لم يحكى سر رؤياه ابداً و
لايتكلم
عن تفاصيل الهاتف الذى ألم به وهو فى طريقه من بيت ( ورده ) الى بيته ،
فظل ذلك
الأمر سراً حميماً ، الى ( ان اخذ صاحب الامانه امانته ) .. هناك بعض
الروايات
التى تزعم ان الشيخ هدد جدى لانه اكتشف ان هناك من زرع شيئاً فى رحم ابنته
!،
ولم يكن ثمة متهم اخر !..
نسب ابى غريب ، فجده الذى اشتراه العمده الكبير من الزبير باشا ود رحمه او
ولد
احدى جوارى العمده بنتاً ترعرعت البنت ونمت وكبرت ولم تكن ثمة اجمل منها
فى
الديار والديار المجاوره ووقع بينها وبين " المانجلك "***** الاصغر هوى ،
فجرى
بينهما المسطر ، وانجبت ولداً كالقمر الازهر ، لم يعترف به احد ، فظل بلا
اسم
.. هذا الولد هو ابى .. هكذا كانت تحكى لى امى عن ابى وانا بعد صغيره ،
تشربت
ذاكرتى بكل حكاية عن سلالتى التىإنحدرت منها ، تحكى لى أمى ، منذ نعومة
اظافرى
حتى بلغت الثانية عشرة من من عمرى ، حفظت كل حكايتها عن ظهر قلب وعلمتنى
الكثير
من معرفتها .. كانت أمى تدهش كل سكان الجبال وأورثتنى هذا الاندهاش ،
فأسمونى
" الكجورية "****** لاازال اذكر امى فى تلك الليله التى وشع
"
فيها البرق و أدلهمت السماء : ( ستعيشين غريبة وتموتين غريبة فطوبى
للغرباء ..
هذه الجبال منها تخرجى وإليها تعودين لنلتقي بسلوى ترسمك كالطقس ، وتعبئ
الرسم
بك ، لتدخرين الى زمن و مكان ما .. ) .
كانت السنوات عجاف و الجفاف يضرب كل شئ لم تكن ثمة سنبلات تتلامسها اصابع
الكف
الحرشاء “ المتورمه فى حزمة واحده ... صدأت الفؤوس وقحلت الارض وغطت
" السفاية "****** كل شئ اخضر وجمر القيزان و بردها القر انفق
البهائم و
الناس و اصبح
* الصيت ** بيت الخمر *** التى تضرب على الطبل **** مانجل إلا إياك ،
لقب
يطلق على زعماء الفونج ***** من الكجور وهو ما يماثل الساحر ويقوم بوظيفته
وهو
شخصية دينية مقدسة ****** الرمال الناعمة التى تحملها الريح
الزمن ظلمات بعضها فوق بعض كالبحر و حوت يونس ، و الطريق بعد طويل ..
الجميع
.. كل منهم ، يعتقد انه المسافر الوحيد فى الطريق الذى من نار والماضين
عليه من
نار والمحطات نار فى نار و النهب المسلح . يتلقف من ينجو من وعثاء النار
!! ..
وحدها أمك يا (نينا) كانت بشراً .. تنهدت .. كان القرار كافياً لاجد نفسى
فى
قلب الأتون ابوك قال : ( ستظلين والحراز صنوين ! ترعين الغنم كما رعى موسى
.
وتتزوجين كما تزوجت العذراء ، و تطلقين كما طلق فرعون ويكون علياً كالخضر
،
يخضر كلما يمشى عليه ولاتقف بوجهة السدود و لايموت مثل ذو القرنين !! ...
كل الحكايا ياابوعلى فى ذاكرتى كأنها الامس القريب ! .. مسبقاً كنت اعرفك
، كان
طيفك يلازمنى ، لا كطيف عاشق عابر ، بل حبيب مقيم ! تلتقيه مرة واحدة فحسب
فتترك عينيه النافذيتين أثراً على القلب و الذاكرة لايمنحى ابد الدهر ! ..
كنت
كالملهمة ابحث عنك .. عن هاتين العينين النافذتين .. أبحث عن الحبيب
المجهول ،
فتعمدت التسلل من القطار ، ليعبر دونى بعد أن هلك الأهل و الاحباب فى
الجبال
البعيده علنى اجد حبيبى ها هنا ! ...
لكن لم تكن ذلك الحلم الذى يبقى فى الذاكره ليلهمها الحكايا الأزلية ! ..
هذا
ماأحسسته قبل أن تفترق .. أنت الآن .. ربما بمسافات لا تقاس بالجغرافيا ،
تبعد
عنى .. ذلك البعد المستحيل .. وبرغم كل شئ أحن إليك و أشعر بأنفاسى قربك ،
الآن
! فانت تزفر لتملأ كل الاشياء الحميمة التى تجاورنى ولاأعيشها ! أحس بك !
تسمعنى ؟ ! وأعلم تماماً أنك ربما اخترت خاتمتك جيد أ .. هذا هو البابور
باأبوعلى و خرير الجدول .. هذا هو موسى و د جلى الذى تحتفى به يقعى كالكلب
تحت
قدمى ! ينتظر ان امنحه بسمة ، ليحس الدفْء ويطرد البرد القر الذى يسوس
عظامه
الآن يحت عن اعصابه تعب الصحراء و رائحة الخطر الدائم ! إنه الان يبحث
بين
احضانى عن لحظة امانى مستحيله ، فانا لست لسواك ، مع ذلك ، ياآخر سلالات
فزارة
وذبيان ! ؟ انت لست لى .. شرقاً وغرباً ، لايلتقان كثيراً ماحاولت احتواءك
بعوالمى و تخديرك بحاكاياى والتسامى بك اقصى تفاصيل الشجن البرزخى البعيد
،
لكنك لم تكن لى كنت احس ذلك فى نظراتك النافذه ، فحولتك القاتلة ، التى
تتهاوى
امامها كل الصبايا ، حتى أنا !! ..
وسطوتك التى تقهر امامها جحافل الترك ، ينهزمون و تغوض تحتهم البحر كأنك
تحمل
عصا موسى ! ...
كان ابوعلى يحس صوت نوار يتلمسه فىهذه اللحظه ، كأنه يتسرب شقوق الجدار
ومسام
جسده الواهن .. كان يشعر بها فى تنفسه .. تأوه ... تأوه ... لاتزالين
يانوار
تستنزفين خاطرى ، تشلين الرؤيا ، فلاتنطلق انطلاقها الحميم !! يجب ان
تختفى ،
لم يتبق شئ لنفعله ،
لم يتبق شئ لنتعلمه ، كل شئ تعلمناه : حداء العصافير وغناء الشجر و كيف
هىابتسامات البحر و ضحكته الدافئة .. البحر يانوار .. البحر الذى بداخلنا
مدَّ
الافق ، لاموانئ له لا منارات لا سواحل .. مثلنا غرباء نرحل دون متكأ ، شئ
واحد
فقط لم نبت بأمره معنى ان تكويين فى إلتحاف الفلاحين للهجير والبرد القر
ومعنى
ان تكونين فى كل ملامح تعبر عن نفسها يانوار ..
ها أنا الآن مشرداً كبيراً ، له وزنه الاجتماعى بين أبناء الأرصفة ، حفظت
الدروب ملامحى لم تعد تتغابى العرفة فىَّ ، وانا احاول تضليل العسس ...
الآن
يأتى طيفك ينكأ فى داخلى الجرح والحنين ، ويتسرب بتنفسه القطيفة مسامى ،
يطبع
ملامحى الداخلية على سريرته ولايرحل .. أهذا عذابات رجل قادم من قعر
الرصيف !
هكذاكان يقول درب ، الشارع مسفلت عندما تطأ أقدامى شارع الجامعة ، أننى
ملامح
لاغنيات كبيره حطمها الشجن يانوار ، كالفراشه المحنطة .. أقعى هنا مهجساً
بخالد
الأقرب منى إلي .. أذكر اننى كثيراً ما حدثتك عنه .. لكن أبداً لم احدثه
عنك ،
خالد الآن ، ترك الجامعة ، سافر لايلوى على شئ !!..
ظللت أخشاك بقدر ما احبك ، انتظر التحرر من هذا الاسر اللذيذ .. الآن هو
مفترق
الطرق ، كلها إتجاه واحد تؤدى إلى سلوى .. الدروب ضيقه يانوار ، ممزقه و
تؤدى
الى المجهول وربما للخلف.. على بالطرق يانوار .. سلوى ولا مفر !! . .
اسمعك
ياابوعلى .. تماماً كالذى يمشى عند رئة البحر يغنى شارع النيل و الحزن و
الفجيعة ، أنت ذاتك لم تتغير .. انى اسمعك ... شارع النيل الذى كنت تحلم
ان
تمشى على رصيفه و انت تراقب أضواء جزيرة توتى وهى تنعكس على صفحة الماء .
شارع
النيل الذى تم شراؤه من المتحف القومى ، لمستثرين مجهولين الهوية ،
أموالهم
مغسولة ... يريدون تنظيفها تماما على شفاه النيل يا ابوعلى ، شارع النيل
لا
تستطيع ان تمشى عليه الان مع حبيبتك سلوى خشية النظام العام .. وان حدث
سيقتادونك للسجن كحمار اجرب فى حظيرة الهوامل ! هيئتك تغرى حتى العناكب !
.. هل
هى لحظة انعتاق الآن .. لا أدرى !! ومن منا ينعتق من الآخر؟ انا قدرك ام
انت
قدرى ، ام هذى البلاد قدرنا معاً ؟ ! عسيراً علينا إستيعاب الاشياء الآن
فى
بلاد ليس لنا فيها شئ ! ..
يخبئ ابو على اللوحه التى لا تفارق حقيبته الهاندباك ابداً ، يخرجها ..
يخبئها
اسفل درج فى الدولاب الجدارى .. لم تفارق اللوحة حقيبته منذ زمن طويل ! ..
هذا المساء يحس بانه مقبل على عالم غريب ، لا حدود له ، متناهى فى البعد
والمجاهيل ، يخرج اللوحه مرة اخرى ، يتمعنها .. يهمس فى ذاته الانعتاق ..
يغمض
عينيه عن سحر اللوحه .. يخرج عود ثقاب بالتحسس واللمس من العلبة الورقية ،
التى
يخرجها من جيبه ، يفتح عينيه ، ويدير وجهه بعيداً عن اللوحة . يشعل عود
الثقاب
.. يقربه من اللوحة ..
يبعده عنها ، يرفعه ، حتى مستوى فمه وينفث فيه دفقه من الهواء ... يلقى
اللوحة بإهمال ويتوسد يده .. يتبدى له سقف الغرفة .. غرفه الداخلية ،
بعيداً ،
بعيداً ..بعيداً .
قصر السلطان :-
بعد ان فشل الغزو الكسوفرى ووافق السلطان على تزويج كيرا من ذو الساق
الواحدة -
لم تذكر أسباب محددة فى حيثيات الموافقة ! - فى الليلة التى دخل فيها
الفارس
المعقور بكيرا ،احترق جزء من القصر الملكى وبيوت كل اعضاء مجلسه المبنية
من
القش والآجر والطين اللبن وانتفض طائر النار على قمة مارتجلو فى رابعة
النهار
وصرحت العرافة ان نحساً سيحل بشعب الوادى اشد كارثه من الزحف الكسوفرى ،
مالم
يطلق السلطان كيرا من ذو الساق الواحده ، رغم علم الحيزبون التام ان الشئ
الذى
ينمو فى احشاء الكيرا شارف على الخروج ؟! ولكن تراجعت العرافة إثر كثير
من
الاغراءات السرية المقدمة من أطراف مجهولين و حرفت فتواها ، فساهمت فى
اقناع
السلطان و أعضاء مجلسه أن الحرائق ناتجة عن برد الشتاء القارس الذى جعل
أعواد
الاندراب الجافة سهلة الاحتراق ، وهذا بالفعل ماكان يحدث كل عام فى عز
البرد ..
تحترق الاشجار برداً دون ان يستطيع أحد تفسير تلك الظاهرة التى تسند
لمارتجلو
الذى يريد تجديد شباب الاشجار و أخصاب الارض ، لكن لم يحدث ابداَ أن
إحترقت
بيوت ومع ذلك لم تكن ثمة أصابع إتهام لطابور خامس محتمل ؟ ! وإزاء إصرار
العرافة و تأثير الكيرا اقتنع السلطان و اقنع مجلسه على مضض بأنها بشارة
بحلول
خصب لا ينتهى على مقر السلطان و حاشيته ! وأعاد الفارس القادم من شمال
افريقيا
الكر والفر على ميادين كيرا ، لهث و لهثت ، تصبب العرق و تورمت العيون
ولثلاثين
خريفاً متتالياً أنجبا ثلاثين تؤاماً !! ...
المطاردة :-
ذبح صدرى بنظراته الموغلتان فى الصمت ، كان الوقت أصيلاً عندما خرجت وحدى
من
الجامعة ، شقفت دروب المدينة المكفهرة لا ألوى على شئ .. كانت نظراته
لاتزالان
تتبعانى ،خطواته المثقلة بالخبث و الرداءة تمعنان فى السؤال عنى .. دفعتنى
اشجانى الموبؤة بنوار للدخول فى حلقات الازدحام البشرى و ان أشارف بدايات
السوق
ببناياته الغبية ، فشلت فى الاختباء بين الاجساد المرهفة كنت أدرك اننى
واقع فى
أبديهم لا محالة ، لكن لأقاوم و عند اول منعطف جانبى : ( لتتكئ على صدرك
المذبوح قليلاً ياشهاب ! ) اخترقت طرق وعرة المسالك ، تناثرت على اهدابها
العجفاء ماعزات كجذوع ممسوخة لشجيرات جميز هرمه ، احترقت حوافها ، تنهدت
بارتياح و قدماى تطئآن عتبة الدار ... لم اكن واثقاً من
معرفتهم لبيت أختى ، لكننى كنت واثفا من اننى ضللتهم .. ولجت الحمام ..
نمت
... صحوت فى الواحدة صباحاً على صوت موتوسيكلات وعرباتهم القميئة و هى
تمزق
طفولة الليل و تهشم الهدوء تماماً ! قفزوا من جدران المنزل الخارجى
مشهرين
اسحلتهم القصيرة ، كنت قد سارعت بالإختباء خلف جوال فحم متهالك ، تتكى
أضلاعه
على الجدار الخلفى للبيت ، سمعتهم يسألون أختى ..
ـ أين شهاب ؟!
ـ فى الداخلية ....
ـ بل رأيناه يدخل هنا ، فى تمام الحادية عشرة مساء اليوم ! ..
ـ خرج بعدها ! ..
ـ أنت كاذبة ...
صرخ طفل أختى و عيناه تفارقان النوم من الفزع :
ـ اين زوجك ؟
ـ مسافر ..
صفعها أحدهم
ـ اين شهاب ؟! .. تكلمى …
ردت باصرار لا يشوبه خوف :
ـ لا أدرى ..
كحلزون على سطح أملس ، انزلقت من الجدران الخربة بهدوء ، احتضنت الشارع
الفسيح
ركضت الكلاب تجاهى . كادت تمزق دقات قلبى المندفع .. عند منعطف جانبى هدأت
من
ركضى واخذت أسوى من وضع ثيابى المتهدلة .. توقفت عند منفرج بدأ لى كهيكل
متوحش
لحيوان خرافى يمارس الجنس بينما يلفظ انفاسه الاخيرة ، لبثت انفاسى لبـرهة
فى
طريقها للهدوء ثم تصاعدت مرة اخرى .. لم يكن ود حبوبة .. تصاعدت انفاسى
أكثر
وأضواء كاشفة تطوف الدرب الوعر تماماً ! همست لنفسى ( يبدو أنك ستعتقل
ثانية
ياأبوعلى ! ) كانت صوت مستر ريد و أبناء الانجليز يأتى كالفحيح .. ثابت ..
ثابت
...
مارتجلو..
عندما تشتعل الحرب الاهلية ، كان الأهالى يلوذون بمارتجلو .. يدخلون
ردهاتهم
الواسعة وكراكيره السرية المتعرجة ، يجدون كل شئ : الكساء ، الغذاء والماء
ذو
النكهة البرية الرائعة ، لا أحد يسأل من أين تجئ هذه الاشياء ، فى ذلك
الحين لم
تكن كيرا قد تزوجت بعد منذلك الفارس ولم تبتدع مفرده كنجار لتعبر عن الذى
يتكلم
العربية ولا يعرف
الرطانة ، فذلك الفارس بعد لم يكن قد اتى بعد ولم تكن عبارة
(صَلَّنْدُّونْ
كَوَىْ) ايضاً قد شاعت !...
التحقيق :-
ـ اعترف ..
ـ بماذا اعترف ؟!
ـ من هى نوار ؟
ـ انثى خلاسيه التقيتها حدا البابور وتوحدنا فى كيان الحراز ..
ـ ماذا تقصد !؟ اعترف !..
ـ بماذا اعترف !.. باننى لم اكن ضمن كتيبة يونس الدكيم التى قامت بتركيع
عساكر
ابو كلام ؟! ام اعترف بالعكس ! عفواً سيدى الجنرال .. الشعوب سيده مواقفها
وكل
ما فى الامر اننى جزء من الحراز ونوار جزء منى .. فهل هذا ينافى القانون
فى شئ
؟!...
ـ اعترف احسن لك ؟!
لم اشهد اغتيال يونس الدكيم للفكى عرقوب !. ولم اكن شاهداً على سبي النساء
وأسر
أفراد القبيله .. لم أكن شيئاً من ذلك ولا تعنينى قط أطماع اسماعيل ود
مريمى
زعيم دار محارب فى اراضى الاحامده . ماذا تريدون منى ، فليس لدى سيف كى
تهدوه
لتاتشر ، ولا اعرف محتويات المتحف الوطنى !!..
وتوالى لسع السياط على ظهر ابو على ولم يكن ثمة شئ غير الصمود والانصهار
فى
الكبرياء
نسل الكيرا:
برغم ان العرافة ومجلس السلطان قد بذلا جهوداً مقدره فى تهدئة خاطر شعب
الوادى
اثر تلك الحادثه ، ليلة الدخول على كيرا ، إلا أن شعب الوادى أخذ ينظر
بتوحش
للكيرا ونسلها الذى يتكاثر بشكل مخيف وبعد مضى كل هذا الزمن أخذوا يرون فى
نينا
من خلال أحسيسهم الغامضة ، الناتجة عن ركامات الماضى السحيق ملامحاً لشئ
ما بقى
فى الذاكرة ولا يدرى كنهه بالضبط !!..
الزنزانه:
الزنزانه ، ضيقة ، باهتة .. تخترق الباب الصاج أصوات ضئيلة ، كابية كالضوء
المرتسم كأنشوطه عند فتحة السقف اليتيمه .. ذات الاصوات المسحوبه منذ
أعتقلت ،
تفيض ،
تنحسر وتتلاشى مع بقايا همهمات الجندى النبطشى .. تصطدم بتأوهات مهذوذه ،
مبعثره ..رأسى المسكون بنوار يصرخ كعجلات قطار على سكك حديديه تمتد فى
خفقات
القلب : نوار .. نوار .. نوار .. بدأ لى راسى صغيراً فى هذا الهدوء
القاتم
الممتد اقصى شرايين المكان ، محتوياً كل شئ .. ذات اللحظه ، ربما .. التى
عاشها
الحلاج ، قبل أن يدنو منه النطع والسيف :
ـ الحلاج ذاك ، كان رجل يانوار .. أعنى ياسلوى ...
ـ لماذا ..ألانه عمم الخاص ..
ـ لا ، لأنه كان مسكوناً بالمجتمع .. انه صاحب تصور للعالم والناس
والاشياء ..
ـ كلهم هكذا !!..
ـ لكنهم ليسوا مثله .. لم يخرجوا من أبراجهم الشفافه ليلامسوا أحزاننا
،الاهو
ـ هل تحبه مثلما أحبته نوار ؟!
بل أحب تلك اللحظه .. لحظه الارتباك تلك التى حاصر بهما قضاته ….لازلت
أضحك
عليهم مثل ضحك الحلاج على أبوبكر الحمادى و إبن سريج ....
وضحكت ... ضحكت ، حتى انزوت جدران الزنزانه على نفسها ! ، ثم انتبهت لنفسى
فانزويت انا الآخر فى ركن ....... إنغلقت بعيداً عن رائحة العطن و الفضلات
و
تخيلت أننى لاأشم شيئاً !! .. حاولت ان اغمض عينى ، نفضت عينى ، نفضت بيدى
فجأه
عند إحساسى بشئ بارد يتسلق عنقى ! ..الجرذان المتراكمة فى هذه العتمة و
حركات
الخفافيش المباغته تبعثان فى نفسى الاحساس بالغثيان الذى لاينتهى عند حد !
حركةّ الباب و الحوار المتقطع يتقاطان على سمعى ..
ـ هل سأنام هنا ؟ !
ـ لا ، سنحجز لك فى الهيلتون ! ... و الله عجايب آخر زمن !!! ...
ـ ..... .... ..... ....
ـ من ؟ ! !
ـ ..... .... ...... ......
تعالى صوت الكرباج و ملأ الأنين و التأوه فضاء المكان ... إرتفع صوت خطوات
الجندى النبطشى ، وهى تبتعد ، وهو يطنطن لاعناً الدين و العتقلين و السلطه
و
المكان ! ... ثم أخذ وقع خطواته ينخفض تدريجياً إلى ان تلاشى مخلفاً وراءه
الصراخ اليائس ! ...
أرخص شئ فى هذه البلاد هو إلانسان ! ، لايساوى شيئاً مطلقاً ! ... بصقت
بقرف !
....
الزنزانه تبدو موحشه ، سمجه و بارده ، تافهه ... تمر بى الصور شريط من
الحزن ،
أمى ، اختى ، خالد ، الاصدقاء ، الكارو ... و ما أشبه الليل بالبارحه !
هكذا
الحال منذ زمن موغل فى البعد .. قالت نوار :-
ـ لنتزوج ... ولم يكن ثمة شاهد سوى الله ، ترى كم هى المعاناة التى سببتها
لأسرتى ؟ وهل ستكون شقيقتى حكيمة وتخفى عنهم خبر إعتقالى ! فتسكت على
الحزن !
تطفو على الذاكره أمى بوجهها المتعب المكدود ، وشفاهها المتشققه كالأرض
تمتد
على المساحات وتدور وابقى في ذات النقطة التي انطلقت منها ..ليس ثمة فرز
لأضاءات تتحقق ..الاشياء تتبعثر فاتششت فيها..اشجاني المجبرة على الانتظار
قهرا،
اللامبالاه ،النهايات القصوى للقسر ،عفوا لاقيمة للوقت هنا ،حيث احتراف
الفراغ
،والترقب !.
الليل .النهار فالمساء ، الصباح ،الظهر والعصر !وكل شيْ لاقيمة له في هذه
العتمة الدائمة.
من ينتظر جبيبته ، ليس كمن ينتظر فجرا لايطل !في هذا الظلام المستمر يشتاق
الانسان لأي كائن يحادثه ويغني معه الاغنيات الصامته للصمت !.. ان تغني
لاتموت
هو الحب مقاومه للرصاص والدم !!.. احاطت بوجهي عشبات اكثر كثافة من ذي قبل
،
واكثر شعثاً ، عناء الرحيل الدائم الى زمان الضوء ..ازدادت قامتي طولاً
وجسمي
نحولاً والتروبادور لايزالون يغنون الدوبيت في الريف البعيد ، مع
الكوليرا
والاسهال !!.. صارت العينان ضيقتان تماماً ،مزرورتين كالمصوبتان الى رماد
..غائرتين على بؤبؤيهما ويجئ الليل ممتزجاً بنباح الكلاب. .
تزداد كثافة الظلام ويزداد الطرق على باب الزنزانه ،وتأت الاصوات الغليظه
،الفاجعه ،المهدده:
ـ خير لك ان تعترف !؟..
ـ ماذا ؟انا لم اكن ضمن الجهاديه السود بكسلا ،ولم اخنهم ،لم اقدمهم لقمه
سائغه
للانجليز لقاء مزيداً من الاقطاعيات والتسهيلات.
أنا عبد فقير يحق له التعامل مع ديوان الزكاة.. نصيبي في هذه المليون ميل
الشاسعة ثمانون كيلومتراً مربعاً فقط.. تماماً !.. هل احسبها لكل عدد
السكان
على المساحة..أم .ومع ذلك لاأملك حتى منزلاً بالايجار !ماذا تريدون مني
؟!.
ـ اعترف احسن لك ؟.
ـ هل اعترف بأنني اقاتل لاجل ثمانون كيلومتراً مربعاً فقط ، أم بماذا ؟!.
ـ اعترف ...
ـ لقد تعبت .. توقفوا عن ضربي ايها السادة ،انها نوار ..
ـ مابها ..من هي ..ها، قـــل ...
ـ نور عيني ، حبيبتي ، مأساتى ..ربما ..
كرياح والم وتأوه ...
ـ اعترف يابن الكلب ...
ـ لم اتاجر بعقائد الناس ولا احلامهم ، لم ازنى بقضاياهم ..فقط احب نوار
كما
أحب (المحلق تاجوج)*.. أنتم تدفعونى للجنون ..
ـ أعترف ياسليل الموامس ، يا ابن الكلبة ..اعترف ..
الاستلذاذ بالتعذيب يطل من عيونهم الشرسة التى يتجلى عليها مركب النقص
والعقد
النفسية والهزيمة ..
ـ سنأخذك (للعمارة ) وهناك لن ترى الضوء أبداً ،مرة أخرى .. امك نفسها لن
تعرفك
..
ـ أنتم مرضى !...
ـ ماذا تقول يابن الزانية !سترى الآن ..
مزيداًمن الصبر والسلوان يا اله ..مزيداً من الحزن والصمود ..
التهديدات ذاتها ،لاتتغير أبداً في محتواها أو شكلها .. ذات الكلام الذى
قالوه
لادم بك العريفى ، ذات الكلام ..والزمن ثابت لايتغير ، لايتقدم .. منذ عصر
الانحطاط وذاكرة المماليك ترهن تطلعاتنا .. لم يسلم منهم خلق الله حتى فى
سنار
القديمه والمقرة وعلوة والنوبات !.. لم يعوا الدرس من تآمر الوزراء الهمج
على
سنار !.. ربما ..
لن ترى الضؤ ابداً ..
لم يرى الضؤ احد منذ قتل هابيل اخاه ، منذها نحلم وما اشبه الليله
بالبارحه !..
ولا ازال احلم وسأظل أحلم ، بعصفور من خلال السيخ ، يخترق شرفة الحلم ،
يلج
فضاؤه ، يمارس التحليق مبتعداً عن الزنزانه !.. عصفوريخرج من القلب ويرحل
بعيداً فى الوريد ، هناك فى مركز الشمس ! عشمى ، بعد ، لمحة ضؤ ( زوال ) ،
( ضل
ضحى ) .. او امتداد الظل برغم انف قوانين الطبيعه وعلماء الفلك ، برغم انف
(
مستر ريد )** و( سلاطين )***وكل
كتاب التاريخ والمتاّمرين والطبالين وحاشية الامير والوزراء الهمج !..
ـ سنقتلك .. اعترف .. ألا تحرص على حياتك ؟!..
* المحلق يقابل فى تراث شرق السودان روميو وتاجوج تقابل جولييت ** آخر
مأمور
إنجليزى للنيل الأبيض *** سلاطين باشا صاحب كتاب السيف والنار
حياتى ؟!! .. تلك حكايه طويله ، ومؤلمه .. آه مؤلمه هى اعقاب السجاير
وصعقات
الكهرباء .. آه ، النار تلسع جسدى ، لكن التعذيب الحقيقى هو ان تتقاعد عن
شم
النسيم ، ان يستقيل
العقل والوجدان ، ونتقاعد عن الحب والغناء ونوار.. الشوارع المترفه
بالمعاناه
والمساله اكبر.. هى الانفصال عن دائرة التاريخ ، عن محيط دائرة التاريخ
والعوده
اليها !.. تلك هى المسأله ، ان نكون فى زمننا الحقيقى او لا نكون ! ان
نسمع ما
نرغب فى سماعه ، ان ناكل ما نشتهى ، ونشم الرائحه التى تعجبنا ، ولا يفرض
علينا
التلفزيون سخافاته ؟! ان نعبد الله كما نعرفه ، لا كما يراد لنا ان نعرفه
!! ..
البابور .. شجرة الحراز .. الرابية .. الشارع الممتد بضؤه القرمزى فى
نهايات
الدرب كإشارات المرور ، الأغانى الثورية ، المتخمة برائحة البارود وطعم
المقاصل
!.. ترى كم من الزمن مكثت هنا ؟!! يوماً ام بعض يوم !.. حتماً سيقولون ،
اثنين
، انا ونوار وثالثنا الحزن المقيم او خمسة ، ستة بالبرد والريح ونباح
الكلاب
والكرباج .. الكرباج هو العلم الرسمى للدولة !.. ويكفى الانغلاق بعيداً عن
الحزن ، دون فلسفة له !.. يكفى الاحساس به لنتعذب طويلاً ، لا حاجه لرؤيته
مطلقاً !..
اللغه مهزومه فى هذا المكان الصامت ، الصامت .. تتداعى الاشياء ، تنغمس فى
قطعة
الخبز الملقاة على البلاط المتهرئ لتبل الريق بالاغنيه الوحيده التى لها
معنى ،
هذا الريق اليابس ، تبله هذه القطعه الصغيره الملقاه ، اغنية الكاوبوى ،
اغنية
السيد الكبير ، اغنية السيخ ، اغنية الكوة ، البلاط ، الجدران ، الجرزان ،
النمل والبعوض والجندى النبطشى .. اعقاب السجاير واغنيات كثيره لا حصر لها
ولا
معنى الا عندما ترتبط ببعضها ..
معنى واحد فقط يظل ماثل ابداً وهى منفرده ! : القهر .. اغنيات مهزومه
ابداً
ميته ، عدا قطعة الخبز الجافه !!..
هذه الكف بخطوطها العريضه ، المعروقه ، كجذور شجرة نيم معمره ، عفى عليها
الزمن
واضناها الحنين ، انكفأت على نفسها بقسوه.. جميعهم ينتظرون العائد من
الضباب ،
بتشوقات مجروحه اصداها الحنين .. تتحول نفسى الى كتله من الحزن الكلى
الشامل ..
اتمزق بين قرصات النمل والحشرات ولسعات الهوام الضاله والعزله !.. الهموم
التى
تركتها خلفى تأكلنى .. اتشرد بين الامل وكثافة الحلم المستحيل واللغه
القاصره ،
المهزومه ونباح الكلاب ، اتشرد بين مدارات الوحشه ونداء الدواخل لقطع
الطريق
امام كل امل مخضوضر هوية تحمل اسم نوار ..
ـ سلوى تسأل عنك يا ابو على!..
ـ من تكون سلوى ؟!..
ـ قريبة نهى ..
ـ لا اعرفها !..
على ارض الزنزانه القذره تناثرت اشياء ، كانت تبدو له ثمينه وقيمه ،
نادره ..
قطعة كرتون عتيقه فرشت على البلاط ذوات النتؤات والتجاعيد ، مجله بتاريخ
قديم
تركها معتقل سابق وكتب عليها : ( أذكرونى ) .. من يذكرك يا صديقى ؟! انت
تعبث
ولا شك !.. ابريق قديم للشرب وقضاء الحاجه . . . خلعت البنطال المتشقق
كالارض
الزراعيه ، والقميص المهترئ .. جففت العرق .. لملمت اطراف ثيابى القديمه
على
جسمى مرة اخرى لاحتمى من سرب البعوض .. طرقت باب الزنزانه عالياً ،
أكثر
من المعتاد .. فتح .. أطل وجه كريه
ـ الطعام ..
كنت متشوقاً لرؤيه أى وجه من الوجوه البشريه عدا هذه الوجوه الكريهه ،
تلمست
قطعة الخبز اليتيمه وجدتها محشوة بالملح و العطرون ، حاولت تنظيفها ، يئست
فقذفتها و لعنت كل شئ ، قرصنى الجوع فتأسفت .. هنا يشتهى الانسان أتفه
المأكولات ! فتح باب الزنزانه بقسوه واطل ذات الوجه الكريه :
ـ لماذا لم تأكل ؟ !
ـ لاأستطيع هضم الملح و العطرون .. إهترأت معائى يارجل ! …..
قلت بلهجه لاذعة فرد بحنق :
ـ هذا إعتصام ! همم … مم … ستأكل عندما تجوع .!
أغلق الباب خلفه بشدة و أبتعدت خطواته القاسيه .. أمسكت بنواجز الزنزانه
الفاسقه ، وكتلة من القرف الثقيل تستقر بأعماقى ، ترهقنى كثافة الليل ،
أنفاسه
الرماديه ، الخنثى ! .. تبعث على المراره و الاسى ! مره أخرى طرق باب
الزنزانه
بصوره مفاجئه و متقطعه دون ان يفتح الباب ! استمر الطرق .. إذن هو شكل آخر
للتعذيب ؟ …
في المرات الاولى كنت أنتفض متوجعاً ، وطبلتى أذنى تكادان تثقبان .. كنت
كفرخ
طائر ذبيح بللته مياه المطر ! لكن لم تعد هذه المشاعر تستثار في الآن ! …
فقط
أحس بشعور ما ، شعور مائى. . يجمع عواطفى كلها ويصبها في قوالب من
الاغنيات
ذات اللغات المكبوته إلى درجة الجفاف خلايا مخى وأوداجى المزرقة المنتفخة
تهترئ
لحرمانها الراحة في أيام السهر الطويل .. تعانى إهتزاز الرؤى و الرؤيا !
..
احساس مفعم بالنهوض ، يجعلنى أشعر بأننى فقدت أشياء عزيزه علىَّ ، لاأدرى
لماذا
يهاجمنى هذا الاحساس ، كلما ذكرت نوار ؟ ! ويتمدد بداخلى مالئاً كل
الفراغات ..
الأشياء أمامى تصير أجسام بلا عناوين ، تفقد صفاتها ، مميزاتها أفعالها ،
ردود
.. ترى أيكون إفتقادى للحريه هو الباعث لهذا الاحساس ؟!… أم هى لحظة
المواجهة …
مواجهة الذات التى تفرجت على الحياه ليس كما ينبغى ، لم تعشها
كماينبغى ! …. الاحسايس المتضاربة تبدو عميقه حين يفتقد الانسان الاحساس
بالكيانات التى حوله : حيث لا تمثل سوى ذوات جامده لاحياه فيها .. قلت
لنوار
مره :
ـ لماذا أنا بالذات ؟! …
فردت بحنو :
ـ لماذا أنا بالذات ؟ !!
ثم كأنها تستفيق :
ـ ربما لأن عينيك لا قرار لهما .. وربما لاننى احب الاطفال .. لا لأنهم
أطفال
.. ولكن لمعنى الطفوله ذاته .. الطفوله المحض ! ..
أرتقى إلى الفراغ أم الفراغ يرتقى إلى .. آه ، هو الرفض إذن ، لايموت
كالآيديولوجيا ، بكل عسفها ! .. إنه المستقبل الذى تحياه الآن ، الامل
بريق
محفوف بالمخاطر ، لكنه قد بكسر طوق العزلة والعتمة والحصار عند إنفجار
القمقم
..
إستضافوا شخصاً جديداً ، إمتلأت كل الزنازين عن آخرها .. لم يجدو لسياده
المعقتل الجديد مكاناً ملائماً لاستضافته كما يبدو ! فقرروا إستضافته فى
زنزانتى الفاخره ، حتى دون أن يهتموا لرأيى ! .. رأيى ؟ !! .. لم تسعنى
الفرحة
بالطبع ! و القدر يهئ لى فرصة سماع صوت بشرى حقيقى مرة واحده هكذا! تسلل
صوته
الرقيق من بين أسداف الظلام :
ـ السلام عليكم ..
احسست بأننى لم أسمع صوتاً أليفاً منذ ولدت كدت أنسى اللغة نفسها ، كنت
مشتاقاً
لتجاذب أطراف الحديث مع أى كائن كان .. سألته عن الناس بالخارج عن اليوم و
الشهر و السنه .. هل لاتزال الارض تدور ؟!! وجهه النحيل الاسمر يحمل خطوط
حزن
عميقه .. هم كثيف يغطى خطوط أخاديده الغائرة ، حاولت أن أكرمه بالتخفيف
عنه ،
سألته بصوت حاولت أن أجعله ودوداً ، حانياً . .
ـ لماذا أتوبك ؟ !
فرد بأسى :
ـ وجدوا عندى رطل لبن ! ..
ـ هل هذه جريمة ؟ ! ..
ـ كانوا قد منعوا شرب اللبن لأنهم بحاجه لتصديره مجففاً .. أصبح
اللبن
لا يوجد إلا
مهرباً طفلتى الصغيره " مفطومه " و لم يكن أمامى سوى المخاطره حتى
لاتموت
الطفله ! ..
ـ همم .. م م م .. يهتمون الآن بأمر اللبن والأغذية المصرية الملوثة
بالاشعاع
تتسرب عن طريق حلايب .. التهريب عن طريق حلايب يملأ الشوارع .. الناس تموت
بسببها والأطباء الفاشلون يسجلون حلات المرض المجهول ..
أين تجد وطنك ياأبوعلى مختبئاً فى هذه الزنزانة الضيقة ، أين تجد وطنك
مختبئاً
فى هذه الساعة الفاجعة ! ؟ ! إنه أضيق من الزنزانة ! ..
ـ من أين أنت ؟ !
ـ من كل مكان ..
ـ لا أفهم !
ـ ولاأنا ! ..
ـ هو كذلك ..
ـ ماذا فعلت
ـ لاشئ
دعك أنفه بتقرز :
ـ ماهذه الرائحة ؟ هل تقضى حاجتك هنا ؟ !
ـ الحمد لله لن أكون وحدى بعد الآن الذى يفعلها !
ـ ماالذى تعنيه ؟ !
ـ إنس هذا الامر الآن .. ستعتاده ! .. لاتهتم ! ..
كنت أود لو أزيل عنه هذا الاحساس المملوء باليأس و الحزن والألم لكننى
أحسست به
منصرفاً ، كان يعيش داخل نفسه ، راغباً عن أى حديث ، تركته لتوحده وتوغلت
بعيداً فى نظراته الشارده ، أحسست ان عليها خيولاً تركض فى محطات محدود به
الهواء و الضوء .. وحدهما يستقيمان ظهورنا تقاوم الانحناء ! …
تختفى كل الخيالات حتى النائية منها تتضائل مع نباح الكلاب ويذوب كل شئ فى
الفراغ مع لهاثها …. كان الطرق المسرف على الباب يتواصل ، تنزف دواخلى
المأسوره
.. الشعور الحقيقى لانسان أعتقل زمن ما من داخله !!.. حانت منى إلتفاته فى
الظلام ، فأصطدم بصرى بجسم ممدود على انزواء الركن ظهره للأرض وساقية على
زاويه
الجدار لأعلا فى وضع غريب ، يشبه الوطواط عندما ينام ! .. هاجمنى شئ من
توقعات
حزينة .. إستمديتها من احساسى بالذين فى الخارج تذكرت فجأة ان الجسم
المنزوى هو
للسجين الذى ضبطت بحوزته " حلة اللبن " زفرت بشئ من الارتياح .. أمعنت
النظر فى
الجسم المتكور ، تخليته لامنزوياً على الجدار ، بل على حزنه وخيبته من
الآخرين
الذين صمتوا حين رأوه يقاد كالكلب إلى
هنا. . الأخرين الذين كانوا يراقبون إغتيالات الطلاب وهى تتم لأجل وطن
يحلمون
به يتناثرون كالشظايا وتملأ دمائهم شوارع الخرطوم !
والطفوله تدهس تحت سمعهم وبصرهم ! الآخرون هم الجحيم " .. لايزالون صامتين
كالموتى لايجيدون سوى التنظير فى المواصلات العامه وقعدات السكر والانحناء
للريح … هنا تتبتدى العلاقات بين السجناء فائضة بالإحساس الأخوى والمشاركة
فى
الفجيعة تقتسم معهم كل شئ .. أحلامك أحزانك بل وحتى التغوط والبول فى مكان
واحد
! نعم تقتسم معهم حتى المكان لايزال المعتقل متمسكاً بعوالم تخصه وحده ..
متكوراً عليها ، لايريد أقتسام شئ مع السجناء ! .. فتح باب الزنزانه عند
منتصف
الليل تماماً كما قدرت ، واتى صوت ذو نبرات غليظة ، أجشة :
ـ حيدر ..
إنتفض السجين فى ركنه المنزوى بغته كمن لدغة ثعبان سام ..عندما أقترب منى
أحسست
به يزيح عن صدره كل أحزان وهموم العالم و يضعها على ظهرى بكل ثقلها ..
ربت على كتفى ومضى …
" لنتزوج " قالت نوار .. فإكتشفت فحولتى لأول مره ! .. كنت أحيا فى تلك
اللحظه
، كما هى الحياة !! …
( * )
مداخلة:-
على لسان و نستون
فى
مسرحية الجزيرة لأوثول فوقارد
ترجمة / أحمد طه أمفريب
إنبثق
عن سقف الزنزانه بشكل مفاجئ وجه نوار ذات الوجه الطفولى لإمرأة ناضجه كان
السقف قد إنفرج عن مصراعين و سبحت نوار فى الفراغ .. لم تتفوه ببنت شفه
عدا :
ـ الطريق أطول مما يتصور حفيد موسى ود جلى بكثير !!..
وأرتفعت بى خارج الزنزانه ، التى عاد سقفها إلى مكانه .. وضعتنى على الارض
و
تلاشت فى الهواء .. عندما أستوعبت ذهولى و دهشتى إنتبهت إلى اننى لم اغادر
مكاتب زنازين العسس بعد لازلت فى جغرافيتهم … دهشتى وذهولى لم يجعلانى
أسمع سوى
كلمات نوار الآخيره :
ـ ….. سلوى …
بدت ذاكرتى كخليه من النحل وجيبى يتقطر عنه العرق و نوار تغيب فى
اللانهاية مثل
طائر مارتجلو .. لم تكن المكاتب ذاتها تلك ! فوجئت بمدينه ممتده تحتوى على
الزنازين و المكاتب وبيوت الأشباح ومساكن العسس وعائلاتهم .. كان كل شئ
يشير
إلى اننى فى مدينة كاملة للعسس بكل مؤامراته وزيفه وصلفه ومكائده مدينة
بأزقتها
و حواريها فقرائها و أثريائها ، كازينوهاتها ومعابدها ! .. أنديتها ..
كانت
مدينة بكاملها ..شئ واحد فقط بقى ! كما هو : شجرة الحراز … ( شجرة الحراز
هذه
أصلاً كانت شجرة نيم .. أول شجرة نيم أدخلها الانجليز .. زرعوها فتحولت
الى
شجرة حراز !) تلك كانت رواية السجان .. فهل كانت هذه المدينة موجوده قبل
دخولى
؟ ! كل الأشياء تبدو مألوفه ، حتى الشجره ، رغم أننى أرها للمره الأولى !
كان
المكان رهيباً و الدواخل يمشى عليها النمل ! .. غابت الشمس ، هذه الشمس
التى لم
أراها منذ زمن طويل … أرأها الآن … كان واضحاً أن الفصل خريفاً ، إذ
اقتحمت
أنفى " دعاشه " لذيذه بارده ! … أخذت السماء تبرق وتتكاثف غيومها .. قلت
فى
نفسى ستمطر بعد قليل ، وفكرت كيف يلتقينى الأهل و الاحباب بعد كل هذا
الغياب
..سألتقى الليله أهلى … إنتبهت على نباح كلب مزعور ، يطارده أطفال عسس ،
شيعت
شجرة الحراز بملامحها الحاده ، بنظره آخيره وأبتعدت للخروج من مدينة العسس
..
نساء من العسس ، أطفال من العسس ، صبية ورنيش من العسس ، شواذ من العسس
هذه
المدينة التى خرجت من قلب التاريخ ، كل شئ فيها من العسس ! .. حتى المبان
تتخذ
شكل العسس و لابد ان كل من يلتقينى سيعتقد اننى من العسس ! الفرق بين
العسس
وغير العسس هنا ، فقط فى من بداخل الزنازن ومن خارجها ! فرق مكان فحسب !
،لافرق
آخر البته ! . دخلت زقاقاً ملتوياً فإذا بالكلب المزعوم ينزلق من أحشائه
المتشابكه الأطراف . ركضت أمامه و المسافه التى تفصلنى عنه تتضأل ، أخذت
أزيد
من سرعتى حتى واجهنى نفق فى نهاية الدرب تدليت منه سريعاً ، لم اشعر
بدرجاته و
أنا أتجاوزها فى سرعتى حتى واجهنى نفق فى نهاية المسافة
تدليت منه سريعاً ، لم أشعر بدرجاته وأنا أتجاوزها فى سرعة .. إلتصثت
بحائط
متدنى فى نهاية النفق الذى تتبدى عن مساحة واسعه ، كنت مملوءه بالحنق
متشوقاً
لأهلى وسلوى و الاحباب .. أحسست بالكلب ينفلت كالسهم خلفى متجاوزاً كل
الدرجات
… سكنت حركتى برهه ، مترقباً المجهول يتوفز … دهشت حين أرتد الكلب راجعاً
الى
حيث أقف ، حدَّق فىَّ بلا مبالاه ثم واصل ركضه الى حيث أتخذ مكانه على دكه
خشبية متكئة على الجدار .. تراصت قربها دكك خشبية متشابهة تماماً … ثمة
أشياء
عديده ، لبرهه لم أتبين ملامحها ، ثم أكتشفتها بعد ذلك .. كانت أرضية
النفق
تبدو متبعجه ، ذات لون بنى داكن مشرشراً ببقع ورسيه ، اكثر غموضاً ! ثمة
صور
مشوهة على الجدران للمسيح وهو يقف بانكسار أمام مئذنة مسجد تهدم برجها
فأرتمت
على الأرض المبتعجه .. بل تتوسطها تماماً مائده صفراء ، متهالكه ! ورغماً
ذلك
تناثرت عليها تمايثل تاريخيه لوجوه آسيويه وافريقيه وعربيه و أوربيه وأخرى
خلاسيه ضاربة فى إفتقاد الهويه ، ثمة مخطوطه حائله اللون مهترئه على
الجدار ،
أقتربت منها ، تبينت فيها خطاب " نهرو فى باندونج ! " لفت نظرى وجه سامى
بدت
عليه ملامح الثقه بالنفس فى وضوح … ثمة أشياء تبدو غريبه ، لم أرها من قبل
..
القبو بفضاءه المزحوم برائحة البهار الأفريقى و الطلح و العنبر الهندى ..
تبدو
عليه التماثيل ممسوخه المعالم متجرده من كل الملامح .. كان المكان أشبه
بمعبد
وثنى .. أضيفت إليه تفاصيل كثيره من كل الديانات .. نبتت علاقه مبهمه و
كثيفة
بين أبوعلى وتمثال يجسد المسيح مصلوباً أمام نار مشتعله " يلتف حولها
أربعين
رأس بشرى دون أجساد .. غمرت الدماء المتجمده ما تبقى من اعناقهم المقطوعة
..
عيونهم مفقؤه وانوفهم واذونهم ولحيهم ، كلها مقطوعة !!.. حاولت ان افك
علاقتى
المعقده بهذا التمثال !!..
ترى كيف يكون الجو خارج النفق.. هزيم الرعد يعطى الاحساس بأن امطاراً
غزيرة
بدأت فى الهطول .. كنت قد تحولت الى مخرج آخر فى أقصى النفق .. عصفور صغير
يبدو
مشرباً بالتعب ، يرتعش فى البرد مقعياً ككلب وهو ينتفض .. رفعته من تحت
قدمى ،
دعكت يدي ليسخنا .. ادفأته وأدخلته فى جيبى .. كانت الادراج بعضها مخلوع
وبعضها
مكسور ، ادراج قليلة هى المثبتة على مخرج القبو .. هذا المخرج الوحيد
المدرج ،
الذى يؤدى الى الارضية المتبعجة للقبو .. مادونه من مخارج بلا درج !..
حاولت ان
أعتليها . لم استطع ، كنت اسير ببطء وحذر ، كاتماً انفاسى قدر الامكان ..
الدكك
المتناثره على ارضية القبو إمتلأت فجأه بأنواع مختلفه من الحيوانات غير
الاليفه
، يتوسطها الكلب المسعور ! لم اكن خائفاً ، لكن كان المكان رهيباً ! كنت
احاول
الصعود لأعلا وبعد كل درج اتمكن من تجاوزه اتنفس الصعداء .. بدأت المياه
تغمر
المكان ، تسيل عبر فجوات القبو ، وبدأ على الحيوانات الذعر !.. لابد أنها
ستمطر
بشده ، تزايد منسوب المياه شيئاً فشيئاً ، حتى خاصرة القبو ، ولازلت اتقدم
بحذر
.. كان الشوق الى الجميع يملأ اعماقى ، ويستحث في الاسراع .. المياه ، صرت
ألمسها فى
ركبتى واصوات الحيوانات المزعورة تأتى واهنه!.. أخيراً ،فتحة القبو !
اطللت
برأسى وزفرت بإرتياح ! كانت المدينة غارقة والارض تفيض .. السماء تمطر ..
الابنيه تتبول وتحيض !.. كل شىء كان يسيل ! وقفت مرتعشاً عند إحدى الزوايا
و
أنا احتمى من المطر الذى بدأ يتوقف الآن إرتعاشات فى الهواء ، يتولد عنها
رزاز
.. توقف المطر .. احس العصفور الذى فى جيبى بطقس هذه المدينه !.. توقفت
الامطار
فجأه تماماً !! وبدأ الجو صحواً ، كانت الشمس مشرقه ، جميله وزاهيه فى
أشعتها
الحانيه .. اخرجت العصفور .. أدفأته قليلاً ثم اطلقته بإتجاه الشمس !!
( * )
لقد إنتحر خالد !!
دارت الدنيا برأسى ، تحول كل شىء امامى الى دوائر وهالات ملونه ، شعرت بكل
الدم
الذى بشرايينى يتجمع فى الدماغ ، فيبدو ثقيلاً .. يختل توازن جسمى الخائر
على
الجدران ..
ـ كيف ذلك ؟! .. كيف ؟!!..
ـ إنها قصة طويله ، قل لى كيف انت الان ؟!.. عسى ان تكون قد جددت دمائك فى
هذه
الاجازه القسريه ؟!!..
ـ كنت بحاجه لقليل من الراحه ! اردت ان انفض عن نفسى اثر الزنزانه ! لماذا
إنتحر خالد ؟ ولماذا لم تخبرونى إلا الآن ؟!!
ـ هون على نفسك يا ابوعلى .. نحن نعلم انه كان الاقرب إليك
ـ لماذا اختار خاتمته على هذا النحو ؟!! لماذا ؟..
ـ إنها مسألة إرتباك . . لحظة مواجهة الخيارات الصعبة ..
ـ آه ، ياخالد .. لماذا .. ؟! .. لماذا ؟!..
ـ منذ عدة اشهر وحقوق الانسان ليس لها حديث سوى حق الحياه
ـ توقعنا إطلاق سراحك فى الفوج الاول ..لكنك خرجت فى الفوج الثالث ، اليوم
اطلق
الفوج الخامس للتأكد من حسن النوايا ..
ـ لكننى لم اطلق ضمن فوج ..
ـ ماذا بك يا ابوعلى ؟!..
ـ آه عبداله، لم اعد احتمل شيئاً .. دعنى ..
كانو قد انهو اليه خبر إنتحار خالد كأنه خبر عادى .. لم يكن ثمة الم
مجامل على
الاقل يلوح على اعينهم ولم يكن ثمة احد يود ان يعترف ان استقالة حسام
وتمردات
سلمى و محمود و كثيرون غيرهم وانتحار الفتى القزحى هو موقف واحد ذو تجليات
مختلفه متعددة ومتباينه!!..
تسرب ابو على من شقوق الجدران معتكفاً على حزنه وحده كأبو ذر ، كانت لوحة
نوار
لاتزال ملقاه على الدرج الحجرى حيث تركها آخر مره .. لم يحركها احد من
مكانها
فى غرفة الداخلية، نظر إلى السريرالـ DUBlE BED كان فارغاً من خالد ،احس
بغصة
تلتهم حلقه .. خالياً السرير إلا من الوحشه والوحده والالم .. مزق اللوحه
الى
قطع صغيره واشعل فيها النار .. كان قد اغمى عليه !!..
( * )
ليتئذ ، بعد ان اخبروه بأنتحار خالد الفتى القزحى ، إختفى ولم يره
احد
!! وفى الايام التى تلت إختفاءه زعم بعضهم أنهم شاهدوه فى تمام الساعة
السابعة
مساء الخميس جالساً على الكرسى الخامس من اليمين فى لوج سينما النيل
الازرق !..
لكن أخرين اصروا على انهم شاهدوه والعسس يأخذونه مرة أخرى ! أحد اصدقاه
الكثيرين فى الاسبوع الذى يسبق التاريخ المذكور وفى الرابعة من عصر احد
ذلك
الاسبوع ، زعم انه ودعه حتى صالة المطار ، وافترقا على وعد خطابات كان
كلاهما
يعلم أنها لن تصل !.. بينما لم يبد ادنى تأثر على والدته التى كانت فى
زيارة
لابنتها التى تسكن بحرى .. فهى كانت من جهة تعلم اين مكانه ، وتخبىء ذلك
كسر
حميم ومن جهة اخرى تولدت لديها قناعة مجهولة المنشأ بأنه لن يموت قبل ان
تتحقق
رؤيتها السريه التى لم تخبر بها احد ! ومع ذلك كانت تشعر بقلق وتوتر تسعى
جاهده
لإخفائه ولم يجرو احد على مكاشفتها ، بالاقاويل المتناثره التى صاحبت
إختفاء
شهاب ابوعلى المفاجىء ، حتى لايثير مخاوفها !.. لم يستطيع احد ان يثبت
جغرافيا
محددة صاحبت الاختفاء !.. وفى ذات هذه اللحظات التى كانت فيها الافواه
تتناقل
الشائعات المتباينه ، كانت تتشكل منها - ذات الشائعات - شائعات اخرى من
والى
داخل الجامعة احدهم اكد انه التقى به فى الامس القريب وإرتشف معه فنجاناً
من
القهوة فى إحدى البيوت السريه للحبش فى ديوم بحرى ، مما دفع سلمى لدعوة
هذا
المدع الى زجاجة من الميرندا ، لكن تصادف فى ذات الوقت ان مر احدهم بسلمى
والشاب " البرلوم "* جالسين فى الكافتريا يشربان المياه الغاذيه وسمع
شيئاً من
حديث "البرلوم" فقاطعه مصراً على انه راه منزوياً يرتشف الشاى ، كعادته ،
يتلذذ
تحت ظل احد الاشجار على شارع السجانه فى نقطة محددة قريبة من المنطقة
الصناعية
، يطيب لعساكر النظام العام إرتيادها بضمير وإنتظام ! .. احست سلمى بهما
يريدان
" برلمتها " فنهضت غاضبة وعينيها غائمتان بالدموع ! ليلتئذ كان أبوعلى
هائماً
كعادته فى غرفة الداخليه بنافذتها المطله على شارع النيل .. الغرفة التى
كثيراً
ما أستضافه خالد فيها … أعتاد هذه الغرفة و إعتادته .. كان يشعر لإنتحار
الفتى
القزحى طعم الحنظل ، فى حلقه ، الآن والنار تأكل لوحة نوار ، تشتعل فيها ،
يشعر
أبوعلى بالتمزق … (خالد انتحر هكذا دون اشعار ) ! … كان يدرك انه سيضع
حداً
لحياته ذات يوم ما ، فى زمن ما ، ولم يكن ذلك يثير فى نفسه اى نوع من
الاحاسيس
الرماديه المجهولة التى تنغص على الشخص حياته فى هذه الحاله … شعر
بالتصالح مع
الذات شيئاً فشيئاً يعمه لاول مرة ! لا لأنه ادرك الان .. و الآن فقط
الحقيقة ،
حقيقته ! … او ربما لايود اتخاذ قرار ينبئ عن العجلة و التسرع كما هو حاله
دائماً كذلك النوع من القرارت التى تجعله نادماً لزمن طويل ! … لاول مره
يغمره
*البرلوم : سودنة لبرليم الإنجليزية … وتعنى طالب لسنة الأولى والبرلمة هى
المقلب الذى يتعرض له طالب السنة الأولى بحكم حداثته ، من الطلبة القدامى
الصفح ! … فى السابعه من عمره كان مغرماُ بالغناء فى سقف البرنده حيث
يطيب له
الجلوس ، وذات مره وهو يحاول النزول ، إنغرز مسمار خبيث فى سطح بربخه وشقه
شقاً
فاضحاً ! لم يبكى ، فقط كان قلقاً و متوتراً ، فقد علم مؤخراُ فقط ان هذا
الشئ
هو مايميزه عن الاناث !… حزن أشدَّ الحزن ، حتى أطلَّت نوار على عالمه
المحزون
، عندما انحسر عنها الفستان على سطح الرابيه ، غنى حينها بلوعة ( الجرح
جرحى
براى ـ منو البقاسمو معاى ..) و كانت هذه الاغنية مثار تندر الاسره لوقت
طويل
لا لأنه ألغى كلمة " بقاسى" و احل محلها "بقاسموا" ولكن لأنه كان يعبر عن
نفسه
بشكل طريف !! يكاد أبوعلى يجزم على ان احداً من افراد الاسره فى ذلك الزمن
لم
يكن قادراً على استكناه المعنى العميق الذى يعنيه .. كانت والدته تترصده
حتى لا
يصعد الى البرنده مرة اخرى فيعوق نفسه ! وبرغم انه وضع قراراً حاداً انه
لن
يصعد ابداً الا انه سرعان مامحى هذا القرار عن ذاكرته بعد أن طمأنته
جارتهم
الأربعنية وشرحت له وظيفة البربخ وحدثته عن أهمية ذلك الجهاز بشكل مستفيض
وبالرغم من أنها دفعته لتجربة عملية ناجحة معها ، إلا انه لم يكن كامل
الوثوق
رغم إطمإناناته بالطبع امه لم تكن تعلم شيئاً عما حدث بينه وبين الجاره
الاربعينيه ، اذا كانت تثق فى براءته لحد تقديسه ! وعندما قالت نوار ذات
مرة :
( لنتزوج ) .. تلمس حينها بربخه الذى خدشه مسمار خبيث ذات يوم أعلا برندا
أبلكاش سوداء فى بيت إيجار قديم يطيب لمالكه ان ينكد عليهم عيشهم دائماً
وفى أى
وقت من الاوقات المزعجه ! .. عندما قالت نوار ذلك تأكد من طمأنة تلك
الاربعينيه
وشكرها سراً ! ..
كانت أحاديث الصبيه المراهقين تقلق أبوعلى رغم ان الجاره طمأنية وهم
يتحدثون عن
وظائف الجهاز المجهول و شهرته التى طبقت الآفاق !! ..
منذ دخلت نوار عالمه ، او دخل عالمها ، لم يعد يهتم بالغناء او ذكرى
البرنده
الابلكاش ، لكن شئ واحد ادركه جيداً ، هو ان وعيه بالجهاز المجهول قاده
الى
سؤال التاريخ ؟ !! وهكذا عرف السياسة !!…
الاحساس بالتصالح الذى كان يستفزه ، تجلل بالضباب ، أثر على تنفسه
المتصاعد ،
تلمس أبوعلى فراشه الحاف ولاول مرة منذ سنوات طويله لم يشعر به حاف ، موحش
الى
هذه الدرجة من الفجيعة . . ترى القلب ليس بخاوٍ ! .. كان أبو على يستلذ
الفوضى
بينما يراه الآخرون مرتباً ؟! ، لايرون غير ذلك ؟ . . كان يحب نوار حد
الجنون
او هكذا كان يستشعر دائماً !! ..
ـ سلمى تعتب عليك !
ـ لماذا ؟!
ـ انك لاتعيرها إهتماماً !
ـ ماذا تعنى ؟!
ـ الفتاة تحبك ياأبوعلى ..
ـ وماذا على ان أفعل يامحمود .. لقد اخترت خاتمتى ! ..
ـ كلهم يعتقدون أنك تحمل جبلاً من الجليد بداخلك … لاأحد يرى الاتون
المشتعل
الذى يتسرب شفيقاً ويفيض …
ـ مابك ياعادل
ـ سلوى ..
ـ من … اه ، مابها …
ـ اوصت نهى .. انها تريد ان تراك ! ..
ـ آخيراً قررت الخروج عن عزلتها ..
وكان أبوعلى يطيب له ان يمارس قلقه متى شاء ! .. وكيف شاء ! .. ولا يرون
فيه ما
يريدون تصوره متى أرادوا ! .. الأمر يتوقف دائماً على الزاويه التى يرونه
منها
..
ولذلك أنتحر خالد الفتى القزحى ، لأنه أستجاب ، لتصورات الأخرين عنه ، ليس
كما
هو كائن حقيقة ! .. تنهد أبوعلى بحرقه … لن تنتحر ياشهاب ، ولن تقف مكتوف
الأيدى و منذ الآن ستفعل مايجب أن يفهم كما هو ! لا كما يريدون أن يفهموا
! …
أنتحار خالد هى نقطه البداية كان خالد كابياً بنظراته بنظراته ، بجسمه
الناحل ،
بحزنه ، مأساته الأذليه .. كان محض مأساة ! … آخر مرة إفترقنا فيها قبل
سفره
المفاجئ ذاك … ذاك السفر الذى لم يعد منه أبداً ، كنت اعلم انه سيحرق كل
المراكب التى سيعبر عليها الميناء خالده ، فقد حطمت الميناء كان من الصعب
عليه
ان يرسو ! وليست ثمة جدوى من ان يطلق للريح اشرعته ! خالد أنهى حياته على
نحو
تراجيدى مثالى !! ..
قال عبدالله ذاك المساء المشحون بالحمى و التوتر ثم اضاف :-
ـ أغلق على نفسه الدكان ، اوثق جسمه على العنقريب القَّد ، بعد ان إرتدى
كل
ثيابه التى يملكها بعضها فوق بعض ، كان قد بللها بالجاز بعد ان اوصل
التيار
الكهربائى الى أطرافه ثم أشعل النار ، وجرَّ التأمين فى ذات اللحظة ..
لم يكن من السهل علىَّ إستيعاب هذه الصدمه .. شريط دموى ينساب من القلب …
و الى
القلب ، نقطة ، نقطة … ينسكب على مناخ البنشات المترع بالأسى و المشحونه
بالتوتر فيزيد الجامعة قتامة !! ..
كان خالد قد قرر أن (المواسم والاطفال أغنية خبيثه ، وخصوبته أجتهدت لكى
تلد
البوار..)*
* عثمان بشرى
ـ خالد عاش أوربا بكل خلجاتها ، لم يكن سهلاً عليه أن يحوله والده الجشع
إلى
مشروع تاجر مع سبق الاصرار و الترصد ، فى دكان صغير يبيع المواد التموينيه
لاهل
حيه الشعبى ، امامه تكوَّم الفحم و الحطب ولقاء رطل من السكر يفرغ فحولته
فى
احدى الفقيرات ، المهجسات بإسكات صراخ أطفالهن المشرعى الأفواه !!.. لم
يكن
سهلاً عليه ان يلج عالماً لاينتمى له ….
كان عبدالله يتكلم كجهاز التسجيل و كان خالد ماثلاً يملأ المكان بالهتاف
كان
أقرب منى إلىَّ لم يكن يخفى عنى شيئاً و الخطأ الأكبر أننى أخفيت عنه نوار
كسر
حميم لم يكن هناك شئ لاأعرفه من حديث عبدالله الذى يعذبنى ، يلجنى كالنصل
،
يقطع دواخلى يميناً و شمال !! وهو لايتوقف إلا لبواصل :
ـ عندما ترك الجامعه لظروف غامضة إثر سفرته المفاجئة كان يتوغل فى روح بول
إلوار ،و فيتزلاف نزفال .. كان يريد ان يكون Libertx of indiffrence كما
كان
يصرح دائماً وهو يتحدث عنهما ، لقد كان كالمسيح يحمل أخطاءنا جميعاً .. لم
تكن
الموازنه سهله ووالده يجبر إبنه شقيقة المريضة نفسياً على الزواج من عجوز
مهووس
.. لم يكن أحد ممن بالعائلة يجرؤ على ان يقول لا ، فكر خالد ثم قدّر ،
فقرر ..
يااااه. . . . ، كان قاسياً فى خياره !! . . . اختار خاتمته على نحو مخيف
!!
كانت عظامه قد تفحمت و تحول اللحم الذى يكسو جسمه إلى مزق من الشواء
المهترئ !
كان قد تمزق تماماً ! لكن ظل المكان معبأ بالهتاف ورائحة التوحد و
الانصهار ! .. توحد خالد فى النار المقدسه للقدماء .. أعظم إكتشاف للانسان
الأول ! .. ووفود المهنئين القادمين لزواج إبنة شقيقه تتحول إلى وفود
تعزية دون
أن تدرى !
( * )
كان أدمو فى تللك الليله التى لم تحتفل فيها شعب الوادى بعيد إستقلاله
(عيد فشل
الزحف الكسوفرى ) و تمزق كسوفرو إلى أشلاء ، وتشتت شعبه فى قرى صغيره
تتخلل
الوديان من بلبل در منفرة حتى دلال العنقره وفور برنقه ،ألخ .. من الاماكن
التى
سقط عليها شئ من أشلاءه كان آدمو فى تلك الليله التاريخيه لشعب الوادى و
التى
على غير عادته خلت من البقو والكسوك ( و المرين و الدامرقة )* و رائحة
الغرام
.. كان قلقاً و متوتراً، ليس كعادته .. لم يكن الأمر لتأخرنينا عن القدوم
فحسب
، بل لشيئ ما شيئ آخر يجتاح دواخله ،
* لحوم الخراف فى شرائح مع البهارات والمشهيات ** عصيدة من عجين الدخن
المقشور
*** المساحة المزروعة داخل الدار والماربق نوع من الذرة الرفيعة
ولا يدرى أحد كنهه بالضبط ، يحاول ان يهيم فى انتظار نيتا ، حفيدة الكيرا
،
فتلتهب أحاسيسه أكثرَّ !! سمع وقع خطوات خفيفه على " القش " المتناثر عند
مدخل
قطيته التى توسطت " جبراكة "* " الماريق "** أطلت نيتا لاهثه و خفق قلبه
أكثر
!! …
ـ آخيراً وافق مارتجلو ، أدمو ! …
عصافير من الفرح الشفيف أطلت من عينيه ، تشاركها الاندياح المخملى المخمور
! ..
استندا على جسديهما ، إعتنقا باحساس مضن . . توحدا ، كأن قوة ما تحركهما
باتجاه
عالم من الضباب الوردى … شيئاً فشيئاً تحاصرهما طيوف من الضوء الصافى
الشفيف ،
تحولا إلى كنارى ، تنامى ، تنامى ، تنامى تضخم إلى طائر مارتجلو النارى ..
ارتفع الطائر توحدا مع مارتجلو و خفف لأعلا ، فأعلا فأعلا …
لملم أبوعلى رماد لوحة نوار ، ذاكرة الحراز البرَّى الذى ظل متكوماً فى
وسط
الغرفة الأيام..
قذف بالرماد من النافذه المطله على شارع النيل .. توقف الرماد فى الهواء !
…
واخذ يتشكل .. تملكت أبو على حاله من الدهشة و الصفح الصافى كالضوء
المنبعث من
القمر ليلة " أربعتاشر " .. تبدى طائر النار ، مارتجلو عن الرماد .. تردد
أبوعلى قليلاً ، ثم قذف بنفسه على الطائر … كان أبوعلى قد توحد مع الطائر
الذى
أخذ يحلق ، محترقاً حلق الطائر … حلق و حلَّق حتى تضائل تدريجياً إلى
شراشف
لهببة متقطعة ، آخذه فى التضاؤل !! …
*
عندما أسفرت شمس الصباح فوجئ الناس ، كل الناس بأختفاء أبوعلى وسلوى و
القصر
الجمهورى وكبرى الحرية و الجامع الكبير والشهداء والمتحف الوطنى .. كل
المعالم
.. لم يكن ثمة أثر لها ! .. لم يكن ثمة أثر لمعالم جغرافيا الأمس / الراهن
..
فقط ثمة جبل مجهول ينتصب فى قلب السوق العربى ملقياً بظلاله حتى مواقع
الطوابى
القديمة غربى النيل ، وبوابة عبدالقيوم … فتح الناس راديوهاتهم و اجهزة "
التلفزيون " علهم يسمعون بياناً ما … فلم يكن ثمة صوت سوى : مارتجلوووه ..
مارتجلوووووه
مارتجلووووووووووووووو وووو وووو وو وو وو وو و و و و و و و و و
تمت بحمد الله
كوستى - الخرطوم - وادى صالح
93 - 1999م