طائر الادغال
تأليف
رشاد نوري( كونتكين)
ترجمة
علي عباس تسنلي
كركوك 2012
المقدمة
بين مسافات الزمن تتوالى الأحداث .. وامام تحديات الحياة يظهر من يواجهها بشجاعة ونُبل .. وهذه الرواية الواقعية تعتبر من اهم ثمار العطاء في عالم الادب إنّ مؤلف هذه الرواية ( رشاد نوري بك ) هو من كبار أدباء تركيا لقد نالت هذه الرواية المساحة الاوسع في تركيا وخارجها كما ان لهذا الرجل الكبير باعٌ طويل في تطوير عملية التربية والتعليم اختار المؤلف المعلمة ( فريدة ) بطلة لروايته رغم معاناتها ووضعها الخاص كونها خريجة معهد اللغات ( الفرنسية ) تتنازل عن التدريس والراتب المغري في معهد اللغات وذلك لتربية وتعليم أبناء القرى والارياف ... همُها خدمة ابناء الفقراء وبطرق حديثة للتربية والتعليم بما هو أفضل وغايتها بناء مجتمع واعِ خالِ من الجهل والأمراض والخرافات .. لقد أستمرت أحداث الرواية حتى تزامنت مع أحداث الحرب العالمية الأولى ... وعندما تحولتْ مدرستها إلى مستوصف مؤقت إنخرطت لأسعاف وتضميد الجرحى .
هذه الرواية الشهيرة متأثرةٌ بشيء قليل من الرومانس وكما سيرى القارئ الكريم وذلك لأعطاء قوة دفع لمتن الرواية وسيما حين يجمع المؤلف ابرز شخصيات الرواية في مكان واحد لقد وفقني الله ان اقوم بترجمة هذه الرواية الى ( العربية) ولا يسعني الا ان اقدم شكري الخالص لكل اخواني اللذين ساعدوني في الانجاز المتواضع .
الأهداء
يشرفني ويسعدني ان اقوم بأهداء هذه الرواية لأتحاد ادباء العراق عامة واتحاد ادباء كركوك باطيافها الجميلة ولأتحاد ادباء التركمان خاصة .
علي عباس تسنلي
( القسم الأول )
على صحن الدرج للطابق الثاني تقفُ معلمة الموسيقى ( الآنسة اورانى) بين يديها ( البيانو) بلمسات أناملها الرقيقة تعزف لحناً شجياً أثناء ذلك شاهدت سيدة مُسنةْ تدخل المدرسة بوجه حزين .. تكاد لا تهتدي طريقها نادتها بلطف : سيدتي هل أنتِ ( ولية أمر ) أحدى تلميذاتنا ؟ إلتفتتْ السيدةُ الزائرةُ وهي ترفعُ بصرها إليها قائلة أسفي عليك آنسة ( أوراني ) ألمْ تعرفيني ... ؟ أنا ( طائر الأدغال ) .. ألا تتذكرين كم عانت المدرسة من مشاكلها التي لا تنتهي .. نصبِها المرجوحات تسلقها أعالي الأشجار ... مسخراتها من التماثيل التي تنتصب هنا وهناكُ
الآنسة أوراني لا تصُدق تسمعها ... وهل من المعقول أن تكون هذه فريدة حقاُ !! السيدة الزائرة تقول بأبتسامة بفضل الله وفضل معلماتي حصلت على شهادة ( دبلوم ) من معهد اللغات في ( اللغة الفرنسية ).. رأيت أنه من الواجب أنْ أقوم بهذه الزيارة كرد شيء من الجميل .. كنتُ في شوق لرؤية معلماتي بفضلهن الكبير مع رعاية هذه المدرسة لي .. ولولاهما كنتُ في ظلمات الحياة .. والآن تغمرني فرحةٌ وأنا أستعيد ذكرياتي الجميلة في مدرستي الأولى حقاً هذا اليوم هو أجمل وأسعد الأيام في حياتي .. الآنسة ( اوراني ) تعتذر منها مبررة عدم تعرفها على السيدة الزائرة بسبب ( رداءها الأسود ) لأن هذا الرداء يضيقّ الخناق على المرأة ... فريدة خانم : عُذركِ مقبول وصحيح آنسة اوراني.. مضيفةً ولكن هناك جانب أهم وبما يخص تلميذاتنا الصغيرات... مع قبولهن في المدارس وهن كأزهار يانعات : تقوم المدرسة بحبسهن داخل المدرسة ... حديقة تنفيس ( هذه الحديقة الواسعة والجميلة بجوار المدرسة ولكنّ التلميذات محرومات من التنزه فيها غالباً.. والحال أنه بالأمكان أستغلال بعض المواد الدراسية لممارسة بعض الفعاليات كالرياضة والرسم علينا إزالة الكثير من القيود عن أطفالنا ودون إدراك مِن عواقبها ... ! لنُطلقْ لهم آلعنان في اللعّب والحركة .. علينا أن نمنح لهم حريتهم لرؤية آفاق آوسع لتتّسعَ مداركهم شيئاً فشيئاً .. مع التوجيه وأبداء المساعدة فبهذا التعامل التربوي سيكتسبون مَلكة تمكنهن من أكتشاف الفروق .. بين الأشياء.. وهذا أول نجاح بحد ذاته ... السيدة فريدة خانم لا تكتفي بذلك .. إنها تنتقل من دَور المدرسة إلى مكان أوسع إلى ( المجتمع ) تقول فريدة خانم : قبل عدة اعوامِ طلبتُ من طالباتي وفي مادة ( الأنشاء والتعبير ) كتابة إنشاء تحت عنوان ( ما هي أمنياتكن بعد التخرج ؟ ) من أوّل وهلة لأحظتُ الخوف والوجوم على الوجوه ... فريدة تستأذن من زميلاتها المعلمات .. لتوضح لهن مدى المعاناة في حياتها .. تقول : إنّ الظروف القاسية والاستثنائية التي واجهتها منذُ طفولتي من حرمانٍ لحنان الوالدين وتحمل قساوة الظروف البيئية بجبالها الباردة وصحاريها الحارة في العراق .. أما الأمر الأخر والذي تعلمتُها متأخراً فهوُ ( أخذِ الدروس والعبر من تجارب الآخرين ) ومن ( أخطاء الآخرين ) .. وذلك الصبر والثبات ..
إن وضع البرامج المسبقة لتنظيم حياتنا ولمستقبل بعيد لا يتحقق غالباً ويجب أن لا نسبق الاحداث .. الآنسة ( أوراني ) بعد سماعها هذه المحاضرة تستقطب حاجبيها وهي تردّ على فريدة خانم ( ملاحظاتكِ .. عن مواجهة الحياة روحانية .. وصعبة تحتاج لتضحيات تردّ عليها السيدة فريدة خانم عذراً آنسة أوراني .. أنت على خطأ .. ما يقاربَ العشرين عام خدمتُ مهنة التعليم .. مئات التلميذات والطالبات تخرّجن من بين يدي معظمهن اليوم صديقاتي تفانيتُ في تدريسهن ساعدتهن في تذليل العقبات الدراسية وفرتُ لهن المستلزمات الدراسية .. لتقريب المواضيع الدراسية في أذهابهن فحقتت نسباً مرموقة للنجاح كما شاركهن في الأفراح والأتراح حتى أصبحت ( ولا فخر ) مثلهنَ الأعلى... من احدى نوافذ المدرسة تشير السيدة فريدة خانم إلي جبال بعيدة ضبابها يحجب رؤية أعاليها ... تغطيها الثلوج .. وهي تخاطب الآنسة اوراني انظري إلى تلك الجبال البعيدة ... الآن لا نرى دبيب الحياة فيها . ولكن رغم تلك الثلوج التي تثقل كاهلها سوف نراها قريباً خضراء بربيعها تتفتح ازهارها .. تخضرّ أوراق أشجارها .. ثم يعقبها الصيف بحرارته لتنضج أثمارها ... وهكذا تتعاقب الفصول ولكل حقها ومستحقها وعطاؤها لذلك أكرر توصيتي لأخواتي المعلمات : اطلاق العنان للتلميذات لأخذ حريتهن في اللعب والتنزه وتشجيعهن لأدراك أشياء الجديدة مع المتابعه بأبداء التوجيهات... فسوف نراهن بعد ذلك كيف يزداد حرصهن لأداء الواجبات المدرسية.. وبكل تأكيد أقول أنهن سوف ينجحن في المجالين : الدراسي والأجتماعي ..! التفتت إلى الآنسة ( أوراني ) مرةً أخرى وهي تقول لها... أن أجمل شيء نمنحه للحياة هي عطاؤنا الثر للمجتمع
وأخيراً تقول السيدة الزائرة : سأبقي شمعة مشتعلة تضيء الطريق للآخرين .. أنا أمرأةً عجوزة .. من يدري ربما لا أراكن بعد هذا اللقاء وأنتن أيتها الأخوات في مقتبل العمر .. ولأن رسالة التعليم والتربية أمانة فالواجب علينا أن نحافظ على هذه الأمانة .. وهذه هي الاهم للحياة .. أثناء توديعها السيدة المديرة وزميلاتها سقطت دمعتان من عينيها .. أما مديرة المدرسة فقد تذكرت موقفاً كبيراً لفريدة حين أخبرتها عن وفاة والدها بدموعها أطالت ناظريها الجملتين نحو جبال بعيدة عينها .. وبوجه حزين : يا والدي العزيز رحمك الله ( ما الذي سأفعله يا أتباه كلنا سنموت )في فترة ( المطالعة المسائية ) للتلميذات المقيمات وهي من أحداهن غلبها النعاس .. فنامت لتنهض مبكرة..
هذه الخاطرة .. أخذت المديرة إلى خاطرة أبعد ... قبل عشر سنوات وفي أحدى أيام الصيف وفي نفس الغرفة تذكرت المديرة هذه الطفلة وهي بين الثامنة والتاسعة من عمرها . تذكرتها وهي تدخل غرفة المديرة ويدها بيد والدها العسكري وهو ببزته العسكرية ورتبته الكبيرة (مُقدم ) في الجيش العثماني ... بعد تردد قليل بدأ الرجل بالكلام قائلاً : هذه الصغيرة أبنتي ( فريدة ) عمرها مناسب للقبول جت راجياً لتسجيل أسمها في هذه المدرسة ... لقد توفيتْ والدتها قبل فترة طويلة جدتها هي الاخرى ( أم والدتها ) في استانبول تُوفيت قبل أيام قلائل ... أما أنا فتواجدي هذه الأيام في ( الآستانة ) لحضور الفاتحة صحيح عندنا بعض الأقارب .. ولكنْ هذه الطفلة كثيرة الحركة ومع أعتبارات أخرى أفضل بقاءها أيضاً في هذه المدرسة لو وافقتم افندم ... هيبة هذا الرجل العسكري ووجههُ المشرق أثرت على نفس المديرة أيما تأثير فوافقت على طلبه ووعدته بتكفل المدرسة مبيتها أيضاً ..
مع مرور الأيام يزداد حب المديرة والمعلمات لهذه الصغيرة .. ثم تعدت تلك المحبة إلى المنطقة أيضاً .. هذه الصغيرة من النوادر بخفة حركاتها ومسخراتها من الأشياء ضجيجها .. تسلقها أعالي الشجر .. أنها كالزئبق لا يمكنها أن تستقر أبداً .. التخويف والعقاب والنصائح لا تجدي نفعاً معها .. ولكنْ بخفة روحها وحشر رأسها في كل شيء مع لباقتها وذكائها تضمن لها العفوَ .. بل وتزداد محبتها لدى الجميع ... في أحد الأيام خرجت المديرة لتتفقد سير الدراسة في الصفوف سمعت ضجيجاً وأصواتاً ترتفع يتخللها صوت المعلمة : وهي تحاول اسكاتهن، من شباك جانبي أقتربت لتشاهد فريدة وهي جالسة على الرحلةِ الأخيرة وقد لصقت خصلةِ من شعرها على ذقنها وحينما لاحظت المديرةُ وضعت يديها على ذقنها لأخفاء لحيتها المزيّفة وانها تقلد القساوسة ترسل قبلاتها نحو المديرة لم تتمالك مديرة المدرسة نفسها فضحكتْ .. وخوفاً منها عن عدم تمالك نفسها لو دخلت الصف فآثرت الرجوع ...
في أحدى الأيام وصلت شكوى إلى المديرة بأن فريدة تملأ أواني طعام التلميذات بالملح وتجمع الأطعمة في سلتها..!! قررت المديرة معاقبتها هذه المرة .. توجهت المديرةُ إلى غرفة الطعام .. في تلك الأثناء كانت فريدة تقوم بجمع فتات الخبز وبقايا الطعام هنا هناك ... نادتها المديرة وهي ترفع صوتها : تعالى هنا وهي غاضبة عليها ... سألتها لماذا تختلقين المشاكل في المدرسة ..؟ فريدة تعثرت خائفة من المديرة وهي تحاول أخفاء السّلة التي بيدها ، .. تجيب المديرة قائلة سيدتي : أنا أجمع بقايا الطعام للكلاب ... وهل ما أقوم به مشكلة .. ؟
المديرة أية كلاب ؟
فريدة : مشيرة بيدها .. هناك خلف ذلك الحائط كلاب في الخرابة آه سيدتي لو تراني الكلاب من بعيد .. تُسرع نحوي . إنها كلاب جائعة ... سيدتي .. الكلاب لا تُطيق الجوع فكرتُ لو كنت جائعة مثلهم! أنا أشفق على الكلاب المديرةُ مندهشة من جرأتها .. وعطفها .. حسناً .. فريدة ومن أين تذهبين إلى الخرابة .. هل حارس الباب هو الذي يسمح لك بالخروج من المدرسة ؟ فريدة لا .. سيدتي في المرة الأولى قلتُ له .. هناك من يطلبك في الأدارة ؟ لقد خدعتهُ .. فخرجتُ !! أمّا في المرة الثانية .. خفت وأن لا يصدقني سيدتي : أترين ذلك الحائط هناك جانب (غرفة البياضات ) ... قفزتُ من ذلك الحائط وخرجتُ ... والآن : سيدتي هل تعاقبيني على ما فعلته ؟ ! مساكين تلك الكلاب أخاف أن تموت جوعاً إليس ما اعملهُ لأجل الكلاب شيء صحيح ؟! سامحيني سيدتي أنا أعترف بخطأي سيدتي أنا أسفة بلبقاتها وصدقها ورغم مخالفتها ... إبتسمت المديرة أخذت سلتها من يدها وهي تقول أنا سأكلف البواب لأخذ الأطعمة إلى الكلاب ولكن صدقيني فريدة : لو علمتُ خروجك من المدرسة وهكذا من الحائط فسوف أحبسكِ في مخزن الفحم.. بعد لحظات طبعت قبلتين كبيرتين على وجنتيها ... تقول المديرة لها : بعد هذا اليوم أنطلقي وأفرحي بهذا الطبع البريء تضيف قائلة صغيرتي فريدة : سأكون أكثر حرصاً لرعايتكِ ... وجودك في هذه المدرسة معنا حَوّل أجواء المدرسة إلى أنفاس ربيع دائم يا ترى كيف سيكون حال المدرسة حين تهجرينها يوماً ما .... ! والدُ فريدة ( نظام الدين بك ) ضابط كبير برتبة ( مقدم ) في الجيش العثماني وزوجته من عائلة عريقة بحكم ظروف الجيش أنتقل إلى ديار بكر بعد هذه النقلة لم يَعد إلى استانبول حيث أنتقل من منطقة إلى أخرى ... ثم إلى كردستان تركيا ، ثم إلى العراق مع جولاته الطويلة تصاحَبه زوجتهُ التي تعاني من قساوة الظروف لقد عانت الكثير من شتاء المناطق الجبلية الباردة واليوم تعاني من حر الصيف الشديد في براري العراق فتمرضت إنها زوجة وفية لزوجها .. لم تترك زوجها وحيداً ، دموع والدتها وتوسلها لبقائها معها في استانبول لم تجد نفعاً... أما زوجها ففي كل نقلة مع العسكر يحاول إقناعها لتعود إلى والدتها ولكن رغم اشتياقها لوالدتها تقول لزوجها (خرجنا من استانبول سويةً وسنعود اليها سويةً ) إن شاء الله ...
مع مشاق هذه السفرات الطويلة جاءها المخاض لـ ( ولادة فريدة ) في احدى القرى العربية في العراق الوالدة ( كوزيدة خانم ) لم تكن بمقدروها ارضاع الطفلة ورعايتها لكن لطف الخالق القدير كان حاضراً للمولودة لقد وجدوا لها مرضعة في احدى القرى القريبة اسمها ( فاطمة ) هذه المرأة انجبت طفلاً .. لكن طفلها توفى بعد فترة قصيرة... ( مرضعة فريدة ) إمرأة وفية .. انها مع ارضاعها الحليب ترضع لها حنانها وعطفها أما والدة فريدة فلازالت تعاني من المرض ولا تستعيد عافيتها وهكذا تبقى فريدة مع مرضعتها حالها حال أطفال البراري تواجه قساوة الحياة ... أحياناً تربطها مرضعتها على ظهرها داخل ( القماط ) فتصعد على اشجار النخيل اما والدها فقد استقر في معسكر قرب احدى القصبات القربية من نهر ( دجلة ) في ذلك العام كان حر الصيف شديداً جداً .. فاطمة ( المرضعة ) تلتجأ مع الطفلة إلى ظلال الاشجار قرب دجلة لقد وجدت ماءً راكداً من جدول قديم حفرت الأرض فحصرت الماء بين صخرتين أشبه بحوض كبير كل صباح تأخد المرضعة فريدة إلى ماء الحوض كلتاهما تنزعان ملابسهما لتغمرا جسديهما داخل الماء لساعات طويلة .. انهما تأكلان وهما داخل الحوض .. وتلعبان أحياناً .. وعندما يغلبهما النعاس ... تنامان على الرمال ...
لقد أحبت فريدة حياتها رغم قساوتها عندما غادروا المكان كانت فريدة كسمكة سمراء تذكرت فريدة سؤال معلمتها للتلميذات (( ما الخاطرة التي يتذكرنها قبل دخول المدرسة )) عندما جاء الدور لفريدة ظلت تفكر ثم قالت (( والله إن ما أتذكرها هي ( أنني كنتُ سمكة في ماء الحوض... زميلاتها الصغيرات يضحكن بقهقهات ... إنهن يعتبرن هذه الخاطرة .. مزاحاً من مزاحاتها الكثيرة ...!
هذه الصغيرة التي حُرمت من حنان الأم منذُ البداية .. بمواجهتها الحياة القاسية مقاومتها لحر الصيف الشديد في بيئة شبه صحراوية .. قضاء ساعات النهار وهي فوق أشجار النخيل .. تلك العوامل كلها .. جعلتها طفلة قوية البدن .. تصمد بجلد وشجاعة امام الصعوبات .. الشيء الذي كانت تعاني منها هي ( حمرة خفيفة في بياض عينيها الجميلتين..
انفرج ( الحظ ) لمرضعة فريدة ( فاطمة ) في كربلاء ليتزوجها رجل من أهالي المنطقة ألا أن ذلك الأنفراج كان وبالاً على حال فريدة هذه الصغيرة لا تستطيع المقاومة أمام هذا الموقف الأليم .. لقد بدت وكأنها طفلة وانقطعت عن الرضاعة ...! من كثرة بكائها تمرضت المسكينة لقد كانت متعلقة بـ ( فاطمة ) أكثر من والديها ... هذا الفراق المؤلم هو العزاء الأول لفريدة .. ولكنْ لم يدم ذلك الحال طويلاً .. لقد أستطاع والد فريدة تجاوز المشكلة فوجد لبيته وطفلته جُندياً مُعاقاً يُدعى (حسين) وهو من أهل المنطقة أخذه الرجل إلى بيته لخدمة البيت مع رعاية طفلته.. فبدأت فريدة تستأنس به وتحبهُ ، بعد فترة قليلة بدأ الجندي يصطحبها معه إلى المعسكر .. أنها تتعلم هناك أشياء جديدة ومخيفة أحياناً يرميها حسين عالياً فيمسك بها هناك اتفاق بينهما ( لا بكاء . ولا شكوى) أحد أصدقائه يعزف وحسين يرقص واحياناً تتشبث فريدة بشعر رأسه وأذنيه هذه الحالة الغربية لم تدم في المعسكر .. لقد تم أخبار والد فريدة بالأمر .. فريدة في السادسة من عمرها تعيش بمعاناة الظروف القاسية والدة فريدة مريضة معاناتها من المرض تُثقل كاهلها .. إزاء تلك الظروف أضطر ( نظام الدين بك ) أن يقدمَ طلباً لمنحه إجازة لارجاع زوجته المريضة إلى استانبول .. أنتظر الموافقة طويلا ورغم مراجعاته للقيادة المحلية .. في العراق ناهيك عن محاولات أقاربه ومراجعاتهم لقيادة الجيش في ( استانبول ) .. ألا أن تلك المراجعات لم تجد نفعاً .. تهيأ الرجل للسفر إلى بيروت متأملاً الموافقة على طلبه .. فاستعد للسفر إلى استانبول ... أمّا زوجته الوفية فقد كانت تخفي دموعها عن زوجها رغم شوقها الكبير لوالدتها في استانبول احدى الايام .. تمكنت من الوقوف عل قدميها بعد أن كانت طريحة الفراش .. تمشت ببطء قليلاً والقت نظرة على ما هيأها زوجها من متطلبات سفرهم... ولكنْ بعد نصف ساعة فقط .. وجدوها طريحة الأرض قُرب حقيبة مفتوحةٍ ّ!! وعلى شفتيها آثار دمٍ قليل .. لقد توفيتْ !!
في صباح اليوم الثاني من وفاة زوجته إتصل نظام الدين بك هاتفياً مع استانبول ..فجاءه جواب قطعي اذا برفض لنقله إلى استانبول .. ولكنْ مقابل ذلك سوف يُمنح رتبة أعلى مع الموافقة لنقله إلى طرابلس .. هذا الجواب الأخير ينال شيئاً من رضاه .. قرر هذا الرجل العسكري الكبير والصابر ... السفر فوراً إلى طرابلس ومعه ( جثمان زوجته ) متزامناً مع إرسال (طفلته العزيزة مع حسين ) إلى استانبول ... لقد أدى هذا الرجل الكبير واجبه بأمانة حيث دُفنت زوجته لتُوارى بالتراب في طرابلس وذلك بعد أنْ ودّع طفلتهُ الصغيرة .. ( فريدة ) مع حسين حيث ابحرا بمركب من بيروت إلى استانبول رغم بقاء هذا الرجل الوفي وحيداً ، يبقى خالداً في التاريخ ورمزاً كبير لأهله ولوطنه الكبير ..
والدة المرحومة ( كوزيدة خانم ) هذه السيدة المسنة من نفس الطريق الذي ودعت فيه ابنتها المرحومة كوزيدة تستقبل الآن حفيدتها الصغيرة مع تواجد خالاتها معها .. أنها طفلة جميلة وردية الوجنتين في حضن رجل عربي ( اسمه حسين ) من العراق ، كان اللقاء مؤلماً .. لقد أجهشت الحاضرات بالبكاء وهن أمام مشهد غريب حقاً .. !! أحست الطفلة بهول المشهد من خوفها تعلقت بذراعها على رقبة حسين بقوة تحاول اخفاء رأسها في صدر الرجل .. تبكي بحرارة .. لم تسكن فريدة الا بعد رؤيتها ببغاءاً في قفصها .. تقول لحسين : (أنا أريد الببغاء بالعربية ) وحسين يحاول ترجمتها إلى التركية .. جدتها تحاول بأشارة يديها لتأخذها إلى حضنها استكانت العيون الباكيات .. جدتها تأخذها إلى حضنها ... تقبلها تمنحها كل حنانها وهكذا بدأت فريدة تستأنس مع جدتها وخالاتها .. لتتعود على حياتها في ( يالاوا ) () .. جدتها هيأت لها غرفة خاصة للنوم .. أشترت لها سريراً جديداً مع شراشف وأغطية جديدة ... إنها حريصة جداً على صحتها... في الليلة الاولى قامت جدتها كعادتها للأطمئنان على صغريتها لكنها فوجئت حين رأت سريرها خالية ... أذهلها هذا الموقف وكادت تفقد وعيها اسرعت المرأة العجوز أخبرت جيرانها بالأمر كانت المنطقة برمتها .. تبحث عن فريدة بضوء الشمعدان .. لقد فتشوا البيوت . والأزقة والصهاريج الكبيرة لطبخ الطعام .. أنزلوا الحبال المربوطة بالشمعدانات داخل آبار الماء . ولكن لم يعثروا عليها .. أخيراً تذكرت جدتها ؛ حسين ) .. لقد كان هذا الجندي نائماً في كوخ مهجور داخل بستان يبعد قليلاً من المنطقة فهرعت جدتها نحوالكوخ إلا أن الشمعة انطفأت .. قربت من باب الكوخ.. وهي تسمع شخير ( حسين ) النائم أشعلت الشمعدان وهي تفتح الباب بهدوء لترى فريدة نائمة على صدر (حسين ) ...! أقترب يوم الفراق حيث لم تبق من أجازة حسين سوى أيام قليلة.حاول تمديد اجازته. إلا أن محاولته لم تأت بنتيجة حسين يشعر بحراجة الموقف والحزن بادٍ على وجهه .. يبكي على حال هذه الصغيرة فيخفي دموعه عنها .. كان يوم الفراق يوماً عصيباً فريدة تذرف الدموع تكاد تفقد وعيها ترفع ذراعيها الصغرتين نحو السماء تدعو بكلمات عربية لأجل بقاء ( حسين ) معها .. بعد رجوع حسين عائداً إلى العراق.. لم تذق فريدة طعم الغذاء لثلاثة أيام .. كانت ( الببغاء ) هي التسلية الوحيدة لفريدة .. بعد اسبوعين وصل حسين إلى بيروت ومن هناك ارسل (علبة تمر ) من أجود الأنواع كهدية لفريدة .. حين وصول هدية حسين.. كانت سعادتها كبيرة جداً ، أن مال الدنيا لن يفرحها مثلما افرحتها ( علبة التمر ) ....
ألتهمت فريدة تمر العلبة خلال يوم واحد ، أما ( النوى ) فقد حولتها إلى قلادة غريبة لجيدها الابيض وما تبقت منها زرعتها في حديقة فريدة صبية لا تعرف الاستكانة أنها في حركة وضجيج تتسلق اعلي الاشجار.. تُغني احياناً .. تبني اعشاشاً للطيور ... اصابع يديها تُجْرح يومياً لذلك ترى اصابعها معصوبة على الدوام .. (( أحدى قريباتها شبهتْ أصابعها المعصوبة بـ ( شباك النذور ) ...!!
لم تستأنس فريدة مع اطفال خالاتها .. إلا مع صبي يدعى ( كامران)أنه ابن خالتها ( بسيمة خانم ) هذا الصبي يجلب ناظريها بشعره الاصفر ووجهه الابيض وبعينين خضراوين .. هذا الصبي هادئ الطبع .. في أحدى الايام شاجرت معه .. وهي غاضبة عليه فأصابت قدمه بحجارة كبيرة ..
تمر الأيام ... وفريدة تعود بين الفينة والفينة لزيارة خالتها ( بسيمة خانم) وفي أحدى أيام زياتها لخالتها كان كامران يتحدث مع بعض من قريباته عن امور تخص النساء ، والأقمشة وفنّ الخياطة والتفصيل أثناء ذلك كانت فريدة تستمع إلى كامران من غرفة قريبة .. بعد قليل خرجتْ من الغرفة وهي تنظر إلى وجه كامران بأبتسامة غريبة سألها كامران عن سبب أبتسامتها .. وفريدة لا تجيب .. لقد أصرّ كامران عليها لمعرفة السبب .. فريدة .. حسناً ولأنك تعاند سأخبرك السبب .. أنا أسألك كامران : ما علاقة الرجل بملابس النساء ... بالأقمشة النسائية .. بالخياطة .. تمنيت لو أن الله خلقك بنتاً أصغر مني بسنوات قليلة وخلقني شاباً ... كامران وماذا بعد ... ؟ فريدة وما الذي تتوقعها..؟ كنتُ أخذتك زوجة لي ؟ !! خالتها : ولكنْ واقع الحال لا يمانع في تزواجكما ... لقد صُدمت فريدة بكلام خالتها وضحكت كثيراً.. فأعتذرت من الجميع .. فريدة الآن في ريعان ربيعها الأول تبدو بوجنتيها الورديتين ... بوجهها الناصع البياض .. بعينيها السوداوين الجمليتين بشعرها الأسود البراق لكنها غير معُجبة بجمالها .... العطلة الربيعة بدأت وفريدة فرحة أنها ستمكث في بيت خالتها أسبوعين .. الشيء الذي يهمها كثيراً خلال هذه العطلة هو ( جمع ثمار الكيراز ) انها تحب الكيراز كثيراً .. تنهض من الصباح الباكر .. تتسلق على أشجار الكيراز تجمعُ ثمارها .. وأثناء جمع الثمار تلتهم الكثير منها وهكذا تقضي وقتها لساعات وهي على هذا الحال .. فثمة هواية تحبها وتمارسها فريدة إنها ( الحفر على أغصان الأشجار ) تحفر نقوشاً جميلة للغابة إن هذه الهواية ومن كثرة ممارستها فريدة أصبحت حرفةً تميزتْ بها فريدة ....
في عصر أحدى الايام وهي على شجرة كيراز عالية تجمع الثمار كعادتها سمعت وقع اقدام بين الأدغال والحشائش ، ألقت نظرة إلى الأرض من بين أوراق الشجرة فرأت كامران وهو بصحبة ( نريمان خانم ) .. هذه المرأة أرملة وهي تتجاوز الثلاثين .. لقد توفي زوجها قبل سنتين ... بعد وفاة زوجها عادت إلى ( قوز ياناغي )() .. أنها ذات سمعة جيدة في المنطقة .. إلا أن فريدة تعتبرها أمرأة متكبرة ومغرورة بجمالها .. مع اقترابهما .. قامت فريدة بأخفاء وجهها بأوراق الشجرة أنها تراهما الآن ولكن ليس بأمكانهما رؤيتها ... نريمان تتقدم والابتسامة على وجهها .. كامران المتأخر عنها بخطوة واحدة بلمس شعرها .. يهمس في اذنها كلمات .. ونريمان تبعد رأسها عنه .. وهما على ذلك الحال وصلا قرب جدول يابس .. هناك اريكة قديمة قرب الجدول نريمان تجلس على الأريكة .. وهي تشير إلى كامران ( هذا الظالم ) للجلوس بجانبها .. كامران لا يحب الجلوس لقد أسند ذراعيه على الأريكة يحاول الانحناء إليها أحياناً تسمع صوت كامران وهو يقول راجياً نريمان .. يا ملاكي أما نريمان وبعود شجر في يدها تخط على الرمل خطوطاً كبيرة فريدة تقرأها بوضوح أنها لا .. لا .. لا .. لا .. بالفرنسية لقد سكت كامران .. فجأةً أمسك ذراعيها حاولت المرأة أن تُبعد نفسها إلا أنها لم تتمكن .. استسلمت نريمان ورقبتها على صدر كامران... بدأ يُقبل شعرها يلمس ذقنها ووجنتيها يُقرب شفته من شفتيها.. أثناء تلك اللحظات بدأت ثمار الكيراز تمطرُ بغزارة كبيرة جداً على الأرض .. فريدة تُبعد عن وجهها الأوراق لأظهار نفسها .. حينما رأتها نريمان صاحت واه كامران يبدو على حال يرثى له ، الخوف الشديد واضح على وجهه أنه خائف من لسان فريدة لأنها لا تحفظ سراً .. ربما سينشر الخبر خلال دقائق في القصبة..أقترب كامران من شجرة الكيراز راجياً منها النزول .. متوسلا إليها فريدة لي معك كلام .. أنزلي رجاءً.. أما فريدة وبفتور تقول : أرجع إلى نريمان لا تمام كلماتك الغرامية معها.. كامران : كنت أمزح معها . فريدة بنكتةٍ ظالمة : طبعاً ...طبعاً مزاح ... ما أجمل هذا اامزاح؟!! لو علم الأخرون عما جرى بينكما تُرى مالذي سيحصل .. أنا لم أتوقع منك مثل هذه الوقاحة ياكامران .. ولكنْ مع ذلك سأحاول كتمان هذا السر .. فريدة تطلق لسانها لتقول لكامران : ولكن هذا اللسان الصغير .. سينشر الخبر رغماً عني .. كامران يتصببُ عرقاً .. يتوسل إليها قائلاً : فريدة أنزلي .. أريد أن أقول لك شيئاً وفريدة ترفض النزول كامران : أذا لم تنزلي سوف أصعد إليك .. وانزلك رغماً عنك تضحك فريدة من كلامه : قبل قليل كنت بعواطفك الجيّاشة معها والآن تخوفني مالذي دهاك .. وهل تستطيع التسلق ؟ كامران : بعصبية سوف ترين الآن يا فريدة .. لقد بدأ يتسلق على الشجرة .. فريدة تسخر منه قائلة : أنا خائفة عليك سوف تجرح قدميك ... هل تتذكر وقبل عشرة سنوات كيف جرحتُ أصبع قدمك بحجرة كبيرة فعلا صراخك .. وبكاؤكَ أنا خائفة عليك لقد تنبه كامران إلى كلماتها وضحكاتها .. أنها لم تعد صبية توقف عن التسلق لحظات ونظر إلى وجهها .. أنها ليست تلك الطفلة .. أنها صبية في ربيع عمرها.. لقد شعر الشاب بهيجان عاطفي متشوقاً لجمالها الساحر...فريدة تخاطب كامران منزعجة : لماذا تطاردني بين الاغصان .. وكأنك أنت البرئ وأنا المذنبة ؟ !! أنزلق قدم كامران قليلاً .. تضحك فريدة ساخرة منه قائلة كفى كامران إنك لا تجيد التسلق ... إلا أنه أستمر في الصعود...
لقد وجدت نفسها ي مأزق كبير .. حاولت الانتقال إلى غصن أخر إلا أن الغُصنَ كان غضاً فلم تجرؤ .. والآن كامران يضحك منها قائلاً لها : أنتِ الآن في قبضة يدي .. فريدة تشعر بمغلو بيتها لكنها تحاول إخفاءها... وتقول له : أنا خائفة عليك من أن تسقط .. أخيراً جلسا على غُصنٍ واحد ... يحاول تبرير نفسه قائلاً : ما حدث قبل قليل كان مزاحاً تردُ عليه فريدة بهدوء أن ما حدث لم اتوقعه منك لذا أقول لك كامران وبأمانة : ( سأحفظ هذا السر فكن مطمئناً )) كامران ينظر إلى وجهها الأكثر جمالاً .. ويُدرك مدى رجاحة عقلها الآن !! فريدة هي الأخرى تنظر إليه وهي تقول الآن أكتشف لون عينيك الخضراويين !! كامران : هذا الاكتشاف يجلب النظر ... فزت فريدة من مكانها وكادت تسقط .. وهي تقول ( لا شيء .. لا شيء .. كلمات لا معنى لها..!)كامران : لو نطيل الجلوس على هذا الغصن .. فريدة : وما الداعي لذلك كامران: بصراحة أنا قلق على حال ( نريمان ) .. هلا نذهب إليها لتطمئن قليلاً..؟!! وفريدة تلزمُ الصمت صباح هذا اليوم وأثناء تنظيفها البيت وترتيب المفروشات عثرت بسيمة خانم على (دملج ذهبي ) كانت لنريمان خانم .. فقدتها في بيت بسيمة خانم منذ أيام أثناء زيارتها ففرحت كثيراً وطلبت من كامران أن يأخذ دملج نريمان سمع كامران طلب والدته .. فبادر بالأجابة مسرعاً أنا سأخذ أمانتها وأسلمها إليها .. لديّ بعض الأمور في استانبول وهناك صديق لي في قرية ( أورتا كوي ) سمعت أنه مريض ... لذا سأقوم بزيارته .. والطريق إلى تلك القرية يمرُ عبر (شكطاش ) فأسلم الدملج لنريمان خانم ... ثم أعايد صديقي المريض لقد فعل كما وعد والدته .. ألا أنه فوجيء بأمرأة مسنة تفتح الباب ... وحينما سألها عن ( نريمان خانم ) أجابته بأنها في زيارة لبعض الجزر في استانبول بدعوة من صديقاتها وأضافت .. أنها لن ترجع قبل اسبوع.. كامران في موقف حرج .. لقد أضطر الشاب أن يسلم الأمانة لهذه المرأة.. لأنه في حال عدم تسليمه فسوف يكون موقفه أشدّ حراجةً .. بعد زيارته لصديقهِ المريض رجع كامران إلى استانبول الوقت لا يزال مبكراً لعودته فقرر زيارة فريدة في مدرستها .. منذ سنوات لم يزرها .. لأن والدته هي التي تقوم بزيارتها عرج كامران إلى مكتبة ( بيك أوغلو ) () فأشترى عدة كتبٍ ثم مر إلى محل للحلويات وأشترى بعضاً من الحلويات وعلبة من ثمار الفوندان وحينما وصل إلى ( البانسيون ) لم يجدها هناك لكنه علم بعد قليل بأن طالبات الصف خرجن برفقة مُدرستهن إلى ( كاغد خانة ) القريبة من المدرسة .. كامران يستقبل فريدة وهي بشفتين مصبوغتين باللون البنفسجي .. جراء مزاح غريب مع زميلاتهن بقلم (الكوبيا ) .. !! فريدة عجباً ما هذه الزيارة المفاجئة أنها تنظر إلى العلبة تأخذها من كامران وتضعها على منضدتها وهي تؤدي تحية خاصة .. تقول لكامران هذه التفاتة جميلة منك ... ولأثارة كامراة تعود فتقول .. لكنها ربما لسبب ما .. مثلاً مقابل سكوتي مهما تكن الأسباب أنا شاكرة منك هذا غلاف الكتب .. لم تأبه بها فوضعتها جانباً .. ثم فتحت علبة الكارتون فأذا هي ( علبة الحلويات ) لقد فرحت بها ... أما العلبة الثالثة فهي الأهم أنها علبةُ النفائس كما تصفها فريدة .. ( ثمار الفوندان)* .. فريدة بطبعها البريء حينما تتلقى هدية من صديقاتها ومعارفها تشعر بفرحة غامرة ولا يسعُها سوى أنْ تقوم بأغراق المقابل بقبلاتها .. لقد فرحت بثمار الفوندان كثيراً وبرد لا إرادي تعلقت بكامران وذراعها حول رقبته كادت أن تقبله ولكن في تلك اللحظات أحست بحراجة الموقف لقد خجلت كثيراً حتى أحمرت وجنتيها... وكامران لا ينبس بنت شفه ...
تقول لكامران نحنُ الآن في درس المحفوظات وقد أقترب دوري لأقوم بالقاء القصيدة حفظاً لقد تأخرت يجب أن أعود حالاً .. كم أحببت أن أسمع منك شيئاً ولكن الوقت لا يسمح لي دعني لا تذوق طعم الفوندان والحلويات ثم أدارت ظهرها لكامران متوجهة للممر الداخلي وكامران ينتظر منها التفاتة إلا أنّ طائر الأدغال غابت مع ظلام المساء ... بدأت العطلة الصيفية للمدارس ، خالة فريدة ( عايشة خانم ) دعتْها إلى بيتها ولمدة شهرين حتى أنتهاء العطلة ... وذلك في ( تكفور طاغي )() ... لبّت فريدة دعوة خالتها فسافرت إليهم ... أما ( بسيمة خانم ) تأثرت كثيراً وبعد يومٍ من توديعها ( بسيمة خانم ) : تصف البيت والمكان كالمطحنة التي جفّت مياهها ... !! . فريدة من جانبها ترسل لخالتها رسائل تصف لها الطبيعة الخلابة مع أعتدال الصيف في ( تكفور طاغي) وتبادلها كان اشواقها الحارة .. في تلك الفترة كان كامران يشكو من ضعف ووهن بحيث لم يعُد يقاوم حرارة الصيف ..
قبل عدة أيام لا نقضاء شهر آب تلقى كامران دعوة من اصدقائه ليشاركهم في سفرة ولعدة أيام إلى قرية ( علم طاغي ) .. إن هذا المكان جميل حقاً بمناظرها الطبيعية وهواءها المعتدل فشاركهم كامران ولكن مع ذلك كان يشعر بتعب لم يعد يحتمل المكان .. وقبل نهاية السفرة بيومين ابتعد عن اصدقائه لينام قليلاً داخل احدى العربات .. كان القمر بدراً ينشر ضياءه الساحر على الوجود .. النجوم في صفاء سمائها تبدو كالآلئ .. استمتع كامران شيئاً ما بهذا الجو الساحر .. ثم غلبه النعاس فنام .. ليرى في منامه نفسه في جو ضبابي وهو يجمع ثمار الفوندان من غصن قريب .. يترائ له وجه مُشرق .. هذا الوجه يدنو منه كثيراً.. أنه لم يُميز من ذلك الوجه سوى شفتين مصبوغتين باللون البنفسجي ..!! أثناء ذلك فتح عينيه ليرى نور الصباح .. القمر على وشك الأفول ... الشاب يسأل نفسه هل تلهمني هذه الرؤيا لنيل المراد ... ؟ لقد أحبّ كامران فريدة .. لم ينتظر فأمتطى حصاناً ورجع إلى ( تكفور طاغي ).. المساء يقترب .. والاشجار تضفي ظلالها على الحديقة الواسعة ... النسيم الهاب من البحر يبعث على النشاط .. الحياة تدب على ساحل مرمرة ... حين وصوله إلى منزل نسيبه الكبير كان ( عزيز بك ) جالساً في الحديقة فقام بأستقباله ... هذا الرجل الكبير ..يعيش في ( تكفور طاغي ) جلس كامران معه في الحديقة فبدأ عزيز بك يتحدث عن الزراعة ... والحدائق العامة والحدائق المنزلية وكيفية مداراتها ولمدة أربع ساعات .. !! هذا الرجل من هواة الحدائق المنزلية أخيراً أنصف عزيز بك لحال كامران قائلاً لهُ : الجو مناسب تماماً الآن لكي تقوم بجولة على ساحل مرمرة .. بعد أن دلهُ على الطريق المؤدي إلى الساحل .. يضيف إليه قائلاً ... ربما ستصادف خالتك والاطفال ... خالتك مشتاقة لرؤيتك ..
الطريق الترابي تملأه أكوام الأوراق المتساقطة من الأشجار .. من حرارة الصيف ذبلت الأزهار ... ظلالُ آلأطلال القديمة ترتسم على الطريق .. كامران يُحب الأماكن الأثرية.. الصخور البيضاء الكبيرة وبما جمعت أخاديدها من أصداف البحر تتلألأ كالنجوم الشاب يتوقع لقاء فريدة.. إنّه يتوق شوقاً إليها بعد أن تجاوز منخفضاً رملياً .. جلس على قنطرة حجرية قديمة ليرتاح قليلاً .. الليل يسدل ظلامهُ على الأماكن .. كامران قلق بسبب الأنتظار ... أثناء عزمه الرجوع فوجيء بقدومهن.. من طريق جانبي علتْ أصوات الفرح .. الأطفال يتعلقون به .. خالته (عايشة خانم ) من أين طلعت علينا هذا المساء كامران تحتضنه وفريدة تُحيٍّ ( كامران ) ( بونشور ) وتضيف قائلة لم أكن أتوقع رجوعك من استانبول .. لقد تأثر كامران من كلام فريدة .. أقتربت فريدة من كامران قليلاً .. وهي تقول : تراجعْ قليلاً .. إنك لم تخرج من استانبول فارغ اليدين .. هدايا للأطفال .. أكلات .. فواكه .. أريد منك أن لا تعرض كل ما لديك دفعة واحدة .. وأعلم جيداً أن ( حصة الأسد ) لي يا كامران..! كامران : أنت الأن في ربيع عمرك لقد كبرتِ على هذه الأشياء ! وكيف تريدين ( حصة الأسد ) .. لأنها ستكون على حساب حصة الأطفال ؟ ثم قربت وجهها من كامران وهي تطلق لسانها تقول له: هذا اللسان الصغير يريد حصته منك يا كامران .. أما تدري لماذا؟... مقابل السكوت على !! كامران عدنا من جديد .. مهما فعلت لأجلك لا أتخلص من لسانك هذا .. )تطبقُ فريدة كفها على فم كامران.. لا تنسى حصتي والآن أذهب لشأنك أريد أيقاد النار للطبخ بعد ايام قليلة قام حاج عمر ( الا سكوبلي )() بدعوة عائلة ( عزيز بك ) لتناول طعام الغذاء وذلك على شرف فريدة في بستانه ... منذ الصباح أخبرت فريدة كامران بأنها لا تستطيع الحضور في دعوة الحاج عمر .. تقول لكامران: نهضت صباح اليوم .. وأنا أشعر بتعب يثقل كأهلي .. ربما يكون السبب مِن تأثير السّهر كامران : ما هذا يافريدة ... دعوة الرجل على شرفك... فريدة ولكن انا مريضة وأريد البقاء في البيت لماذا لا تذهب أنت مع العائلة وبلغه اعتذاري كامران حسناً فريدة وسأطلب منه تأجيل ضيافته ليوم غد كامران يخرج برفقة نسيبه الكبير ( عزيز بك ) يومياً لزيارة القرى القريبة من الصباح وإلى وقت متأخر من الليل ... القرويون كرماء بطبعهم .. وأكراماً لـ( عزيز بك وقريبه ) يضيفونهما يومياً أثناء ذلك.. يجتمع معظم أهالي القرية .. يتبادلون الاحاديث عن.مجريات الأمور وعن معاناتهم وحرمانهم من أشياء كثيرة ... عزيز بك بعد كل زيارة يقول لكامران : هذه الزيارات ليست لقضاء الوقت وتناول الطعام فحسب .. أنتم الاستانبوليون تقضون أيامكم في روتين ممل .. صحيح أن الثقافة ومطالعة الكتب من الاشياء الضرورية لكنها لا تكفل لنا بناء مجتمع أفضل وذلك هو الأهم .. هناك زيارات أخرى يقوم بها كامران برفقة عزيز بك هذا الرجل الكبير يأخذه إلى دوائر الدولة .. ليطلع على كيفية أدارة أمور الدولة .. وبحكم منصبه أخذ كامران إلى مكاتب (مفتشي الدولة .. ! ) أستفاد كامران كثيراً من زياراته ..
كان الليل هادئاً .. وهناك زخات قليلة من المطر تجعل الهواء منعشاً كنسمات الربيع .. في هذا الجو اللطيف نام الشاب ليأخذ قسطاً كبيراً من الراحة .. استيقظ كامران مبكراً ... من بعيد تتراؤى له عدة قوارب لصيادي السمك ترك فراشه وخرج ليتمشى قليلاً على الساحل .. لم تمضِ سوى دقائق حتى أصبح وجهاً لوجه مع مزكان .. يسألها : خيراً من أين تعودين .؟ مزكان : أنا عائدة من زيارة صديقتي المريضة ، والآن كما ترى فأنا راجعة إلى البيت .. كامران: الجو لطيف هنا في الصيف ... جلست مذكان فوق صخرة كبيرة .. تقول لكامران : مهما كان صيفه المعتدل إلا أن الشتاء هنا بارداً جداً ناهيك عن قلة الخدمات العامة لا توجد متنزهات ، الاطفال محرومون من الملاعب لقد رجونا من والدي مرات للرحيل من هذه المدينة فلم يقبل .. لقد قضى معظم عمره في هذا المكان ... كامران : ولكنْ قد يكون بقاءك هنا مؤقتاً ... اليس كذلك ؟ ما أراده كامران من سؤاله هذا هو التأكد عن ما سمعه حول خطبتها ... !! مدت مذكان رقبتها نحو الأرض وهي في ابتسامة خجولة ... كامران : الزواج وكما يقولون ( قسمة ونصيب ) ... من يدري ربما ستزوجين لأحد أبناء أهل المنطقة ... معظم العوائل التي تسكن ( تكفور طاغي ) من عوائل عريقة ومعروفة ... وكثيرون منهم أصحاب أملاك ... يسترسل كامران قائلاً لها وبمزاج ... لو تم زواجك لأحدهم فستكونين وباستحقاق (( سيدة تكفور طاغي مذكان) .. أقتربا من ساحل البحر ، أحد السماكين يوقد ناراً وقد سحب قاربه على رمال الساحل لتدهينها ( بالقطران ) السماك يسلم على مذكان رافعاً يده .. يناديها كيف حالكِ ... وأين ماريقاً ؟! مذكان لقد ذهبت إلى الكنسية ...
السماك يقترب : يا بني أقنعي تلك الصغيرة لأعتنلق ( الأسلام)وستنالين ثواب الله .. ماريقا محظوظة هنا ، طالعها مفتوح كم من شاب يتمنون زواجها ... وقبل يومين رآها ( عيسى ) أبن القبطان فأقسم أنه سيتزوجها أذا أعتنقت ( الأسلام ) ... !! كامران : مستغرباً .. ومن تكون ماريقا هذه ؟
مزكان : تطبق على شفتيها محاولة إخفاء ضحكتها وتقول أنها (فريدة) هؤلاء السماكون يعتبرونها مسيحية بملبسها القصير ومجاراةً لهم مع قناعتي أن ذلك من حسن حظها تضيف مذكان قائلة لكامرن لوسمعت فريدة أثناء محاولتها الكلام باليونانية لضحكتَ عالياً كامران : هنيئاً لأبن القبطان ) هذا الزواج ..!!
أثناء ذلك يمر شاب عسكري برتبة ( ملازم )مذكان: أريت ذلك العسكري أنه يتحرى أخبار فريدة ليتأكد من عدم زواجها .. حتى يُرسل والدته لخطبتها ..!! هؤلاء العسكريون كالذئاب ..!! كامران هذه (قسمة عُليا ) من ضابط في الجيش لقد عيل صبر كامران يسأل مذكان عن رأي فريدة وهل يعجبها أحدهم مذكان ؟ تجيبه بحذر ( لا عِلم لي بذلك ) .
كامران : أرى من وضعك أنك تخفين شيئاً عني ؟! ثم بدأت تتمشى وكامران لا يجرؤ على الكلام أثناء عبورها من منخفض صغير جمعت مذكان أطراف ثوبها تجاوزت المنخفض بعد ذلك إلفتت لكامران قائلة : أريد أن أقول لك شيئاً .. أنه سر حفظتهُ في أعماق قلبي وآن الآوان أن أبوح لك ذلك السر .. كامران بلهف : هيا مزكان قولي .. بقوة وصراحة تقول له ( فريدة تحبك ياكامران .. )
لم يُصدقها الشاب أول الأمر وظن أنها تمازحه .. لقد أبيض وجه كامران بشكل غير طبيعي .. بشفتيه الذابلتين يسألها : وهل يُمكنُ ذلك.مذكان؟!.مذكان وبكل جدية تقول له (0 والله ما قلته هو الصحيح.. فريدة بلسانها أخبرتني بذلك ثم أضافت لتقول لي : لكن كامرن يُحب غيري ..) للأسف كامران لقد اعترتهُ عبرة أنه يضغط على شفته بأسنانه.. في تلك الاثناء ارتفع صوتُ مُدوٍ في المكان ... كلب أصفر يقلب صفيح القطران من على النار وضعهُ السماك لتدهين قاربه... السّماك يلعن الكلب .. بالحجارة ... الكلب يختفي داخل أخدود صخرة كبيرة السماك يأخذ بيده عصاً غليظة وهو يقول .. الآن أكسر أرجلكِ ... تدخّل كامران وهو يقول : أتركه .. يا أبي .. إنه حيوان السماك وبنظرة غريبة إلى كامران يقول تأسفُ للكلب ولا تأسف لحالي أنا .. ؟ !! هذا القطران الذي ضاع مني هو على حساب رزق أهلي واطفالي يا ولدي .. كامران : وكم خسرتَ ؟
السماك : والله دفعتُ ثلاثين قرشاً للقطران ...
كامران : وما ثمن القارب ؟ !
السّماك : سبع أو ثمان ليرات .. وهناك قوارب ثمنها عشر ليرات .. وهناك بمقعدين أغلى بكثير قد تصل إلى عشرين .. فتح كامران محفظة النقود ... أخذ منها عشرة ليرات وقدمها للسماك والسّماك ينظرُ إليه متعجباً .. ما هذا يا ولدي ؟
كامران : هذه هدية ( ماريقا ) لك يا بابا ...
السماك : هدية ماريقا .. وما المناسبة .. ؟
كامران : أنا من اقاربها .. قبل يومين سمعتها تقول بأنها ستشتري قارباً لك .. لكنها اشترطت أن يحمل قاربك الجديد أسم ( جالي قوشي)-(طائر الادغال)
السماك : سمعاً وطاعةً يا ولدي ...
السّماك يقترب قليلاً من مذكان يسألها : وما أسمك أنت ؟ مزكان : اسمي (يوركي ) .. مذكان بطرفة عينها لكامران .. تقول من الأفضل أن يكون أسم أحدى قريبات ( ماريقا ) ( يوركي ) ... إليس كذلك .. ؟ السّماك : الحمدلله يا ناس .. هؤلاء المسيحيون إنسانيون حقاً مثلنا...!!
كامران ومذكان اثناء دخولهما من الباب الخلفي للحديقة الكبيرة يسمعان قهقهات ... وصخب الأطفال ، لقد نصبتْ فريدة مرجوحة كبيرة على غصنين كبيرين وهي تتمرجح عليها بملبسها الأييض البحري هناك (ستة) أطفال يتوسلون إليها لركوب المرجوحة وفريدة لا تصغي تدفع المرجوحة بقوة ... الأطفال في صراخ وبكاء والبستاني يُبعد الأطفال .. خالتها ( عائشة خانم ) تناديها : أبنتي دعي الأطفال يتمرجحون قليلاً .. وفريدة تضحك .. تقول لخالتها : وإذا سقط أحدهم يا خالة ؟! تردُ عليها (عائشة خانم ) : هدئي المرجوحة قليلاً .. ألا يمكن ذلك ؟ بدأت فريدة بهدوء .. ولكن بعد قليل وسوس لها شيطانُها .. لقد عادت تدفع المرجوحة بقوتها حتى بدأت حبال المرجوحة تهتز من شدة دفعاتها...!! أما الأطفال فقد تركوا فريدة ومرجوحتها من خوفهم .... أثناء ذلك كان كامران جالساً على كرسي متحرك .. يطالع كتاباً تنظر فريدة إلي وجهه قائلة : يا صغيري حذار أنْ يأخذك النعاس ..! يرد عليها كامران ضاحكاً: (( أنا افهم مبتغاكِ يا ظالمة !! لقد نزع الشاب سترته ورماها على أحدى الاغصان ... الآن سأركب مرجوحتك الكبيرة لو تملكين قليلاً من الشجاعة .. أخرجي للميدان .. وفي عينيه بريق غريب فريدة .. ترد عليه : نعم أملك الشجاعة ...
عائشة خانم راجية ( لا تصغ لكلامها يا ولدي .. أنها معاندة ) .. الشاب: يُشمر عن ساعديه .. خالتي : اليوم سأصطادها كما يصطادون (القبج) في الصقيع .. !! النساء يبعدن الأطفال عن المكان .. بعد ثوان قليلة بدأت المسابقة بحركة هادئة تحاول فريدة عدم صرف كل قوتها فتحرك ركبتها قليلاً بعد ثوان قليلة بدأت بقوة دفع ملحوظ .. أثناء ذلك تعرض رأس كامران قليلاً لغصن صغير فغطى شعره الأصفر وجهه .. تضحك فريدة ساخرة وتقول كيف وضعك الأن يا ( كامران خانم ؟! ألا تستسلم ؟ كامران أنت التي ستستسلمين بل وتبكين ..!! فريدة : لا يمكن ذلك حتى لو متُ ..!! فريدة تشعر بخوف من بريق عينيه الغاضبتين فتطبق ركبتها أكثر لقد كانت قوة الدفع شديدة من كامران إلى درجة كبيرة جعلت المرجوحة في مَيلان دفعت رأسيهما بين أغصان متشابكة فجعلهما وجهاً لوجه .. عايشة خانم مذعورة تصيح كفى .. كفى .. أما كامران وفريدة فقد كانا يسمعان الأصوات وهما في مأزق كبير ... تقول فريدة لكامران : لم أكن أتصور أبداً أنك بهذه القوة .. !!
كامران : ألم أقل لك من البداية أنتِ المغلوبة .. ؟فريدة ولكن صدقني كامران .. أنا أخاف عليك !!كامران : إذن تخافين عليّ كذلك...؟!
كامران : وسلامتي تهمك كثيراً اذن فريدة : ومن أخبرك بهذا حمام زاجل مثلاً !!!كامران: بل مذكان اخبرتني لقد كان هذا الرد الصريح من كامران كصدمة صاعقة عليها أنها تبكي كطفلة صغيرة .. تتشبت بحبال المرجوحة مطأطأة رأسها تحاول أبعاد وجهها عن كامران يقول لها بصوت منكسر : ومجيئي إلى هنا لأجلك فريدة دعني أنزل كامران .. أنا منهكة .. سأترك هذا المكان كامران وبأصرار : لا يمكن ذلك لأنني أريد أن أسمع من لسانك وبرضاك لتكوني خطيبة لي .. فريدة تطبق عينيها.. بأماءة رأسها تقول ( نعم ) .. ثم تضع رأسها على صدر كامران كطائر جريح .. الأرجوحة لا زالت سريعة في حركتها فكادا يسقطان أرضاً لولا البستاني ... فأُغمي عليها بعد قليل أفاقت فريدة لتجد نفسها في حضن خالتها .. جرح بسيط في شفتها مسحت خالتها قطرات الدم .. سألتها : هل تعانين من ألم ؟ فريدة لا خالتي عايشة خانم : ولماذا تبكين؟ أحقاً خالتي ؟ ! خالتها تمسح دموعها كُفي عن البكاء يا صغيرتي العزيزة ... بعد يومين من خطوبتها نزل كامران إلى استانبول وأشترى لخطيبته الهدايا الذهبية ثم مرّ على السوق واشترى ما يناسب للحفل من شوكولاته وحلويات وعصائر وغيرها .. لقد أقتصرت حفلة الخطوبة على دعوة الأقارب .. والدة كامران ( بسيمة خانم ) تبدو راضية من خطبة فريدة لولدها إلا أنها كانت غير راضية من حركاتها الصبيانية أحياناً .. قبل بدء الحفل تكلمت مع كامران ولدي أنت شاب وسيم وغني ومن عائلة كبيرة وبالأمكان أن أخطب لك فتاة أكثر جمالاً ومن عائلات عريقة .. ولكن يا وحيدي مع ذلك : أنا أراها أفضل من الغرباء ... فريدة وحيدة أختي المرحومة .. علينا أنْ نحفظها كأمانة لكل العائلة .. أطبق كامران كفه على فم والدته قائلاً أرجوك والدتي الغالية لا تفرطي في سعادتي بسيمة خانم : تلامس شعر ولدها بلطف .. سعادتكما تغنيني عن كل شيء في الدنيا فريدة لا تزال صغيرة.. والوقتُ لايزال مبكراً لزواجكما بعد سنتين أو أكثر ولحين زواجها سوف تنهي دراستها وتتخرج كما ستتعلم الكثير من الحياة ... إنّ ما تتمناها الأم لولدها قبل موتها ( رؤية إبنها مع عروسته الحسناء) ... الزمان يقترب من نهاية الربيع اوراق الأشجار تتساقط .. الأزهار بدأت بالذبول .. وكامران يتمشى بين الحقول والبساتين .. يشعر بأرهاق قليل بعد رجوعه من (تكفور طاغي ) ... جلس الشاب مُسنداً ظهره إلى باب قديم لاحدى البساتين .. اقترب كلبه الذي يتبعه منهُ .. أحدق عينه إلى مكان أبعد وبدأ بالنباح .. كامران يمسح رأس الكلب بقدمهِ ..وإذا بفريدة قادمة نحوه.. توجه كامران نحو فريدة وكلبه يتبعه .. فريدة تلعب مع الكلب تمسح رأسه أثناء ذلك تئاءب الكلب فاتحاً فمه الكبير .. فريدة تنادي كامران أنظر إلى الكلب كامران .. ألا يشبه التمساح بفمه الكبير .. ؟ فريد تسأل كامران عن ( نجمية ) إبنة خالتها لكن كامران يمسكها من يدها قائلاً لم نلتق منذ عشرة أيام واليوم تتهربين مني ؟ ! تمد فريدة رقبتها نحو الأرض .. وهي متأثرة جداً .. تقول له ولماذا أهرب منك .. هذا المعطف يُثقل علي كاهلي .. الجزمة تؤذي قدماي .. كامران وهل هذه اعذار .. فريدة ؟ كما تشائين أذهبي إليها .. فريدة أريد البقاء معك أشار كامران إلى مكان أبعد ... وفريدة: لِنجلسْ قرب الباب الخلفي لحديقتنا .. لقد حان وقت قدوم القطار .. ونتمتع برؤية القطار والمسافرين .. أشارت فريدة إلى صخرة كبيرة ليجلسا عليها أثناء جلوس كامران .. تمسكُ فريدة من يده قائلة لحظة كامران نزعت فريدة معطفها وفرشتْه على الصخرة.. وهي تقول له أنت خطيبي وحبيبي ومن واجبي المحافظة على صحتك .. ألابتسامة ترتسم على وجهيهما .. كلمات فريدة الرقيقة كان بلسماً روحانياً لتهدئة مشاعر كامران .. بعد قليل سمعا أصوات أطفال من حديقة ( بهاء الدين بك ) المجاورة .. أنها نظمية ومعها الأطفال .. فريدة لم تزرها منذ ستة أشهر تناديها نظمية .. نظمية ثم هرعت إليها مُرحبة بقدومها .. ستحلين ضيفة عزيزة ثم اقتربت مع نظمية فتعارف الشاب معها .. توجهت فريدة مُسرعة نحو الطفلين وهي تقبلهما .. ثم رجعت إلى كامران لتأخذ منه إذناً لمرافقة ضيفته العزيزة .. لقد اصفر وجهه وهو يقول متمتماً : وما الذي أنتظره من طائر الادغال .. ؟ تقول فريدة : كامران أراك مرتبكاً .. كامران كل اهتمامك للأطفال .. فريدة تحول الحديث وبهدوء تام تقول لكامران أنا احمل خبراً ساراً لي ولك ( نور الدين بك ) أحد أقاربنا تعين سفيراً للأمبراطورية العثمانية في اسبانيا.. لقد عيّنك كاتباً له في السفارة .. ستسافر إلى مدريد بعد أسبوع فقط كامران يكادُ لا يصدق : أحقاً فريدة ؟ نعم : كامران .. والآن ترد فريدة على عتاب كامران تمسح فريدة دموع عينيها لتقول بصوت منكسر : قبل يومين عاتبتني لعدم رجوعي معك ...!! كما طالبتني بالغياب عن المدرسة ليومين أو ثلاثة .. ولم أرض لذلك الطلب أيضاً ... فريدة قائلة له : نعم أمتنعت عن الرجوع معك إلى والدتك لأن الخالة على علم مسبق بالامر .. هذا اولاً ... لقد وافقت والدتك وقبل حفل الخطوبة واعلنت موافقتها لك ولجميع الحاضرين برضاها. ثانياً .. شاركت والدتك حفل الخطوبة وباركتها لنا .. وهي في غاية السرور والسعادة.. أمّا الانقطاع والغياب عن مدرستي فلا داعي له بأمكاننا أن نخرج سوية بعد الدوام ...!! أما امتناعي للخروج معك .. فكان لسبب بسيط ومقنع وهو إمتلاء البيت بالضيوف والزائرين .. وكنت حاضراً طبعاً !! فريدة بعد تبرير موقفها من عتاب كامران الطويل يندهش الشاب لقابليتها .. في فهم الأمور ..!! وهو يقول لها : الأن افمهك جيداً فريدة وادرك رجحان عقلك ليتني ادركت ذلك منذ البداية ...!! أنا سأفارقك بعد أيام فريدة : تقول له فريدة : كامران لا أطيقُ أن اراك بوجه حزين عم كامران ( نور الدين بك ) ... يريد أن يرى كامران شاباً مرموقاً بوظيفته الجديدة .. هذا الرجل الكبير أوضح تلك الأمور في رسالة بعثها إلى والدة كامران (بسيمة خانم ) بعد التحية والسؤال يذكر فيها : (( من الممكن أن يعيش كامران مُترفاً في حياته . الإرث الذي تركه والده المرحوم .. يكفل لكم عيشاً رغيداً ولكن مع ذلك فأن أحوال الدنيا تتغير.. لا نعلم ما يخبئه لنا الغد .. عليه فأن حصول كامران على هذا المسلك أفضل بكثير من أن يجلس كالمقعد في ( قوز يا ناغي ) بلا عمل يتألم من لسعات البعوض..!! أضاف السفير في رسالته تمنياته بالسعادة للعائلة. هذه الرسالة أسعدت بسيمة خانم والعائلة .. والدة كامران تدعو للرجل بالموفقية والسلامة .. كامران يعتبر ذلك سياحة كبيرة لرؤية أوربا ولكنْ ( الشيء الذي كان يحز في نفسه هو : أن ذلك كله سيكون على حساب فراق فريدة ) فيقول بأمكاني الحصول على ثلاث اجازات خلال عام واحد. كما ان رجوع عمي لا يستغرق أكثر من عام .. إلا أن السفير بقي في مهام عمله لأربع سنوات ..!! عمه السفير يتجاوز الستين من عمره.. مع ذلك فهو رجل نشيط كامران لم يشعر معه بالراحة في بداية مسلكه .. إلا في سياحة كبيرة حين سافر رسمياً إلى سويسرا ... تصادف أن يتعرف على أمرأة شابة هناك ولكنها مريضة تعارفا في حديقة الفندق الذي نزل فيه لقد جرتْ بينهما عدة لقاءات .. وفي النهاية جافته فتركها...!! بعد تواجده لثلاث مرات بأجازات رسمية.. في استانبول .. يعود كامران هذا اليوم برفقة عمه بعد أربع سنوات .. كامران يشعر بالتعب أنه يتلهف بشوق لرؤية خطيبتهِ .. فريدة حضرت ( سيركجي)() للقاء خطيبها وحبيبها .. بلقاءهما نسي كامران كل احزانه أول ما تذكره حين رأى فريدة هو ( حادث المرجوحة) وكيف تقابلا وجهاً لوجه لم يبق لزفاف فريدة سوى يومين.. البيت كخلية نحل الأقارب والجيران وصديقات فريدة خالاتها كلهن منشغلات فمنهن من تكتب بطاقات الدعوة للزفاف .. ومنهن من يعدن الطعام ، تهيئة وترتيب الاثاث.. ولكنْ .. بأستثناء فريدة .. أنها لا تبالي بأمرها وتحشر نفسها لتلعب مع الاطفال..!! طلبت خالتها منها إعداد مواعين الاطفال فقامت بقلب خزانة المواعين راساً على عقب !! نصحتها خالتها ومعها سيدات مدعوات .. للتواجد مع الحاضرات وذلك من الأصول فاستسلمت بالأمر الواقع .. مع قرب المساء حضرت الخياطة لتقول : لقد إنتهيتُ من خياطة ملابس العروسة .. وأريد أن ألبسها ثوب الزفاف .. بسيمة خانم بدأت تبحث عنها ومعها صديقاتها بسيمة خانم تقول بأبتسامة : متى تتعلم الأصول هذه الصغيرة ؟ ! أقتربت من الشباك فرأت مجموعة من الأطفال يلعبن.. نادت هل فريدة معكن ؟ إحدى الصغيرات نعم .. معنا نحن نلعب سوية بسيمة خانم متأثرة : هذه الصغيرة لن تترك والله تصرفاتها الصبيانية ! تنصحها : ستصبحين بعد يومين عروسة دعي هذه التصرفات الصبيانية من الآن... فريدة ترد عل خالتها وبلا أكتراث : لا زال لي يومان أنا أريد أن أتهئنا بهما لأنني لا أجرو على اللعب بعد زواجي !!ثم أخذت الخياطة إلى غرفتها .. تطلب فريدة من الحاضرات الخروج من غرفتها بعد لبسها ثوب الزفاف تنظر إلى المرآة لترى أن قامتها تبدو أطول تتمايل معجبة بنفسها كامران يدخل إلى البيت .. أثناء ذلك يسمع أصوات النساء .. يسألهن : ما هذا الصخب ؟ أجبن كامران : فريدة بثوب الزفاف ولكنها لا تقبل دخولنا غرفتها .. رأت فريدة كامران من الشباك فأقفلت الباب .. كامران : فريدة أفتحي الباب ... وفريدة : تتوسل لكامران .. أن لا يدخل غرفتها وهي تقول : أنا راصية بدخول النساء جميعهن مقابل عدم دخولك أنت .. لقد خرجت النساء من غرفتها بعد ذلك يقول : لفريدة. أنا في أنتظارك في الحديقة بدلت فريدة ملابسها ولبست التنورة .. أيام المناسبات تكون صاخبة غالباً .. بكثرة الداخلين والخارجين ... خرجت فريدة من الباب الخلفي للحديقة فتفاجئت بدخول سيدة غريبة .. وجهاً لوجه .. أنها سيدة طويلة القامة وعليها رداء أسود وعلى وجهها الحجاب.. لم تهتم كثيراً أول الأمر .. إلا أنّ السيدة المقُبلة توجهت إليها..!! تقول لها أليس هذا بيت المرحوم جودت بك ؟ وهل أنتِ من أهل البيت ؟ فريدة نعم .. السيدة الغريبة : أريدُ مقابلة فريدة خانم أفندي..!! تضحك فريدة على هذه العبارة الطويلة .. لقد سكتتْ عن اجابتها .. متخوفة منها .. أما الزائرة فلا تجرؤ على الأقتراب منها لكنها تقول لها : يا صغيرتي : أنا أريد رؤية فريدة خانم.. لأخبرها شيئاً في غاية الأهمية ودون أن يعلم أحد ...!! لو طلبت منها الحضور لأقابلها رجاءاً . لقد أحتارت فريدة بأمرها ..المساء يخيم ظلامها أنها لا ترى وجهها بوضوح . ترددت قليلاً ثم أجابتها : ( انا فريدة ) السيدة الغريبة : أذن أنت خطيبة كامران ؟! فريدة نعم أنا خطيبة كامران .. الزائرة تعتذر لفريدة لعدم مبادرتها للتعارف معها مُسبقاً .. فريدة : أنا أنتظر أمركِ يا هانم .. أشارت فريدة إلى اريكة في الحديقة الخلفية لنجلس هنا .. والآن تسألها فريدة : ما سبب مقابلتكِ لي لطفاً ؟.. ومن انتِ يا هانم ؟ الزائرة ترفع الحجاب عن وجهها : تقول لفريدة : لي صديقة قديمة وهي التي أرسلتني لمقابلتكِ .. فريدة : ومن تكون صديقتكِ هل تعرفني شخصياً ؟! السيدة الغريبة لا .. لكنها تعرف جيداً أنكِ خطيبة كامران ..!! هذه الالغاز في كلامها .. جعلت فريدة في حيرة.. هناك غموض والصمت يسود المكان .. بعد قليل تقول السيدة الغريبة : واقع الحال يجبرني أن أقول كل شيء .. فريدة بهدوء قولي لي كل ما عندك وبلا حرج .. المرأة الغريبة متأثرة تمسك من يد فريدة وهي تقول : ولكن سوف تتأثرين كثيراً .. وانت تعيشين أجمل أيامك .. كيف أكدّر عليك لذة السعادة التي أنتِ فيها .. لقد ابعدت فريدة يدها .. وهي تقول : وما علاقة الأمر بزفافي؟ السيدة الغريبة : كامران يحب غيرك يا فريدة ...!! فريدة هذا الأحتمال ممكن ولكنْ أستبعد أن يكون كامران هو المبادر .. أعلم تماماً بأن هناك الكثيرات من يتمنين الزواج من شاب وسيم مثل كامران .. وحصل مثل ذلك حقاً وأنا على يقين مما أقول .. لأنني كنتُ في قلب الحدثُ .. إلا أن الأمر أنتهى بسلام .. وفي النهاية اختارني كامران .. السيدة الغريبة : هنا يكمن الخطأ .. هل ظننتِ أنّ خطوبتك قد طوتْ أوراق كامران ؟! أنتِ لا زلت صغيرة لمعرفة طبع الرجال ..!! تضيف السيدة الغريبة قائلة أنا على يقين من لقاء كامران مع صديقتي .. بعد وفاة زوجها مرضت ( منور خانم ) راجعت الأطباء في استانبول . نصحوها بالسفر إلى أوربا لتلقي العلاج مع تبديل الجو ... أثناء تلك الأيام كان كامران متواجداً في سيويسرا .. قبل سنتين تحديداً إلتقيا هناك.. لعدة مرات بعد تعارفهما في حديقة أحدى الفنادق .. أخرجت من حقيبتها ورقة وهي تقول لفريدة: هذه رسالة كامران لـ ( منور خانم):.. (( لا أجد هنا مَن يٌسليني أذوق مرارة الحرمان في غربتي الطويلة ... كنت هائماً على وجهي في صحراء بلا ماءً واعيش في فراغ جمعنْتي الصدفة مع زهرة يانعة صفراء لونها رقيقة في جمالها لقد هام قلبي إليها من أول وهلةٍ حين نظرت إلى وجهها .. المرأة الغريبة تكرر عبارة كامران (( أعيش في فراغ )) قامت فريدة من مكانها مثقلة قائلة لهذه المرأة ( لستُ متأثرة منكِ سيدتي ) لقد خانني كامران .. مع ذلك لا أعتبر الأمر مُحزناً لي .. كل يوم نسمع العشرات من أمثال هذه الحالات..! فريدة تسألها : لماذا أختارت منور خانم كامران بالذات ؟ السيدة الغربية : ( حقاً ما تقولين صغيرتي ) صدقيني أنها طريحة الفراش ولا تعي ما تقول .. فريدة : وهل هناك لقاءات بينهما لحد الآن؟السيدة الغريبة : قبل عام تم اللقاء بينهما أثناء تواجد كامران في استانبول بأجازة ولمرتّين .. كان اللقاء بإلحاح من منور خانم ولعلمكِ .. كامران وبعد فترة لم يعد مهتماً بها .. إلا أن منور خانم متشبثة به .. برسائلها التي تبعثها لكامران .. وبدموع عينيها حين لقاءهما .. إنها تحاول إقناعه ليتزوجها .. كامران يمتنع عن زواجها بُعذر واحد وكما نقلته ( منور خانم ) لي .. يقول لها: أنا الآن خطيب إبنة وحيدة لا أهل لها .. ولا يمكنني تركها .. أنها تعيش معنا في البيت .. لو تزوجنا .. أين ستذهب هذه المسكينة فريدة أمالت رقبتها نحو الأرض .. وهي تقول للسيدة الغريبة أبلغي صديقتك بأن فريدة تنازلت عن كامران لها .. مع السلامة وأنا أيضاً لا يروق لي مثل هذا الزواج ولا أريد الحياة بمنن الآخرين .. والخير فيما حصل .. لكنْ مقابل ذلك أريد منك تسليم (رسالة كامران ) لي لتكون حجة دامغة عليه لو حاول خداعي السيدة الغريبة : تُسلمها ( رسالة كامران لمنور خانم ) ابتعدت الزائرة الغريبة عنها ودعتها من حيث أتت فخرجت دون أن يراها أحد .. كان كامران في انتظار ( فريدة ) كما وعدته مرت أكثر من نصف ساعة .. وهناك عين ماء .. النساء يتردَدْنَ إليه لأخذ الماء ومعهن صبيان توجه كامران نحو الحوض .. وهو يقول ربما إلتهت مع الاطفال فنسيت !! أثناء رجوعه كان يسأل عنها من المارة في النهاية توجه نحو غرفتها .. ربما لم تخرج من غرفتها .. اقترب كامران من باب الغرفة طرق الباب .. ليس هناك من يرد ويفتح له الباب ..ربما غلقت باب الغرفة ولكنه حين دفع الباب وجده مفتوحاً .. دخل الغرفة لا أحد فيها بعض الأثاث منقلبة الدولاب مفتوح ملابسها مكومة أمام الدولاب فساتينها مبعثرة على الأرض .. على منضدة من المرمر شمعدان لا يزال مضيئاً .. لاحظ كامران ضرفاً تحت الشمعدان فتحها واذا برسالةٍ كتبتها فريدة ( كامران لقد علمت كل ما تخفيه عني لذلك لا يمكن أن نلتقي أبداً حتى الممات .. أنت خدعتني كامران .. وأنا أنفر منك ولن تجدني ) لقد أنقلب البيت في تلك الليلة رأساً على عقب.. أٌلاقارب والجيران يبحثون عنها .. يا ترى أين توجهت في هذا الظلام الحالك.. كل المحاولات ذهبت سُدىً ..