الفصل الثالث

7 0 00

الفصل الثالث

لم يتوقف وديع في عمان حين وصلها للمرة الأولى ، لا يعرف موقع سكن عمته ، ولا مواقع أهل قريته الذين انتقلوا لها ، لا كمهجرين بل طلباً للعمل من أجل القوت ، سلمت قريتهم من الاحتلال ، ولعدم توفر أي مشاريع في الجزء الباقي من فلسطين ، هجر الكثيرون بيوتهم وقراهم ، بحثاً عن لقمة العيش ، تناول كل من وديع ورامينة أغراضه من مؤخرة السيارة ، ليغادر كل إلى وجهته ، يضع وديع سلته على الأرض ، وتفعل رامينة الشيء نفسه ، وقفا متقابلين ، مدّ يده يودعها ، فالتصقت الأصابع طويلاً ، يحس كل منهما بالشوق لإطالة الوقوف ، طامعين في وقت إضافي ، لكن رامينة تتجرأ بالقول

لا بد مما ليس منه بدّ ،كان وقتاً جميلاً ممتعاً ، أرجو أن يجود الزمان بمثله ، فهل سنلتقي ثانية يا وديع؟

طبعاً، طبعاً، ولم لا ، ألم نتفق على ذلك ، أولم نتبادل العناوين البريدية لكل منا ، وإلى أن يتاح لنا لقاء ثان ، سنكتب ، أنا من ناحيتي سأكتب لك ، وآمل أن أن أتلقى ردوداً على رسائلي لك.

ودع رامينا في موقف السيارات في عمان ، وأكدا اتفاقهما ثانية على التواصل بالمراسلة ، واصل وديع رحلته إلى الزرقاء في نفس اليوم ، لأنه كان يحمل وصفاً دقيقاً للموقع الذي يقيم عمه فيه. وبعد بقائه أسبوعاً عند عمه في الزرقاء في صيف العام الذي قامت فيه ثورة مصر ، أبلغ عمه أنه سيذهب لزيارة عمته ، وصف له عمه مكان إقامتهم في سفح جبل سرور وغادر الزرقاء في يوم حار جداً بعد العاشرة صباحاً. على أن يقيم أياما أربعة أو خمسة عند عمته.

أحسّ (وديع ) بملل على منحدرات وادي سرور النازل بين جبل الأشرفية وجبل الجوفة ، وهما من الحبال الأساس التي تتمدد عليها عمان في تلك الأيام، عمة وديع يراها امرأة أقرب إلى جنس الملائكة منها إلى البشر ، لا تغضب ، ، لا تثور ، لا تصيح ، لا تعاقب ، تقبل أي تبرير مهما عظم الخطأ ، إلا أنها كانت تؤلمه حتى المرض من كثرة شكواها ، (ما الذي أتى بنا إلى هنا ؟ ليتني بقيت في بيتي ولو هدمه اللصوص على رأسي ، سامح الله أبا ناجح ، لماذا لم يبقنا في الضفة الغربية على الأقل؟ هذا الطفل وأخته زادا من شقائنا ، كان الله في عون من عندهم أطفال كثر ، خمسة أو ستة ، وأسمع أن أمهات عندهن تسع أطفال أو عشرة، لا ألوم الأمهات والآباء الذين يقومون بتزويج البنات في سنّ مبكرة ، فقدنا الأرض والبيت الدافئ الواسع ، والبيادرالتي كنا نملأ عنابرنا منها بالقمح والشعير والعدس والفول ، عدا عن الزيت والزيتون وحتى ثمار التين المجفف ، لم نكن نخش الأيام القادمة حتى ولو طالت أيام البرد أو المطر أو الجفاف في شهور الصيف.)

إنه نفق يا عمتي ، نفق وطرق مقفلة. قال الساكت: إذا كره العالم اليهود في كل مكان في العالم حسبما يدعون، كالرومان والأسبان والألمان والروس ، فما ذنب أهلنا في فلسطين حتى يتحملوا أوزار غيرهم؟

لكن هل سيطول شتات المهجرين؟

الخوف هو غروب الحق، حق المهجرين في إنشاء دولة لهم على أرض بلادهم. والخوف الأكبر أن يذوبوا مع الأقربين أوبين الأبعدين؟

- لم أفهم ما قلت يا وديع!. وأين النفق؟ هل أقفلوا الطريق إلى الجبل؟ وكيف نستطيع الوصول إلى هنا إذاً؟ لم يجب وديع على تساؤلات عمته.

صاحت طفلتها فقامت لها بتثاقل ونسيت سؤالها ، عمتي تخشى أن تتزحلق طفلتها على الصخر أمام الخيمة ، وإذا زلقت فستصل الوادي وهي تتدحرج حسب رأيها. عبثت ريح خفيفة بالخيمة قرب الغروب كادت تطيح بها ، ساعدتُ عمتي في دق المزيد من الأوتاد حولها ، لتزيد من تثبيتها بما تيسر عندها من خيوط أو قطع حبال ، حمدنا الله أن الجو دافئ بعد الظهر، كيف سيفعل الناس إذا حل الشتاء؟ قالوا إن وكالة غوث اللاجئين ستعطيهم المزيد من البطانيات، وسيبنون لكل عائلة غرفة صغيرة، يحشرون أنفسهم فيها من برد جبال عمان القارس، قال أبو ناجح أنهم سيبنون غرفة لكل أسرة مكونة من نفرين إلى خمسة، وغرفتين صغيرتين مربعتين، مقاسات كل منها ثلاثة أمتار في ثلاثٍ لمن كانت أسرتهم أكثر، تخاطب ابن أخيها وديع

لولا هذين الطفلين لما غادرت بيتنا و بيدرنا وكرومنا، والموت في بيتي أفضل وفي قريتي على أن أكون بين هذه الجموع المتزاحمة في منحدرهذا الجبل الصعب، ولا بين أزقة حي المهاجرين ومنحدرات جبل سرور، أو حول جسر الغجر ، أو في مخيم الزرقاء ، غزا كثير من المهجرين من فلسطين حي المهاجرين السابقين في عمان ، كانوا يسمون الشراكسة مهاجرين ، فسكنوا قرب منابع المياه في راس العين في عمان أو في وادي السير أو صويلح ، فيقاطع وديع عمته قائلاً

المهجرون الجدد يحطون في أي مكان ، لا فرق عندهم ، ما داموا شردوا من بلادهم ، فلا مكان سيرضيهم مهما تيسّر لهم، كل ذلك أمام أعين القريب والبعيد وأمام أبصار العالم ومسامعهم . فتجيبه عمته

ليتهم أبقونا مقيمين في بيوتنا على الأقل ، أضلاعي لا ترتاح في النوم في هذه الأرض الصعبة.

رامينة أثارتني بطرق مختلفة ، لكن لماذا لم أسألها عن عنوان أهلها في عمان والزرقاء؟ رحلتنا كانت جميلة لا تنسى ، لم أشعر بطول الطريق ، مع أن كل الناس يملون من طول الزمن وبطء السيارة من القدس لعمان مروراً بأريحا وبجسر ألِنبي.

تقول رامينة: أحب الشعر كثيراً. وبدأت تعدد أسماء الشعراء في الجاهلية كامرئ القيس وعنترة والمعلقات السبع أو العشر ، وعصور الإسلام كجرير والفرزدق والأخطل ، ومثل أبوفراس الحمداني وقصيدته التي مطلعها : أقول وقد ناحت بقربي حمامة ، أيا جارتا هل تشعرين بحالي

، والمتنبي والمعري وابن خفاجة ، وابن هانئ الأندلسي ، وابن زيدون ، وولادة بنت المستكفي ، فقال وديع في نفسه (نعمة حطّت علينا) ، ثم يستذكر ما يحفظ مما قيل في ولاّدة:

يكاد حين تناجيكم ضمائرنا ، يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكم أيامنا فغدت سوداً وكانت بكم بيضا ليالينا

، فقالت أمينة: الله الله ثم أكملت أنها لا تذكر اسم الشاعر الذي يقول :

معللتي بالوصل والموت دونه ، إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر

. بعدها ذكرها وديع بأبيات أمرئ القيس التي تقول

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ، فإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

تسلّت عمايات الرجال عن الهوى ، وليس فؤادي عن هواك بمنسل

، وما إن أكملت السيارة اختراق قرية العيزرية حتى وصلا إلى شعراء النصف الأول من القرن العشرين كأحمد شوقي , وحافظ إبراهيم ، وإبراهيم طوقان ، وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وإيليا أبو ماضي ، وحتى جبران خليل جبران ، ثم الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود ،قالت أمينة: أعرف أنه استشهد في معركة الشجرة ، ثم قرأت أبياتا من قصيدته: سأحمل روحي على راحتيّ ، وألقي بها في مهاوي الردى ::الخ

حب الأدب وقراءة شعر الغزل والشعر الوطني قربهما كثيراً ، مثل : قصيدة شوقي

سلام من صبا بردى أرق ، ودمع لا يكفكف يا دمشق ..الخ ، وقصيدة :

عصفورتان في الحجاز حلتا على فنن ، في خامل من الرياض لا ندٍ ولا حسن ، وفي آخرها يقول شوقي : هب جنة الخلد اليمن ، لا شيء يعدل الوطن ، ثم قالت أمينة حين أقرأ قصيدة إبراهيم طوقان عن الممرضات أتمنى أن أكون ممرضة: والتي يقول فيها:

بيض الحمائم حسبهنّ ، أني أردد سجعهنّ ،

رمز السلامة والوداعة ، منذ بدء الخلق هنّ.

نقطة أخرى ساعدت على تقاربهما، كانا الوحيدين اللذين يرتديان الملابس الغربية ، المرأة الريفية التي ترافق زوجها وفي أوائل الأربعينيات من عمرها كانت ترتدي لباس الفلاحات ، وديع ومينة أشادا بجمال وجهها الطبيعي الخالي من أي نمش أو مساحيق ، وتنبها إلى قوامها الملفوف الممتلئ قليلاً ، والذي يعلوه ويتقدمه صدر كبير دافعاً ملابسها الكثيفة ، خمن وديع أن زوجها ليس لديه وقت لتأمل تلك النعمة التي ترافقه

عرفت من عمتي أن مواقع سكن هناء صديقة طفولتي قرب سقف السيل ، فلماذا لا أزور أهلها، قال في نفسه، وربما تقبل أن نخرج وتحضر معي إلى خيمة عمتي، لتخفف عني الملل ولنتذاكر الأيام الخوالي، ما أجملها حين كانت تلبس ثوبها الفلاحي الأبيض المطرّز بالأزرق والبرتقالي والسماوي والبنفسجي ، كان وديع لا يمل من الجلوس مع عمته في البداية ، لأنها الأخت الوحيدة لوالده ، ولطالما أوصاه والده بها ، كما كان يؤكد عليه دائما بصلة الرحم ، وحتى يعوّده والده على زيارتها وتحمل عناء التمسك بالعادات العربية كان يأخذه معه ، يبقيه عندها قبل التهجير ثلاثة أيام أو أربع، وأحيانا أسبوعاً كاملاً ، لم تكن القرية التي تقيم فيها عمته بعيدة ، فكان وديع لا ينتظر والده للحضور ثانية لاصطحابه ، يغامر ويعود وحده لأهله وقريته ، وهو ابن ثمانية أعوام أو تسعة، ينزل من التل وهو ينظر خلفه مستأنسا ، وعندما ينحدر كثيرا ويقترب من الوادي الصغير تنقطع الحياة والحركة ، وعندما يحجب الجبل البلدة ، تغيب بيوت القرية عن عينيه ، يندم أنه غادر منزل عمته وحده فيعتريه الخوف ، يتوقف شعر رأسه والشعر على جميع بدنه ، فيجري .. يجري ويجري ، يجتاز الوادي وهو يجري ، يخرج من منخفض الوادي وما زال يجري ، يصعد للربوة ثانية وهو يجري، حتى يصل السهل ، ثم تعود بيوت قرية عمته القديمة في البروز ثانية ، يشعر ببعض الاطمئنان ، أنفاسه تكاد تخنقه ، لكن الخوف والوحدة لا تتيحان له الوقوف ولا الاستراحة ، ليت الأتراك لم يهزموا! ولو ظلوا يحكموننا لما ضاعت بلادنا، ثم إن جيوشهم قطعوا جميع الأشجار أثناء انسحابهم في الحرب العالمية الأولى ، لاستعمالها وقوداً للقطارات.

يتمنى الطفل وديع التوقف قليلا للاستراحة ، لكن الصمت والفراغ وأصوات العصافير ، والحشرات وحفيف أوراق الأشجار كلها تدخل الروع في قلبه ، ينظر حوله وأمامه وخلفه فلا يجد إنساناً ولا حيواناً ، وكلما قفز فأر أو طارت حمامة جفل وهرب ، وكلما سمع حركة حرذون أو سحلية وربما ثعبان فزع وكاد عقله يطير ، فتسابق ساقاه الريح من جديد يتذكر المثل القائل "جري الخوف ولا جري الطمع".

في مقهى أريحا أخرجت رامينة منديل قماش معطراً من محفظتها الصغيرة ثم سألته: هل تريد أن تمسح يديك من أثر الحلوى؟ تردد في الإجابة ، ثم وجد نفسه يمسح يديه بمنديلها ، ومسح شفتيه بخفة محاولاً أن لا يوسخه (ما أطيب رائحة ذلك المنديل!) تمنى حمله او الاحتفاظ به على فمه وقرب أنفه لمدة أطول ، شكرها وبدأت السيارة بالتحرك ، كاد ينسى إعادة المنديل لها وهو متمسك به ، ثم ما لبث أن فطن وابتسم ماداً يده بالمنديل صوبها في تلكؤ ، رائحة عطرها تتفاعل جواه ، كانت ترقبه ، ويراقبها هو الآخر، يحدث نفسه متسائلاً: هل ستمسح فمها بنفس المنديل بعده؟ لم يكن ينهي قولته في عمقه، حتى مسحت شفتيها بنفس الركن الذي مسح فاه فيه.

في موقف السيارات غير المعبد، تريح الراكب الجديدة جسدها القليل على مقعد السيارة بجانبه، تبادئ الحاضرين بتحية، ركز وديع عينيه على سور القدس القديم ، قال بصوت متردد، إنه مسافر ليرة أقاربه، التفتت إلى وجهه بتؤدة، ثم قالت إنها هي الأخرى مسافرة للسب نفسه، بعدها لم يدر كيف مرّت ساعات الطريق دون ملل ، تقول مينة :"حتى أننا لم نشعر بحرارة الغور" نزلت السيارة جبال القدس ، أسرعت السيارة في سهول الغور، اجتازت الشونة، واخترقت أريحا ، سارت في الغور الشرقي واخترقت مدينة الكرامة ، لم نشعر بالخوف من المنحدرات والمنعرجات كغيرنا من الركاب، ولا خشينا حتى ونحن نصعد من الغور إلى السلط ، لم يساورنا أي قلق، فأغلب المسافرين كانوا يبالغون في التحدث عن خطورة منعطفات وادي شعيب ، أي قلق هذا الذي يتحدثون عنه؟ حتى التمايل والتلاصق والشعور بهبوط القلب أو صعوده كان متعة، وتجربة لم نخضها من قبل، قالت له في إحدى رسائلها بعد شهرين:

"أصارحك أنني شعرت أن هذه الدنيا الصغيرة خلقت لنا ، لم أحسّ بالملل من بطء السيارة ولا من طول الزمن" ، وبينما هو يقرأ رسالتها تذكر ما قالته رامينة أثناء الرحلة "أن صحبة الطريق والتعرف على أحد أثناءها لا تعني الكثير ، قالت أن معظم الناس يخفون الكثير من أسرار شخصياتهم، ومن صعوبة ظروفهم ، يرون أن صحبة الطريق عابرة ، لذا لا بأس بالتحرر أو اللهو البريء ، ولوبعيداً عن المألوف قليلا."

الركاب يتلفظون الشهادة كلما التفت السيارة في منعطف خطير ، ويدعون الله للوصول سالمين،.وعندما أحسسنا بآذاننا تفرقع ثانية في صعود منعطفات وادي شعيب، فتحت أمينة حقيبتها وأعطتني علكة للمرة الثانية ، كانت المرة الأولى حين بدأنا بالنزول تحت مستوى سطح البحر ، ونحن ننزل عن جبال القدس ، استنشق رائحة النعناع من فمها وهي تتحدث إليّ ، أحسّ أنني أحلق مع طيور جبال السلط ، اقتربت مني غيمة صغيرة ، وحملتني عالياً معها مضمخاً بعبق زهور الليمون والزعتر والميرمية، وتنبهت لتعلق الأشجار الصغيرة بسفوح الجبل الشامخ ، تتشبث شجيرات أخرى أصغر بجوانب الصخور الضخمة الخشنة في جبال البلقاء ، لوحة فنية ساحرة ، حديثها موسيقى تندغم مع الأغاني المنطلقة من مذياع السيارة العجوز ، وأنفاس رمينة عطرةً تنعش الروح ، مع التواءات السيارة في المنعطفات ، تلتصق رامينا بك ، كانت تتحرز أن تثقل عليك حين تميل عليك في البداية ، ولكن وبعد انسجامكما في أحاديث شبابية ، وبالأحرى بعد جلوسكما في المقهى الريحاوي ، أرخت لنفسها العنان في المزاح والمداعبة ، وكأنكما تعرفان بعضيكما منذ سنين ، حين مالت عليك في المرة الأولى رغماً عنها ، مددت يدك تسندها وتمسك بيدها ، ارتاحت كثيراً ، نظرت إلى عينيك ، وأبرقت ابتسامة ساحرة عليها وبحياء ، لكنها وبعد ذلك ، صرتما طفلين عابثين، وفي طيش ظاهر أغاظ ثلاثة من ركاب السيارة ممن استفاقوا على الصعود والتمايل واصطكاك عجلات السيارة بالاسفلت عند كل التفاف حاد.

في جبل سرور في عمان مرست له عمته حبتي بندورة مجففتين بعد أذان الظهر ، وأكل نصف رغيف ساخن من خبزها الذي أنضجته على صاج الحديد، مع أوراق بصل خضراء ، يحس بالشبع بعد أن شرب الماء ، يقضي زوجها النهار في عمان يدور في أسواقها الصغيرة ، باحثاً عن عمل ، رافقه مرة للوقوف في صفوف طويلة ننتظر الحصول على تموين من وكالة غوث اللاجئين، كلت ساقاه من الوقوف، وشوهت بشرته حرارة الشمس، رأسه تكاد تتفجر، جرعة ماء باردة ولو قيلة كانت أمنيته، أو أن يجد حجراً نظيفاً يركز عجيزته عليه ، رأى الكثيرين جالسين على الأرض ، أما هو فلم يكن ليفرط بتلويث ملابسه العزيزة جداً عليه ، فهو لا يملك نقوداً لشراء بديل لها.

وجد وديع تحت مخدة زوج عمته صفحة من جريدة قديمة انشغل بقراءتها ، تحكي عن مآسي الحروب ، وعن المرأة التي نسيت طفلتها خوفاً من الغزاة ، كان في قطعة الجريدة كلام وتهديدات من حكام عرب وضباط جيوش عربية يهددون بالانتقام ، يقولون أنهم سيهاجمون المحتلين الغرباء ويطردونهم ، وآخرون قالوا أنهم سيطاردونهم وسيدفعونهم أمامهم حتى يوصلوهم للبحر ، وحتى يضطروهم لإلقاء أنفسهم في الماء ، فيصبحون غذاء للسمك. يقول وديع لعمته:

- لا تقلقي يا عمتي ! غدا يكبر ابنك ويساعدك ، أو يساهم مع غيره لإعاتكم إلى بيتكم وقريتكم ، ثم أكمل بصوت منخفض، سيسطع الغضب، وسترتد مدننا غداً وقرانا.

ماذا همهمت في آخر كلامك؟

لا شيء يا عمتي ، المهم أن تهتمي بصحتك ، حتى تقر عيناك بخلفك حين يكبرون.

لم يجد وديع شابا أو فتاة في أي من العائلات المتجاورة ، للتحدث أو لمرافقته للسوق، فازداد إحساس وديع بالملل ، بعد أن قضى ليلتين عند عمته.

حين تخطينا قرية العيزرية كان كل منا ما زال يمد خيوطاً للآخر، للتعرف والتعارف، يتأمل كل منا كل كلمة في روية وتحفط ، أسئلة أو أحاديث سطحية، بعدها بدأت خطوات انطلاقتنا ، ومحاولات تحررنا ، بتأنق وفي حرص ، وهل تنطبق وصية والدي على حالة كهذه!؟ ،لم أعبأ بنظرات الركاب المتضايقين في السيارة معنا، يختلط فوح النعناع من فم أمينة مع عطرها الخفيف تحت شعرها ، وربما على رقبتها أو من مكان أعمق من ذلك ، أتحلل وأتطاير مع تلك الأنسام في الجبال وفي الغور ، وداخل السيارة القديمة التي هاجرت مع صاحبها من اللد ، قال أنه كان يسوقها بين اللد والرملة وبين اللد ويافا ، وها هو الآن ينزل إلى الغور ، يتجه بنا إلى شرق النهر صوب عمان ، في انحدار شديد من جبال القدس إلى الغور.

أظهر الركاب مللاً من طول الزمن في الطريق ، وزاد من ضيقهم توقفها مرتين في مسافة مائة وعشرين كيلومتراً كما يقولون ، بين القدس وعمان على الطريق القديم مروراً بمدينة أريحا ومدينة السلط ، تزداد الخضرة حول الطريق الصاعد إلى السلط، وكلما صعدت الجبال تمنيت أن نتوقف لنقطف بعض الزهور البرية نشمها أو نتلمسها ، حديث أمينة وضحكاتها تزيد الطبيعة المتمردة في جبال البلقاء سحراً ، عاقبني أحد الأساتذة بفلقة على قدمي بسبب ثلاث غلطات أو أربع في قراءة سورة ياسين غيباً ، كرهت المدرسة ، فانقطعت عن الدراسة عاماً كاملاً، ولا أدري كيف استطاع والدي إقناعي باستئناف دراستي ، المدرسون في الأربعينيات كانوا يجبروننا أن نحفظ كل سنوات الحروب بين القوط والفندال ، والأنكل والسكسون ، ووليم الفاتح ، وانقسام الإمبراطورية الرومانية ، وتواريخ الغزوات عليها، ولويس الرابع عشر ، وسجن الباستيل ، وحروب الوردتين ومعركة واترلو ، وتاريخ حياة نابليون ومترنيخ وبسمارك، وقادتها في أوربا في العصور القديمة والوسطى والحديثة وهتلر وونستون تشرتشل، والثورة الفرنسية وفلاسفتها مثل جان جاك روسو ومونتسكيو وروبسبير ، وحفظنا اسماء موانئ أمريكا الشمالية وأنهارها وبحيراتها ، ولم يصدف أن شرح لنا أي مدرس أن نهر اليرموك الذي جرت قربه معركة انتصار صلاح الدين يصب في نهر الأردن ، أو أن الطريق التي تسير السيارة عليها هي طريق عسكرية قديمة عبدته بريطانيا لخدمة جيوشها أثناء الحرب العالمية الثانية ، في جو كهذا زرعنا بذرة حب صغيرة ، جو مغناطيسي أحاط بك ، أحببت عشرتها وعقليتها ، وسحرتك بسعة اطلاعها.