الفصل الثاني
سمعا نداءات البـاعة أمام باب العامود ، خارج سور القدس وداخله ، واحد يبيع ساندويتشات الكبد المشويّ والطحال ، وآخر يبيع الفلافل أو ساندويتشات الحمص والفول، رامينة غير مكترثة بالهذر حولهما
- هل تذكر أول شيء فعلناه في صيف السنة الماضية؟
- بعد حديثي معك وقبولك مشاركتنا السيارة ، أكلنا ساندويتشات وشراباً.
أدمنت أمينة بعدها تناول ساندويتش، أو حبات من فلافل (طعمية) على الأقل خارج سور القدس ، وقرب باب العامود ، كما حدث في المرات التي التقيا بها بعد تعارفهما ، وتصر دائماً على أن نقوم بهذا الطقس ، حتى لو كانت تعلم جيداً أننا سنأكل لاحقاً في مطعم ، أو في موقع آخر قرب المسجد الأقصى. غيرنا مكان وقوفنا مبتعدين عن الحافلة ، بائع يعرض شرابا ملونا بألوان مختلفة مع قطع ثلج داخل الوعاء الزجاجي ، أما البائع الأعجب فكان بائع السوس ، يدق على صناجتي النحاس ، عازفاًحسب تقاليد باعة السوس ، يشنّف آذاننا بألحان أغان تراثية لأصحاب هذه المهنة ، تنبها لبعض ما كان يقوله:
(ذوّق حبيبك عسلنا اليوم يا سوس ، ، لونك جميل يبري القلوب يا سوس ، كل الحبايب مالوا إليك يا سوس ، واحنا نبارك طلعتك ونقول : ليت الحلاوة تطول على طول ، يااااااا سوس)
- وديع ! وديع! أين سرحت؟ ومن تلك التي اختطفتك؟ ، وديع لا يسمع ، أو أنه سمع لكنه في استغراق روحاني ، سرحت روحه وذاكرته بعيدا ، تعطل لسانه عن الكلام . وديع! وديع! يا إلهي إنك تعذبني! حضرت اليوم (يا سيدي) كي نفرح ونهنأ بنجاحك ، وحتى نجد كلاماً يختلف عما اعتدنا عليه ، أو هل كبرت علينا أيها العزيز؟ لأنك حصلت على شهادة أعلى مما لديّ ، ألا تردّ عليّ يا وديع؟ هل ما زلت وديعاً كما عرفتك يا وديع؟ هل مازلت حبيبي؟ أنت حبيبي! هل يرضيك؟ كنت أخجل أوأتردد في قولها من قبل.
بائع السوس يردد ، وبصوت أكثر جمالا: (واحنا نبارك ونقول ، ليت الحلاوة تطول ، على طول يا . . . سوس). ما إن أنهى بائع السوس جملته الأخيرة ، ابتسم وديع وفطن إلى مينا ، اقترب منها أكثر ، فبانت الفرحة على أساريرها ، طوقها بذراعه اليمنى ثانية وضمها إليه بعزم شبابيّ، حلم أنهما يتعانقان. ثم قال لها بصوت هادئ شبه هامس:
هل تسمحين أن نشرب السوس يا أمي؟ ، أنت أمي هذه اللحظة! فهل تشترين لي كأسا من السوس يا أمي الحبيبة؟ في يافا عروس البحر الغربي ، كان بائع سوس اسمه حسن وكان ذا صوت حسن ، يبيع سوسه قرب جامع الشيخ حسن ، كنت بصحبة والدتي أثناء زيارتها لأخيها الذي كان يقيم في يافا مع عائلته ، أطلب من والدتي أن تشتري لي من سوسه ، فتلبي طلبي ، لم أشرب الكأس كلها ، تضطر والدتي لمشاركتي الكأس ، كانت كأسه طويلة نحاسية مشرقة كوجهك ، والفقاقيع على سطح السائل تتكور وتتكدس صافية تشع كعينيك هذه اللحظة يا أمينة ، جميلة أنت يا أمينة ، سماعي نداء بائع السوس ذاك أعادني لتلك اللحظات المفقودة وجسّـدها ، إنه يزفّنا يا أمينة! حضورك غيبني ، أركب الحنطورمع والدتي إلى المستشفى على شاطئ بحر يافا ، حيث رقد جدي للعلاج فيه قبل عشرة أعوام، وبعد عودتنا من المستشفى ونزولنا من عربة يجرها حصان وكانوا يسمونها (الحنتور) في فلسطين، سمعت بائع السوس يغني ، كان الجو حاراً في أوائل شهر أغسطس ، أحسست بمزيد من عطش حين سمعت نداء بائع السوس في يافا، قرب مسجد الشيخ حسن.
قبُلَتُكِ و غناء بائع السوس جففا ريقي هذه اللحظة ، هناك شربت الكثير لأبرد عطشي ، وهنا أريد المزيد حباً في الحياة، رفضت الشرب من ماء المستشفى يومها ، خشية أن يصيبني مرض ما، كل الذين في غرف المتسشفى كانوا مرضى، وأصررت على والدتي كي تشتري لي من سوسه ، رامينا! مينا؟ يا أمي! قربك ومعك هاهنا لاأخشى المرض، فهل سنشرب السوس من كأس واحدة؟ والناس من حولنا في تيه يعيشون ساعتهم فقط أو ربما يومهم.
مهاوش الكركي يقول: وماذا بعد هذا الشتات؟ وماذا وراء تخاذل لم يعرف التاريخ، أي تاريخ، شبهاً له، لم نقرأ عن شعب استكان من قبل لغازٍ كما حدث معنا، جيران وعشائر وأصهار وأقارب وأنسباء وجمود كأن الجميع مسحور مغيب أو مسطول، فماذا بعد هذا العجز يا شباب؟ داياسبورا داياسبورا! إلى أي حد ستصل هذه الداياسبورا؟ وإلى متى؟ يهز وديع رأسه ، ينفض غباراً ثقيلاً حملته ريح فعلق بشعره أحسّه كأنه ذبابة تسي تسي، لا يكفيها التخدير بل توردك لنوم الموت.
يقترب بائع السوس منا ، صاحب مهنة مخضرم ، فهم دون أن نؤشر له ، وقبل أن نسأله عن السعر أو مقاس الكأس الذي نريد ، ملأ كأساً كبيرة ومدّها صوبنا ، قال له وديع:
- لأمي أولاً! ناولها لأمي أولاً! . . . ينظر البائع لها في استغراب وتساؤل، محتاراً ماذا يقول وأينا يخاطب ، سوّاس لبق ظريف، ثم يفطن ليقول مسترحماً.
اسمح لي يا بيك ، إذا كانت هذه أمك؟ فهل تقبلانني ابناً ، أوخادماً مطيعاً لكما؟
شربت مينة القليل منها ثم قالت: الله الله ! غيَّبنا جامع الشيخ حسن ، وأتانا سوّاس حسن ، مدت يدها لمحفظتها ، أخرجت منديلها النيلي المعطر ، ثبتته بيدها اليسرى تحت ذقن طفلها وديع في تلك اللحظة ، ثم مدت الكأس صوب فم وديعها قائلة : (بسم الله ، اشرب يا ولدي!) اضطر بائع السوس أن يوقف انسكاب السوس في الكأس الثانية من شدة الضحك ، فوقعت كأسه على الأرض من يده ، مشى خطوتين حتى تبقي الكأس الساقطة بين رجليه ، أخذ يتحسس أخرى جديدة ويفركها وهو في أقصى السعادة ، تفتقت قريحته على الغناء ثانية:
اشهدوا وشوفوا يا طيبين ، سوسي المرطّب للحلوين. قرع بصناجتيه ألحاناً جميلة متنوعة ، ثم واصل غناءه بصوت قوي ، لفت انتباه السامعين من المسافرين والمنتظرين والسائقين والمارين، ووصل صوته الفتان أقصى أطراف الساحة: ((سوسك معتق يا عمّي ، يسكرني ويفرّج همّي ، وينك يا حلوة تضميني ، أوعك يا يافا تلوميني ، الله يجازي العايبين ، حرمونا شوف الحلوين ، دمك فوّار ياسوس ، حط الوسواس في الروس ياسوس ، يايا يا . . . سوس)). يحني البائع الكهل ظهره ، يتناول الساقطة ، يشطفها ثم يلقي بها مع رفيقاتها من كؤوسه في إناء التعقيم الذي يحمله أينما ذهب ، يحضر زبون آخر لشرب السوس ، يقوم بائع السوس بحركات بهلوانية مضحكة وهو يسكب له في الكأس ، سيول دائرية وبيضاوية ومستطيلة صعوداً وهبوطاً. تجمع زبائن آخرون حولنا ، تركناهم ينتظر كل دوره كي يشرب من السوّاس الفنان، ثم واصلنا سيرنا إلى أعماق مدينة الأسرار، قدس العرب أجمعين ، تقول رامينة
- أتمنى أن أقضي كل أيامي معك يا وديع ، في عالم فسيح أو في شوارع الصمود والخلود في القدس الضيقة وأسواقها وأزقتها، نتفقد بضائعها وتحفها ، ونتلمس كل حجر أو زاوية أو أثر تاريخي إسلامي أو مسيحي فيها.
- قد نزور الشيخ المصري ، يدير مدرسة خاصة لتحفيظ القرآن داخل السور قرب باب العامود. التقيته صدفة فطلب مني زيارته ، لو سكنا القدس القديمة يوما ما ، سننشق أنفاس عمر بن الخطاب وجواري عبد الملك بن مروان وحوريات ابنه الوليد ، وعرق الرهبان وسهر الحواريين والرسل والتلاميذ والتابعين، وسنتأمل حروف العهدة العمرية ووثيقة الأمان التي وقعها الخليفة عمر للنصارى في القدس.
- أسكرك السوس! تقول مينا هامسة ، سأغير اسمي ليصبح (يافا) يا كابتن وديع ، أو ما رأيك أن نفتح لنا كشكاً لبيع سوس ، نسمّيه: (كشك يافا للسوس).، ألا يغنيك (كشك يافا) عن مدينة؟
نجاحه في أول شهادة أوصله أولى درجات السلم ، ولماذا لا يفرح بقبلة أمينة وبتسلمه مفاتيح مستقبله؟ يستعيد طفولته وذكريات والديه وحكاياتهما أثناء زياراتهما لشواطئ البحر الغربي، رافق والده في أزقة مدينة اللدّ الأثرية القديمة ، مدينة الخضار وثمار البلح الطويلة البنية الطرية ، والكسبة الساخنة وخان الدواب ، والمرات الثلاثة التي حضر بها موسم النبي صالح في مدينة الرملة التاريخية قبل ذبحها ، وتذكر المرة اليتيمة حين رافق والده إلى القدس وكانت سنه أربع سنوات ، وكل ما يتذكره أنه صلى في المسجد الأقصى ، وأكل الكباب والحمص والفلافل ، ثم اشترى له والده لعبة دوارة، كانوا يسمونها (فرارة) تدار باليد وتخرج صوتاً مفرقعاً ، ولم ينس وديع طعم البقلاوة الملونة التي أطعمه والده منها بعد الغداء ، كانت حلوة ولذيذة في مدينة السلام.
بحلول عام 1946 كان والده قد شاخ وعجز عن الحركة ، ولا يدري لماذا طلب من مختار القرية ومشايخها أن يصحبوا ابنه وديع معهم إلى القدس ، قبل عام من انتهاء انتداب بريطانيا على فلسطين ، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية . طلب الحاكم البريطاني الاجتماع بوجهاء من مختلف مناطق فلسطين ، وربما حضر بعض مشايخ العشائر من شرق الأردن ، للتشاور حول ما عليهم أن يتوقعوه مستقبلاً ، أو ماذا يستطيعون أن يفعلوا ، كان في العاشرة من عمره ، ولا يذكر أي كلمة مما سمع ، كان وديع يغفو بعد دقيقتين أو ثلاث في أي مكان تنتقل إليه الوفود ، فتح عينيه مرة أثناء الاجتماع فشاهد اثنين من وجهاء القرية غافيين ، وانحنت رأساهما للأمام أو لأحد الجانبين ، عاد وأغمض عينيه وغفا. بعد طعام العشاء على مناضد وكراسي لم يعتد عليها الفلاحون والبدو، يتذكر وديع أن معظمهم لم يستعمل الشوكة ولا السكين ، بل أكلوا بالملاعق أو بأيديهم ، بعدها تمت دعوتهم لحضور فيلم سينمائي على حساب المندوب السامي البريطاني (المسكين)، نام وديع بعد دقائق قليلة من إطفاء الأنوار ، وحين أمسك بيده أبو ذياب صديق والده خارجين من السينما، مشى إلى الفندق نصف نائم ، كانت فرصة لمشاهدة الأقصى للمرة الثانية ، ولمشاهدة المندوب السامي العجوز الأشقر للمرة الأولى، والأخيرة، كان إلهامه وسرّه في عقله المغلف ، مع أنه كان بشراً كغيره من الناس ، يستعيد وديع هذه الذكريات ، يتحسس ما يجري للناس حوله ، صلى مع الوجهاء في الحرم القدسي بعد لقاء المندوب السامي ليلة الأمس ، وبعد تناول العشاء على الطريقة البريطانية ، انتعشت روح وديع في الحرم القدسي ، أحسّ ليلتها أن الله قريب ، وأنه في بيت عزيز على الله ، وفي الموقع الوحيد الذي صعد منه مخلوق إلى السماء بأمره ، تجلى وطلب من ربه بقلب طفل خاشع ، أن يحضر عرب مخلصون مثله وكثيرون من كل حدب إلى هذا المكان.
- إلى الصلاة في الحرم أولا يا امونة، أصبح وديع أكثرجرأة على تغيير لفظ اسمها بأشكال عدة ، مينا ، مينه ، مونة ، رمونة ، أمونة ، أمينة، أجابته في لهفة وفي شبه همس
تحقق لي ثلاث أمنيات حتى اليوم ، الأولى نجاحي والثانية تنامي صداقتنا ، صمت وقبل أن يقول أخيراً .. تقاطعه فامينة : والثالثة ، وديعي ، وديعي الذي سيحصل على وظيفة مضمونة وبراتب جيد. يساعد أهله ولا يحتاجهم .
مكثا طويلاً قرب الصخرة والمغارة ، طافا مرات عدة حول مبنى القبة يمشيان وأصابع كفيهما متشابكة. عصفوران يتلاحقان ويحطان مندسين على غصن شجرة سرو قديمة قرب قبة الصخرة ، تتوقف أمينة تحت الغصن ، يعجبها تصميمهما على الالتصاق والملاحقة ، تسمو شجرة الزيتون بقامتها إلى السماء ، وشاهدا الكثير من الشباب والشابات يسيرون هناك يتمازحون ، يتلاحقون ويتلاصقون ويتضامون ، والضحكات تعلو في براءة وصدق ، نساء حاسرات الشعرمثل فامينة ، وأخريات يغطين وجوههن ، وبعضهن وضعن مناديل على شعورهن لأداء الصلاة خارج قبة الصخرة في الجهة الشرقية ، شباب وصبايا ممن يسترن شعورهن كانوا ينتحون جانباً لقراءة القرآن أو للخلوة والغزل ، يعلق وديع: أفلاطون يقول (كل منا نصف كائن مفصول بلعنه ، وبالحب نستطيع أن نتقصى النصف الآخر).
لم يملّ وديع من تكرارالتجول في شوارع عمان وأسواقها لكثرة ما كان يرى من نماذج بشرية. أجناس وألوان وأصول مختلفة ، يسيرون في الشارع الرئيس الذي يبدأ من باب المسجد الحسيني ، ثم يتجه صوب جسر المهاجرين الذي يمر السيل من تحته ، يعود بعدها ليقطع السيل ويصعد إلى جبل السرور عند عمته ، وبعد استراحة ساعتين أو ثلاثة يعود بعدها لشارع السلط فيسير به حتى يصل إلى مقر مجلس الوزراء ، يعود ثانية ليبترد من ماء الجامع الحسيني ، فيتوضأ ويصلي إن كان أذن للصلاة أثناء وجوده هناك ، يشرب ويستعمل المرافق الصحية البسيطة الملحقة بالمسجد ، يتمدد كغيره لدقائق أو لنصف ساعة بعد العصر في الساحة الداخلية للمسجد ، لكنه لا يستطيع المكوث طويلا ، ينظر إلى وجوه الناس ، فيرى فجيعة تعلن عن نفسها في نظراتهم ، خطوط قهر محفورة في أكفٍّ تعلوهاغبرة ، ووجوه ترهقهاقترة، ضياع، تساؤل، تيه، والهمّ يكسو سحن الكل ، لكنه في ملامح النسوة ظلام وغمّ ، عيونهم مشرّقة مغرّبة ، مفردة تصدرتائهة من هنا ، وجملة تحلق صارخةً من هناك ، شاكية مستنفرة ، لا تدرى نفس ماذا تحتمل أن تسمع ، أو ماهو المتاح أن يقال ، ولا عمّاذا يسأل ، أخرجوا من ديارهم ، وحرموا من الوصول لمساجدهم التي شادها آباؤهم وأجدادهم حجراً على حجر، أو ورثوها ممن قبلهم، حتى الكنائس لم تسلم في معظم المدن والقرى ، وخراب بيوتهم التي تركوها موضوعهم الرئيس ، الهمّ الأزلي ، بعضهم يتأسّى على الأثاث الذي خسره مع أنه اشتراه قبل التهجير بشهر أو بسنة ، في حين أنه لا يجد فراشا له في عمان ولأسرته ، كي يريحوا عظامهم ومفاصلهم عليها. قال أحدهم لآخر في المسجد
إن شخصا مثلك لا يهمه لو نام على حصباء الصوان ، فعلى جسدك من اللحم والدهن ما يحول دون إحساسك بما هو تحتك أو فوقك. استفزه كلام ذلك الرجل ، انتفخت أوداجه ونهره وهو يلهث بصعوبة ، سرعان ما فزّ مهدداً يريد سحقه ، تدخل آخرون ، فأقنعوا الرجل السمين أن الآخر قصد مزحة عابرة ، لأنه فقد بيته وبقراته ، وكل فراش الصوف الوثير الكثير ، و الغنم الكثيرة العدد حيث كان يجمع منها الصوف وكل منتجات الألبان ، أصر العجوز السمين أن يغادر ذاك الهاذر باحة المسجد.
لا شك أن عمة وديع تعاني كثيرا من خشونة الأرض على سفح (ســرور) أشد جبال عمان وعورة وانحداراً. لم يكن وديع يعرف كثيراً عما جرى عام التهجير، حيث لم يكن قد بلغ سن الشباب بعد ، لكنه من كثرة مشاركته الجلسات مع كبار السن ، فهم أن المجاهدين الفلسطينيين والعرب لم ينظموا أنفسهم ولم ينسقوا ، تناقموا ثمّ تفرقوا كجيران متحاسدين.
تقول رمينة لا تنس قلة السلاح والعتاد وانعدام التدريب والتنظيم. فيجيب وديع
وأسباب خارجية أخرى كاختلافات بين مشايخ وأمراء لا يملكون من أمرهم شيئا ، هكذا اختطف الغزاة والأجانب غربها ما بين لغط وصمت تحت شموس حارقة ، وخلال حلم ليال حالكة الظلام.
يمتعض وديع ويتغضّن جبينه ، يفرك أصابعه ، يحسّ بضعف وتفرد ، تمنى لو انه يرتدي كوفية ، أو يغطي ذقنه بشعر مستعار أشيب . ليخاطب الفيل والغزال الهزيل قائلاً: (اسكتا يا أبناء الداياسبورا! ، أنجزا الصلاة بسرعة واخرجا من بيت الله للعمل والتفكر) .سمع وديع من خاله الذي كان يعمل إدارياً ومساعداً لمدير معسكر بريطاني أن الإنجليز سلموا جميع معسكراتهم للغزاة الأجانب بكامل معداتها صالحة للعمل وللسكن ، وحتى بمطابخها ومخازنها الملأى بالعتاد وبالأغذية ، وقد أكد ذلك شباب من المجاهدين الفلسطينيين هاجموا بعض المعسكرات ونجح بعضهم في السطو على مستودعات الذخيرة ، فوجدوها ملآى بكل ما يلزم للمحاربين ، حملوا ما استطاعوا بأيديهم وعلى أكتافهم ، في حين أن سيارات الغزاة والمستوطنين الأجانب كانت تدخل المعسكرات البريطانية علناً أو عنوة.
تقاطعك مينة الفمينا أثناء حواراتكما في السيارة: ماذا يحصل للعقال والشماغ لو دخل الشرطي أو العسكري هوش وطوش كما يقولون ؟ لا يجيب وديع على تساؤلها.
يكمل زوج عمتك حديثه إليك :وكل واحد مسلح ببندقية انجليزية لها مشط يتسع لخمس (فشكات) أو لعشر طلقات ، ويلبسون صنادل على أقدامهم ، فرصة لك كي ترى مثل تلك المشاهد في زيارتك هذه! نهض الزوج بعدها مخاطباً عمة وديع: أصدقائي ينتظرونني في المقهى ، ثم غادر المنزل بعد أن تحدث مع زوجته بصوت منخفض مضغوط أو بتهديد قرب الباب ، لم تجبه عمة وديع بكلمة ، إلا أنها توسلته ألا يتأخر كثيراً.
قبل تعرفه على رامينة ، كان يروق لوديع التحدث مع سائح أو سائحة في القدس ، لتقوية لغته الإنجليزية ، حدث نفس الموقف مع سائحة شابة جميلة يومها ، أبدت السائحة اهتمامها به ، وطلبت منه أن يرافقها عبر شوارع القدس القديمة ، أصابت الغيرة أمينة فجذبته وقالت للسائحة : ( نو نو هي إز ماي فريند (صديقي وحدي)، آي لوف ماي فريند ! سوري مدام ) ضحكت السائحة عالياً وقالت (اوووه ماي قاد يا إلهي) تتفهم السائحة الأجنبية الموقف ، فلم تزد بكلمة واحدة. شربت السائحة من قارورة تحملها ، لمح كلمة - بيرة - مكتوبةً على العلبة. وعندما سألها : لماذا تشربين هذا؟ قالت : إنها ضد الحر وضد الملل ، وتجعلني أرتاح وأحس بالهدوء والصبر ، أحب هذه البلاد وأحب ناسها ، يسأل وديع أمينة.
- ما رأيك أن نبيت في فندق أو مكان ما في القدس؟
- هل تريدني أن أموت؟ لو فعلناها مرة فسيزوجونني فوراً لابن عمي غير المثقف الذي لا أريده شريكاً لحياتي، هذا إن لم يذبحوني كالشاة وسأغيب عنك مثل يافا ، عنده دكان صنع أحذية وحتى تصليحها ، سيحرمونني من الخروج بعدها إلا برفقته ، أو يشبعونني ضربا وتعذيباً إذا عرفوا أنني أرافق أحداً دون علمهم.
- أوكي .. أوكي.. (متأسف بلاش !) .. أقطع لساني حتى لا يحدث ذلك ، أعتذر كان طيشاً مني ، نسيت أنه ليس من حقنا أن نحلم.
- كل ما تقول لا يزعجني يا وديع، سأثبت وجودي بطريقتي ، سنواصل حلمنا ونحن نمشي بعيداً عن الأجانب.
أمينة لغز كبير ، أبحث عنها في كل مكان ، أبحث عن مرح راقص ، عن ملاك بلسان وشفتين ، أحجية تحتاج إلى تفكير طويل ، في أعماقها حزن يثيرك ، وطموحات تستفزك ، وحلم يحملك إلى المجهول ، تبعثرك ثم تحملك على رموشها ، فتحلق بك لعالمها الخفيّ بمفاجآته ، وببساطته وبتفرده ، بل وبسهولة الذوبان فيه. أتابع حركاتها وحماسها ، أرى شبكتها العنكبوتية تحملني معها للفضاء ، على سجادة سحرية تعلو في الهواء المتحرر ، نسجت خيوطها في زوايا بعيدة عن التخريب ، وبأسلاك حريرية قوية ، وهاهي تواصل العمل على تقويتها. ثم تعود لتقول
وهل تريد أن تشعرني أنني طفلة مدللة؟
- وماذا يمنع أن تكوني كذلك ، أعتقد أن أغلب (البشر) يتمنون أن يكونوا أطفالاً.