الفصل الرابع
قرب باب العامود في مدينة القدس ، وبرغم حماسي ولهفتي للسفر إلى عاصمة بلادنا الجديدة للمرة الأولى في حياتي، لكن سرعان ما اعتراني الملل بعد دقائق من جلوسي في السيارة ، ضايقني الحر كثيراً ، وكانت العادة أن يلبس المسافر ملابس رسمية ، ربطة عنق ومعطف له جيوب كثيرة ، لم أكن قادراً على شراء ملابس عصرية جديدة، إلا أنني اشتريت معطفاً من أحد المهجرين، يفوق مقاسه حجم كتلتي النحيفة، وحين حضرت رامينة ، مرت الأربعون دقيقة بعدها كأنها خمس دقائق ، لم ينتظر السائق طويلاً حتى تمتلئ سيارته بالركاب ، وتتسع لسبعة ركاب.
بدأتما بالتحدث عن حرارة الصيف وهموم السفر، وتدخلت القدس قي توجيه مجرى الحديث، وحين مررتما على تقسيم المدينة المقدسة ، وضآلة الجزء الذي تبقى منها بحماية من الجيش الأردني، تنهدت رامينة، تغضنت ملامح وجهها وأنا أرقبها، حقداً وأسىً من استقرار وضع الغزاة على معظم أرض فلسطين، أسرواشواطئها وقبورها وأنهارها والجن تحت أرضها، حتى اكفهر الهواء في سمائها. الحواجز بين وديع ورامينة تبدأ بالتبدد بعد دقائق عشر من جلوسها بجانبه في السيارة ، (شابة جذابة، حسنة الهندام، عربية الملامح، ويبدو أنها مهذبة، نعم! هاهي بجانبك ، فأظهر مواهبك يا وديع إن كان عندك شيء من ذلك ، ما دمت شاباً فعليك أن تعرف ماذا تريد ، وماذا يلزم لمعرفة الآخر؟)
المواد التي تدرسها ، والكتب التي تقرؤها ، قارب أحلام يقربهما، وقد يسافر بهما أسرع من سيارة فورد القديمة أمريكية الصنع ، السيارة تتقدم بطيئة صوب عمان وتعارفهما يتقدم مسرعاً، غادر السائق القدس، واختراقنا قرية العيزرية من منتصفها، والألفة تزدادا رويداً رويدا، استماع بلهفة واستمتاع بكل ما تقول، أحاديث تقهر المنعطفات وتزيل القلق من النفس، يتلوى جسد السيارة ويصرّ كخصر فتاة عفية مثقلة بالقلائد والحلي، لكنها لا تتقن الرقص ، بل تتحرك بحيوية وبعشوائية تلهب قلب وديع ، يلمح بريق إعجاب في عيني رامينة، ويتمايل جسماهما وقلباهما تتراقصان تحت الضلوع، لكن ثقلاً في أسماعهما ووشيشاً يتزايد مع بدء الانحدار تحت مستوى سطح البحر، ضحكا كثيراً حين اشتكى كل منهما من الضغط على طبلتي أذنيه، يسمع وديع أذنيه تطقطقان أو تنضغطان، والسائق يصبح أكثر شباباً مما رأيته في البداية ، يثبت سلاسة في قيادته وصموداً، وحوار رقيق بينكما وحرارة، تنوه له عن ذلك، فيعجبه قولك، يتنهد ويقول
- آآآه سقى الله أيام البلاد الشباب، أقود السيارة منذ اربعة عشر عاماً ولم يحدث لي أي حادث بقضل الله. سمعك قبل التحرك بسيارته الضخمة قرب باب العامود حين قلت لأمينة
ما أجمل تلك النبتة الخضراء التي يحملها بائع المشروبات الغازية والعصيرات على عربته ، فأجابك السائق في حماس وتسرع
إنها شكل نبتة لكنها من البلاستيك. أحاديث أمينة زهور برية تتفتح في هواء طلق ، أصبحتما محط أنظار ركاب السيارة كلهم ، نظرات مبرّرة وأخرى مستنفرة ، وجوه نضرة ووجوه ترهقها . . . ثقة بالنفس تغمرك ، نظراتها تشير إلى أنها تحس هي الأخرى براحة وأمان ربما أكثر منك، ترى بريقاً لألاءً في عينهيا ، تتذوق حلاوة المرح اللانهائي يتتابع كأمواج بحر يافا أوائل الربيع؟
تغير سريع في كل شيء، إنحدارنا المفاجئ صوب الغور ، طنين في الأذنين ، سرعة في التنفس ، شدة في ضربات القلب، تمايل السيارة، منعطفات الطريق القديمة بين عمان والقدس، وكلماارتفع زعيق فرامل السيارة ارتفعت حرارة مزاحنامع انزلاق عجلاتها؟، تضطر أمينة أحياناً للاستناد عليك دون قصد ربما، يضعون أصابعهم في آذانهم.
في صباح اليوم التالي في الخيمة التي تقيم بها عمته، شغلته ابنة جيرانها كثيراً وحيرته ، تقضي معظم النهار واقفة أمام خيمة والدتها، تنظر للناس وللشمس بعد الظهر، وحين حاول أن يكلمها ضحكت كثيراً ، لكنها دعته للاقتراب من مكان وقوفها ، قالت أن والدها طلب منها المحافظة على ذلك المكان ، لأن من يترك مكانه يفقده، ذهب والدها متسللا إلى منزلهم في القرية المنهوبة ، أقفلوا باب بيتهم جيداً قبل إجبارهم على مغادرة منزلهم عام التهجير، تركوه وتركوا قريتهم وأثاثهم خوفاً على أرواحهم ، سافر أبوها لبيتهم كما قالت، وعد الرجل ابنته و زوجته أن يحضر لهما السريرين الجديدين ، اشتراهما لهما قبل الهجرة بشهرين ، وسيحضر لابنته خزانتها وحقيبة كتبها معه من هناك ، سأل وديع متى ذهب ومتى سيعود؟ قالت أمها "ذهب قبل ستة أشهر ونصف ، ونتوقع أن يعود لنا قبل حلول برد الشتاء" ، وقالت ابنته
- سأظل أنتظره كل يوم حتى أساعده في حمل حقيبتي المدرسية. غضبت من وديع لأنه تركها وحدها ، ولم يقف بجانبها لينتظر والدها معها ، صاحت ولعنت أباه وأمه وكل أقاربه ، أما أمها الأربعينية الضخمة، جمال شوهه كثرة أكل الخبز والرز والشحوم الرخيصة، كانت تقضي معظم الوقت مضطجعة على الأرض الخشنة فوق بطانية خفيفة ، ترضع طفلها الذي لا يزيد عمره عن ثلاث سنوات تلهيه عن الجوع والعطش ، تمسك به ، تحمله على كتفها عندما تذهب لجلب الماء ، وتحمل وعاء الماء في يدها الأخرى، تلهث وتسير ببطء شديد ، تتوقف كثيراً وهي تشهق بصعوبة، كأنها تكاد تختنق ، بعد عودتها للخيمة، تستريح ثم تجرجر نفسها لغسل ملابسهم على طرف صخرة نظيفة ، بجانب خيمتهم الصغيرة جداً، ماء الغسيل بلون بني أو أحمر فاتح أوغامق.
يخاطب وديع نفسه، أين أنت يا مينة هذه الساعة؟ أفي دار خالك؟ أم في دار أختك؟ أو مع من تتحدثين هذا الوقت ، ليتك ترين ما أرى ، البؤس ملهاة في بعض الأحيان، قال أحد العجائز المارين
- خذلونا و أفشلونا! جيراننا والكبار والسياسيون والبسطاء! ثم سمعه يلعن الظالمين ويسبهم ، ويلوم ابنه وأخاه لأنهما أجبراه على مغادرة أرضه وقريته ، يسير مسافة خمسين متراً صاعداً الجبل الأصم، ثم يتوقف لاهثاً ربع ساعة أو أكثر، يبحث عن أي فرد ذكر أو أنثى ، يشكو همومه وعجزه عن الصعود لخيمته، ثم يقول، كان الله بعون الصاعدين إلى الجبل الأكثر علواً منا – جبل الجوفة وجبل الأشرفية ، يتكئ على عصاه الغليظة القوية. يسمع وديع غناء صادراً من خيمة بعيدة ، وبعد السؤال عرف أن امرأة رزقت بطفل جديد وخالات الطفل وعماته يزغردن ويغنين فرحاً ومشاركة ، قال وديع لنفسه: تمخض الجبل فولد مهجراً جديداً.
ليلتان ، كانتا قاسيتين جداً على وديع ، نام على الأرض يفترش بساطاً خفيفاً مثل غيره من آلاف الناس في سفح الجبل ، وآخرون اتخذوا الأرض بساطاً على طرف السيل أو في الغور والزرقاء و الشمال ، قيل لوديع أن سفح الجبل الصعب ينجيهم من عذاب الحشرات القارصة ، كالبعوض والذباب والنمل الأحمر، ومن شدة الحرّ في شهور الصيف الطويلة ، ويظلون قريبين من سيل الماء للشرب أو للغسيل ، ولكن ماذا سيفعلون في الشتاء؟ لم يجلس زوج عمته معه بعد عشاء الليلة الأولى الذي كان مؤلفاً من البيض المقلي مع البصل وحبتي بندورة ، لكنه قال لوديع وهما يجلسان أمام الخيمة مساء :
- هل ترى الأنوار التي أمامنا في الجبل المقابل؟ إنها أنوار البيت الكبير الذي يقيم فيه كلوب باشا البريطاني قائد جيش الشريف الملك عبدالله ، وربما سكن حوله ضباط وعساكر إنجليز ، أما قصور الشريف الملك فهي للجهة الشمالية ، هل شاهدتها نهاراً؟ ، تستطيع يا وديع أن تطل من جبل الجوفة أو من جبل الأشرفية على قصر الشريف عبدالله ، قال وديع في نفسه "يا سلام يا مينة لو أخبرتني أين تقيمين لمشينا معاً لتلك الأماكن" ، يواصل زوج عمته قوله له : وأكثر ما يعجبك منظر خدمه وحرسه الخاص داخل القصر وهم من الشركس ، لهم لباس خاص وغريب ، أما الحرس خارج السور فكلهم من البدو ، ولهم ملابس خاصة مختلفة، وتختلف كثيراً عن ملابس البوليس الفلسطيني ، حين كانت فلسطين دولة. يذكر وديع حماس مهاوش الكركي وهو يقول: (تتحول عناصر الطبيعة إلى بدائل أخرى ، تتماسك ثانية وتعيد بناء نفسها في اقتدار عجيب ، والتاريخ كذلك ، وكم من امبراطورية حكمت ثم زالت ، ثم نهضت ثانية وحاولت تارة أخرى ثم زالت ، والإنسان لا يتوقف ولا يكلّ ، فالطمع والطموح ورغبة الوصول إلى السمو والتأليه والشعور بالكمال أو بالنقص كلها من صفات الإنسان.) لا يدري وديع من أين يأتي مهاوش بهذه الأفكار ، لكنه يزداد إعجاباً به وحرصاً على صداقته.
يقول وديع لأمينة: جنود الجيش الأردني يرتدون الشماغ والعقال ، يرى فيهم الشجاعة والرجولة والشدة ، وقد التقى ببعضهم في قريته الواقعة على خط الهدنة ، كانوا وديين جداً ، وقال ضابط يحمل نجمتين على كتفه عام التهجير:
(إننا مستعدون للقضاء على الغزاة في أيام قليلة لو سمح لنا ، ويمكننا مساعدة المهجرين للعودة إلى بيوتهم خلال أسبوع أو أقل.)
قال زوج عمتك الذي لجأ إلى عمان مع عائلته ، أن أغلب البضائع في متاجر عمان هي بطانيات ونمارق مصفوفة ، وزرابي مبثوثة وأغطية وبسط بدوية وإفرنجية ، ثم ملابس عربية مثل عقال الرأس الخفيف الدقيق ، وليس كالعقال الذي نلبسه في فلسطين الذي ترى نموذجه على رأسي ، وكذلك الشماغات والدشاديش والقنابيز الرجالية ، والمدركة النسائية المطرزة والسادة ، تختلف كثيراً عن تصاميم ملابس النساء في فلسطين ، ومعظمها مصنوع من قماش خشن كصحراء بادية الشام، أما مواد الطعام فهي اللحوم البلدية ، واللبن والجميد ، ومرّ وديع أمام أكثر من متجر يبيع البهارات ومواد الطب العربي ، والزيوت العطرة.
دخل وديع سوق البخارية وسوق اليمانية ، شاهد التحف والمسابح والخرز وطاولات لعبة النرد والمطرزات البدوية والفلاحية الأردنية ، ثم القليل من تحف خشب الزيتون الذي يصنعه أهل بيت لحم ، وبعض العائلات المتخصصة في القدس القديمة ، والتي يبتاعها الأجانب والسياح عادة ، تمنى لو كان لديه المال ليشتري له دشداشة طويلة وشماغا وعقالاً.
بعد أن أنهى وديع الصف ما قبل النهائي من المرحلة الثانوية في رام الله بنجاح جيد جيداً قال لوالده :
- جاء وقت تنفيذ الوعد. أنظر! طلعت نتيجتي الثاني في الصف ، وحان وقت دفع الحساب وتسديد الدين.
- وما القصد ؟ وما ذاك الدين الذي لك في ذمتي؟ أجابه والده
- أ لم تعدني بأن توافق على سفري إلى شرقي الأردن لزيارة عمي وعمتي إن طلعت الأول في علاماتي أو الثاني أو حتى الثالث؟
- وهل ستذهب فارغ اليدين عند عمتك؟ وما الهدية التي ستأخذها لها معك؟ أما عمك فلا ينتظر منا شيئاً ، سأقنع أمك الليلة بأن توافق على سفرك بعد يومين أو ثلاثة، ولا تنس أن تطلب منها أن توفر جميع البيض الذي نحصل عليه من دجاجنا، لتأخذه هدية لعمتك ، وإن كانت الكمية غير كافية فلتقترض المزيد من جاراتها ، وكل ذلك مرهون بقدرتنا على تدبير تكاليف الرحلة لك بطريقة ما.
استعاد وديع كلمات والده أثناء ركوبه الحافلة المتجهة إلى رام الله ، ثم وصيته المتكررة (لا تفعل سوءاً يا ولدي في حارتك وبلدتك وبين أهلك ، وإذا سترك الله فلا تفضح نفسك ، أبق ما فعلته من خطأ بينك وبين ربك ، فالعبد ليس له أمان).
جهزت له أمه سلة كبيرة وضعت فيها ملابسه وثلاثين بيضة بلدية ، وعشرين رغيفاً من خبز الطابون ، وبعض التين والصبار والقثاء هدية لعمه ولعمته ، أعطاه والده دينارين ونصفا ، ثم دست الأم في يد ابنها نصف دينار، لم يفكر وديع كيف استطاعت أمه توفير هذا المبلغ الكبير، ربما من بيع البيض الزائد عن حاجة الأسرة أو أنها باعت دحاجتين دون أن تخبرنا.
أيقظته أمه بصعوبة كبيرة صباح اليوم التالي، لأنه بقي ساهراً ليلتها حتى منتصف الليل سعيداً يستمع لوالده ، ومسروراً بتحقيق رحلته التي سيقوم بها إلى شرقي الأردن ، أثناء صعود الحافلة البطيء في الطريق الصاعد إلى رام الله، شعر أنه محظوظ، يتفاخر بنشاطه وبوالديه. لم يستطع وديع الانتظار سنة أخرى ، حتى ينتهي من دراسته الثانوية ، وأصرّ على زيارة عمان، بعد نزوله من الحافلة في منطقة الحسبة برام الله القديمة، مشى مسافة تزيد عن الكيلومتر حاملاً سلته وما تحتويه من ملابسه الاحتياط والهدية، لقد أنهكت عضلات كتفيه وظهره صاعداً الطريق حتى وصل المنارة ، لم يطل انتظاره هناك ، لكنه لم ينس تأمل ساحة المنارة التي يتوسطها عمود تحميه رؤوس أسود ترشق الماء من أفواهها.
قام بنحتها رجل عجوز من أهالي رام الله ، يعرفه وديع جيداً. مع أربعة طلاب آخرين سكن وديع في غرفة صغيرة بعد إنهائه الصف السابع ، كانت دار ذلك العجوز قريبة من سكنه ، سكن؟ قبل مائة عام أو ربما مائتين ، عندما بني بيتهم ، كانت غرفة للجمل ، بالكاد تتسع لجمل ، بابها عريض جداً ، وربما تتسع حمارهم مع الجمل في أيام البرد الشديدة ، وحين أصبحت المنطقة تجارية وزحاماً ، غيروا بابها إلى عدة درفات على أمل أن يفتحوا فيها بقالة صغيرة ، كانوا خمسة ، وسكنها الطلاب الخمسة ، أربعة منهم أقارب أو أنساب إلا وديع ، ما الذي جمعهم؟ وكيف اتفقوا وتعارفوا ، لم يعرف وديع إلا واحداً منهم ، كان يسبقه بصف واحد في مدرسة القرية الابتدائية ، في قرية أخرى بين القريتين ، والد أحدهم على علاقة قوية بوالد وديع ، كانت فرشاتهم الخمس تتلاصق ، أو يعلو قليل من طرف إحداها على طرف الأخرى ، أرضيتها مبلطة وتلك مصيبة أشد في الشتاء ، اضطروا لشراء حصيرة قش ، تقاسموا ثمنها بالتساوي ، نصف دينار أو ستين قرشاً ، يفردونها على الأرض تحت الفراش ، تمنى وديع أن يتمكن من إسناد ظهره على الجدار شتاء ، كان يحس أن رأسه ستتجمد خلال دقائق قليلة من شدة برودة الجدار ، هي مخدة واحدة للنوم ، لا تكفي لإبعاد الجسد ما يكفي عن الجدار ، الخمسة يذاكرون دروسهم على الفراش في الأيام المعتدلة ، وتحت الغطاء شتاء ، نام الكتاب فوق وديع في معظم الليالي الباردة المظلمة ، زارته والدته مرة ، استقبلتها صاحبة المنزل وأصبحتا صديقتين في يوم واحد ، صاحبة البيت مسيحية ، لم تكن أم وديع قد بلغت الخامسة والثلاثين بعد ، أصرت صاحبة البت على استضافة والدته المرأة الريفية، مع أن وديع تمنى أن تبيت والدته قربه، كان شتاء تلك السنة بارداً جداً، ليلتها حظي كل من وديع ورفاقه بعد الثامنة مساء، بفنجان كبيرة من الشاي الحلو من صاحبة عش الجمل ، بنات صاحبة الدار فرحن بوالدة وديع وأحببن عشرتها وحكاياتها ، بعدها صار وديع محط أنظار الأسرة ، لا ينسونه من صحن طبيخ ساخن ، أو فنجاناً من القهوة حين يزورهم ضيوف ، أو قطعة حلوى مما يصنعون في منزلهم ، نمت الغيرة في صدور الرفاق الأربعة ، فوجئ وديع بقرار إصرارهم على الرحيل إلى مكان آخر، بحجة شدة البرد وضيق غرفة الجمل.
خلال تلك الشهور الخمسة شاهد وديع العجوز الفنان ينحت تماثيله أمام بيته ، أعجب بمقاومته للزمن والشيخوخة، مع أن سنّه كانت ثمانية وسبعين عاماً حسب قوله ، وكثيراً ما عاب ذلك العجوز على غيره من النحاتين ، يصف الأسود التي ينحتها غيره قائلاً
كأنها كلاب جائعة خائفة مستأسدة ، أو انها أسود ذليلة ، أضناها الجوع وأذلها الحبس ، ومع هذا يضعها بعض الأغنياء أمام بوابات الأسوار حول بيوتهم.
آعتاد وديع أن يستمتع بمنظر الماء يندفع من أفواه تماثيل أسود العجوز ، كان يحس بعطش أحياناً ، وخاصة في أيام الصيف ، ولا يملك دراهم تكفي لشراء عصير أو عبوة مياه غازية، تمنى يومها لو يقفز ليغسل يديه ويشرب الماء من إحدى النوافير المنطلقة من أفواه تلك الأسود ، لكن قدوم الحافلة قطع عليه أفكاره ، فأسرع يندس بين الركاب الصاعدين إليها ، وحين وصل القدس ، أسرع إلى موقف الحافلات المتجهة إلى عمان ، ولسوء الحظّ وجد الحافلة قد امتلأت وبدأت تتحرك صوب عمان ، وعرف أن الحافلة التالية ستغادر هي الأخرى بعد امتلائها ، وهذا يتطلب ساعتين على الأقل ، لم يتردد وديع بالعودة لموقف سيارات التاكسي قرب باب العامود ، فوجد أن سعر الراكب فيها يزيد بمائة فلس عن الحافلة أي بمائتين وخمسين فلساً ، لم يتردد في احتمال دفع تلك الخسارة غير المتوقعة ، مائة فلس يشتري بها أموراً كثيرة مفيدة لو وفرها، تمنى ساندوتش فلافل وسلطة ، أوساندويتش كبده وطحالات محشية بالفلفل والبهارات ، لكن المائة فلس اضطرته الأكل مما حملته أمه، وجد راكبين في السيارة صاحبة الدور ، سرّ لأنه وجد الكرسي الأمامي بجانب السائق شاغراً ، ويجلس في الكراسي الخلفية رجل ريفي وزوجته، يستطيع أن يستمع أخبار (صوت العرب) والأغاني من مذياع السيارة القديم ، ويكون بإمكانه مراقبة كل ما يمر به بسهولة ، ويحادث السائق أثناء الطريق الطويلة ، أقبلت شابة نحيفة حنطية اللون ، تتظاهر بالعبوس والجدية ، أنيقة في ملبسها وفي ترتيب شعرها ، يبرز في صدرها كرتان متوسطتا الحجم مشدودتان بقوة ، تكادان تتمردان على قيدهما باندفاع الواثق من براءته ، تسأل بتثاقل وبصوت خفيض متزن عن الزمن المقدّر لمغادرة السيارة إلى عمان ، حاول السائق إقناعها بأننا لن نمكث طويلا ، ولكنها بقيت مترددة تفكر بالذهاب لموقف الحافلات الكبيرة ، وجد وديع نفسه يخاطبها ، وليس من عادته مثل هذا التسرع مع البنات أو النساء قال لها
- ظننت مثلك في البداية أننا سنمكث طويلا ، وقد حضرت للتو من موقف الحافلات الكبيرة ، وعليك الانتظار هناك ساعتين حتى تمتلئ الحافلة التالية ، سنصبح أربعة إذا رغبت أن تكوني معنا في هذه السيارة الصغيرة ، ستمتلئ السيارة بسرعة إذا لاحظ الراغبون في السفر وجودنا داخل السيارة. سنحتاج إلى ثلاثة ركاب آخرين بعد انضمامك لنا قال لها السائق. فما رأيك باختيار المكان الذي ترتاحين فيه قبل أن تمتلئ المقاعد جميعها. تتردد الشابة ، ويبدو عليها التشكك لكن قوة الشخصية لم تفارقها ، تنظر حولها تتفقد حقيبة يدها ، توجه كلامها لوديع شبه ساخرة.
- أخشى أن تكون صديقا للسائق أو سائق سيارة أخرى ، لتوهم الناس أن السيارة على وشك الامتلاء! نظر وديع للركاب ، وأسف في أعماقه أنه لم يكن مقنعاً ، لكن السائق المرح ضحك عالياً، فهم أحد الراكبين ما قصده وديع من نظرته لهما فقال الرجل الذي يصحب زوجته الشابة:
- اطمئني يا آنسة هذا الشاب راكب مثلنا وحضر قبلك بدقائق قليلة.
لاحظ سائق السيارة إصغاءها لوديع ، تناول حقيبة ملابسها الصغيرة من يدها ليضعها في مؤخرة السيارة وقبل استماع موافقتها على اصطحابنا في تلك الرحلة ، خيرهاالجلوس في أي من الأماكن الشاغرة الباقية ، تنظر إلى وديع وتسأله
هل يجلس أحد بجانبك؟
- كلا! . . . تقف الشابة مترددة لدقيقة أو أكثر تتأمل أرجاء الساحة الواسعة ، وبينما كان وديع يلاحق تأملاتها ، توقفت أنظاره على برج كنيسة النوتردام ، وعلى سعتها الواضحة الجميلة المطلة من أربع جهات ، يقرأ الوقت بالساعة وبالدقيقة لحظتها ، الواحدة وثلاث عشرة دقيقة ، الفتاة ما تزال تتأمل الساحة ، ولا تدخل السيارة ، وكأنها تعطي لنفسها المزيد من الوقت للتفكير ، قرب باب العامود خارج سور القدس ، ساحة ترابية أو مرصوفة من كثرة الاستعمال ، لكنها غير معبدة ولا مبلطة ، أطالت وقوفها مترددة جامدة تفكر في قرار تتخذه ، وتعاود عينا وديع ترقبان وقت الساعة الكبيرة في أعلى البرج ، دقيقتان مرتا أي الواحدة وخمس عشرة دقيقة ، وتقارب الدقيقة الثالثة على الهروب ، يتأمل وديع عينيها وملامح وجهها ، تذكره بممثلة يحب مشاهدة الأفلام التي تمثل بها ، وبمغنية أجنبية وأخرى عربية ، لا يذكر اسماءهن ، ملامح الذكاء في عينيها تحرج أي متحدث معها ، وحتى أن مخارج الكلمات من بين شفتيها يفرض سلطة على المستمع.
يعلو نظر وديع ثانية إلى ساعة برج الدير الجميلة ، وأنفاس الفتاة تدفع صدرها عالياً وفي تسارع ، الواحدة والربع بعد الظهر، يزداد تنفسها وبدقة تحاول أن لا يتنبه لها أحد ، لا تبعد الكنيسة أكثر من مائة متر عن موقف التاكسي ، لكنها المنطقة الحرام هي التي تمنعنا من الوصول لها ، ولايستطيع أحد وصولها ، تجول بعينيها باحثة مع السائق عن راكب جديد ، لتقتنع ربما أن ماقيل لها جد وصدق ، وعينا وديع تبحثان عن طير يحلق في سماء جوفاء ، نتوءات متوازنة تملأ الأفق ، ذلك الفراغ المحرم والشجيرات المتمردات ونصائح العالم يفصلوننا عن الساعة البهية ، ومناطق من القدس العربية محصورة مختنقة خلف سور القدس العظيم ، ومع الناس داخل تلك الأسوار جيش ، أما حولها وخارجها فكل طامعي الدنيا تتطلع إليه ، والركاب والسائق لا يملك أي منهم قراراً ، والأمر كله غدا للفتاة المتزنة في نعومة واقتدار ، وعقارب ساعة الدير لا تتوقف عن الدوران ، الواحدة وسبع عشرة دقيقة ، تساعد من لا يحملون ساعة لمعرفة الوقت. وتعلمنا التأني ، يتأمل وديع رشاقة البرج ثانية فيسحره الإبداع الفني في بنائه وفي مكوناته ، تقع عيناه على الفراغ الصغير الفاصل بينهما ، مملوء بالأسرار والأشواك والغموض ، لاشك أنها كانت حديقة غناء تكسوها الخضرة والزهور قبل حلول الظلم والظلام ، في تلك المسافة الفاصلة المتحدية بين الكنيسة وبين باب العامود ، شاهد بقايا الزهور والأشجار ، كانت جميلة معتنى بها من قبل وقد أصبحت برية عطشى مهجورة تنتظر غير هذا القرار ، ومع هذا فالجمال لم يفارقها ولا الأسرار ، فيها ترفرف الفراشات لحشرات والأطيار ، تتلاقى ليلاً وتتوالد فوق أبراج الساعة والأشجار دون قرار دولي ولا انتظار ، أو تحت الأعشاب الكثة خلف الحواجز ، ولا يجرؤ أحد على اكتشاف ما يجري هناك ، لغز محير فرض بقوة الرصاص والخوف من الموت ، رجل عجوز يدفع عربة مغطاة بالزجاج بصعوبة، نظراً لانحدار الأرض، ووعورة ساحة السيارات، غير معبدة ولا مرصوفة خلف سور القدس من الخارج وقرب باب العامود ، عالم مريح من الكلام ينبثق.
- هل يمكن أن أجلس بجوار النافذة؟ تخاطب الفتاة وديعاً ، يجد وديع نفسه يتحرك صوب مقعد السائق ،سبق واشترط على السائق الجلوس قرب النافذة ، ينفتح باب السيارة ، تجلس بجواره وتقفل الباب ، تسند يدها اليمنى على طرف النافذة ،وتتشبث بحقيبة نسائية بيدها الأخرى ، أدخل السائق رأسه ، وقرب فمه من أذن وديع هامساً ، حاول أن يكون صوته غير مسموع :ألم تشترط عليّ أن تكون باتجاه النافذة ؟ يدرك وديع قسوة الغمز في تساؤله ، يحاول أن يبتسم ، ينظر له دون كلام ، ثم يتجه بنظره صوب النافذة المغتصبة ، سمعت وتنبهت ، تطفوابتسامة خفيفة على شفتيها، تنبسط ملامحها فيبدو وجهها أكثر جاذبية ، تذكر وديع رداً ، قال للسائق ببعض حرج
- (ليديز فيرست – النساء أولاً) المهم أوصلنا إلى عمان.
جذبت كلماتي انتباهها ، تأملت وجهي وعينيّ بنظرة خاطفة ، ثم أرخت جفنيها بعد أن تنبهت لنظراتها ، همست (شـــكراً).
بقربي كنز ، وعليّ اكتشاف كلمة سر (سمسم مثلاً) ، لينفتح بابه ، أملاً في التوغل فيه وتأمل محتوياته ، ليس سهلاً ، ريفي تراثه العيب وطبيعته الخجل ، ومشبع بتعاليم التحرج من التحدث مع النساء ، والمرأة الغريبة تترأس قائمة وصايا التراث، لكن تصديق كلامه وقبولها ركوب نفس السيارة ، ثم اختيارها الجلوس بجانبه بطريقة درامية ، عوامل فاعلة أدخلت نوعاً من الطمأنينة إلى نفسه ، تتململ في رشاقة وتريح جلستها ، ترخي حقيبة يدها لتنزل على أرضية السيارة بين قدميها وأمام ناظريه ، تبادرها القول
- آمل أن لا نمكث طويلا في الانتظار ، لا شك أن أغلبنا يستعجلون الوصول إلى عمان قبل الغروب، غطى وجهها عبوس ثقيل، كأنها تريد أن تقول، أقنعتني بالركوب، والآن توحي لي بأننا ربما نتأخر كثيراً ونحن ننتظر ثلاث ركاب آخرين، لكنها تماسكت وهي تقول
- أتمنى أن يحصل ذلك ، لم أزر عمان من قبل ، وها أنت ترى أن الساعة قد جاوزت الواحدة والنصف ظهراً ، مدت يدها تقرأ الوقت في ساعتها ، مطلية بلون ذهبي ، اقتربت رأسه في انحناءة، عشق الرائحة ، و دون أن يدقق بعقارب ساعتها ، تطير عيناه بعيداً فتقرأ وجه ساعة البرج الناصع ، فهمس قائلاً " الساعة الواحدة وإحدى وثلاثون دقيقة " تكمل أمينة قائلة :إنني ذاهبة عند شقيقتي وأقاربي هناك، ومحاولة مني في استمرار حبل المحادثة متواصلاً اقول
- وأنا لم أزر عمان قبل ذلك ، وذاهب عند عمتي وأقاربي هناك. بالمناسبة أنا أسمي وديع.. . وديع عطالله ، (فكر في نفسه، عليّ أن أفتح مسالك للتحدث حتى يحضر بقية حمولة السيارة، وعادة ما كان سواقو السيارات يزيدون راكباً على السعة المقررة للسيارة.
اشارت لصاحب عربة الطعام المغطاة بالزجاج من كل الجهات ، فبدأ يزحف بعربتة الرجراجة، اقترحت عليها أن ننزل كلانا من السيارة لنشتري ما نحتاج إليه، ريثما يحين موعد السفر، وقبل أن أكمل جملتي كانت أناملها تفتح الباب وتقفز خارج السيارة في همة ورشاقة عجيبة.
- هل تسمحين لي أن أشتري لك شيئاً ترغبينه يا . . . معذرة نسيت أن أسألك عن اسمك
- أمينة ، أو سمني مينة ، أو رامينا عيساوي ، لا أحب أن يشتري لي أحد شيئاً.
اشترت ساندوتش فلافل مع السلطة ، طلبت إضافة القليل من الفلفل الأحمر لها ، ثم عادت لمقعدها في السيارة ، أما وديع فاضطر أن يشتري مثلها لكن دون الفلفل الشطّة ، ثم اشترى قارورتين من الصودا ، ظهر الاطمئنان جلياً على ملامحها وشكرته بكلمة مقتضبة ، وما إن انتهيا من طعامهما حتى حضر رجل وزوجته ، بعدها بدقائق امتلأت السيارة براكب أخير ، فاستعجلهما السائق لإنهاء زجاجة الكولا لإعادتها للبائع. أدار السائق محرك سيارته.
ضجيج محرك سيارة الفورد القديمة شجعهما على التحدث بحرية أكثر، وزاد من رغبتهما المشتركة على التعارف ، يحاولان خفض صوتيهما أحياناً حين يفطنان ، حتى لا يفهم السائق ولا الركاب خلفهما كل ما يتحدثان عنه ، بعد أن عرف أنها تعمل مدرسة في مدرسة ابتدائية حكومية، فكان أول أسئلته لها عن المواد التي تقوم بتدريسها ، (وهل تحبين الأدب والشعر؟)
-أقوم بتدريس اللغة العربية لطلابي والدين والتاريخ العربي، لكن لا أتوقف عن تثقيف نفسي بمختلف أنواع القراءات الأدبية والتاريخية والسياسية ، من تراثنا ومن تراث الشعوب الأخرى ومما أتيح ترجمته إلى العربية.
قال وديع لنفسه (نوهم أنفسنا أحيانا بأننا نفهم ونعرف أكثر من غيرنا ، ولكن عند المحك الحقيقي نكتشف جهلنا وزيف فكرتنا أو ضحالتها). سألته أمينة إن كان يكلمها.
- كلا جملة تذكرتها عن موضوع بعيد ، يلتفت لها ، وقعت عيناه على كرتين أغلب استدارتيهما الكاملتين مستورتين، جميلتان ونابضتان، تغطيهما ملابس ناعمة مطيعة ، وحول عنقها سلسلة ذهبية دقيقة نوعاً ما ، بها مدلاة تختفي بينهما ، تمنى لو يجد سبباً ليحني رأسه كي يميزها مسحوراً.
لاحظ وديع أن الرجل الجالس خلفه مع زوجته يؤشران متهامسين مستغربين من تنامي العلاقة بين وديع و (مينة) بسرعة ، حتى أن الرجل دفع السائق بأصبعه ، قرّب فمه من أذن السائق وسأله كلاما ، سمعنا السائق يجيبه ، (لا أعرف البنت ولا الشاب) وصوت محرك السيارة القديمة يكاد يطغى على أي حديث منخفض النبرة ، لعن الرجل وزوجته بصوت مسموع كل عائلة تسمح لابنتها بالسفر وحدها ، وقتها أدرك وديع أنه وأمينة يقتربان ويندمجان روحاً وفكراً شيئا فشيئا ، بدآآ يفقدان الإحساس بالزمان والمكان وبما يجري حولهما ، وكان بعض كلامهما يعلو على صوت المذيع أو الغناء الصادرمن المذياع الأثري في السيارة ، ومينة تزداد جرأة وتحدياً ، ولا يرى وديع أنهما يفعلان شيئا خاطئا أو يؤذي أحداً ،تتمايل السيارة متهاوية صوب الغور ، تمسكا بالكرسي وجاورت يد وديع يد رامينة ، خوفاً من أن يميل عليها لشدة الانحدار وكثرة التواءات الطريق المتكررة ، واضطر أن يمد يده اليمنى على طرف الكرسي خلف ظهرها ، حسد يده تلك لأن شعرها يلمسها بشكل متكرر ، لكنه ضمن عدم ضغطه عليها عند المنحنيات. كلامها كله حلو ، فمها حلو ، لسانها حلو ، ثقافتها حلوة ، أسلوب علكها مثير وحلو، ورائحة علكتها حلوة. فاجأته بانتقال مفاجئ في حديثها قائلة: خان البريطانيون الأمانة ، سلموا معظم قواعدهم ومعسكراتهم للغزاة ، أحب وديع كل المدرسات. رجاها أن لا تكون قاسية على طالباتها ، ثم قال لها.
- لم أعد لقراءة سورة ياسين كما يفعل أغلب المسلمين ، بسب فلقة عوقبت بها على قدمي ، على ثلاثة أخطاء أو أربعة أثناء تلاوتها غيباً ، وعام أخر من الدراسة الثانوية بقي عليّ ،حتى أنهي دراستي الثانوية ، سأعمل مدرساً من أجل أن أكون أفضل ممن درسوني ، ولسنوات قليلة ، لمساعدة والدي وإخواني ، وريثما أهيئ نفسي لمواصلة دراستي الجامعية.