الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

وعاد الى سوزان تفكيرها المنطقي وهي تصل الى الشرف الامامية المضاءة للمنزل، فوقفت لحضة تلتقط فيها أنفاسها و تتمالك نفسها، أية معتوهة كانت، و أية بطلة ضعيفة منهارة، اذ تحاول التصدي لغريب مثل هذا، تحيط به هالة تنذر بالخطر، لم يسبق لرجل قط ان جعلها تنسى هدفها في الحياة، مقنعاً إياها بالتفكير في الحب و العواطف التي سبق و تعمدت اغفالها، وهذا العمل الذي قام به لازلو قد اثار انزعاجها البالغ، فقد جرح الكرامة التي كانت تشعر بها اذ تكرس جهودها لهدف واحد هو طموحها.

لقد كانت منحت نفسها ثماني سنوات يمكنها، في نهايتها، ان تدير عملاً خاصاً بها بنجاح، بالطبع، وبعد ذلك يمكنها ان تفكر جدياً برفيق العمر، فهي، قبل ذلك، لن تكون قد حققت املها كما أن عقلها لن يكون بالنضج الكافي الذي تتمكن املها كما أن عقلها لن يكون بالنضج الكافي الذي تتمكن معه من اختيار الرجل المناسب.

كما انها لا تعرف الكثير عنهم، و كانت في حداثتها تحت هيمنة شقيقتها و صديقتها ماريان و التي كانت مثلها الأعلى، واجمل النساء اللاتي عرفتهن، أما اختها الكبرى تانيا، فقد كانت تمثل لها الأم، مع أن غرامها باسطفان قد أحالها إلى عروس تشع اشراقاً وجمالاً، وارتسمت على شفتي سوزان بسمة محبة.

ان تانيا تستحق كل سعادة في العالم بعد حياتها الحافلة بالمشاكل، أما بالنسبة اليها فهي تعتبر الرجال جميعاً مخيبين للآمال، وكان الفتيان في المدرسة يثيرون حنقها بالحديث الدائم عن كرة القدم، ومزاحهم الدائم، حتى الرجال في مدرسة الفنون كانت تراهم غير ناضجين بالنسبة اليها كما شعروا هم بالضجر من نظرتها الجادة إلى الحياة، و هاجسها الأعمى المستحوذ عليها وهو ان تشق طريقها في الحياة بنفسها، لا تريد ان يعيقها اقرباؤها.

وعلى الرغم من أجراس الزواج التي ابتدأت تقرع في الأسرة، فقد اقسمت هي على ألا تدع شيئاً يحولها عن أول حب تملكها منذ ان تعلمت مسك الابرة، الا وهو الخياطة و تصميم الأزياء .

ربما كان ذلك راجعاً إلى أنها الصغرى بين اخوتها، ولكنها كانت متلهفة إلى عمل خاص بها، والى استقلالها الشخصي، وهي ستحقق كل هذا بطريقتها الخاصة.

ومر من امامها شخص، وكان صامتاً، انه لازلو، وطرفت عيناه ناحيتها لحظة، ساورها بعدها شعور ساخر.

وتمتم:" أتأخذين قسطاً من الراحة تلمين بها اشتات نفسك؟"

قالت بجمود:" سوف اقيدك بالحبال اذا لم تتركني وحدي".

وكبحت في نفسها الرغبة في ان تلحق به لتسأله عن السبب في اقلاقه لها بهذا الشكل، وماهي علاقته لتسأله عن السبب في اقلاقه لها بهذا الشكل، وماهي علاقته باسطفان، وماهو غرضه منها.

ماأغرب ادعاءه ذاك بأنه عاش في القصر، ومن المؤكد انه لم يكن طفلاً لخادمه خاصة وهو بهذا الزهو و الاستبداد، عليها ان تسأل عنه اسطفان نفسه، هذا ان امكنها الاقتراب منه، واستقرت عيناها على صهرها بمودة ظاهرة وهو محاط بالمهنئين.

وأمسكت اختها تانيا بذراعها وهي تقول بلهفة " سوزان، لقد كنت ابحث عنك في كل مكان، ان ليندي الصغيرة اسقطت ثمار الفريز على ثوبها فماذا عليها ان تفعل؟"

فأجابت شاردة الذهن:" فلتأكلها".

وتناهى إلى سمعها صوت لازلو الغامض يقول:" اسألا الكونتيسة عن منظف شعبي بالاعشاب".

وقالت تانيا وهي تميل ضاحكة نحو الرجل:" شكراً".

كان على مسافة عدة انشات فقط من كتف سوزان، بينما كانت تانيا تتابع قائلة:" ان شقيقتي هي اوعى انسان وادعى الى الثقة في العالم، ونحن دوماً نلجأ إليها لايجاد حل لأية مشكلة عملية".

فتمتم لازلو:" يبدو ان هذا صحيح".

وأشاحت سوزان بوجهها بعيداً عنه وهي تمتم قائلة:" انني افكر بشيء يفيد بعض الناس".

ورمقت لازلو بنظرة ذات معنى ثم هربت عابسة الوجه، مخترقة جموع الراقصين لتخرج إلى قاعة اكثر هدوءاً حيث استندت إلى مرآة في جدار، شاعرة بالارتياح ثم تنهدت وهي تتنفس بعمق.

" هل تشعرين بأنك محصورة؟".

وشعرت بخفقات قلبها ترتفع لسماعها ذلك الصوت الرقيق و الضحكة الساخرة، لقد أصبح كابوساً فعلاً.ترى هذا الرجل لن يتركها وحدها أبداً؟ وسرى الصقيع في جسدها وهي تدير اليه رأسها بكبرياء، ولكن وجهها كان يتوهج ارتباكاً، بينما يداها مبللتان بالعرق، وتجهم وجهها امتعاضاً وهي تنظر الى الرجل الذي بقرب صورة فارس بالحجم الطبيعي، والذي لاحظت وهي تقطب جبينها انه يشبه لازلو الى درجة غريبة.

وقالت ببرود:" ماذا عن القيد؟"

فقال وهو يتناول من اناء قربه، قطعة حلوى اخذ يمضغها وهو يقول متأملاً:" انك تتجنبينني".

فأجابت تقلد شئياً سبق و قاله لها:" انني اشعر بالارتياح لتفسيرك عدم اهتمامي بهذه الدقة".

فقال:" انك تؤجلين مالا مناص منه، لابد انك ادركت انني ارغب جداً في التحدث اليك وان لدي ، على الأغلب سبباً قويا ًلهذا".

سألته بجفاء:" وماهو هذا السبب؟"

فابتسم بفتور وهو يبتلع الحلوى و قال:" ان عندي اسباباً عدة ، ألقي نظرة على نفسك"

فانطلق نظرها الى المرايا الكبيرة في القاعة..كلاهذه ليست هي.. لايمكن ذلك، كانت تبدو غير جميلة ولا تلفت النظر، لقد شغلها، استغراقها في اظهار جمال الأخريات عن الاهتمام بمظهرها هي.

وسألها:" ماذا ترين؟"

فردت بحدة:" امرأة تثير الملل".

ورغم ردها هذا فقد بقيت تنظر الى صورتها في المرآة، لقد بدا شعرها الطويل الكستنائي غير منتظم حول وجهها ذي البشرة العاجية، بينما منحت الأضواء المسترسلة من الثريا فوق رأسها ومن الثريا فوق رأسها ومن الشموع الطبيعية حولها، منحت شعرها البسيط لمعاناً وتألقاً يبعثان على الخيلاء.

فعاد يقول وهو يضحك بهدوء:" ألقي مرة أخرى نظرة موضوعية." ورمقته بنظرة جانبية ليلقي عليها نظرة طويلة بطيئة زادت من سرعة خفقان قلبها، وتابع قائلاً برصانة:" لا تنظري إليّ بل إلى نفسك".

واحمر وجهها وهي تنظر امامها غير قادرة على تجنب انعكاس صورتها في المرآة، ومالت برأسها إلى جانب، كانت تبدو اكثر نحولاً مما تذكر، ولكن ذلك بسبب اندفاعها، في الأيام الأخيرة، هنا وهناك بسبب استقالتها من فحص حساباتها لتوسيع اعمالها، وهكذا، كما رأت الآن، قد برزت عظام وجنتيها فبدتا كوجنتي عارضة ازياء.

وقالت:" لقد نظرت، ولم يتغير شيء في موقفي نحوك، وما تريده لا يهمني ابداً،اذهب ولاحق امرأة اخرى".

وعندما رأته لا يتزحزح من مكانه عادت تقول بيأس:" ان الرجال ليسوا جزءاً من تصوراتي لحياتي، و انت مزعج وغير مثير للاهتمام".وكانت تكذب في هذا.

" لقد سبق وقلت لك انني الجواب لكل تمنياتك، ويمكنني ان اكون ذا فائدة كبرى لك، هل يفزعك اهتمامي بك؟

فقالت بلهجة لاذعة:" لا تمدح نفسك، ان عالمي مؤلف من النماذج الورقية و القص وكذلك من الخيوط و مخازن البضائع و الأقمشة الجميلة، فأنا لا استطيع ان احشر رجلاً بين كل هذا، اسأل عن هذا كل من حولك هناك ممن يعرفني فان عندي هدفاً في الحياة اذا كان علي ان احققه فلن يبقي عندي هدفاً في الحياة اذا كان علي ان احققه، فلن يبقى عندي وقت لأي شخص".

فقال:" أي شخص؟ لقد كان تفكيري يتجه إلى غير ذلك".

فقالت" لا اوافقك على هذا".

ولكن لم تبدر منه حتى اشارة امتعاض او ردة فعل لهذه الاهانة، بل اجاب بصوت منخفض اجش:" اتوقع ان علاقتنا ستصبح صعبة، ولكن اية اهمية لهذا بالنسبة للفوائد العديدة؟"

وشعرت سوزان بقشعريرة خوف تسري في جسدها، لشد هو متأكد مما يقول، يبدو انه قد ثبت في ذهنه تماماً انه ستحدث بينهما علاقة سيتعرضان من جرائها إلى لوم معارفهما، وقطبت جبينها وهي تهم بالذهاب، فتمتم قائلاً: " اذهبي اذا شئت ولكن ارجعي، وأنا سأكون هنا ، تكلمي و سأجيبك استمعي فتسمعينني اتنفس، فكري فأقسم انا أنني في افكارك".

وكان هذا صحيحاً وذهلت وهي ترى نفسها تهتز و وتشبثت بمنضدة قامت بجانبها ووجدت اهتمامها إلى برودة الرخام الذي يغطيها، وذلك لكي تصرف ذهنها عنه.

وقالت ببرود:" يالسخافة، ان الأوهام تستبد بك،اذا انت سببت لي أي ازعاج.. فأنا سأجد من يستجيب لندائي.."

فأجاب دون أن يبدو عليه أي انزعاج:" لا يمكن لك ان تسمحي بالقائى خارجاً، اذ ستكون هنالك فضيحة كبرى ولن تصفحي لنفسك هذا ابداً بعد ذلك".

فقالت بانفعال وقد جفت شفتاها:" فضيحة؟ ولماذا؟"

فأجاب:" لأنني من الأقارب".

وفتحت فاها بذهول.. هل نطق بما سمعت؟ و كررت قوله بغباء دون ان تفهم تماماً ما يعني:" من الأقارب؟ من أقاربي؟"

ورفع عينيه بكبرياء شاعراً باهتمامها الى لوحة الفارس على الجاروهو يقول:" من اقاربك بالزواج ، ذلك انني امت الى الكونت اسطفان بصلة القرابة".

وسمعت رنة الفولاذ في صوته، ورأت بريق الكراهية في عينيه، فشعرت بالخوف، اذن فلم تكن ملاحقته لها من قبيل الصدفة، لابد انه كان يريد عن طريقها التوصل الى إيذاء صهرها الكونت انها متأكدة من ذلك الآن.

وقالت متهكمة على الأقل لوضعها القوي:" هذا مستحيل انني اعرف قصته كما يعرفها كل انسان فان اسطفان هو الولد الوحيد للكونتيسة، اما بقية اسرتها بما فيهم زوجها الروسي فهم أموات جميعاً".

قال:" انك لاتعرفين شيئاً وكذلك اسطفان، اما الكونتيسة فهي على كل حال مسألة أخرى".

وبدا ليه ذلك التوتر العنيف مرة أخرى وأحست هي بألمه ذاك ،فعلمت ان ثمة شيئاً اعمق من الكراهية جعلته يدعي القرابة إلى عائلة هوزار.

وقالت ببرود:" هذا هراء ان هذا ادعاء منك فليست هناك أية قرابة، وإلا لدعتك الكونتيسة إلى حفلة الزفاف هذه! ومن الواضح انهم يكرهون وجودك.."

فقاطعها ساخراً: " نعم كما يكرهون وجود جثة حول وليمة العرس ذلك ان معرفة الكونتيسة سيدمرها وهذا هو السبب في اننا، انا و انت سنتوصل إلى بعض التدابير".

فقالت مستنكرة:" لن نقوم بذلك ابداً".

قال:" اننا أولاً سنعقد صفقة، فأنا قد لا أقرر ان اعلن عن حضوري لبقية الأسرة، اذا انت وعدتني بأن تستمعي أمر مهم أعرضه عليك".

فشهقت وهي تقاطعه قائلة:" هذا خارج عن الموضوع، انني لا اهتم بأي امر يعرضه على متطفل في يوم عرس أختي وأظنه من الأفضل لك ان تخرج قبل ان اجعلهم يلقون بك خارجاً، انه ليس لك الحق في.."

فقال مصراً بهدوء:"بل لي الحق".

فتنفست سوزان بغضب وهي تجيب:" هذا هراء و سنرى أي حق تملكه، انني ذاهبة للبحث عن اسطفان و اخبره عن وجودك و اجعله يلقي بك خارجاً، وأنا سأتفرج على كل هذا، مسرورة، واهنئه على عمله".

هز كتفيه دون اكتراث، قائلاً بصوت منخفض:" كما تشائين، اخبريه بذلك فتدمرين سعادة شقيقتك".

وبينما وقفت هي مذهولة، اتجه هو إلى باب المكتبة حيث دخل معيداً اغلاقه خلفه، وكأن له كل حق في الذهاب الى اي مكان يريد.

وشعرت سوزان بجسدها ينتابه الوهن، سعادة تانيا؟ ما الذي يعنيه بهذا؟ وكيف؟؟ وتنفست بعمق بعد ان كانت حبست انفاسها ازاء تهديده الوحشي و لثقته الكاملة بنفسه و تصرفاته التي تدل على انه يدرك كل شيء، وهذا ما جعلها تصدق غريزياً كل كلمة قالها.

وركضت إلى المكتبة لتدفع الباب، كان جالساً في مقعد اسطفان المفضل، وفي يده احدى الكتب المجلدة وقد مد ساقيه الطويلتين بكل راحة مبتسماً لها لحظة دخولها و كأنها خادمة استدعاها.

وسألته بحدة:" وكيف اهدد سعادة تانيا؟ إنك تكذب، فاذا كنت ذا قربى كما تدعي لكانوا استقبلوك باذرع مفتوحة".

فرد عليها بخشونة:" هيا تابعي كلامك، وفكري في السبب الذي ربما يجعلهم يستقبلوني بالكراهية و الخوف".

فقالت بحدة:" ربما لأنك رجل كريه جداً".

فقال بلطف:" يا لك من مشاغبة مثيرة للاستفزاز و متهورة جداً بكلام كهذا تريدين اغضابي به، من يدري ما باستطاعتي ان افعله تجاه حياتك و حياة شقيقتك؟"

ومشت نحوه ببطء، وهي تجاهد في استعادة صفاء ذهنها، ووقفت فجأة وهي تزدرد ريقها، قائلة بعد ان نجحت نوعاً ما، في تهدئة نفسها:" انك تلوح بالتهديد، وهذا يعني انك تعلم شيئاً عن اسطفان او الكونتيسة، شيء هو سر كريه من الماضي".

فأجاب ببطء:" نعم".

وأصابها الذعر بالغثيان فأخذت تحدق في يديها المرتجفتين كان ما تسمعه من الفظاعة بحيث لا يحتمل التفكير فيه.

ورفعت نظرها اليه وهي تهتف ظافرة:" انني اعلم الآن انك تدعي ان اسطفان هو دجال و منافق".

فانفجر ضاحكا ًمما جعل الارتباك يغمرها، ثم قال وهو مازال يضحك:" انه ابن الكونتيسة، لقد اثبت فحص الدم هذا والا لما وافقت السلطة على اعادة بيع الأملاك اليه، عدا عن ان المرأة التي لا يمكنها تمييز ابنها هي امرأة مسكينة".

وشعرت لسماعها هذا بارتياح لا يوصف انه لن يدعي اذن ان اسطفان هو رجل مخادع وبهذا ليس ثمة خوف من ان يتحطم عالم الكونتيسة، لقد تزوج اسطفان و تانيا اخيراً و صار بامكانهما ان ينسيا آلام الماضي حيث كانت فرقتهما ظروف قاسية، لقد تكبدا الكثير من المعاناة ولكنها هي كانت واثقة من ان حبهما سصمد الآن أمام أي شيء.

وبرصانة رفعت وجهها تحدق اليه بعينيها الكستنائيتين، لتقول ببرود:" ان أفراد اسرتي متعاطفون جداً، ويسند الواحد مهما الآخر حتى النهاية، والكونتيسة قد اصبحت الآن عضواً في اسرتنا وكذلك اسطفان، وأنا أعرفهما إلى حد يجعلني متأكدة من انه لا يمكن لأي منهما أن يقوم بعمل شائن، وأنا أحترمهما جداً وأكن لهما كل الاحترام، فاذا كان قد سبق و عاملك احدهما معاملة سيئة او اذا حدث خطأ ما، او اية شكوي منك تجاههما، فأنا متأكدة من انهما سيقومان باصلاح الأمر".

فقال متكاسلاًوهو يغلق الكتاب بشكل نهائي:" هل يمكنك ان تراهني بحياتك الحلوة، بأنهما سيفعلان ذلك؟"

ولكن تغير ما لبث ان ظهر في ملامحه، فقد توترت عظلات وجهه واحمرت عيناه غضباً، ونظرت الى فمه المتصلب ثم غاص قلبها بين ضلوعها.

وسألته بخشونة:" ماالذي ترجو ان تنال منهما؟ اتريد مالاً؟ عملاً؟"

فرفع حاجبيه نفياً وهو يجيب:" هاقد استجبت اذن؟ صرت مستعدة للاستماع و للحديث؟"

وقبل ان تتمكن من الجواب، دار مقبض الباب وقبل ان تصل اليه لتفتحه، اذا بأختها ماريان تدخل و خطيبها فيكادو في اثرها.

وتنهدت ماريان وهي تقول:" ماأجمل هذا أن تحاول الواحدة منا ان تجد مكاناً تنفرد فيه مع خطيبها ، فتكتشف ان اختها الطفلة قد سبقتها اليه".

ومنحت اختها التي اجفلت لرؤيتها، ابتسامة عطف وهي تتابع:" انك لن تجدي عيني ذلك السيد هنا يا سوزان! فهو من الغموض و الضجر و الشعور بالنعاس بحيث لن يفكر في قراءة الكتب".

وأطبقت سوزان فمها الذي كانت قد فتحته ذهولاً لمرآها، ثم ادارت رأسها نحو لازلو لتجده قد اختفى و هتفت:" لقد كان هنا، كان هنا يا ماريان، وهو قد..".

فقاطعتها اختها:" قد اختفى من الوجود، هل أنت بخير يا حبيبتي؟" وركزت انظارها عليها وهي تندفع نحوها لتضع كفها على جبينها تجسه وهي تتابع قائلة:" ان جبينك شديد الحرارة.."

فقالت سوزان تتصنع المزاح:"انني اهذي.. في اي عمر يكون الانسان عندما يبدأ بالخرف؟"

فقال فيكادو وعلى وجهه ابتسامة عريضة:" فوق الواحدة و العشرين، لماذا لا تذهبين للتفرج على الراقصين و تبقين بصحبة ليندي؟ ان ثوبها" الفولكولور" سعجبك وقد يوحي اليك ببعض الأفكار".

فأجابت بابتسامة ذات معنى:" وذلك لكي تبقى مع ماريان لكي.. تتحدثا."

وسمعت من خلفها صوت نافذة تقفل بخفة فوقف شعر رأسها هلعاً، كان لازلو يزحف في انحاء الغرفة كاللص في الليل، وخرجت من الغرفة وهي تظهر المرح قدر امكانها و ملوحة باصابعها تودع الخطيبين خلفها.

ووقفت هي بانفعال، و ذراعها في ذراع ابيها و ليندي ابنة فيكادو و مضوا يتفرجون على الرقص الشعبي بالملابس الفولكولورية محاولة ان تحتفظ ببسمة استمتاع على وجهها. ان لازلو من الممكن ان يبرز في اية لحظة الآن، ليعلن شيئاً رهيباً، سواء كان ذلك صحيحاً ام زائفاً، فان اباها ليس في حالة من الصحة و القوة بحيث يحتمل المأساة التي يهدد لازلو بالكشف عنها.

وعلى ذلك غير عادتها لم يكن اهتمامها المهني كثيراً بتلك الملابس الشعبية التي ترتديها الراقصات، تلك الملابس المخرمة و ثنيات الأكمام العريضة، والصدرات المنشأة ذات الأشرطة، و كانت التنانير المختلفة الألوان تتماوج حولهن، و الجاكتتات القصيرة تتثني هنا و هناك رقصة الزفاف، بينما كانت تفكر في لازلو قلقة لادعائه بامكانه القضاء على سعادة تانيا، هذا العمل الكفيل بأن يكون له عليهم جميعاً بالغ التأثير.

وألقت بنظرها إلى حيث كانت شقيقتها الغالية تقف قريباً منها تحيطها ذراع عريسها اسطفان، وعصر الألم قلبها لمرأى امارات الحب بينهما.

لقد كانت تشعر في اعماقها ان تهديد لازلو لم يكن شئياً خياليا، فهو ليس بالفتى الحدث الذي يسعى وراء مكسب ما.. او يقوم بلعبة حمقاء، فملاحظاته الساخرة تخفي الكثير من الغضب والاستياء، ولكن اكثر ما يخشى منه هو ذلك الشعور بالظلم الذي قد يدفع بغضبه إلى حد مريع.

وتملكها القلق وهي تفكر بكل المتاعب القادمة، لماذا أتى اليها؟ لماذا لم يذهب إلى اسطفان رأساً؟ و فكرت في انه ربما كان خائفاً من الكونت ذي النفوذ فرأى فيها، هي الأخت الصغرى، المرأة السهلة القياد.

اما الآن فهي ستؤجل اخبار اسطفان بكل هذا، وذلك تحسباً لما قد يحدث، ولكن كان على وشك ان يقول شيئاً عندما ظهرت ماريان ولم يشأ هو لأمرما ان يظهر نفسه، واحتفظت بذلك في نفسها، فقد يكون هذا افضل.

وقال لها ابوها:" انني متعب قليلاً، ياعزيزتي."

فأجابت برقة شاعرة بالذنب كونها لم تفكر في راحة ابيها:" احقاً يا أبي؟ سأصعد معك إلى غرفتك، انه موعد نومك انت ايضاً ياليندي".

وارتسمت على فمها ابتسامة دافئة، فركضت الصغيرة امامهما مسرورة.

وقال ابوها مفكراً وهما في طريقهما محو السلالم : " لو كانت أمك موجودة لأعجبها عملك".

فاحتضنته بشدة وهي تهمس:" ياأبي العزيز، لقد احببتها انت ايضاً".

فأجاب:" فلتمنحك الأيام من يحبك كما احببتها".

وفاضت مشاعرها وهي ترافقه نحو غرفته، فترى شؤونه وما يحتاجه، ثم تبقي معه فترة. وفكرت،بارتياح، ان اي شيء قد يحدث الآن، فان اباها على الأقل لن يكون موجوداً.

وساورها الانزعاج وهي ترى نفسها تنظر حولها خلسة وهي تجتاز الممر، كما لو كانت تخاف من ظهور لازلو و سمعت صوت ماريان يقول:" هل انت احسن حالاً يا سوزان؟".

فأجابت ماريان:" ان فيكادو يقرأ قصة لليندي".

وكانت تحمل على ذراعها ثوب الصغيرة الملوث بثمر الفريز، وهبطتا معاً السلم بينما كانت سوزان لا تكاد تنتبه الى ثرثرة اختها عن ابنة فيكادو، فقد كان ثمة ما يثير قلقها اكثر من هذا.

وعند ذلك قرصت ماريان ذراعها بخفة وهي تسر اليها بقولها:" لاتنظري الآن، ولكنني متأكدة من انني رأيت ذلك الرجل المحير المعجب بك ونظراته مصوبة إليك".

وتصلبت سوزان و عيناها تلتقيان بعينين ماكرتين في الطريق الى القاعة، هاهو لازلو يعود وحسبما يبدو عليه ، فقد كان الثأر يطل من نظراته.

وأجابت قائلة:" لا تكوني سخيفة، فهو ينظر اليك كما يفعل الرجال دوماً".

فضحكت ماريان وهي تجيب :" ليس عندما يكون فيكادو موجوداً، ياسوزان انه كما قلت واكثر وهو كذلك يكاد يلتهمك بانظاره".

وتنهدت هل يبدو ذلك واضحاً الى هذا الحد؟ وأخذ صدرها يعلو ويهبط بسرعة وهي تقول:" انك تبالغين كالعادة".

وعادت ماريان تقول:" انك مهتمة به، كما ارى، فحذار يا عزيزتي، فهو يبدو ماكراً تماماً.. كما انه ليس من النوع الذي يهتم بالزواج".

وضحكت سوزان لقول ماريان ذاك، ثم قالت:" أنا لا اتصيد زوجاً خصوصاً من ذلك النوع، ان عندنا الآن ما يكفي من الزواج و الخطبة"

وابتسمت للكونتيسة التي اقبلت نحوهما لتأخذ الثوب الملوث، وقالت لها:" لا تدعي ماريان تشتفل خاطبة".

وكانت تحاول ان تجعل من ذلك مزحة وهي تتابع قائلة:" فأنا اريد ان اكون خالة و عمة عشرات المرات قبل أن أفكر بتكوين علاقة لنفسي".

ثم اكملت قائلة:" دعيني من ذكر الأطفال الآن، ولا تنسي انني لم أتزوج بعد، أريد أن أعمل و استمتع بحياتي فترة قبل ذلك".ونطقت بكلماتها الأخيرة وهي تندفع نحة قاعة الرقص.

وتنهدت الكونتيسة وهي تقول:" ماأجمل الأطفال، سواء كانوا ذكوراً ام اناثاً، فهذا لا يهم".

وأمسكت بذراع سوزان وهي تسر اليها قائلة:" انني اتطلع بشوق الى اطفال اسطفان انك تعرفين هذا، انهم جميعاً، سيكونون من اسرة هوزار فتعود هذه الأسرة الحاكمة من جديد، كل.." وتهدج صوتها، ثم تابعت تقول:" كل حفيد مباشر، ذكراً كان ام انثى، هو ضمان لحفظ اسم العائلة، انه تقليد متبع لكي لا نندثر ابداً".

وأومأت سوزان برأسها وهي تقول:" يمكنني ان ادرك اهمية حفظ سلالة عائلة مثل هذه".

فقالت الكونتيسة وهي ترتجف:" وهذا هو السبب في زواجي من شخص اكرهه، ولكنني اتمنى ان يكون قد استقر في روستوف، بلده اقبل منها".

فقالت سوزان برقة:" لا تهتمي بهذا فكل ذلك قد انتهى الآن، فكري في احفادك الذين سرعان ما سترينهم يتراكضون حولك".

وشعرت بالسعادة وهي ترى السرور يعود الى وجه الكونتيسة الرائع الجمال، تقول: " فقد مر وقت طويل على ولادة ابنك هنا".

وساد الشحوب وجه الكونتيسة و شفتيها، وهي تقول متلعثمة:" إب..ابني؟ لم يحدث ان ولد اطفال هنا! مطلقاً!" واستحال صوتها إلى صراخ هستيري.

كان واضحاً ان المرأة كانت تجاهد للسيطرة على نفسها، وحدقت سوزان فيها مذهولة وهي تقول بتردد:" ولكن اسطفان.."

فأجابت باضطراب:" لقد ولد في مكان آخر، فهو طفل غير شرعي، كان علي ان اخفي حملي وولادتي له و الالقتل، ولصادر الروسيون املاك الأسرة، وفي الوقت الذي عاد فيه زوجي من رومانيا حيث كانت هناك فتنة، كان اسطفان قد هرب بعيداَ الى مارواء الحدود بواسطة والدتك ليستقر سالماً في انكلترا".

فقالت سوزان بهدوء:" لابد ان هذا الأمر كان مؤلماً لك، اعني ان ترغمي على الزواج من رجل من الأعداء الذين احتلوا بلادك".

فأجابت الكونتيسة بصوت خشن:" كان ذلك واجبي، ان الارث قبل كل شيء آخر اوصال هنغاريا نفسها تنتقل من جيل الى آخر، هل تفهمين هذا؟"

فأجابت بصوت اجش:" نعم افهم هذا" وأخذت تتذكر كيف قتل والد اسطفان وهو يعبر الحدود مع اسطفان، ولفت ذراعها حول الكونتيسة بعطف وهي تتابع قائلة:" اظنك في منتهى الشجاعة".

قالت ذلك برقة قررت عدم ملاحقة مسألة ولادة لازلو، لم تكن تريد تؤذي مشاعر هذه المرأة التي تألمت كثيراً.. خصوصا في هذا اليوم السعيد أو.. الذي كان سعيداً قبل ان يريها وجهه، ودون وعي منها، أخذت تبحث في انحاء الغرفة، ولكنه كان قد اختفى مرة أخرى.

وسألتها الكونتيسة بصوت اجش:" ماذا.. ماالذي جعلك تظنين ان ابني ولد هنا؟ ماالذي يقوله الناس؟"

فأجابت:" انه رجل.."

فقاطعتها هاتفة:" أي رجل؟"

فقالت:" آه لقد ادركت الآن، فقد اخطأت في التعبير، لقد فهمت الأمر خطأ، لقد خذلتني لغتي الهنغارية مرة اخرى، لا عجب ان نظر الي و كأنني اهذي، آسفة ان اوقعتك في مثل هذا التشويش".

وشعرت بيد تلقي على ذراعها وادركت من تسارع خفقات قلبها من يكون، وادارت رأسها ببطء لترى عيني لازلو اللتين لا يسبر غورهما تحدقان فيها.

وقال بهدوء وقد توتر وجهه وكأنه يحاول السيطرة على اعصابه، قال:" مرحبا ياسوزان هل لك ان تقدميني الى الكونتيسة؟"

فترددت وبدا على الكونتيسة الانتظار وكأن ليس لديها فكرة عمن يكون وضغطت اصابعه الطويلة القوية على ذراعها بشدة جعلتها تجفل ولكنها رفضت ان تظهر مبلغ ايلامه لها، واختارت الادعاء بأنها مجرد ضيف. وعندما رمقته بعينها الوزيتين ادركت ان ليس لديه اية فكرة عن ايلامه لها على الاطلاق.. فقد كان مركزاً على تلك المرأة البيضاء الشعر الواقفة امامه.

وقالت وهي تلهث:" الكونتيسة آنا وهذا لازلو.."

وقال برصانة مقبلاً اليد الممدودة التي أمسكها بيده وهو يحدق في اعماق الكونتسية، وكأنه يبحث عن شيء:" انني من اصدقاء سوزان".

فقالت الكونتسة بأدب:" ماألطف هذا".

قال بهدوء:" انك اسرتني بلطفك يا كونتيسة".

ومضت فترة صمت محرجة، وبدا على لازلو انه يحاول السيطرة على مشاعره او كما فكرت سوزان، ربما كان يقلب الأمر في ذهنه عما اذا كان من المناسب ان يفشي سره، وتوسلت اليه بعينين رقيتين، فابتسم ساخراً وهو يقول بشكل عفوي:" لقد رأيتكما أنتما الاثنتين تتفحصان صور افراد الأسرة، هل هذه هي اختام اسرة هوزار؟"

التفتت بشيء من الحيرة لتنظر الى وجوه اولئك الأجداد التي تنطق بالكبرياء و الذي كان يمسك كل واحد منهم بذلك الختم الرمزي.

وتنهدت الكونتسية وهي تقول:" آه، نعم انها من القرون الوسطى، اعني كانت ولم تعد موجودة الآن، لقد اخذها زوجي عندما.."وازدردت ريقها وهي تبلل شفتيها الجافتين وقد بانت مررة الكره في ملامحها، وبدا على ملامح سوزان العطف عليها، وتابعت الكونتيسة قائلة:" لقد اخذها الى روسيا، انه كان يعرف قيمتها عندي، ولكنني لم ارها بعد ذلك".

وكان لازلو يتنفس بصعوبة، وقال بلطف بصوت عميق ينضج بالمشاعر:" انني اعرف قصتك يا كونتسية وان$ مرحلة جديدة من حياتك على وشك البداية".

وبدت لهجته غاية في الرقة و الاحساس، ولكن سوزان امكنها ان تشعر بتوتر في جسده .

والتقت عيناها بعينيه و أدركت من التعبير الذي بدا فيهما، جهاده ازاء تضارب افكاره.

وعندما فتح فاه ليتحدث سارعت هي تقول:" دعنا نرقص" لقد كانت مستميتة في أن توقف لازلو عن تعذيب الكونتيسة بأكاذيبه..او ربما وهذا هو الأسوأ بحقائقه.

تمتم ساخراً:" لقد انقذتها الفتاة الجميلة".

وتذكرت الكونتيسة الثوب الملوث الذي تحمله بيدها فاتجهت نحو غرفة مدبرة المنزل، استدارت سوزان عدة مرات تراقب الكونتيسة التي تعثرت في طريقها اكثر من مرة وهي تتمسك بأعمدة القاعة تستند اليها و كأنها لاتستطيع السيطرة على ساقيها المرتجفتين، واشتدت قبضته على ذراعها لتدرك هي من ذلك ، انه كان يغلي بالغضب المكبوت.

لقد كان لازلو يشكل تهديداً، دون ادنى شك، هل عليها ان تنذر أحداً ؟ أم ان ذلك سيدمر الفرصة الملائمة، وبالتالي مستقبل اختها تانيا كما قال؟

وتنفست بعمق وهي تقرر ان ليس سوى طريقة واحدة لمعالجة هذا الأمر، وهي ان تواجهه ثم تسأله.

--------------------