الفصل الثالث

9 0 00

الفصل الثالث

المكنسة منتصبة على الحائط كتاريخ هرم .

يبحث عن استقامة ... زونا ( المتوسّطية )ما تفتأ تنفخ الجمر على الشطيرة ... المسافة الفاصلة بين أقصى المصرف والفرن مسافة توصل بما فيه الكفاية ( السمع َ) لأهازيج الحاجة المحداوية التي ما تفتأ تطلقها مصحوبة ببعض الإشارات والآهات الومضية وهي تتناثر أشلاء وشظايا في أعماق العربي الذي (التقطها) بمجرد أن جذب نفسا من سيجارته المحشوة ...

يلتقطها برقيات مشفرة ..ورسائل ومضية ...

(( على سعدي لبستْ ( الطابلية ) في بلاد ( الناس) ما نخليكش يا خويا أطيح))...

كانت الصرخة الأكثر وقعا في نفس العربي ..الذي (زارت) مخيلته في ليلة باردة حين دثرته أثناءها زونا وتجردتْ من صفاتها .

حين انسابتْ دموعها وهي تبلل اللحاف الشفاف

..وحين عاودها الحنين والأرق ..والهيجان ..؟؟

ونسيتْ حكاية النخلة الباسقة في أقصى الجنوب المغربي..وبالضبط في منطقة ( فيقيق ) .

الشطيرة ما تزال تطهى على الفرن ... والمكنسة ما تفتأ تتوسد الحائط، فيما دخان السيجارة المحشوة يستبق تنهدات زونا ( المتوسّطية ) وهي تلامس خصرها ... تمرر يدها الهزيلة عبر مناطق جسمها العامر،وقد أرخت أهدابها.

تقفز اللحظة الخرساء نحو مداها...نحو أمسية ( طاولة القمار) المنتظرة ، وتقفز زونا ( المتوسّطية ) ، تدك البلاط في اتجاه المكنسة . ترفس ما تحتها...تقبّلُ المكنسة ،فيما العربي يلاحقها بنظراته الثاقبة ..بقية الزبائن القلائل مشغولون بلعبة ( ألبيار) على الجانب الآخر ....

وتقبل بعنف ( أعلى) المكنسة ) .

أثارتْ انتباه لاعبي ( ألبيار) ..وهي تدندن : ( على سعدي أرفدتْ النشاف.. ولبستْ الطابلية .. ما نخليكش يا خويا العربي .

كان هذا التأوه نداء جارفا للعربي الذي تمكن من الظفر بابتسامة من زونا تبدو صادقة ..فيما كانت الصرخة تجلجل كرصاصة أصابت الطريدة ، اخترقت أغواره ...

كانتْ إيذانا لشيء ما ، يصيب القطط أحيانا...

...وكان الصوت يتوارى في الكأس المترعة ...يأسر زونا (المتوسّطية )التي قبّلتْ بحرارة رأس المكنسة مرة ثانية ،وهي تعدو خطوة خطوة نحو العربي القابع بأقصى المصرف ،صعقته بنظرة ثاقبة ، دنتْ منه إلى أن لامستْ ركبتاه المرتعشتين ثم تناولتْ كأسا .

طلبت ْ النادل كأسا فارغة ..؟ امتصتْ لعابا علق بأقصى يمين شفتيها ..زفرتْ ، حيث كان النادل يدمها كأسا أخرى مترعة ً ب( الويسكي) وسيجارةً محشوة ملفوفة في قطعة جريدة.

امرأة ٌ صلبة كصخرة في جبال أثقلها الجفاف ..لا تصيبها الثمالة بسهولة ..ولا تموت فيها الرّعشة ولا الأطياف ..تناولتْ موسىً صغيرا من مئزرها ..مررتْ شعرها الأسود الغزير ، بالرغم من تقدّم ِ سنّها على جسدها الباهت وجزء من كتفها الأيمن ، فأيقظتِ الدم القاني من سبابتها ليملأ ربع الكأس الفارغة .ا

ناولتْ العربي جرعة منه .

لم يمانع .

قال : ها هو ذا عرقي الغزير يختلط بالدم القاني ...وهاهي النخلة الباسقة تزداد علوا وشموخا نحو السماء ..أردف : ((أطعمينا يا زونا من سنابل النخلة الملقحة بالتمر الصحراوي ، علنا نغيّر مكان اللحظة)) .

ردتْ بوجه محتقن :

(( أتريد أن يحدث لنا ما حدث لأدم وحواء ..ألزم حدودك أيها الرجل الأعزب ، وإلا قذفتْ بك جنون الأرض إلى جزر الوقواق ))) ...

تسمّر في مكانه ، راح يعض سبابته وهو يزمجر ككلب مسعور...ا وتوارى تحت معطفه الذي غطى به قلنسوته ،يهلوس كلمات مبهمة ...

وعلا شخيره وهو يقظ .

قال لها: (( دثريني بمئزرك ِ يا زونا، قد صرتُ الآن خصيّاً ...

عرفتْ الآن أسرار النخلة .

زامنه الخوف من مصيره ورجولته الضائعة وسط نهدي امرأة بحجم ظنونه ومعتقداته ...حاول الهروب ومغادرة المصرف .

لم يقو .

كانت النخلة الباسقة تغطي كل المنافذ ...وكان الدم الأحمر القاني يفيض من كل الثقوب ...ا ارتدى رجولته ...حرّك عضلاته المشلولة . حاول السباحة في الدم القاني ، لم يستطع تخطي حواشي المعطف والمئزر ...ا

انكمش مذعورا كشيخ هرم انهارتْ قواه من كثرة الحرث وخدمة أرض بور بوسائل تقليدية .

أحسَّ بأنه أجرم حينما جرع دم أخته وقد ألفه منذ مدة، في حين لازمها الفرح والنشوة ، وهي تجلس بقربه ،تغازله ،تمرر يدها الناعمة فوق صدره النحيف . شعر بهيجان ينتابه من جديد. قاطعها : لا تنسي شطيرة الخنزير وحبّة الفلفل الحار .

- دعها تحترق مثلما احترقتْ شطيرتك ، وتحترق الآن أشلاؤك ودسائسك أيها المعتوه ، قالت.

*****

...وتحلقتْ حوله شجرة بأفنانها .

كانت قد ملأتْ فمه وتحولتْ إلى موسم خصب لا يعرف الجفاف عندما أكل ثمارها أيام كان مرؤوس قضيته وما فتيء، أحس أن النخلة الباسقة تزحف نحو كأس الدم ، راح ينطح جدعها .

امتص نواياه...وامتص ما فتيء في سيجارته المحشوة ...قفز مذعورا من كرسه بأقصى المصرف ...خرج إلى الأفق الواسع خارج الحانة يتبختر في نشوة عارمة .لحقته المرأة الصلبة .

التفت صوبها : (( أستري عورتك إنك عارية ))..

رجعا على التو إلى الحانة ، لم يجدا النادل بمكانه..بحثا عنه ..

طويلا.

ضيّعه التيه في أرجاء سيجارة محشوة ...

صنعتْ تيها موازيا...

بصقا على الأرض .

انفلق العشب والفقاقيع ...مضغا العشب ...بصقا مرة ثانية على الأرض .كان العشب والخصب يغطيان جسم زونا العارية .

قالت : لن أفارقك يالعربي حتى نتبيّن أمر اللحظة الغامضة ،، العارية .

رد بانتشاء: (( الآن تبدو اللحظة صافية )) .

عانقته بحرارة .

سألها : والذي قالوا عنه (( قُتل غدرا)) هل ما يزال يعاودك أنينه ؟ .

- لا ، كنت مخطئة،مات شهيدا .

غيبهما الزحام في أكبر رشفة دم ،، وفي قطرة (( ويسكي).

لا تقل ، أردفتْ (( المهدي بن بركة)) ...

ابتسم العربي ملء شدقيه : أرجوك لا تصعقيني بعبّان رمضان ، أو مفدي زكريا.على نخب ابتسامة صادقة هذه المرة تناولا كأسيهما المترعتين بسرٍّ دفينٍ ، ظل يعتلج في الشطيرتين المحروقتين ..ا

امتص كل منهما لعابه ..نطقا بصوت واحد : (( لهلا تربّحْهم )) ونطقتْ المذيعة الجزائرية مريم عابد : هنا إذاعة باريس ، ونطق محمود "كل هذا مسجل " زمن مريم عابد آفل ...ألم ترشق يا لعربي بنظراتك مذيع " تي..آف ..1 ، وهو يسرد الأحداث الأمنية في الجزائر ..وأنتَ تغادر الحانة ؟.

- خدعتني يا محمود ..لهلا تربّْحك .

- خذلتك مواقفك يا خويا العربي .

- لهلا تربحك ، قالها مازحا ..