الفصل الخامس

7 0 00

الفصل الخامس

شربتْ اللحظة ماءها من فوهة المدينة ...

وشرب التيه ماءه من كأس بزغ ضوؤها من دخان سيجارة محشوة ، ظلت صامدة بين أنامله وهو يرتشف ساق الريح حين أحس بزفرة وحيد تقطع أوصاله إربا إربا .

انتشى حتى الثمالة .

حرك قلنسوته اليهودية . أومأت له فدوى ألا ينطق بسوء وهو يتسلم كأسا أخرى من الويسكي الجاف ... من وحيد .

قال : شكرا يا .. ول.. دي ...

وارتوى مع الريح التي شاطرته جرعة حارة ، ناولها إياه ... و... ل... د.. ه ...؟؟؟

الريح تضربُ الكأس ، من يدري قد تكون الريح همزة وصل بين شطيرة تعذر طهوها لا لسبب فقط لأن طهوها يؤجل من حين لأخر دون مبرر ، أو لعدم وفرة نار كافية رغم توفّرها ووفرة الوقود ..

أم لأنها تطهى بدون ملح .

الشطيرة تُصاب بوعكة صحية والحانة أيضا ...

تنطفئ الأنوار قبل موعد القمار هذا المساء لأن الريح مُصَادرة أيضا ...

تدبُّ الرعشة في المكان والزمان ،وتنطق( فدوى)وامعتصماه ا.

تمتصّني – لحظة الارتعاش- ... يخثر كأسي بالكاكوكاو المغربي ، وتنجلي من خيط أبدية الشك بأن وحيد لم يكن سوى " جيمي " ولم تكن زونا ( المتوسّطية ) سوى فدوى ...

كانت الآزفة ... وأزفتْ اللحظة ...

أزف الضب الصحراوي على مشارف جبال بوسمغون في يوم قائظ .

وحده الضبُّ الصحراوي السمغوني يشرب الريح ويتغذى منها .

وحدها القبائل الصحراوية تمارس القيافة وتعرف الأنواء والفراسة ...

وحدها اللحظة ترحل ...

تركب صهوة مداها... في انتظار مساء القمار ...

مساء الخير والقمار ، قالت .فدوى .

الشطيرة تصب الماء على وجهي وتغذيني بالريح كما لو أنني ضبٌّ صحراوي .

وحدها المجاهل تقودني حتما إلى كأسي ، تصحبني إلى سيجارتي المحشوة.

هذا اعتراف مني ، خذيني إلى لحظتك – قلت لفدوى – أو أن أوان القمار – لم يتحدد بعد ، . أفلتِ اللحظة ، أرجوك تسكعي بين أضلعي ، ألم تخرجي منها ؟ يا امرأة بحجم كأسي ، دثريني باللحاف السرمدي ... ودثريني بالدم القاني ، خذيني إلى مثواك ومرّغيني ألف مرة على حواشي الشطيرة ، لم أعد أقوى على البوح .

أخاف التعذيب .

ألم أكن جحشا ذات ليلة بين أحضانك ؟ أنسيتِ أن القدر خانني في أن أتحوّل مثلك تماما ...شرسا ... ؟؟ ...تخفق أوصالي وأحزاني ..ألم أبحْ لك بطفولتي وأنتِ توزعين اللحاف المهتريء في شقتنا المأجورة في شارع ساندوني بين خصري وأطراف رجلي العارية عندما لسعني البرد وأنا أتوسد صدرك وأنكمش بين فخديك ؟

ألم يكن وحيد – ذاك الجنين –.؟

- أصمتْ أيها الأخرس ، هاهي الأنوار عادت ْ ، كان مجرد

انقطاع طفيف في التيار الكهربائي ، هاهي الشطيرة – بدون ملح .. أبلعْها ودعني من هلوستك .

كان أزيز القدر في المطبخ وأزيزها..على شفاف وحيد خلف المصرف.

في يده سبحة.

تأزز المكان بهما...

تأزز العربي بقميصه وبلحاف شفاف.تأزق المكان..أزفته..ثم سرعان ما غادرته إلى المطبخ ثم إلى بهو آخر...

وتأزت عنه مرة ثانية..وتأزى عنها بدوره...

ثم تآصرا بالمنكبين...

يا أمَّ وحيد...؟؟؟ا.ا.ا.

-ها أنا ذا يا......

كانت السبحة بيد وحيد وفي شفتيه هذا الذكر(ربنا لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا).

...وكان الوقت أصيلا...تأفف..ا ل..أ..ب...قال في غضب:

(إفكٌ)..هذا إفك يا بنت الناس ...ورأس وحيد.

ما عساك تفعل، قدّرَ الله ُما شاء فعل .

وتوالت دقائق أصيل مفعم ب....(بالخطايا) .

أسندْ ظهرك المحدودب الأجرب على كتفي،أقطف عرا جين بلحك من خصري الممدود وأنفت سيجارتك عليه كما تفعل ...إنه الآن مربع الخيل ...ولعبة -التيارسي-..يا عاشور...ألم تكن تشتهي هذا الاسم....أطفئ سيجارتك على فخدي كما تفعل يا عاشور لعل الخصب يأتي من خصري وينجب وحيدا أو- جيمي -آخرمن صلبي.

ألم أكن عاقرة وكنت عتيا...اعترف بالعيب .

الخمرة دارت في رأسك بالقاعة.قولي ما شئت يا كلبه.

لا.أنا في تمام وعيي يا لعين.

تنكمش اللحظة في دفء العتاب المتبادل ...تسكنها السكينة وفصول الخطايا والخطيئة ...يتجول الشجن مع

بقايا رماد السيجارة التائهة بين الفخذ والخصر إلى فصل في أيام خلت ...

وينامان ...

يتسلل وحيد النادل إلى خارج الحانة...وتغفو في عينيه المدينة ....يهيم في أحشائها.تتأوه المدينة. يسكن أولادها في نحيبها،في ضجيجها ...تفيق الكلاب حين تغفو المدينة التي يصحو سكانها الشرعيون ظهيرة كل يوم على وقعها. ترتطم رجلاه بالثلج الأبيض الذي يكسو المدينة. ينتهي إلى حي (سان ميشال) ... يهلوس :

معادلة العصر لا توازي يقظة الثلج الأبيض إلا عندما يتنكر لي الآخرون...ثم يصمت .

ما ذنبي، إنه صمت المدن الغربية عندما أتعرى من جلدي..أو أسبح ..أو يسبح (هو) في كوب خمر عصارته عرق جبينه كما يدعي ..فيجد نفسه سباحا في كوب ملأه بعصير ثلجه الأبيض كما يدعي أيضا.. كلنا بيض كالثلج وكصفائه ..هكذا سمعتهم في المحاضر يقولون..

وأنا أين محاضري؟ ..

يفيق . يستدرك المحاضر...فتنكمش المدينة في عينيه ....في شرايينه...

آواه..أعود لتوي إلى الحانة وأفاتحه في الموضوع.

من تقصد تقول المدينة والأصداء.يوقظها . تتنكر...تتقنع...

-آه ما أحوجني إلى رداء أدثر به عندما يتسلل البرد إلى أضلاعي التي ابتلعتها المدينة وعبارة (...)بمستشفى الولادة ثم دور الحضانة فيما بعد ...وكذا شارع فيكتورهيقو...وحي (باربارس) .

آه ، ما أبلهني وما أتعسني ، المعادلة سهلة ، تكمن في غفوة وصحوة ، وسبحة – كانت بيدي – وذكرٌ تلوثهُ .

تتلوى الخطوات كأفعى بين أقدامه .

زخات مطر مفاجئة تبلل شعره ، يحتمي بإحدى الحانات ، يتردد في أن يقتني (( قنينة بيرة )) أو أن يتلو آيات من الذكر الحكيم بلهجة فرنسية أصيلة على أرصفة الحانة ، أو أن يصغي إلى حشرجة تصعدها الشوارع التي ابتلعته ، يصحو من غيبوبته .تعتريه رعشة جامحة . يقف مشدوها أمام إفريقي يوزع على المارة مقابل واحد أورو نسخا من ( حصن المسلم) ، يحملق في وجهه الشديد السواد ، يتمتم :

- الثلج أبيض ... وهذه النسخ منسوخة أو ربما محرّفة كالإنجيل . يقترب من الإفريقي : يسأله هذا السؤال :

- أين يدفن أحياؤكم ، في مدنكم ؟

تجيبه المدينة والأرصفة ،فيما يحجم الإفريقي عن الجواب :

- في سجل لا يُولد مرتين.

.- عجيب أمر هذه المدينة وهذه الأرصفة ، كيف عرفتْ أنني من الأحياء الموتى ؟

يعتريه شعور بأن خطواته تتجه في اتجاه معاكس . قطرات المطر التي تساقطت فجأة توقفتْ . يعود إلى الإفريقي، يناوله نسخة من ( حصن المسلم ) يتصفحه في لهفة ودون تركيز. .. وتمضي خطواته نحو مجاهل أخرى .

- أجل أنا حي ميّت ،لكن كيف ؟ غفوتُ عندما ... صحوتُ.،غفوتُ.كانت حارتي الكبرى كيانا بلا علامة ، بلا غطاء .

يهلوس .

تُبعث المدينة والأرصفة قهقهة كبرى وبسخرية تقول :

- الق ما بيدك ثم نتفاهم .

تبادرتْ إلى ذهنه آيات من القرآن الكريم كان يسمعها من إمام حي ( نونتار) بباريس ، من جنسية مغاربية ، عقب صلاة المغرب ..حفظها .. هذا مدلولها : (الق ما بيدك يا موسى ) .

تضيف المدينة : معلوماتك ناقصة ... حارتك الكبرى أضحت جدة ولها أحفاد تقص عليهم حكاية الغول ذي السبعة رؤوس .

لعنة الله عليك ما حييت أيتها اللعينة، يرد في نبرة مبحوحة .:

- أين نحن من حكاية الغول ذي السبعة رؤوس ؟

- ها ها ها لم أر أحمق منك.

يغمس رجله اليسرى في بقايا (( قيء )) لتوه لفظه سكير جزائري مر بجانبه وهو يرشق المارة بكلمات بذيئة ، يترنح من السكر .

الضبُّ هو الذي يشرب الريح لا المدينة .

المدينة تتقيأ (( نبيد ) باريس في الجزائري الثمل ...

تجذبه هبّة السكير نحو الرصيف. تطرحه أرضا ، تتسخ ملابسه ، يقول السكير :

Vive Zidane, vive l’ algerie,vive maradona..abat kastro..vive mossaab azzarkaoui..abat belladen ..aussi vive « le petit »..merde pour toi Catherine..

يلعن بو كواغطك … سوق الدلالة ولا أنتِ .

كما تدور الحكمة على الألسن سبعة أشواط تكررت باريس في مخيلة وحيد . يفتش عن وجهه في حقيبة مملوءة بحبات ثلج اختزنها منذ أيام في جيبه معتقدا أنها لا تذوب ، فلم يجدها .يقول :

فعلا الضب يشرب الريح ، لا المدينة ... جيوبي لا تتسع للثلج

- آه كم أنا أحمق ... آه ضاع مني وجهي الحقيقي ، بأي وجه أقابل الوجه الأكبر ... ظننتُ أن الثلج يحافظ دوما على صلابته وبياضه .

ما أتعسك ، باريس ، وما أجملك ...

وينتهي إلى مدخل الحانة ليوقظ أهل الكهف . يغمغم :

لعلني تأخرتُ.

المدينة مفتش في شرطة المعادلة ... ودفتر مفتوح على كل الاحتمالات ...

ويطوي أجفانه قبل أن يلج عتبات الحانة ...

تفيق المدينة ...تعبر الشوارع ..ترأف بالمتسكعين .. والثقاة معا ..تدور الدنيا دورتها السابعة وهو ما يزال واقفا أمام عتبة الحانة يتأمل الإعلان بغلقها .. يقرؤه .. ويعيد قراءته .

رحلتِ الأشرعة نحو الشرق بأمر من نابليون بونابرت .. وازدهرت الطباعة .. جفّ ضرع عرا جين البلح في العراق. .. وجفت مآقيها ... أصابها القحط والسنين العجاف ، لكنها ما زالت تتمر بلحا ً ، كما أثمرتْ ساقية سيدي يوسف بلحا من الرماد .

تماما.. تماما.

ساقية سيدي يوسف مسقط رأسي ... وسند ظهري إلى ذاكرة آلتْ كما نجوم الليل الحالك ... في ليلة مقمرة .

تماما .. تماما...فأيقظها السعال الذي ابعد عنها الكرى. تموت السنون عندما تموت أخرى ..

تماما .. تماما ...

وتبقى حكاية الغول ذي السبعة رؤوس صدى في الآذان ، ولحافا يدثّر مصعب الزرقاوي ، حسن البنّا ... بن لادن وغيرهم ...

تماما ، تماما ...

كما الضبُّ يشرب الريح ...كذلك مصعب الزرقاوي يستحم في نهر الأردن لتقتات من مائه عرا جين ظمأى.

كانت " زرقاء اليمامة " قد تنبأتْ بقدوم مائه على نهر الأردن ، لم تره من بعيد كما يعرف عنها . الهدهد هو الذي كشف الماء من أعلى السماء ، هكذا أوردت دفاتر المدينة في أوراقها المفتوحة على كل الاحتمالات .

... ينزل اللقطاء أبهى الفنادق ... يلتقي النقيض بالنقيض على كأس خمر ، يتبادلان أطراف الحديث ويتصاحبان ...ويتعانقان

تماما..تماما، ويتعانقان .