_ 2 _
ذات مساء، جلس الزوجان يسمران ويلاعبان عزَّ الدين الذي صار صبياً ابن عشر سنين، والسعادة تغمرهما، على الرغم من الفقر الذي يعيشان في ساحته، فقد كان عزُّ الدين يبدو أكبر من سنِّه، فتى جادّاً نشيطاً، وذكيّاً مجدّاً، وذا نخوةٍ وحميّة.
وسرح الشيخ عبد القادر بفكره، وصار يتخيَّل ابنه عزّ الدين وقد غدا شاباً قوياً، وعالماً فيه كل مظاهر النجابة، وانتبهت أمّ عز الدين إلى سرحان زوجها، فأعادته إلى واقعه بقولها:
- هيه يا شيخ.. أين وصلت؟.
فانتفض الشيخ وهو يجيب:
- وصلت إلى الأزهر، ولكنكِ لم تتركيني أتمّ مشواري.
نظر عز الدين إلى عيني أبيه متسائلاً:
- هل سترسلني إلى الأزهر يا أبي؟.
فافتعل أبوه العبوس وهو يقول:
- والله يا عز الدين، لا أدري.. هل ستكون عالماً أو واحداً من (زعران) جبلة؟.
ولما احتجَّت أمّ عز الدين على كلام زوجها، قال لها ابنها:
- أنا أحكي لكِ الحكاية يا أمي، فإذا كنتُ مخطئاً اعتذرت.
فسألت أمه:
- وهل هناك حكاية؟.
- بل حكايات يا حليمة.. ابنكِ عزّ الدين صار صاحب حكايات وحكايات.. كلّ الناس يتحدّثون عنه، فهو في كلّ يوم يتسبَّب في مشكلة.
- احكِ يا عز الدين.. يا أبا الحكايات والمشكلات.
قال عز الدين:
- عن أي حكاية يا أمي؟.
قال أبوه:
- عن ضربك اليوم لأحمد ابن السمّاك..
فصاحت الأم:
- ألم تجد غير ذلك الولد الشرّير ابن الأشرار حتى تتشاجر معه؟!.
ابتسم عزّ الدين فرحاً بما قالته أمه، وقال:
- أنتِ قلتِها يا أمي وليس أنا.. شرير ابن أشرار.
- نعم.. شرير ابن أشرار.. هل تريد توريط أبيك معهم؟.
- لا.. لا دَخْلَ لأبي.. أنا وهو صبيَّان نتقاتل ونتصالح، ولا دَخْلَ للكبار فينا.
- كيف؟.
فقال الشيخ:
- احكِ الحكاية لأمّك أولاً يا عز الدين، وبعدها نتفاهم.
فاتَّخذ عز الدين هيئة جادّة وقال لأمّه:
- الولد أحمد ولد قذر، لا يعرف معنى النظافة، وهو يحبّ الاعتداء على أولاد الكُتَّاب.. نصحتُه أكثر من مرّة فلم ينتَصِحْ، فما كان مني اليوم إلا أن أؤدّبه.
قال الشيخ:
- احكِ لأمّك كيف أدَّبْتَه؟ ولماذا أدّبْتَه؟.
- باختصار، يا أمي، هذا الولد لا يترك أحدًا من شرّه.. إذا رأى بيد واحد من الأولاد خبزاً أو سندويشة أو سكّرة أو بزراً، فإنَّه يهجم عليه، ويأخذ منه ما في يده.. في البداية قلنا: أحمد ولد فقير، وربما يكون جوعان، ولكنّه تمادى..
- كيف تمادى يا بني؟.
أجاب عز الدين:
- في هذا اليوم، كان مع ابن جيراننا مصطفى سندويشة يأكلها، وكنا نقف معه نتحدّث ونضحك، فانقضَّ أحمد على مصطفى، وانتزع من السندويشة، وهرب، فلحقتُ به، وصوتُ مصطفى يلاحقه بالسبّ والشتم، وعندما أمسكتُ أحمد، ورأى أنّي سآخذ السندويشة منه رماها على الأرض، وداس عليها بقدمه الوسخة الحافية، وهو يقول بحدّة: هه.. هه.. هه.. فضربته.
قال الشيخ:
- ضربته فقط يا عز الدين؟.
وقالت الأمّ:
- يستحق السحق لا الضرب فقط.
فعلَّق الشيخ، وهو يواري سروره خلف عبوس مفتعل:
- إذن أنتِ تعلّمينه؟.
- نعم.. مثل هذا الشقي يجب أن يُكسر ويُيقهر، حتى لا يعود لمثلها.
- مع أنَّ عزّ الدين كان يدافع عنه في المرة السابقة.. وقف معه ضدَّ مصطفى.
أجاب عز الدين:
- هذا لأنه كان المعتدي.
فسألته الأم:
- مَن الذي كان المعتدي يا عز الدين؟.
- مصطفى يا أمي.. مصطفى اعتدى على أحمد، فوقفتُ إلى جانب الحق.
فابتسمت أمّه في رضا وهي تقول:
- بارك الله فيك يا ولدي.. وقفتَ مع الحقّ، وليس مع أحمد..
- هو دائماً يزعم أنه يقف مع الحق.
فسأل عزُّ الدين:
- هل تذكر لنا، يا والدي، مشكلة واحدة كنتُ فيها ضدّ الحق؟.
فقال الشيخ في سعادة وارتياح:
- لا يا عز الدين.. أنت دائمًا كنتَ مع الحق.. وأرجو أن تبقى مع الحق، مهما كلَّفكَ هذا من ثمن.
فقال عز الدين:
- إذا أردتَني، يا أبي، أن أكون كذلك، فأرسلني إلى الأزهر.
- حتى تقاتل الناس؟.
- بل حتى أتعلَّم الحق، وأكون إلى جانب أصحاب الحق من المظلومين.
فما تمالكت الأمّ نفسَها، فمدَّت يدها، وسحبت الصبيّ إليها، وضمَّته إلى صدرها في حنانٍ بالغ، وهي تقول:
- سوف يرسلك أبوك إلى الأزهر يا عز الدين، ولو بعنا الذي تحتنا والذي فوقنا.
فقال الشيخ:
- إن شاء الله.. قولي: إن شاء الله يا حليمة.
- إن شاء الله.
وقال عز الدين:
- وأنا سوف أوفّر من عملي ما يساعدني على السفر إن شاء الله.
فتنهَّدت أمَه وهي تقول:
- أنت تساعد أباك في العمل منذ سنتين، فهل وفّرت شيئًا حتى توفّر الآن؟.
فغمزها الشيخ عبد القادر بعينه ثم قال:
- كان عزّ الدين طفلاً، أمَّا الآن فقد صار رجلاً بكلّ معنى الكلمة.
والتفت نحو عز الدين وسأله:
- أليس كذلك يا بني؟.
فأجاب عز الدين وهو يغضي حياء:
- إن شاء الله يا أبي.
********