_ 3 _

4 0 00

_ 3 _

كان عز الدين في الرابعة عشرة من العمر، عندما استقلَّ قارب صيد من جزيرة (أرواد) القريبة من جبلة، بينما كان أبوه يقف على الرصيف، ومسح كلٌّ منهما دمعاتٍ فرَّت من عينيه، وهو يودّع صاحبه، وقد حاول الشيخ عبد القادر أن يتجلَّد أمام ابنه، وهو يوصي صاحب القارب بإيصاله إلى الإسكندرية، ولكنَّ العواطف التي كانت تعصِفُ به، ما كانت لتَخْفى على عزّ الدين الذكيّ الفطن، فقال لأبيه في هدوئه المعهود فيه:

- اطمئن يا أبي، فإنَّ ابنكَ لم يعد طفلاً، وستقرُّ به عينك وعين أمّي إن شاء الله.

وقال الشيخ عبد القادر بصعوبة:

- هذا هو الأمل فيك يا عز الدين.

وسكت لحظة ليستردَّ قواه التي كادت تنهار في تلك الساعة ثم قال:

- أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك يا بني..

وبقيت هذه الكلمات ترنّ في أذني عز الدين، حتى غطَّت على صوت الموج الذي كان القاربُ يشقّه، حتى غابت أرواد بما فيها عن ناظريه..

عندئذٍ جلس عز الدين في الزاوية الخلفية من القارب، وسرح ببصره نحو الأفق البعيد، وسرح بخياله نحو أمّه وأبيه، وتذكّر وداع أمّه، وكيف أنها كانت تهتزّ وتختلج وهي تشمّه وتضمّه وتقبّله، ودموعها تغسل خدّيها، وتذكّر الملاعب التي غادرها في وقتٍ مبكر، ليكون عونًا لأبيه في تحصيل لقمة العيش، تذكَّر صديقيه الحميمين: محمد الحنفي وعلي الحاج عبيد، ولكنَّه ما دار في خلده ما يمكن للأقدار أن تخبّئه له ولأصدقائه في قابل الأيام.

وعندما انتهى به المطاف إلى الأزهر، وسأل عن رواق الشوام، تنفَّس الصعداء، وقال لنفسه: كن رجلاً يا عز الدين.. أنت ابن أربع عشرة سنة يا عز الدين.. أنت لم تعد طفلاً كما زعمت لأبيك لحظة وداعك.. لقد وعدتَ أباك أن تكون قرّة عين له ولأمّك ولأهلك، فأهلكَ في انتظارك.. لقد باعوا ما كانوا في حاجة إليه، من أجل تحقيق ما تصبو إليه وتأمله، وأرسلوكَ إلى الجامع الأزهر، لتعودَ إليهم عالماً، تعلِّم الناسَ أمور دينهم، وترشدهم إلى الحلال والحرام، وتبيّن لهم الطريق إلى الجنة، فقد عمّ الجهل كما عمَّ الفقر، والذين يفكّون الخط في جبلة وفي بانياس وطرطوس، بل وفي اللاذقية، معدودون، كما أنَّ الذين يأكلون ثلاث وجبات في اليوم قِلَّة قليلة، وأهلك منهم يا عزّ الدين.. ثم إنَّ البلاد في حاجة إليك، في حاجة إلى أبنائها المتعلّمين الواعين، ويجب أن تكون واحدًا منهم..

كانت هذه الأفكار وأمثالها تنثال على بال التلميذ النجيب عز الدين، وهو مقبلٌ على حلقات العلم، وعندما يأوي إلى فراشه، كانت حدّة الصراع النفسي تشتدّ عليه، فهو إنما جاء إلى الأزهر ليحصل على العلم الشرعي، وبناءً على ذلك، كان يتنقّل بين حلقات مشايخ الأزهر، ويعبّ مما عندهم من صنوف العلوم الشرعية والعلوم العربية، بين فقهٍ وأصولِ فقه، وحديث، ومصطلح علم الحديث، وتفسير القرآن العظيم، وعلم الفرائض، والنحو والصرف والخطابة والأدب والتاريخ، وما إلى ذلك من علوم أسَرَتْه، فانطلقَ يعبّ منها ما وسعه ذلك.

وكان مشايخ الأزهر الذين يدرّسون هذه العلوم، متبحّرين فيها، فعشقَ العلم والعلماء معاً، وصار يلاحقهم من رواق إلى رواق، يسألهم فيما يُشكل عليه من المسائل، ويستفتيهم في كثير من القضايا التي تلحّ عليه، وتداعب رأسه الصغير، وتتلاعب بأعصابه المستوفزة، وكان يجد من أولئك العلماء صدوراً حانية، وقلوباً كبيرة، قبل أن تتحدَّث إليه رؤوسهم المترعة بألوان العلوم..

كان الصراع النفسي يزداد حدَّة في رأس عز الدين، فيضطرب قلبه، ويغلي، وهو ينتقل مع مشايخه من العلوم، إلى الحياة العامة في مصر، والحياة في سائر أقطار العروبة والإسلام.. فمصر ترزح تحت نير الاستعمار الإنكليزي، والإنكليز خبثاء، ملاعين، وكفار، جاؤوا إلى مصر بأفكارهم المنحرفة، وأخلاقهم البعيدة عن أخلاق الإسلام ومبادئه وتعاليمه، كما جاؤوا بأساطيلهم، وجنودهم، ومدافعهم.. إنهم يفسدون أخلاق الناس، ويثيرون المشكلات، ويمتصُّون خيرات مصر، ويضطهدون الشعب المصري، ويغزونه بأفكارهم وآدابهم وفنونهم ومسارحهم، ويغرون الشباب بها، ويحاولون التأثير على الطبقة المتعلّمة، بما جلبوه من أنماط حضارتهم الغربية المادية، وبما ينثرونه من شكوك في الشريعة الإسلامية.

كان التلميذ عز الدين يشاهد ويسمع الكثير عن مباذل الإنكليز، وانحرافات المتأثرين بهم وبفنونهم وعلمائهم، فيأسى لحال المسلمين، ويحاول الحصول على الحلول المناسبة، فلا يجدها إلا في تلك التعاليم الثائرة التي يتناقلها المشايخ الصغار من العالم الثائر المجاهد، جمال الدين الأفغاني، ومن بعده تلميذه الشيخ محمد عبده.. فأكبَّ عز الدين على تلك التعاليم، يحفظها ويفهمها، فتثور نفسه، ويحدّث بعض زملائه بثورة نفسه، فيأخذه هؤلاء إلى بعض بيوت الحيّ، حيث يلتقي بعض الوطنيين وبعض العلماء الثائرين، يتدارسون طرق الخلاص من هذا الوباء الإنكليزي، وكان كلّ واحد يدلي بدلوه، ويقدّم بعض الآراء والمقترحات، وكان أكثرها ينصبّ على أمر واحد، على أن الإسلام هو الحلّ الوحيد، وليس من طريق آخر...

وعزّ الدين يتشرّب تلك الأفكار الثائرة، ويختزنها في أعماقه التي تغلي كالمرجل، فيكزّ على أسنانه، يشدّ قبضة يمينه، ويذكر ما فعله الشيخ سليمان الحلبي، طالب العلم الأزهري، الذي جاء من حلب، ومرَّ بغزّة، والتقى بعض علمائها العاملين المجاهدين، وتزوَّد منهم زاداً روحيّاً ثائراً على الفرنسيين، الذين جاؤوا إلى مصر، وقهروا علماءها، وأذلّوا شعبها، ونهبوا خيراتها، فتآمر الشيخ سليمان الحلبي، مع علماء غزة، وعاد إلى القاهرة، وإلى الأزهر، ثم استخار الله وأقدم على قتل (كليبر) قائد الفرنسيين.

تذكّر الشيخ الصغير عزّ الدين ما فعله (بلدياته) السوريّ الحلبيّ سليمان، وقال في نفسه: لماذا لا أكون مثل سليمان؟!.. الشيخ سليمان ما كان يكبرني إلا ببضع سنوات، عندما ألقى روح القائد الفرنسي في قاع الجحيم، وبإمكاني أنا أن أكون مثله، وما ينبغي أن يكون أجرأ مني أو أشجع.

وأعرب عز الدين عما يصطرع في نفسه من أفكار ثائرة، لزميله التلميذ السوري عز الدين التنوخي، فقال له كالمختبِر، وكمن يريد أن يستوثق من سلامة الطريق:

- اسمع يا شيخ عز الدين، نحن هنا للعلم ومن أجل العلم...

فقاطعه القسام بقوله:

- وسليمان الحلبي، ألم يأتِ من حلب لأجل العلم، كما جئنا نحن من جبلة ومن دمشق؟!.

فأجابه التنوخي:

- أهلنا فقراء، ولم يبقَ عندنا ما ننفق منه، والأولى بنا أن نفكّر في الطريقة التي نكسب منها لقمتنا الحلال.

نفخ القسام شواظاً من نار كانت تعتمل بها نفسه، ثم قال:

- كما قال الشاعر، ولكن بالمقلوب: أذكرتَني الطعنَ وقد كنتُ ناسياً.

وقال التنوخي:

- بل أذْكَرْتُكَ ما نحن فيه من فقر وبؤس وتعاسة.

فصرخ القسام:

- يكفي... يكفي... هل تريد أن تنعانا أنفسنا قبل أن نموت؟!.

وأراد التنوخي أن يردّ على زميله القسام، ولكنه تذكّر الحالة النفسية الثائرة التي تكتنفه، فرثى لحاله، وكظم غيظه، وقال بهدوء:

- لا بأس يا أخي عز الدين.. لا بأس...

فهدّأ عز الدين من روعه، ونظر إلى التنوخي بحبّ، وقال معتذراً:

- اعذرني يا عزّ الدين يا أخي، فقد أسرفتُ في تخيّلاتي، ونسيتُ أمور معاشنا.

- فماذا تقترح؟.

قال القسام، والفرح ظاهر على قسمات وجهه:

- وجدتُها يا عز الدين،.. وجدتُها..

فتساءل عز الدين التنوخي:

- ماذا وجدت يا عز الدين القسام؟ ماذا وجدت؟.

- الهريسة.

- أيُّ هريسة؟.

قال القسام:

- سنعمل هريسة، ونبيعها، ونعيش مما نكسبه منها.

فاربدَّ وجه التنوخي وقال:

- لا يا عز الدين.. أنا لا أعرف كيف تُصنع الهريسة، ولا أريد أن أكون بيّاع هريسة.

- أنا أعرف.. وأنا أريد.

- وأنا لا أستطيع أن أقف لأنادي عليها.

- أنا أنادي عليها.

فتساءل التنوخي في ألم:

- كيف؟ هل جُننت؟.

- لماذا؟.

- ماذا سيقول عنا المشايخ؟.

قال القسام بهدوء وابتسام رضيّ:

- سوف يباركون لنا عملنا، ثم يشترون منَّا.

- لا.. لا.. أنا أخجل.

- أنت قف إلى جانبي خلف (صدر الهريسة) وسوف ترى.

وخطر للتنوخي خاطر شيطانيّ، ظنَّ أنَّه يستطيع به أن يصرف القسام عن هذا العمل المخجل، فقال له:

- الثورة؟ وسليمان الحلبي؟ والإنجليز؟ والشيخ محمد عبده؟ وبيوت الوطنيين الثائرين؟ وبيوت العلماء المجاهدين؟!.

فقاطعه القسام بقوله:

- حسبُك يا عزّ الدين، فلا تعارُضَ بين هذه وتلك..

- كيف؟.

- ألا ترى التجار الثائرين على الإنكليز والظلم يعملون في دكاكينهم؟.

- بلى.

- ألا ترى المشايخ الثائرين على الإنكليز والحكام يكسبون رزقهم من دروسهم؟.

- بلى.

- ونحن كذلك.. سوف نعمل ونتعلَّم ونبقى ثائرين على الظلم والظالمين.. فهل ترى في هذا ما يعارض ذاك؟.

فأطرق التنوخي وقال له:

- غلبتني يا عز الدين.

فأشرق وجه القسام وهو يقول:

- سنبدأ عملنا من الغد إن شاء الله.

- إن شاء الله.

- وسنكسب رزقنا بعرق جبيننا.

- إن شاء الله.

- وسوف نتابع العلم، ونرتاد حلقات التعليم، ونلاحق المشايخ، وندرس تاريخ الثورات، ونستفيد من الدروس والتوجيهات السرِّيَّة في الزوايا والتكايا، وفي منازل العلماء في حيّ (الغورية) وفي بيوت الوطنيين من التجَّار والسياسيين.

- إن شاء الله.

- اتفقنا؟.

- اتفقنا.

فرفع القسام يديه وقال:

- لنقرأ الفاتحة على نية التوفيق والتسديد والنجاح.

فقال التنوخي، وهو يرفع كفيه:

- نقرأ الفاتحة، بسم الله الرحمن الرحيم...

********