_ 4 _

5 0 00

_ 4 _

قال التنوخيّ للقسام، بعد أن سلَّم من صلاة العشاء:

- هناك شيخ جليل من تلاميذ الشيخ جمال الدين الأفغاني، يلقي درساً على طلاب العلم، ما رأيك في حضوره؟.

فتساءل القسام:

- أين مكان الدرس؟ ومن الشيخ؟.

فهمس التنوخي:

- قم بنا.

ونهض الشيخان الصغيران، وتسللا من الجامع الأزهر تحت جنح الظلام، ويمَّما شطر بيت في جوف حي (الغورية) الشعبي.

وعندما استقرَّ بهما المقام ضمن الحلقة الصغيرة، شاهدا شيخاً معمَّماً، صغير الحجم متّقد العينين، حادّ النظرات، ضخم الرأس، قد أمسك بيده اليمنى بعض الأوراق، كان يجيل عينيه فيها، ثم يجيلهما في الحاضرين، وهو يقول:

- أنرضى، ونخن المؤمنون، وقد كانت لنا الكلمة العليا، أن تُضرَب علينا الذلّة والمسكنة؟! أو أن يستبدَّ في ديارنا وأموالنا من لا يذهب مذْهَبنا، ولا يَرِدُ مَشْربنا، ولا يحترم شريعتنا، ولا يَرْقُبُ فينا إلاًّ ولا ذمّة؟ بل أكبر همّه أن يسوق علينا جيوش الفناء، حتى يُخْلي منّا أوطاننا، ويستخلف فيها بعدنا أبناءَ جلْدَتِه؟!.

- إنَّ هذا الإنكليزي المستعمر، ضعيف يسطو على حقوق الأقوياء، إنه صوتٌ عالٍ وشيخٌ بالٍ.. إنه كالدودة الوحيدة، على ضعفها تفسد الصحة، وتدمّر البنية..

ثم رفع الشيخ صوته الحادّ، كأنَّه مُنْذِرُ جيش وقال:

- إلا أنه لا توجد نفس تشعرُ بوجود الحكومة الإنكليزية على سطح الأرض إلا وقد مسّها منهم شيء من الضرّ... ولكنها نفوس تأبى إلا أن تكون ضعيفة أمام أوباش الإنكليز... إنها تنتظر من يدافع عنها، ويعمل على تحريرها من نير الاستعمار، ويطرد الإنكليز من ديارها... فيا ويل مئات الملايين من اليهود والمصريين الرازحين تحت ذلك النير الإنكليزيّ في ذلٍّ وقهرٍ واستكانة وعبودية... يا ويل العاجزين.

وعندما انتهى الدرس، وانفضَّ الناس، وأوى الطالبان الشاميان إلى غرفتهما، قال القسام في إعجاب:

- ياه.. ما هذا الشيخ؟! وما هذه الكلمات الناريّة التي يريد بها إحراق أخضر الإنكليز ويابسهم؟!.

فقال عز الدين التنوخي:

- تلك كلمات الأفغاني وتعاليمه.

- هل صحيح أن الخديوي نفاه من مصر؟.

- نعم... بحجة أنَّ الأفغاني شكَّل جمعية سريّة فاسدة، وفي أعضائها شبّان فاسدون.

- مثل مَن؟.

- مثل الشيخ محمد عبده، وهذا الشيخ الذي استمعتَ لدرسه اليوم، وعشرات، بل مئات من أمثال هذين الشيخين الأزهريين.

فقال عز الدين القسّام الطالب الطامح للتحرير والتغيير:

- أتمنَّى أن أكون من أعضاء تلك الجمعية، ومن تلاميذ الشيخ الأفغاني، والشيخ محمد عبده.

فقال التنوخي الذي يكبر القسام بسنوات:

- كلام الخديوي كذب.. ليست هناك جمعية سريّة ولا ما يحزنون.. إنه لفَّقَ هذه التهمة، ليطرد الأفغاني من مصر.

فسأل القسام:

- ولماذا يطرده من مصر؟.

أجاب التنوخي:

- لأنه يخشى أن يثير الشعب عليه، فتلاميذ الأفغاني كثر، وهم موزَّعون في المدن والقرى، وينقلون للناس تعاليمه وأفكاره الثائرة..

وسكت التنوخي لحظة، ثم أخرج من بين أوراقه قصاصة ورق وقال:

- اسمع يا شيخ عز الدين ما قاله أحد تلاميذ الأفغاني في خطبة الجمعة.. بعد أن تحدَّث عن الوطنية، والإخلاص للوطن، وربط بين هذا وبين طاعة الله، وتعاليم الإسلام في حبّ الأوطان، والمحافظة عليها، قال الشيخ ناقلاً عن الشيخ الأفغاني قوله:

((لسنا نعني بالخائن مَن يبيع بلاده بالنقود، ويسلّمها للعدو ثمن بخس، أو بغير بخس، وكلُّ ثمن تباع به البلاد فهو بخس، بل خائن الوطن، من يكون سبباً في خطوة يخطوها العدو في أرض الوطن، بل من يدع قدماً لعدوٍّ تستقرّ على أرض الوطن، وهو قادر على زلزلتها)).

فهتف القسام:

- الله أكبر.. ما هذا التعريف الرائع لخائن الوطن؟!.

يا ليتني كنت في مصر، عندما كان الأفغاني في مصر!.

قال التنوخيّ، وهو يعيد الورقة التي قرأ منها كلمات الأفغاني إلى مكانها:

- على أيّ حال، إذا فاتنا مشاهدة الشيخ الأفغاني، فلن تفوتنا كلماته.

قال القسام:

- هل عندك من كلمات الأفغاني ما يبلّ الصّدى؟.

- طبعاً عندي.. كلّ طلاب الأزهر يحتفظون بمثل أوراقي هذه.

فسأل القسام وهو يشير إلى أوراق عز الدين التنوخي:

- هل هذه الأوراق تحتوي على كلمات الأفغاني؟.

- وغير الأفغاني، مثل الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الرحمن الكواكبي، وغيرهما.

قال القسام:

- أرجو ألاَّ تبخل عليَّ بها.

- إن شئت، فأخرجْ دفترك وقلمك، وانقُلها، أو انقل منها ما شئت.

- بل سأنقلها كلها بإذن الله.

وأخرج القسام بعض أوراقه، وكتب فيما كتب:

((إنَّ مقاومة الأهالي، أشد بأضعاف مضاعفة من القوى العسكرية المجتمعة في أماكنَ مخصوصةٍ، تحت قيادة رؤساء معينين، تنهزم بانهزامهم، وما جرى لحكومة إنكلترة مع الأفغانيين، أعظمُ شاهد على ما نقول، دخلت الحكومة الإنكليزية أرض الأفغان بستين ألف عسكريّ، واستولت على المدن، وكادت قدمها ترسخ في البلاد، فلما قام الأهالي في كلّ صُقْع، والتحم المقاتلون في جميع أنحاء أفغانستان، عجز الستون ألفاً عن الوقوف موقف الدفاع، واضطرَّت حكومة إنكلترة، بعد تسلّطها سنتين، وبعد صرف ثلاثين مليون جنيه إسترليني، إلى ترك البلاد...)).

توقَّف القسام عن الكتابة، ورفع رأسه عن أوراقه، وقال محدَثاً نفسه:

- يحق للإنكليز أن يأمروا الخديوي بطرد هذا الشيخ المجاهد.

سمع التنوخيُّ بعض هذه الكلمات، فسأل:

- هل تتحدَّث معي أو مع نفسك يا عزّ الدين؟.

قال القسام:

- بل أتحدّث مع الحقيقة..

قم تابع الكتابة:

((إنَّ على المصريين أن يقتدوا بالأفغانيين، لينقذوا بلادهم كم أيدي أعدائهم الأجانب.. وليس من الفتنة أن ندعوهم إلى طلب الحقوق، والدفاع عن الدين والوطن، كما يظنّ بعض المتطفّلين على موائد السياسة.. إننا ننادي على صاحب البيت أن يدافع عن حريمه وماله وشرفه، وأن يخرج مخالب عدوّه من أحشائه، وهي سنّة جرى عليها دعاة الحقّ في كلّ أمة... وعلى المصريين عموماً، والفلاحين خصوصاً، أن يجمعوا أمرهم على أن يمنعوا الحكومة الإنكليزية كلَّ ما تطلب منهم، وأن يرفعوا أصواتهم بنداء واحد، قائلين: لا نطيع إلا حاكماً وطنياً.. فإن فعلوا هذا، وجدوا لهم من الدول أنصاراً، بل ومن الجنس الإنكليزيّ نفسه)).

صاح القسام:

- هل قرأتَ ما سبق لك أن كتبتَه يا عزّ الدين؟.

فسأل التنوخيّ:

- ولماذا هذا السؤال يا عزّ الدين؟.

فقال القسام:

- تراه تحصيل حاصل.. أليس كذلك؟.

أجاب التنوخي في ابتسام:

- وأنت؛ ألا تراه تحصيل حاصل؟.

- لا.. ليس تحصيل حاصل.. لو كنتَ قرأتَه وأدركتَ مراميَه، لكنتَ تطير في حَوْصَلَةِ طيرٍ أخضر..

فقال التنوخي:

- هوّن عليك يا شيخ عز الدين يا قسّام.. فلو كانت كلُّ كلمة نقرؤها أو نسمعُها، تطير بنا في حواصل طير خضر، لما بقي عالم في مصر على الأقل.

- وهو كلك.. هذه الكلمات المقاتلة تدعونا إلى ذلك..

قال التنوخي:

- إذن هيِّئ نفسك لزيارة تاجر في دكانه.

فسأل القسام في استنكار:

- ما هذا يا عزّ الدين؟ ماذا نفعل في دكان التاجر؟.

- نتسوّق بضاعة جديدة.

- غير الهريسة؟.

- أيّ هريسة يا مسكين.. بضاعة من تلك التي بين يديك.

- من الدكان؟.

- نعم.. فهذا التاجر الذي سنزوره مساء الغد إن شاء الله، ليس كسائر التجار، إنه من تلاميذ الشيخ الأفغاني، والشيخ محمد عبده.

ولم يصدق القسام ما سمعه من زميله التنوخيّ، حتى وجد نفسه يدلف إلى ذلك الدكان، ويرى جمعاً آخر من طلبة العلم والتجار، يتربّعون أمام تاجر كهل، يطفح النور من وجهه، وتشعّ عيناه بالثورة والذكاء.

كان الشيخ التاجر يتحدَّث عن جهاد الكفار والمنافقين والسائرين في ركابهم، ثم أنحى باللائمة على المشايخ وطلاب العلم، لأنهم لا يقومون بواجبهم في تثقيف الناس وتوعيتهم، وبيان أخطار الاستعمار الإنكليزي على الإسلام والمسلمين وعلى الأزهر بالذات، وقال موجّهاً كلامه إلى المشايخ وطلاب العلم الشرعيّ:

- اسمعوا يا مشايخ الأزهر، ويا طلاب الأزهر، اسمعوا وصية الحافظ الخطيب البغدادي، في مقدّمة كتابه البديع: (اقتضاء العلم بالعمل). إن يقول:

((ثم إنّي مُوْصيك يا طالب العلم بإخلاص النيّة في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإنَّ العلمَ شجرة، والعمل ثمرة...)).

ورفع الشيخ التاجر عينيه عن الكتاب الذي كان يقرأ فيه، وتفرّس في وجوه الحاضرين، حتى وقعت عيناه على عيني القسام، فقال:

- ماذا؟ العلم شجرة، والعمل ثمرة.. هل تفهم أيها الشيخ الشامي؟.

فبُهت عز الدين القسام ودُهش، وقال:

- نعم يا مولانا..

فتابع الشيخ التاجر قراءته في الكتاب:

((فإنَّ العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يُعَدُّ عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، وقيل: العلم والد، والعمل مولود..)).

هل تفهم أيّها الشيخ الشامي؟.

قال القسام في استسلام المأخوذ:

- أفهم يا مولانا.. أفهم.

فقال التاجر الشيخ:

- إذن.. فاسمعْ ما يقول الخطيب البغداديُّ في كتابه القيّم:

فتابع القسام كلامه بلا وعي:

- اقتضاء العلم العمل.

فقال التاجر الشيخ:

- أحسنتَ أيها الشيخ الشامي.. قال الخطيب البغداديُّ:

((والعلمُ يُراد للعمل، كما العمل يُراد للنجاة.. والعلم خادمُ العمل، والعمل غايةُ العلم، فلولا العملُ لم يُطلَبْ علم، ولولا العلم لم يُطلب عمل، ولأنْ أدعَ الحقَّ جهلاً به، أحبُّ إليَّ من أن أدعه زهداً فيه.

وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى، إلا بالتشمير في السعي، والرضا بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟.

وهل جامِعُ كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟.

وهل المنهوم بها، إلا كالحريص الجشع عليهما؟.

وهل المُغْرَم بحبِّها، إلا ككانزهما؟.

ولا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، وكذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر امرؤ لنفسه، وليغتنم وقتَه، فإنَّ الثَّواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، واللهُ تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد، فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره"

رفع الشيخ التاجر رأسه عن الكتاب، وأجال نظره في المشايخ وطلاب العلم، ثم نظر إلى من حضر من التجار، وقال:

ــ كلام الخطيب البغداديّ موجَّهٌ إليكم جميعاً، إلى المشايخ وإلى التجار جميعاً، فالشيخ ينفق من بضاعته للشعب، لكل أبناء الشعب، والتاجر ينفق من بضاعته.. من أمواله التي اكتنزها، والكنز غير جائز للعالم وللتاجر على حدّ سواء، والمحتكر ملعون.. اسمعوا ما قاله

الشيخ الأفغاني في هذا المقام.. قال:

((إنّه ما أقعد الهمم عن النهوض، إلا أولئك المترفون الذين يحرصون على طيب المطعم، ولين المضجع، والتطاول في البنيان.. أولئك صاروا في أعناق المسلمين سلاسل وأغلالاً)) .

والتفت الشيخ إلى القسام وقال:

- أليس كذلك أيها الشيخ الشامي؟.

فردَّ القسام في ذهول:

- بلى يا سيدي..

فقال التاجر الشيخ:

- اسمعوا يا مشايخ ما قاله الأفغاني معلّقاً على كلام الصوفيين الداعين إلى الفناء في الله.. قال:

((أنا لا أفهم معنى لقولهم: الفناء في الله، وإنما الفناء في خلق الله. ومعنى الفناء في خلق الله: تعليمهم، وتنبيههم إلى وسائل سعادتهم، وما فيه خيرهم)) . هل بلَّغت ؟.

فجاء الردُّ من الحاضرين:

ــ نعم.

فقال:

ــ اللهمَّ اشهد.

********