ـ 4 ـ

5 0 00

ـ 4 ـ

" أين أبوك؟ " تردّد الأمّ في فحيح صدرها.

" أين هوووووو؟ " تردّد آليّاً.

" أين أبوك...هااا؟ "

في بضع دقائق أنهى الصوفي دمدمته وهو يحضن رأسها نافخاً على أهدابها، بينما كانت هي ساهية مستسلمة كما لو أنها تشرب أُكسير الحياة

" هنا... هنا... " تدقّ بأصابعها مُجتمعة على صدرها.

" هنا... هنا... " تقبض على يده وتنقّلها على سلّة أضلاعها.

" هنا... هنا... " يتمايل رأسها من هذا الجانب إلى هذا الجانب وشفتاها تنغلقان على المرارة وجفاف الريق.

" هنا ... هنا ... تموء القطط... "

" أممممممممممْ يا موت تعالْ... " ولسانها يمطق كما لو أن للموت طعم حلواً.

مسح الصوفيّ على عنقها، وعلى صدرها الأعجف، وعلى الثديين اللذين لم يتبق منهما سوى جلدٍ فارغٍ وحلمتين من زبيب جاف.

ودعا في النهاية بصوت أجشّ ربّـاً قريباً يكاد يُلمس

" يا واحدْ. يا كريمْ. اشفها لوحيدها... ستشفين بإذنه إكراماً لهذا الولد ".

دمدمتْ هي في ضيق النفس، وغرقتْ من جديد بالسعال، مُخفية فمها بخرقة القماش التي تدفعها بين زفرة وزفرة إلى ما خلف شفتيها لتمتصّ البلغم المُدمّى. همّ الصبيّ بمساعدتها، ثمّ وقف في حيرته عندما حجزتْه بذراعها حابسةً سعالها لتقول بجلاءٍ، كما لو أنّ سمّ الكلمات يشفي صدرها

" ابعدْ… أنت مثل أبيك تتمنى أن تراني ميّتةً وتخاف أن يعلم هذاك

ـ مشيرة إلى السماء _

… يا ربّي موّتني

… يا ربّي خلّصْهم منّي "

تلاقت العيون

عينا الصبيّ تبثّان قهراً دامعاً

عينا الصوفيّ ترفوان جرّة محطّمة لا يراها سواه.

وعينا الأمّ تنكسـران ندماً على كلمات لا تتفوّه بها أمّ.

"خذه معك... ابعده عني... اتركوني بحالي... " راحت الأم تهذر على الرغم من شعورها بأنها تخطئ وأنها تقسو.

... من الطرف الآخر للشارع العام، أقلعت سيّارة " نيسان " تابعة للمفرزة. كالعادة بلغتْ سرعتها القصوى في لحظات، غاصّة بصبيب البنـزين وبجئير محرّكها.

وبعنفٍ احتكّتْ عجلاتها وهي تتوقف إلى جنب الصوفيّ

" هييييهْ … أنت! أَتحمل هويّة؟ "

ما كان في نيّة عنصر الأمن على الإطلاق طلب الهويّة، وإنّما تورّط بالفرملة دون أن يدري لماذا. ولمّا لم يجد ما يقوله… لو أنّه سلّم، أو سأل عن الأحوال. لو أنّه مازح الصبيّ أو سخر منه " أهذا أنتَ يا أخرس الشياطين؟! " أو لو أنه هزج " هييييهْ... فوقْ الخيل فوقْ الخيل… " لبرّر تصرّفه أمام نفسه… أما وأنّه لم يخطر على باله، لا المزاح، ولا السـلام، ولا أيّ كلامٍ يمكن أن يُقال؛ لفظ تلك الجملة الأمنية الألوفة

" أَتحمل هوية؟ "

وكما لو أنّ الصوفيّ طُعن بأعزّ ما عنده نفض يده في الهواء، ومشى.

لبث العنصر لحظات مهاناً ينشـحن بالغضب، وقدمه تفتح البنـزين وتغلق، تفتح وتغلق، والقدم الأخرى تكبح وتخلي. تكبح وتخلي، والسيّارة تشبّ وتخمد. تشب وتخمد. فجأة فتح الباب، وركض بعنف خلف الصوفيّ الذي أظهر لامُبالاة تُغضب الحمار. أمسك بتلابيبه وراح يدفعه يميناً وشمالاً، هائجاً صارخاً

" هوّيتك يا كلبْ…"

يد عنصر الأمن تهزّ الصوفيّ هزّاً. والصوفيّ سادرٌ في لامُبالاته، مُسبل اليدين يُحدّق بعين واحدة في عيني العنصر، بينما عينه الأخرى تتغامز على عادتها كأنّ شيئاً لا يحدث.

ثم. صفعةٌ صفعتان، ويدخل ضيوف الصقّار بينهما بلطفٍ، داسّين في أُذن عنصر الأمن

" إنه صوفيّ… صوفيّ… والصوفيّ لا يُسأل عن هوية "

والعنصر يتفلّتُ بروح نمرٍ:

" ماذا لو كان عميلاً إسرائيلياً… هاااااا؟! "

"… يا أخينا افهمْ! صوفي. صوووووفيييييْ " يدسّون الكلام في أذنه، بينما لسانه يَعلق دون فكاكٍ بتلك الكلمات

"ماذا لو كان عميلاً إسرائيلياً هاااااااا؟!"

أخيراً يركض بجنون نحو السيّارة في لحظة بدتْ للنّاس أنّها ركْضة من سيجلب الكلاشنْ، ليخرط الجميع بمشطين أو ثلاثة. خلا الشارع فوراً من البشر الذين انزووا في الدكاكين، مُبصبصين من خلف الدعامات والأبواب. لكنّ العنصر أقلع بالسيّارة مُبتعداً في هيجانٍ عنيف، والسيّارة تضطرب مبرهنة أنها سيارة أمن فعلاً. تأخذ الشارع ورباً قافزة على الرصيف، ثم شاغرة عجلتين جانبيتين مثل كلب يبول، مُتسـحّبة في سـرعتها تلك على جدار المدرسة... سيحلف كثيرون إنها ركبت الجدار كما لو أنها تسير على طريق مستو، بينما كان صفير عجلاتها الأربع يحكّ الأسماع، ودخان الاحتراق يثور في زوبعة.

فجأةً انحدرت وانقلبت قلبتين في الهواء، ثم هبطتْ في وضعٍ طبيعيّ، لتنطلق في زخمها العزوم ذاته نحو المفرزة.

" الله أكبر!... الله أكبر!... " همس البعض. وشرعوا يقبّلون يد الصوفيّ، الغارق في قراءة سرّية تتراءى في رفرفة شفتيه، وتغامز عينه، ورقص لحيته.

ألف عينٍ شهدت الحدث. ألف عين رأتْ سيّارة الأمن التي لا تتوازن على أرضٍ مستوية، تنهب بسرعتها الجدار كما لو أنّها تنطلق على مدرّج مطار. ألف عين دارت مع انقلاب السيّارة، وعجبتْ من أنْ تأتي في النّهاية على عجلاتها وتأخذ من جديد سرعتها كأنّ شيئاً لم يحدث.

أليستْ معجزة؟

" معجزة وربّ الكعبة. أراد أن يرهب عنصر الأمن دون أن يمسه سوء " هتف سلمو مقلّداً نبرة التفخيم في المسلسلات التاريخيةّ. وشرع يفسّر، ويربط بين كلمات نطقها الصوفي وبين أحداث حصلتْ فعلاً:

هنا. هنا بالضبط. أزاح بيده رجلاً ليري الناس البقعة التي وقف عليها الصوفي. هنا بالضبط التقتْه " فرحهْ " ودون حتى سلام سألتْه عن زوجها المفقود في حرب لبنان، وبلهجة… أنتم تعرفون وقاحتها… سألته: يا شيخ ألا تقول لكَ شياطينك إذا ما كان أبو الدّراعيش حيّاً أم ميّتاً؟ تباسـم هو في وجه المرأة ومسك يدها هكذا… وحقّ الذي لا إله إلا هو حدّثتني نفسي: أيّ صوفيّ هذا الذي يلمّس بنعومة يد امرأة، وفي السوق! وقال: سيأتيك علمه قريباً. قريباً! ثلاثة أيام… أنتم تعرفون باقي الحكاية... ثلاثة ياجماعة… ثلاثة أيام بعد غياب خمس سنوات وألف إشاعة... ثلاثة... وإذا أبو الدراعيش بزيادة في الشحم واللّحم يدخل البلدة بسيّارة ب إمْ دبليو.

" ياسيّدنا حوّدْ اشربْ قهوتنا "

نادى الصقّار بصوت عال كما لو أنّه يُدلّل على بضاعة في سوق، وأمسـك يد الصوفي باحترام بالغ، وقبّل يده هو بدلاً من يد الصوفيّ، مُوارباً جسده كي يرى ضيوفه أنّه يمكنه التلاعب بذكاء في كل الأوقات. وفي نصف الحلقة المفتوحة على الرصيف لم يمتعض سرّاً سوى ثلاثة: إمام الجامع، ومدير المدرسة، وأمين شعبة الحزب. هؤلاء ... ثمّة شيء وخز كلاً منهم على حدة، شيء يهمس في بواطنهم بأنّ أمراً ما، ليس على ما يرام، يحدث.

في قلب الصوفيّ أيضاً تبرعم سؤال

" ماذا تديرون يا وِلد اللئيمة؟ "

" خذْ... " هتف الصقار، ومد اصبعين بينهما مائة ليرة ملفوفة على طولها.

تناول الصبيّ المائة، وشرع في التجوال في الساحة، مواجهاً الأضواء المُنسكبة التي تكاد تحوّل ليل أواسط الربيع بقرصة برده إلى نهار. وانشغل بإحصاء الصور. أربعون توأماً للرئيس في القماشة المشـدودة مثل عصابة حول الدكان. والصقّار يحتفي بالصوفيّ احتفاءه بأمير يرغب في شراء صقر. وفي سرّه يتكوّر سؤال واحد

( كيف أُدبّره وأجعله يدور في دائرتنا؟ )

والصوفيّ يدرك نفاق أهل المال، ويحدق بالعلامة المحذرة التي طفقت تتفجر في نار الموقد. ثلاثون صورة على حبل غسـيل. بين الصورة والصورة علم. أحصاها الولد بسبابته المشرعة وهو يتنقّل لامساً الصور واحدة واحدة، وأتانه تنخر كلما انتقلت بين صورة وصورة... خمس وثلاثون صورة ملصوقة على جدار المضافة.

وعلى امتداد السوق تهفهف الصور والأعلام، بينما تقسّم اللافتات فضاء الشارع.

( كمْ يلزمه من وقت إذا أراد أن يحصيها جميعاً )

في الصور الورقية تظهر السنّ الذهبيّة لامعة، أما في الصور القماشيّة فتحلّ محلّ اللمعان بقعة سوداء. وفيها جميعاً يكاد هسيس ضحكته أن يخرج. يكاد أن يلفظ

مرحبا

" ماذا لو أنها جميعاً قهقهت في وقت واحد؟! " فكّر الصبي. تصورها فعلاً تشرع بالضحك، وتنـزل من القماش والورق، ومن الجدران وفضاء الشوارع، لتبدأ مسيرة يقودها التمثال المنصوب في مدخل البلدة. رآه بطوله الفارع وجمجمته الضخمة وقدميه الثقيلتين يهزّ الشارع في كلّ خطوة وخلفه

هو باللآف يحمل صوره

والبشر على الأرصفة يتفرجون.

" أرجو أن لا يكون عنصر الأمن قد أغضبك يا سيّدنا " قال الصقّار وهو يغمز بعينه الحولاء غمزة؛ ما كان واضحاً من تدعو إلى التآمر. أهو أمين الشعبة أم إمام الجامع؟

" رئيـس المفرزة من أطيـب خلق الله. إذا كان العنصر قد أسـاء الأدب... فإنّه... أنا متأكّدٌ... سيعبّده ذيل العجل " قال الإمام.

" أستغفر الله ... أستغفر الله! " أنشأ الصوفيّ يُردّد.

"بلى والله… يعبّده ذيل العجل وزيادة " هتف أمين الشعبة.

" يا سبحان الله… منذ مجيئه لم يحدث حادثٌ واحد يُعكّر صفو الأمن… لا سمح الله! وهو ليس مثل غيره يضرب على الطالع والنازل… أبدا "

" وهو يا أخي عسكريٌّ ولا كلّ العسكرْ طول وعرض وهيبة "

" تصوّرْ يا سيّدنا أنّ كلّ من في الجزيرة يحسدنا عليه... كلّهم يتمنّون لو أنّه كان رئيساً لمفارزهم. إِي واللهْ... واللهِ يا سيّدنا لو أنّه كان حاضراً معنا الآن... لرأيت عمر ومعاوية وعليّ في رجلٍ واحد... عدلٌ وحلم وصدق… لو أنّك تراه وهو يطعم هذين الصقرين بروح تواضعٍ يا سبحان الله لن تجدها عند غيره... إِي واللهِ "

هكذا خطب الصقّار، على الرغم من أنّه يعلم أن الجميع يعرفون أنّه يكذب، سوى من تلك الحقيقة في إطعام الصقرين اللذين تعلّما التّمسح برئيس المفرزة كما لو كانا قطّين أليفين. فالصقّار بروح نفاق أصيلة؛ يُجوّعهما دائماً بانتظار مجيء رئيس المفرزة. وفي كلّ مرّة يتظاهر أنّه ينوي إطعام صقريه بيديه. هنا يتعطّف رئيس المفرزة مُتنازلاً عن تيبّس ظهره العسـكريّ وانتفاخ إبطيه. وما إنْ يحضر إناء البلاستيك، حتى يلفظ الجُمل ذاتها التي لم تتغيّر منذ أوّل مرّة

" امنحني… لو سمحتَ… الفرصة في تكريم هذين الجارحين "

ثمّ يلبس القفازين ويبدأ في إلقامهما أجنحة ورقاب دجاج مُناغياً بصوت رحوم، إنّما بكلمات عسكريّة

" انتبييييييهْْ… استااااااااعدْْ… إبلعععْْ... ولَكْ واللهْ العرب عباقْره لإِنهنْ حبّوا الخيل والنسا والجوارح " فيصدق الجميع للمرّة الألف بهز الرؤوس.

وفي كل مرة كان الصقران يتأمّلان من خلف الطماشين رائحة حيوان، تماماً في الموقع الذي يتصلّب فيه الصبيّ فوق أتانه، كما لو أنّه سيشرع بخطبة لن تقلّ عما قاله طارق في جيشه.

يتأمّلان مُصيخين بهذا الجانب وذاك، ثمّ فجأةً يرفرفان بعنف خلف العماء، ويعجزان عن الارتفاع ولو قليلاً عن قرمة الخشب الثقيلة.

يرفرفان... يرفرفان... يرفرفان...

والأتان تشبّ عالياً.