1
أتسكع بسيارتي الجديده في الشوارع الفسيحة وأفكر :
لماذا أنتي موحشةٌ أيتها الرياض ، لماذا يكون الضجر سيد أوقاتك دائماً !؟ كأن سمائكِ تمطرُ الملل كل لحظة!
اعتدتُ في أوقات فراغي الكثيرة أن أقطعها من شرقها لغربها على غير هدى، جميلةٌ هذه العزلة ، ثمة فرق بين العزلة و الوحده ..
الوحده أن تكون منبوذاً من الآخرين ،
العزلة أن تجعل مِنك أنتَ رفيقاً لأوقاتك غير عابيءٍ بدعوات من حولك !
أتسكعُ على أنغام الموسيقى المنبعثة في هدوء ، غالباً ماتكون الأغاني التي أختار سماعها ميّالةً للشجن ، ذائقتي لا تختارُ إلا أصحاب الحناجر الحزينه والموسيقى الباكيه، فريد عبادي سلامة موسيقى بيتهوفن بيانو سازبيلمان هؤلاء الخمسة لا يمكن أن يجتمعون إطلاقاً إلا في سيارتي ، الحزن يجمعهم ويوحد فنهم !
أتسكع، فإذا أعياني الإرهاق والضيق توقفتُ إما عند مقهىً على قارعة طريقٍ أنيق ، أو زرتُ شقة صديقٍ لأجاذبهُ الأحاديث المكرورة المملة ..غالباً لا يكون هذا الإختيار صائباً لأني أجد في حضرتهِ غرباءاً يحيلونني لأخرسٍ يستمع فقط ، لا أجيد الحديث مع الغرباء !
من حينٍ لآخر أتوقف عند ماجد ، صديق الدراسة القديم ، لديه محلٌ للكمبيوتر يستقر فيه من العصر حتى الليل ، مع أن احاديثه لا تعجبني كثيراً لأن غالبيتها عن البرامج والنظم التي لا أفهم فيها شيئاً! مع ان صمتهُ طويل لإنشغاله في صيانة الأجهزة التي تتكدس في مستودعه ، إلا إنهُ مكانٌ للإسترخاء حيناً والقراءة أحياناً أخرى ، حجةٌ أدفع بها ضجر اليوم العاصميّ الطويل !
وأتوقفُ عند المحل ، هاهو ماجد مطرقُ الرأس منهمكاً مع جهازٍ في يده ، لم ينتبه لسيارتي التي توقفت أمام الباب ، وعلى صوت البوق المنبعث من سيارتي جراء قفلها بجهاز التحكم عن بعد / يرفع رأسه ! رآني ، يشير لي بيده ضاحكاً .. أدفعُ الباب في رتابه ..تنقر زجاج الباب أصوات الدناديش المعلقة فوقه ، صوتٌ ممل أحفظه جيداً .. يقوم ماجد باشاً فأصافحه في رتابه مدعياً الحماسة ..ممسكاً في يدي برواية أحلام التي لم أكملها .. حملتها معي لأني أعلم أن حفاوة صديقي ستقل شيئاً شيئاً حتى ينسى وجودي نهائياً جراء استغراقه في أجهزته اللعينه ..
كعادتي كل مرة ، اتخذت مقعداً وجلست، أقلب عيني في المكان وأرقب السيارات المسرعة على الطريق ،أو مستمعاً لزبائن ماجد الذين يجيدون الثرثرة في كل شيء إلا الأحاديث الممتعة !
مرت ربع ساعة ولم يخذلني ماجد، لم يخيب ظني هذا العالِم الأصلع ، تحدثنا قليلاً ،ثم رويداً راح يفك ويربط و ينقر على الكيبورد ويحمل ويبدل ... وكأن الكرسي المجاور فارغ، نساني كعادته !
ها قد طابت القراءة ، لمثل هذه الأوقات خُلقت القراءة ، أضع قدماً على الأخرى ، وأروح أقرأ .." ذاكرة الجسد " ..
هذه الرواية تسرق اللب ، كما تأخذ ماجد هواية الأجهزة اللعينه أخذتني هذه الأوراق لعوالم أخرى : المحارب الرسام ذو الذراع الوحيده والثورة الجزائرية والسي طارق وقسطينه ..
رحت أسبح مع أحلام حين راح يسبح ماجد مع صيانته التي يحب ..
ترتفع أصوات الدناديش مرةً أخرى والباب يُفتح ، يقبل أحد الزبائن ويقوم ماجد .. وأنا المستغرقُ مع أحلام كجمادٍ لا يدري ما حوله .
ما أجمل هذه الرائحة .. رفعت رأسي :
ملاكٌ يحملُ جهازاً يكاد أن يقطع نفَسَه ، هذه الرقة لا ينبغي لها أن تحمِل إلا أنوثتها فقط .. يا للفتاة الحسناء ..
أقبلت ناحية الصديقين ، الغارقيَن في الصمت على الطاولة الرصاصية .. قالت بصوتٍ خفيض جميل : مساء الخير !
وأنا أسترق النظر من فوق الأوراق قلتُ بصوتٍ لا يكاد يبين : مـ ساء الـ نو ر !