4

5 0 00

4

ربما لا نحقق النصر في كل حرب ، لكن الإنتصارات لا تصنعها إلا المواجهة !

الإنتصار/الهزيمة .. لا يتحققان على الورق .. هناك في الميدان يتضح الأمر !

الجُبن ، الهروب ، الإدبار ، هذه أبجديّة الجبناء ، أولائك الذين يعيشون حياتهم رتيبةً ممله ، يقبعون في الدنيا كحجارةٍ في جبلٍ منعزل ، لا تجيد إلا البقاء في صمت !

المواجهة، الجسارة، الإقدام ، شريعةُ الأبطال في الأرض ، هؤلاء من يعيشون حياتهم كما ينبغي، مليئةٌ بالصخب بالتجارب يخلقون الإثارة والمجد لذاتهم .

كل إنتصار ، كل ثورة ، كل مشروع عظيم ، كان في البداية فكرة ، تحولت لتنفيذ !

الجبان ، رجلٌ يخشى السباحة ، يريد من الناس أن ينقلون لهُ تجاربهم في التعلم ، يمدونه بالنصائح ، يستعينُ بهم صارخاً لو سقط في الماء !

الشجاع، رجلٌ يتقنها، تعلمها ذاتياً ، راح يلقي بنفسه في المياه حتى حذقها ، ليس في حاجة أحد هو المغتني بنفسه !

وأنا الثاني لا أريد أن أكون الأول الرعديد !

على هذه الأفكار تتوقفُ سيارة اليوكن ، فيرانيّة اللون ، يتوارى ماجد في المستودعِ الخلفيّ تاركاً لي وابليس إدارة المكان !

يُفتح باب السيارة فتستقبل الأرض حذاء السبور كعاشقٍ يحتضن عشيقته ، رأيتها وهي تنزل بمشقة من هذه السيارة المرتفعة ..

في البدء لمحتُ الساق اللدن الذي أطلّ متأرجحاً في الهواء بين السيارة والإسفلت ، ثم البنطال الأزرق منزلقاً على الساق كقواتٍ تُلجم ثوره ، ثم العباءة تغمرها كالليل يوم أقبلت تمشي صوب الباب !

صوتُ الدناديش يغني سيمفونية بيتهوفن الخامسة ،

ثم صوتها مغنياً : السلام عليكم ..

وصوتُ ابليس في رأسي يهمس : ها قد التقى الجمعان ، أسرج لها الخيل ولتطلق أعنتها ..

نهضتُ متأنقاً ، وقفتُ بقميصي الأبيض والجينز والشعرُ المسرّح للوراء والعطر الباريسيّ وتقدمتُ بصمت ناحية الكرسي المجاور ..

حملتهُ واتجهت به إليها أرد السلام بلهجةٍ كأنها لا تكترثُ بالزائر الذي اقتحم المكان !

الإنطباع الأوليّ أهم الأوراق الرابحة .. لا بناء بدون أساس .. لبناء العلاقات والصداقات يجبْ أن يكون الإنطباع الأولّ راسخاً متيناً كأرضٍ صلبة تستطيع الوقوف عليها !

- أستميحكِ عذراً ، لدى صديقي عادةٌ سيئة ، يخرج لبيتهم القريب أو لقضاء بعض حوائجه ويتركني أواجهكم أيها الزبائن المتبرمون ..

دقائق وسيأتي أرجو عدم المؤاخذة سيدتي

- آها ، لا عادي .. بس أتمنىّ ما يطوّل

- اطمأني ، ماجد لا يستطيعُ البقاء بعيداً عن هذه الأجهزه ، تماماً كالسمكة المحتاجة للماء دوماً .. دقائق وستشاهدينه مقتحماً هذا الباب لاهثاً منقطع النفَس .. يتنفس الحواسيب صدقيني !

رأيتُ عينيها الدائريتين وقد ارتفعتا لأعلى أظنها ابتسمتْ ،

راح إبليس يصفق في رأسي كرجلٍ يجلس في المقعد الأماميّ يشاهد مسرحية ، ويصيح :

-برافو ..أحييك .. بطل .. هيا تصاعَد تصاعَد

لم تجلس أمامي ، راحت تقلب عينيها في لوحات المفاتيح الجديده وجموع الماوس والهيدفون والسيدي ..

لم تخاتلني ولو بنظره ، كل هذه الأناقة كل هذا الإعتداد لم يجعلها تكلف نفسها اختلاس لمحه..

يالنا من مساكين أبناء الرياض ..نجهلُ لغة الأنثى تماماً .. كل مانقوم به مجرد تخمينات لا أكثر ...

أحدنا يقول : الأناقة ..نعم الأناقة تسرق الأنثى

يرد آخر : لا ، الأسلوب .. أهم شيء أسلوبك في الخطاب!

الثالث : لتجذب الأنثى ناحيتك ، عليك أن تضحكها .. نعم أظنه الإضحاك

يروح ليلنا رجماً بالغيب .. نتخرص الدروب المؤدية إليهنّ ..

في بلادٍ أخرى .. سيضحكون كثيراً من هذا الحوار ..

في بلادي .. هذا الحوار مقدس .. غايتهُ نبيلة .. نتعاونُ على فك أسرار اللعبة المجهولة !

عندما كان نيوتن ينظر للتفاحة ، يحلل سقوطها ، يتأملها على الأرض .. كان كل همه الوصول لنقطة الجاذبية.

كلنا في الرياض نيوتن .. كلنا نتأمل تفاحاتنا يلفحنا الحرمان .. نبحث عن أسرار الجاذبية !

سأقتلُ هذا الصمت .. سأبدأ :

- هل تريدين بعض الشاي ؟

إلتفتت صوبي بسرعه وبلهجةٍ نزقة : لا شكراً !

راح إبليس يرميني بالطماطم ، تباً لك يا أبله .. أتحسب نفسك في مقهى أيها النادل الأحمق .. شاي ! شاي لعنة الله عليك |!؟

تراجع .. انسحب تكتيكياً لدقيقه ثم احشد قوّاتك من جديد يا فتى المشروبات !!

كانت واقفةً أمام رفوف المحل مائلة الجذع ، تتخصر يدها السمراء أوسط جسمها وتنقل بصرها في كل شيء إلا أنا!

تحمل شنطةً انيقه فوق كتفها كانت تلامس جسمها الغض ببراءة !

تقف بهذا الميلان والتخصر والحقيبة المتدلّية التي تزيد عباءتها تضوّقاً لتفصح عن كثير !

كانت أمامي وتقاطيعها تبوحُ بأسرار ما خلف الستار !

آه لو كنتُ رساماً .. نحاتاً .. لكنتُ أقف الآن أمام كنزٍ ثمين ولقطةٍ خالدة !

لكني أبله .. لا أتقن إلا الفرجه ... غادرتني أبجديتي وفقدت النطق ..

أصعبُ الأشياء أولها .. أن تبدأ ، هذا يعني أن تتكلف المشقة الهائلة .. كل ما بعد البدء أسهل !

البدايات أشبه بحجرٍ يسد الطريق ، لا تقدم لا مراوحة إلا بزحزحة هذا الحجر ..

كان بيني وبينها ثمة أحجارٍ هائلة .. تكبلني عن بداية الإنطلاق عن اشتداد المسير !

حتى المشاهد الوحيد لهذه المسرحية .. صديقي ابليس الذي روّج لهذا العمل كله .. كان أخرساً في مقعدهِ الأمامي !

يراقبني صامتاً .. أدرك جيداً فيما يفكر ؟ ! خذلهُ البطل !

أحلام مستغانمي بالنسبةِ لي ، لا تعدو كونها كاتبة ، تتقن فن الرواية لا أكثر !

لكن لم أعلم أنها في يومٍ من الأيام ستكون بالنسبة لي أكثر من ذلك ..

طوق نجاة مثلاً !

وقعت عينا سمرائي الجميلة بعد كل هذا الوقت على " ذاكرة الجسد " ..

مرمية ً على الطاولةً ،

كنتُ واقفاً عند الصفحة الثمانين ، عطلتني فاتنتي عن متعة القراءة !

راحت تغرد بصوت الكروان تسألني :

- مجنونة أحلام صح ؟!

كانت تسألني !

نعم ، لأول مره .. توجه حديثها ناحيتي ..

الخرس .. حالة التوهان .. اللاوعي .. كل هذه الثلاث كنت أنزلق في عتباتها واحدةً بعد اخرى !

- قرأتها ثلاث مرات وأنوي قراءتها للرابعة مجدداً ، كل مافيها مبهر ..

هه مازالت تحدثني ، تخاطبني .. هذا حوار ،

ها قد انزاح الحجر وبدأ الإنطلاق !

أخذتُ أتأملها واجماً

صاح إبليس من مقعده كمشاهدٍ بلغ به الحماس مبلغه :

تكلم ..أيها الغبي تكلم !

to be continued