الفصل الرابع
كان الرواق طويلاً وعريضاً ومكتظاً بالطلبة المتحركين في ذهاب وإياب مستمرين، والواقفين أزواجاً وأفواجاً، ذكوراً وإناثاً، كان القلق والإرتباك ظاهراً على وجوه وحركات الكثير منهم، يبدو أنهم ينتظرون شيئاً ما، منذ الصباح والطلبة يختلفون إلى ذلك الرواق، ويحدقون بتفحص متلهف إلى الواجهات الخشبية، لعلهم يحظون برؤية تلك الأوراق التي تحمل اسم الناجحين في الإمتحانات النهائية للسنة الدراسية، كان الحديث كله يدور حول النتائج المحتملة وكيفية تصحيح الأساتذة، وتداول بعض الأخبار المتسربة من اجتماع الأساتذة للمداولات حول النتائج والتي يروجها بعض أعوان الإدارة الذين بدأت تصلهم القوائم الأولى للناجحين.
تعب جمال عمروش من المشي، فأسند ظهره إلى الحائط ثم فتح كتاباً كان يتأبطه تحت ذراعه الأيسر وشرع في القراءة بشكل متقطع، فلم يغرق كلية في القراءة لأن نظره كان يغادر الخطوط السوداء الساحرة، ويمسح الرواق جهة اليمين، وجهة اليسار، يتفرس الوجوه بتلهف، ولما لم يتعرف على قسمات أليفة، يعود بتثاقل وخيبة أمل إلى الصفحة المعروضة أمامه.
يقضي جمال عمروش أيامه الأخيرة في الجامعة قبل العطلة الصيفية والعودة إلى قرية عين الفكرون، كان طويلاً ونحيفاً يشبه أباه، وكان يطبعه خجولاً يميل الصمت والإنطواء، لم يكن باله مشغولاً بنتائج امتحانات آخر السنة، فقد اجتهد وسهر الليالي كعادته، لذلك كان واثقاً من النجاح إذ لم يرسب في مادة واحدة منذ السداسي الأول، وهو الآن يشرف على انهاء السنة الرابعة، ليتفرغ لعطلة صيفية هادئة بين غابات ووديان عين الفكرون، يفضل المشي والجلوس بعيداً عن ضجيج الناس والسيارات، فيقضى معظم أيامه في تفحص أنواع الحشرات والحيوانات البرية والمائية حتى كاد يتعرف على جميع عاداتها ومميزاتها الأساسية.
منذ صغره، وهو يتهرب من الركض بين المنازل والأزقة والصياح والصراخ، ويقصد الوادي القريب يسترق السمع إلى خرير الماء وزقزقة الطيور المتنوعة وأصوات الحيوانات الأليفة الصادرة من أماكن مجاورة، فيتلقاها خافتة هامسة، غير مزعجة ولا منفرة ولا مخيفة، في الوادي الذي يضيق في المنعرجات ويتسع في المساحات المستقيمة، يتتبع جمال عمروش حركات الضفادع والأسماك والأحناش غير السامة، يصطاد بعضها حية، تتلوى بخفة بحيث يصعب الإمساك بها باليد فهي لزجة، مبللة ، تتخبط بعنف وهي تغادر قاع الوادي، كان جمال يستعين بكيس خيشي، يربطه مع طرف قصبة طويلة ويجره داخل الماء ضد التيار الضعيف، في البداية، كان يتأمل الكيس ويتأمل الحيوان المائي بفضول عالم، ثم يعيده إلى الماء قبل أن يختنق ويلفظ أنفاسه، وبعد ذلك مع مرور الوقت، اطلع في كتاب علمي أن بامكان الانسان المحافظة على الأسماك والبرمائيات حية بادخالها في بوقال أو زجاجة مليئة بالماء وبعض الحشائش التي تنبت في قاع الوادي وعلى أطرافه، بهذه الطريقة، جمع عدداً لا بأس به من الزجاجات والبوقالات المليئة بأنواع شتى من السمك والحنش والسرطان، وخبأها وسط خميلة من القصب على الضفتين، عادة ما كان يمركز مكان سمكة كبيرة في بركة عميقة مغطاة بالحشائش البنية اللون، المائلة إلى السواد الطفيف، فينتظرها في وضعية ثابتة ساكتة مثل الصنم، لساعات يترقت لحظة بروز رأسها أو جسمها ويتأمل حركتها بلذة منقطعة النظير، وكان أيضاً يصطاد الطيور بواسطة الدبق الذي كان يصنعه بنفسه من الصمغ الصنوبري ، وكان يفضل العصافير الملونة . فيحتفظ بها داخل أقفاص صغيرة يصنعها أيضاً ويطلق سراح الأنواع الأخرى مثل الدوري والمرفو والجحموم... ففي حصص العلوم الطبيعية، اعتاد احضار، نوع الحيوان أو الحشرة أو السمكة التي يدرسونها إلى القسم وإبهار الأستاذ بمعلومات كثيرة حول حياة الحيوان وعادته وأمكنة تواجده.
إنساق جمال عمروش للحظات خلف ذاكرته والحنين إلى الطفولة الهادئة الثرية، والأماكن المظللة على ضفاف الوادي، حتى كاد يستحضر الأصوات والروائح ذاتها داخل الرواق المكتظ ولم ينتبه إلى الحركة الرشيقة لفتاة خمرية، تتقدم نحوه بابتسامة عريضة ترفرف على شفتيها الموردتين بالمُحَمَّر، تجرّ خلفها شعراً منسدلاً على كتفيها النحيلين وتحمل محفظة جلدية سوداء، قبل أن تباغته بتحية دافئة بصوتها الممتلىء العذب، رفع رأسه من على الكتاب كأنه أحس بقدومها، اعتدل في وقفته وهيأ نفسه للقاء الثمين، ارتخت قسمات وجهه وارتسمت على ثغره ابتسامة خجولة ومد يده للمصافحة.
- أهلاً بك شفيقة.. تأخرت كثيراً هذا الصباح .. حطت محفظتها على الأرض، تأوهت من التعب وقالت بعصبيه.
- مشكلنا الخالد.. النقل.. أخاف أن تتعدى سنة ألفين وأزمة المواصلات تطاردنا، تصور أنني وقفت في المحطة على الساعة الثامنة إلا لربع.. انتظرت حتى فقدت الأمل، وكدت آتي راجله أو أستعين بالأتوستوب، ثم عدلت عن الفكرة ورضخت لنزوة الحافلات.. ساعة ونصف وأنا مسمرة في المحطة.. الحافلات التي مرت كانت غاصة تكاد تنفجر، ولم تتوقف، وإن توقفت أنا لن أجروء أبداً على الركوب وسط الهجوم البشري، كأنهم يتأهبون للافلات من زلزال مهول أو هجوم نووي...
صمتت فجأة وهي ترد أنفاسها، كان التعب بادياً على وجهها المتلألأ بحبات العرق، تأملها جمال جيداً باختلاس نظرات خاطفة أثناء حديثها، ثم اقترح عليها البحث عن سلالم فارغة للجلوس وإبعاد التعب الجسدي، كان بدوره مرهقاً من الوقوف ولكن رغبة الاختلاء بشفيقة في مكان منعزل، بعيداً عن الأنظار الفضولية، هي التي أملت له الاقتراح، كان يشتاق المكوث معها في أمكنة غير مكتظة، كأن مجرد الوقوف بجانبها يعتبر فعلاً يجذب كل الأنظار المجاورة، لذلك يفضل اجتنابها بالاختلاء.. لم تكن علاقة جمال ابن مصطفى عمروش وشفيقة بنت السرجان حديثة العهد، تعود إلى سنوات الدراسة الابتدائية في المدرسة المختلطة بعين الفكرون، التحقا مقاعد الدراسة في سنة واحدة، وكانا يتناوبان على المكانة الأولى في تنافس صامت أول الأمر ثم كبر التنافس ومع التحدي الصامت أيضاً.
جمال ، طفل خجول وذكي باعتراف المدرسين جميعهم، فيما اتسمت شفيقة بالاقدام وحب التفوق جهراً، تلميذة مشاكسة قليلاً، لكنها مجتهدة وتعلن دائماً لصديقاتها وأصدقائها في المدرسة إنها ستكون الأولى في الامتحان وذلك قبل توزيع النتائج، كانت تجلس في الطاولة الأولى أمام مكتب المعلم أوالمعلمة وتبتلع كل كلمات وعبارات الدرس، وإذا طرح سؤال ما، ارتفعت يدها قبل الآخرين مع الاصرار بـ" أنا سيدي.. أنا سيدي.." وعادة ما تقف في اندفاعها، بيدها المائلة تجاه المكتب حتى تكاد تلامس وجه المعلم.
كانت إجاباتها في غالب الأحيان صحيحة ولا تحتاج إلى الزيادة، لذلك كان بعض المعلمين يرتأون تجاهل الحاحها كي يمنحوا الفرصة لأخرين في المشاركة، وهي لا تمل ولا تيأس بل تبقى يدها مرتفعة وصوتها مدوياً حتى يطلب منها الاجابة، فيما كان جمال ينزوي في الطاولة الأخيرة قرب النافذة، فلا يحدث حركة أو صوتاً يجلب الانتباه نحوه، يكتفي بالصمت والاستماع، لم يكن يسمع صوته خلال الدرس وحينما يطرح المعلم سؤالاً، يجيب لنفسه لاغير.
في السنة الأولى، كان المعلم والتلاميذ قد رشحوا شفيقة إلى المرتبة الأولى دون منازع لما أبدته من حيوية ونشاط واهتمام واستعداد دائم للحفظ، وأول المندهشين هو المعلم ثم التلاميذ بعد توزيع كراريس الامتحان وتصنيف جمال في المرتبة الأولى، طلب منه المعلم الحضور إلى السبورة لأخذ دفتره، فتردد طويلاً قبل أن يغادر مقعده ويتجه نحو الجهة الأمامية للقسم، مطأطيء الرأس، خجولاً، لايعرف ماذا يفعل بيديه المتدليتين، أشبعه المعلم مدحاً واطراء وطلب منه المشاركة في اثراء الدروس مستقبلاً، انتفض قلب شفيقة وامتلأت عيناها بالدموع وهي تشاهد الطفل النحيل، الخجول يتقدم بخطى متعثرة لاستلام دفتره.
كيف حدث وانتزع منها المرتبة الأولى؟ من أين مرق كالجن؟ لم تنتبه لوجوده بتاتاً، بقيت تحدق في سحنته الهزيلة وسمرته القوية كأنها تشاهده لأول مرة، وفعلاً كانت تتفرس في وجهه، تحاول التذكر أن رأته قبل تلك الدقيقة، في ذلك الحين أقسمت في نفسها على التفوق عليه في الامتحان المقبل، ولكن لم يتم لها ذلك إلا في الامتحان الثالث والأخير حيث تساوت معه في مجموع النقاط واحتل الاثنان المرتبة الأولى.
كانت علاقة شفيقة بأبيها علاقة متينة وحميمة، إذ تروي له كل مساء ما حدث لها خلال اليوم في المدرسة أو خارجها.
في السنة الأولى، كانت دائماً تخبره بأنها ستتفوق على جميع التلاميذ وحينما لم يتم ذلك عادت إلى البيت تكفكف دموعها وتشهق بصوت مرتفع، في البداية قهقه أبوها استخفافاً واستهزاء بالموقف، ثم حاول تهدئة حزنها قائلاً بأن المراتب العشرة الأولى كلها جيدة وتستحق التشجيع، فينبغي لها أن تفرح كثيراً، أخذها من يدها إلى حانوته وملأ ذراعيها بعلب الشكولاطة والحلوى والملبسات، ولكنه بعد أن عرف اسم المتفوق سكت عن الكلام والضحك واسترجع ذكريات شعر فيها بالاهانة واحتقار نفسه وتمتم بخفوت مرتبك.
"بعد الأب، ها هو الابن يهين أيضاً ابنتي ويظهر لها قوته وغروره.. لولا الدنيا بنت الكلب، لكان هذا الطفل ابني، ولافتخرت به مثلما يفتخر السلطان بولي عهده".
أصبح السرجان بعد ذلك يعير اهتماماً مبالغاً بدورس ابنته ويستقصي أخبار جمال باستمرار، يحرض شفيقة على المذاكرة والحفظ كي تتفوق على الجميع بمن فيهم جمال عمروش، وليدرك أهل القرية جميعهم أن السرجان ذكي وخلف طفلة ذكية ستصبح في يوم ما طبيبة، وسيفتح لها عيادة كبيرة قرب حانوته تفتح على الشارع الرئيسي، كان جمال هو البكر، فيما كانت شفيقة هي الصغرى والبنت الوحيدة وسط جيش من الذكور، لم يفلح أحدهم في اجتياز الشهادة الابتدائية، فالتحقوا بتجارة أبيهم المتنامية باستمرار.
عاشت شفيقة مدللة، يغمرها الجميع بحب قوي، والويل لمن تعدى عليها أو ضربها من بين الأولاد في المدرسة أو في الطريق؟ كان شعور أفراد عائلتها موحداً حولها، إلى أن نالت شهادة التعليم المتوسط وجمعت المعدل الكافي للانتقال إلى الثانوية الواقعة في مقر الولاية البعيدة من عين الفكرون بمسافة خمسين كليومتراً، فوقف أخوها الكبير ومعه بقية أخوته ضد انتسابها إلى القسم الداخلي للثانوية، متعللين بأسباب أخلاقية، منطلقين من الشائعات المتعددة التي خيمت على المنطقة منذ فتحت الثانوية المختلطة أبوابها، قاومت شفيقة هذا الرفض بعنف وشراسة واتهمت أخاها البكر بالجهل والتخلف، محمية من قبل أبيها الذي لا يرفض لها طلباً، والذي يغذي شعوراً مبطناً أن يراها في يوم ما حكيمة تداوي المرضى، زيادة على أنه علم بنجاح جمال وانتقاله إلى الثانوية فكيف يتابع جمال دراسته فيما تركن شفيقة في البيت تنتظر عريساً ينقذها من السأم والملل السجن؟ حسم الأمر بجد وأسكت أولاده الشجعان الذين يحافظون على شرف العائلة، قائلاً بأن شفيقة تربت أحسن تربية وهي التي تحافظ وتصون كرامتهم وشرفهم فستلتحق بالثانوية، وإذا صدر سلوك شاذ، حينئذ لهم الحق في الكلام.
انتقطع الحبل الذي يربط رأي العائلة حول شفيقة فظهرت خصومات صامتة أحياناً، تحدي بالنظرات والابتعاد المتعمد، وبالمواجهة العنيفة أحياناً أخرى بين شفيقة وأخيها الكبير بعد عودتها في نهاية كل أسبوع من الثانوية ، تسلم على الجميع وتتبادل معهم الحديث، لكنها تتجاهل وجود الأخ الكبير الذي كاد يحرمها من الحلم الجميل الرائع إلاوهو الدراسة ومعها الحرية والعاصمة، أما جمال، فإنه عاش حياة عائلية هادئة، عرف منذ صغره بأنه يتيم الأم، عرف ذلك من جده لأمه الذي أخبره وهو لم ينه التعليم الابتدائي باستشهاد حورية أمه بين المجاهدين، وعليه أن يفتخر بها كثيراً، لقد ضحت بحياتها من أجل أن يعيش هو حراً طليقاً، يتذكر الصور الأولى الراسخة في عمق ذاكرته، تعيده إلى دار جده، في أحد الأيام حضر رجل بلباس المجاهدين وقال له جده بأن ذلك الرجل هو أبوه الذي هبط لتوه من الجبال، اكتفى جمال بالنظر إليه دون أن يتحرك، أصبح الرجل بعد ذلك اليوم يتردد على دار الجد ثم في صبيحة من الأصباح، غسلوا له جسمه بحفاوة كبيرة، ألبسوه ملابس جديدة وانتظر إلى أن حضر الأب وأخذه معه إلى دار جديدة بعد أن أفهمه بأنه سيقيم معه بصفة نهائية.
كان أبوه مصطفى عمروش حديث العهد بالزواج، فسكن في دار كبيرة، هجرها أحد المعمرين.
ترعرع جمال بين حنان الأب والزوجة الجديدة التي لم تبخل بالعطف والكرم والكلمات الطبية تجاهه، أصبح يحبها كثيراً ويناديها بأمي بصدق واعتزاز دون أن ينسلخ كلية عن دار جده، فكان يقضي فيه أوقاتاً طويلة يلعب مع أخواله الصغار الذين لا يكبرونه إلا بسنوات قليلة جداً.
في عمق عاطفته، كان يعتبر نفسه دخيلاً مزعجاً لحياة أبيه وزوجته، لذلك تعمد الابتعاد عن البيت طول الوقت، فكان ينزوي في ركن، فينشغل بلعب ما في صمت، يخال للحاظر أنه غائب عن الدار، لايظهر إلافي أوقات الأكل والنوم أو حينما تناديه زوجة أبيه لتطلب منه قضاء حاجة ما من السوق أو من عند أهلها، فيستجيب للطلب بأسرع ما يمكن، خائفاً من المماطلة أو الوقوع في خطأ ما، فلم يكن يكثر من الثرثرة وكان ينسحب بصمت وخفة حينما يشعر بأن الحديث الدائر بين أبيه وزوجته لا يخصه، بعد دخوله المدرسة، وجد ميداناً ثرياً لتحقيق صمته والهروب من الفراغ والانطواء الشاغر، فعكف على المطالعة والكتابة وحل التمارين الرياضية واللغوية كلها، حينما كان ينتظر شفيقة في الرواق الفسيح وعيناه تجولان فوق الخطوط السوداء التي لم ير منها إلا الرسم الخارجي الممتد عبر الخط المستقيم، استرجع اللحظة التي كلمته شفيقة بكبرياء واعتزاز لأول مرة، بعد ارجاع كراريس الاختبارات قائلة "سأتفوق عليك في المرة القادمة"، ثم وقفت سادة باب الخروج أمامه، فلم يعرف كيف يجيبها، لقد أخرسه خجله وبهره اقدامها، أراد أن يعترف لها بأنه لم يجتهد لأنه أراد المرتبة الأولى، بل كان يتقن الاجابة لفضوله في معرفة كل شيء عن الدروس المبرمجة، فلا يضع كراسه أو كتابه إلا بعد أن يستوعب كل الجزئيات ويحفظ كل الجمل والعبارات، وكان قبل أن يستغرق في النوم، يعيد بالذاكرة ما حفظه في تلك الأمسية، وإذا تعذر استرجاعها، ينهض لتوه من الفراش، ينير الشمعة أمامه ويراجع الدرس مراراً حتى يتأكد من حفظه جيداً دون تلعثم أو تردد ما، لم يكن يتطوع للاجابة عن أسئلة المعلم، ولكنه إذا سئل شخصياً، ينطق بها كاملة شافية، بسرعة ملحوظة، في خط واحد، ثم يسكت فجأة، وعادة ما كان المعلم يلجأ إليه حينما يعجز الجميع عن العثور على الاجابة الصحيحة، وخاصة في مادة الحساب والرياضيات فيما بعد.
ولما أصرت على التفوق عليه في الامتحانات، ولم تستطع، أصبحت معجبة بقدرته وذكائه حتى اقتنعت بتفوقه الدائم، وعادت تلجأ إليه عندما يستعصي عليها حل مشكلة ما وخاصة في مادة الرياضيات، فرضيت بالمرتبة الثانية، دون أن تفقد الأمل في خلعه عن العرش في يوم ما، بدوره، أعجب جمال بها منذ الصغر دون أن يمنح لهذا الاعجاب معنى واضحاً بيناً.
طفق جمال يحقق ذاته ويعيش لحظات صفاء وسعادة تكاد تكون كلية، بعد اكتشافه لثراء الطبيعة المجاورة لقرية عين الفكرون من غابات ووديان، فانغمس في رغبة فضولية ضاغطة تحثه على معرفة أنواع النباتات وأسمائها، كان يلجأ إلى أبيه أو جده يطلب معرفة اسم النبات، وإذا اتضح جهلهما، يخترع للنبتة اسماً خيالياً ويقوم بنفس العملية مع أنواع الحشرات والأسماك، حتى اجتمعت لديه أسماء لا حصر لها، بعضها مخترع وبعضها حقيقي، كان يتشوق لوصول العطل الأسبوعية والموسمية كي يتفرغ لعمله الخاص العجيب، في البداية نهره الأب عن الغياب المتكرر في الغابة والوادي خوفاً على صحته، ولكنه بعد أن عرف اهتماماته واستمع إلى أسئلته الملحة، تركه لحاله ولم يعد يقلق نفسه عن سلوك ابنه الشاذ في قرية عين الفكرون.
تحولت علاقة التنافس بين جمال وشفيقة أيام المدرسة الابتدائية إلى صداقة متينة، أصبح الاثنان يتعاونان على حل المسائل الصعبة وتبادل الكتب والمجلات، وفي المرحلة الثانوية، في القسم الداخلي، كانا يبحثان سوياً عن حل مشكلات الجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء، ولا يهميهما من المتفوق، بل الأهم هو أن يكونا معاً في المقدمة، في السنة النهائية، لم يفترقا خلال السنة كلها، كانا يلتقيان في قاعة الدوام للمطالعة معاً والمراجعة والحديث عن الماضي والمستقبل والأحلام، في اليوم الذي بدأت الاذاعة الوطنية الاعلان عن نتائج الباكالوريا، كانت شفيقة في البيت، جالسة مع أبيها وأمها وبعض أخوتها، كان السرجان مشتاقاً إلى سماع اسم ابنته ضمن أسماء الناجحين، كان قد وعدها بهدايا متعددة.
بعد أن سمع اسم جمال عمروش على رأس قائمة لجنة 21، انفعل انفعالاً شديداً وخاف أكثر على رسوب ابنته، وغرق في تأملات بعيدة، حتى فاته سماع اسم ابنته التي أيقظته بصياحها وقفزاتها، فيما كان جمال قرب الوادي تحت شجرة مظللة وعلى أذنيه سماعة بلاستيكية بيضاء متصلة بخيط رقيق إلى مذياع صغير وضعه بجانبه على التراب، لم تكتمل فرحته إلا بعد اذاعة الاسمين، ولم يظهر فرحه الكبير بالصياح والقفز والنط، بل وقف ببطء وعادر الوادي تجاه مكتب أبيه في قسمة الحزب، ليعلن له الخبر السار، وهو يضطرم لهيباً وشوقاً للقاء شفيقة وتهنئتها، أين سيلقاها في هذه القرية التي تحرم لقاء شابين مهما كان الهدف نبيلاً وبريئاً، مرّ قرب منزلها ببطء ملحوظ، يختلس النظر إلى النوافذ والأبواب لعله يبصرها ويشاركها الفرحة العارمة، تخطى الشارع كاملاً إلى نهايته وقفل راجعاً، فوجدها متكأة على حافة نافذة مفتوحة على مصراعيها تنتظر قدومه، إذ أدركت بحدسها الأنثوي أنه سيحوم حول منزلها بعد الاعلان عن النتائج مباشرة، توقف يلتهمها بعينيه النافذتين ثم تبادلا التهاني وأخباراً أخرى عن الزملاء الذين نجحوا واللذين رسبوا، وفيما هما على تلك الحالة، إذ خرج السرجان من الدار وشاهد الشاب النيحل يحاور ابنته العزيزة، أراد التدخل لكنه أحجم عن ذلك و تابع سيره مفكراً بأن لحظةالفرح غالية عندها بعد سنين من الدراسة والمواظبة والمراجعة ثم أطلق العنان لخياله، فتصورهما طبيبين متزوجين، ثم تخيل مصطفى عمروش يطرق باب داره مع مجموعة من الأعيان يطلب المصاهرة.
يعترف كلاهما أن اللقاءات الحقيقية بينهما بدأت في الجامعة، إذ وجدا حرية الاختلاء بعيدين عن الأعين المتهمة، وأمكنة يثرثران فيها طوال النهار دون أن يزعجهما أحد أو يقلقهما بالنظرات الفضولية التي تبعث في نفسيهما الشعور بالذنب وبارتكاب الفعل المحرم، أفشت شفيقة بصدق عن مكنون عاطفتها الجياشة تجاه جمال الذي لام نفسه على عدم السبق إلى الاعلان عن حبه لها، حلف الخجل ألا يفارقه نهائياً حتى في اللحظات الشفافة، تعلمت شفيقة منذ صغرها التعبير عن كل أمالها ورغباتها جهراً وبصوت مرتفع، عكس جمال الذي تعلم الانطواء وكبت مشاعره خوفاً من الرفض والاهانة العلنية، منذ أول يوم دراسي في مدرجات معهد الطب لم يفترقا أثناء النهار الالماما ولفترات وجيزة، يجلسان على طاولة واحدة داخل المدرج والقاعات التطبيقية والمكتبة ويقصدان معاً المطعم الجامعي ثم أخيراً يسرحان طويلاً راجلين عبر شوارع العاصمة المكتظة بالناس، مسرورين كطفلين صغيرين تمكنا من الافلات من الرقابة الصارمة لأهل القرية وعاداتها المحافظة، فيطوفان شارعي ديدوش مراد والعربي بن مهيدي مرات عديدة، يفترسان الواجهات الزجاجية المتلألئة بالأنوار والملابس الفاخرة، دون اهتمام بين وسط الازدحام المتعب، ولكن غبطة الحرية والغفلة الكاتمة للأسرار والتيه المجهول، كفيلة بابعاد كل ما من شأنه تعكير جوهما الحالم الآمل وهما لا يكفان عن مقارنة حياة القرية المملة الرتيبة في مقابل حياة المدينة الحرة الطليقة، ويدركان جيداً بأن شهادة البكالوريا هي فعلاً مفتاح الحرية قبل أن تكون مفتاح ضمان العيش الرغيد، وتوفير المهنة المحترمة، ويشفقان على شباب القرى الذين يعرفون عن الحب الاقشورة، في تلك السنة أيضاً عرفا متعة القبلة ولذة المداعبة الجسدية في الدهاليز المعتمة للبنايات الشامخة وطفقت أحلامهما تكبر وتعلو حتى أضحت لا تختلف عن الواقع في ذهنيهما، فالتبس الحلم بالواقع إلى درجة الائتلاف الكلي، تعلما التردد إلى قاعات السينما وانتقاء الزوايا الهادئة واستغلال الظلام استغلالاً لذيذاً، ممتعاً، لا تزعجه إلا الانقطاعات المفاجئة للأشرطة المهترئة وإنارة القاعة مباشرة، فينتفض العشاق والمحبون في أماكنهم ويصلحون جلساتهم كأن شيئاً لم يكن، ولا يعرف هؤلاء التعساء المضطهدون أن هذه الانقطاعات يتعمدها التقنيون على توشيع الأفلام، القابعين في الغرفة الصغيرة بفتحتها المطلة على الصالة الفسيحة، فيتمتعون بالفرجة على الحركات المرتبكة الخائفة للازواج الهاربين من الضغط البشري الخارجي والعيون القاتلة المضطهدة، فيتعمدون ازعاجهم مقهقهين بملء أقواههم، وفي أحيان كثيرة، يرافق جمال حبيبته إلى غاية سياج الحي الجامعي للبنات، وينزوي معها في ركن حالك وسط مجموعة أخرى من العشاق، ويمكثان هناك، يتمتعان أحلامهما ويحترقان شبقاً وغلمة، ملتصقين الواحد مع الثاني، متحدين النسمات الباردة الواخزة للعظام ورذاذ المطر المتهاطل الذي لا تقدر المظلة الصغيرة المزركشة على ايقافه أو تحويل سيلانه، ثم في الليل المتأخر حينما تلتحق شفيقة بغرفتها داخل الحي، يتيه جمال بين الشوارع حالماً مستحضراً الذكريات الرائعة دون شعور بطول المسافة أو تعب المشي أو رغبة في التوقف أو ركوب الحافلة أو التمدد للنوم.
في بداية كل عطلة صيفية، بعد انتهاء الامتحانات يشعر الحبيبان بالحزن والكآبة والحنين لأنهما سيفترقان عن بعضهما العبض لمدة شهرين كاملين افتراقاً كاملاً دون لقاء.
فيمكثان معظم الوقت صامتين، يتحسران على اضافة شهرين في قرية عين الفكرون، محتملين مع أهلها لسعات البعوض المتكاثر ولهيب الحرارة المرتفعة والفراغ القاتل بين أربعة جدران سميكة بالنسبة لشفيقة، التي لا يسمح لها بالخروج إلا نادراً لزيارة الأهل والأقارب وألف عين تحرسها من الانزلاق المحتمل وألف قدم تتبع خطاها خوفاً من الاختلاف إلى المواعيد المحرمة، أما جمال فيجر ملله وحنينه بين الأزقة الضيقة المغبرة المتربة أو على ضفاف الوادي الجاف الذي لا يحافظ في موسم الصيف إلا على خيط مائي ضعيف راكد، تتجمع فيه الأسماك والأحناش الذابلة، أما الضفادع فهي تخزن نفسها تحت الطين المبلل في نوم عميق منتظرة القطرات الأولى للمطر الخريفي.
عادت إليهما الكآبة في تلك الصبيحة لشعورهما باقتراب لحظة الافتراق، فانعزلا في آخر درجات السلم المركزي للبناية وجلسا صامتين، يفكران في العبارات المناسبة اللائقة لمثل هذه الحالات المحزنة، كان جمال مرتبكاً وقلقاً أكثر من اللازم لأنه يضمر في نفسه اقتراحاً مهما يخص مستقبلهما، طالما راوده في الشهور الأخيرة دون أن يعثر على الشجاعة الكافية ليبوح بسره إليها، وكم من مرة صعدت العبارة إلى غاية حلقه، في أهبة للافصاح دون جدوى حتى وصل به الأمر إلى التشكيك في جرأته، مما أدى به إلى القسم المطلق في ليلة البارحة حيث أصيب بأرق متعب، بأنه لن يتردد في الافشاء بحلمه في هذا اليوم قبل إعلان النتائج السنوية للامتحانات، وها هو الآن جالس بجانبها مطرق الرأس، يعيد في ذهنه العبارات المناسبة ومستغلاً الصمت السائد بينهما ليفكر في راحة واطمئنان، ورغم ذلك بقي يلوك اقتراحه، يبتلعه، يلفظه، ثم يعيد ابتلاعه بخفة قبل أن يصير صوتاً واضح المعالم، وفجأة ابتلع ريقه، تنحنح، اعتدل في جلسته، حتى ظنت شفيقة أنه يستعد لمغادرة المكان ثم لفظ في سيل متصل سريع بنبرات مرتعشة:
- شفيقة، ما رأيك لو أكلم أبي في هذه العطلة، وأجلب مخاطبة أبيك لطلب يدك رسمياً، كي نرمي عن أكتافنا السرية ونعلن حبنا جهراً، ونتخلص من التخفي والتصنع بالبراءة أمام أهل القرية، ونتمكن من الذهاب والاياب سوياً... آه... مارأيك.. أظنك لا تمانعين.. كان ذهنه يغلي بالأفكار والعبارات الجميلة التي طالما رددها وفي صيغ متنوعة، أراد اضافة أشياء لا حصر لها، لكنه عجز عن النطق وسكت فجأة ينتابه احساس بالمرارة، تنهد بصوت مرتفع كأنه توقف لتوه من العدو السريع، وغامره تعب وارتخاء في العضلات وشعر بجسمه ضعيفاً لا يقوى على تحريكه، لو طلبت منه شفيقة الآن القيام ومغادرة المكان لما استطاع تلبية الطلب المهين، لم تجبه في حينها، بل تمعنت لحظات في الاقتراح الذي لم يكن جديداً عليها، بل هي أيضاً فكرت في مثله مراراً، وبدت هذه الثواني لجمال قرناً حتى كاد يختنق من امساك تنفسه لسماع الرد.
- كيف تريدني أن أرفض أو أمانع على تحقيق حلمنا الجميل، حلم عاش معنا منذ المدرسة الابتدائية وما فتيء يكبر ويكبر إلى أن صار عملاقاً لا يقهر، حاول أن تقنع أباك، ومن جهتي سأكلم أبي بمجرد الوصول إلى البيت، لن يمانع أبي، فهو يحبني كثيراً ولا يرفض لي طلباً.. سنعلن الخطوبة ونتزوج بعد التخرج..
- طبعاً.. وهل نتزوج بالبَلّوط؟ بعد أن نأخذ الشهادة ونتوظف، سنفرض استقلالية زواجنا ونعتمد على أنفسنا في كل شيء... أنا شخصياً لا أريد ديناراً واحداً من أبي أو من أبيك.. كم سأكون سعيداً لو يقبل الطرفان... وان رفض أحدهما، ماذا نفعل؟
لم تخطر على جمال فكرة الرفض أبداً، كان يتخيل حلماً جميلاً تبتسم فيه كل الشفاه وتبارك وتولول كل الألسنة وتصفق كل الأيدي الكبيرة والصغيرة، أربكه السؤال واحتار في أي الأجوبة يخوض، فكر ملياً ثم قال بهدوء والابتسامة ترفرف على شفتيه، تنم عن ثقة مطلقة في المستقبل.
- اطمئني.. ولا تتحيري.. سنجعلهم يقبلون زواجنا بصدر رحب، سنقنعهم بالعقل والمنطق، وإن لم ينفعا، سنتحايل بشتى الوسائل، وإن لم يقتنعوا فسنبحث عن طريقة خاصة بنا وحدنا، نهتدي إلى وسيلة سينمائية مثل التي شاهدناها في ذلك الفيلم الايطالي.. المهم أن نحقق حلمنا الرائع، لأتهم الوسيلة، وإذا لم تنفع كل هذه الطرق سنجرب الطريقة الجزائرية، فنتائجها مضمونة مائة بالمائة.
قاطعته شفيقة باستغراب بين:
- وما هذا الانتاج الوطني؟ فهل يستحق التصدير؟
احمرت وجنتا جمال وابتسم بمكر واحتشام، ثم قال:
- ستعرفينه في الوقت المناسب... أما الآن مبروك علينا، هيا بنا إلى الرواق، تكون النتائج قد ظهرت... نهض بتثاقل ثم أمسكها من الذراع الأيمن وبدأ معاً هبوط السلالم، وهو يجرها وراه، اسعاد قوته بالخبر السار أراد التخلص من ضغط الأسقف الاسمنتيه ليجد نفسه مع حبيبته في لمح البصر وسط الفلاة الواسعة والفضاء الرحب يستنشقان الهواء النقي الخالي من التلوث الصناعي الجارف.
وسط الرواق تحاشر الطلبة في مجموعات متفرقة، مشرئبي الأعناق يطاردون القوائم المعلقة في سرعة جنونية، يبحث كل واحد منهم عن اسمه أولاً ثم أسماء أصدقائه ثانياً، تنشرح قسمات وجه الناجح ويتنفس الصعداء، يعيد قراءة اسمه كي يتحقق جيداً ويزيل الشك، ثم يبحث عن أسماء اصدقائه، وحينما ينتهي من ذلك، يتراجع إلى الخلف يتفرس الوجوه ليسترق لذة النجاح، فيما ينسحب الراسب خلسة من الجمع المتحاشر، لتجرع حزنه وندمه بعيداً عن النظرات الفخورة والقهقهات المتعالية للناجحين، ويحتج بعض الراسبين جهراً ويشتمون الأساتذة ويتهمونهم بالمحسوبية والحقد والتعصب لآرائهم تعصب المتخلفين، ويهددون بالانتقام ويحلفون بأنهم سيضربون عن الدروس مباشرة مع الدخول الجامعي الجديد.
يوم الاعلان عن النتائج هو يوم تفيض فيه كل العواطف المفرحة والمحزنة معاً، تذرف بعض الطالبات الراسبات دموعاً مندفعة كسيل جارف، ويغضب البعض إلى حد البحث عن الخصم ومبارزته جسدياً، زيادة عن الشتم والسب والتهديد بالديزة المحلقة في الفضاء.
قبل أن يصل جمال وشفيقه إلى مكان المعلقات، تقدمت نحوهما فتاة تلبس بنطلوناً من نوع "الدلافي"، وشعرها قصير مثل شعر الذكور والنور يشيع من وجهها المورد ومن بريق عينيها الصغيرتين، قبلت شفيقة على خديها مرتين قائلة "مبروك.. نجاح وبتفوق.." ثم صافحت جمال وهي تضيف "أما أنت أيها العبقري العالم، فإنك عدو الرسوب، لذلك لا أقول لك مبروك حتى تكتشف دواء السرطان أومَرْهَما يحافظ على شباب البشرة وعدم تجعيدها ويمنع شيب الرأس..".
نظر إليها جمال بفضول كأنه لم يهضم ما تفوهت به ثم قال بهدوء المعتاد.
- وأنت هل تحصلت على كل المواد أم..؟
قاطعته بخفة
اطمئن ياباستور... سأسرق عبقريتك عن قريب، تصور أنني تخلصت من ديوني كلها ونجحت في كل مواد السداسي!
تدخلت شفيقة بحماس وغيرة.
- سيصبح أكبر من باستور، بل أكبر من داروين نفسه، لم لا؟ هذه الأرض عقيمة أم غضب عليها رب العالمين، إذا لم يجد الظروف الملائمة للبحث في هذا الخراب، يسافر إلى أوروبا أو إلى أمريكا، هناك يكتشف دواء ضد السرطان ويصبح مشهوراً وعظيماً.. ها.. ما رأيك يا جمال؟
كانت تتكلم باندفاع ظاهر وهي تنقل بصرها بين جمال والفتاة ذات الشعر القصير.
- دعنا من الأوهام ولنلقي نظرة عن نتائج الامتحانات.. إن هذه الأرض تمنح الحياة للشعراء كي يرثوا موتاها وموتها القريب، أما العلماء... ربما بعد ألف قرن... نحن طلبة علم لا نعثر على المراجع الأساسية والآلات الأولية البسيطة، فكيف للباحث الذي يحتاج إلى أحدث الكتب وأحدث الماكنات الألكترونية؟
ضحكة الفتاة بصوت مرتفع، صادق، وأسرعت خطاها تنادي صديقة لها، فيما اقترب جمال وشفيقة من الملصقات وفسحا لنفسيهما طريقاً بين الرؤوس المشرئبة والأجساد المتحاشرة وسمرا بصرهما على النقاط، يتأكدان من صحتها، دونت شفيقة نقاطهما معاً على كناش صغير وغادرا الرواق ثم بنايات الجامعة لا يعرفان مقصدهما بالضبط.
أحس جمال بسكينة تغمره ليسبح في فراغ مريح، ويتخلص من التوتر الداخلي الذي يسبق إعلان النتائج وخاصة في الساعات الأخيرة، رغم أنه يجتهد في تحضير دروسه، والاستعداد الجيد للامتحانات إلا أن شعوراً طفيفاً بالمرارة يلاحقه حتى يتأكد من النجاح، في تلك اللحظة، يرتاح تماماً ويعيش أياماً من الخفة والسعادة ويهاجره التعب الأرق الليلي وقلق الانتظار، ما أحلى أن يشعر الانسان بسعادة مطلقة، ويكفي نفسه بنفسه مثل الله تماماً، لا يحتاج في ذلك إلى أي كان حياً أو جامداً، كان جمال يعيش مثل هذه الحالات الصوفية أيام اعتكافه في خلوة الطبيعة، ممداً تحت ظلال شجرة مورقة على الحشيش الأخضر، سارحاً في أحلام وتأملات يرفرف معها بكل كيانه حتى كأنه غادر المكان فعلاً وبجسده لا بخياله فقط، ويمكث على تلك الحالة ساعات طوالاً إلى أن يمزق الجوع أحشاءه أو تلفحه حرارة الشمس أو تلدغه نسمات البرد الثلجي، فيقوم ساخطاً، متمنياً استمرار الحلم إلى ما لانهاية، وقرأ لأحد الفلاسفة قوله أن السعادة الحقة هي حينما يصبح الانسان مثل الله، يكفي ذاته بذاته، فتوقف عندها وأعاد قراءتها مراراً وتكراراً حتى رسخت في ذاكرته، وهو يحاول مقارنتها باللحظات التي عاشها وحده منعزلاً وسط الطبيعة الحيّة، وهل الطبيعة هي مصدر هذا النوع من السعادة، وهل ينبغي اعتبارها رفيقة له، إذا لم يكن منفرداً بنفسه بل صاحبته الطبيعة بأصوتها الزاهية، ثم انغمس في تخيل الانسان الوحيد، المفرد الذي لا يحتاج إلى أي شيء فلم يتصوره الأوسط مجموعة أفراد يشبهونه أو راكضاً وسط أدغال يصطاد فريسة يطفىء بها مغص الجوع، هل يمكن للرجل أن يستغني عنها، وفجأة تداهمه صورة شفيقة، ويدرك بأن كل رجل على وجه الأرض إلا ويحتاج إلى وجود امرأة في حضنه، فأين السعادة التي تحدث عنها الفيلسوف، بمعزل عن الكل، ويسترسل جمال في تأملات عميقة، يقلب مجمل الاحتمالات المكنة، وعادة ما كان يصل إلى وجهين متناقضين يراهما منطقيين ومقنعيين معاً.
كلما اقترب جمال من قرية عين الفكرون عائداً من الثانوية ثم فيم بعد من الجامعة يغمره شعور من الحنين الجذاب إلى أماكنها الجميلة الأليفة التي يستحضر معها ومع كل شجرة وحجر فيها ذكريات طفولية تعمق الكآبة السوداوية والوعي الحقيقي باندثار تلك اللحظات إلى الأبد عبر الزجاج الشفاف للحافلة- وهو يصر دائماً على الجلوس في المكان المحاذي مباشرة للزجاج كي يسرح شارداً عبر المناظر الطبيعية المتتابعة- يطارد الأماكن الأليفة بعينين براقتين بلونهما الأسود الذي يضاعف من قوة الضوء الساطع المنبعث منهما، قالت له أستاذة الرياضيات في الثانوية أن ذكاءه مختزل في بريق عينيه النافذ- ويلهث خلف كل المواقف الجميلة ويطيل في معايشتها إلى أن يباغته مكان آخر بنقله فجأة دون لحظة أو تفكير إلى حادثة سابقة أو لاحقة، كلما اقتربت الحافلة من القرية وعبرت الجسر الفاصل بين السهل والمرتفعات التي تحتمي وسط روابيها وتلالها القرية، وظهر الطريق المثعبن بمنعرجاته المتعدة الباعثة للغثيان والقيء، سكت جمال نهائياً عن الكلام واستغرق في حوار نفسي ثري وسريع مجمداً بصره في الزجاج الشفاف دون أن يكترث بالركاب الثرثارين حوله ولا باندفاعات الحافلة كلما أدركتها دورة ضيقة وأرغمت السائق على الضغط على الفرامل بقوة وادارة المقود دورة كاملة كي تميل الحافلة الغاصة بالركاب وتتفادى التدحرج نحو الهاوية تجاه الوادي عبر المنحدر المغطى بالجنيبات البرية المتداخلة الأغصان من الشوك والنخيل القزم والضرو...
- أحبس يا "الشيفور" يرحم والديك رايح نتقيَّأ.
نظر السائق إلى المرآة المثبتة على الزجاج الأمامي للحافلة وتعرف على الصائح المستغيث الذي كان يلوح بيد في الفضاء، فيما كانت اليد الأخرى تمسك منديلاً مضغوطاً على الفم يمسح اللعاب الذي يسبق القيء معلناً عن قدومه الحتمي، ولكن السائق لم يكترث لاستغاثة المسافر ولم يقلل من سرعة الحافلة ولم يجبه حتى بحرف واحد أو همهمة حنجرية هامسة وتساءل عن المكان اللائق للوقوف بين هذه المنعرجات الضيقة واستنكر على الركاب الذين يأكلون حتى التخمة ثم يركبون للسفر مسافة طويلة، لو توقف لكل مسافر أصابه الغثيان لقضي النهار كله في السفر بين العاصمة وقرية عين الفكرون.
" ليفرغ ما بجوفه أمامه.. أن بطن الحافلة متسخ وعند الوصول سنغسله بالماء ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، لماذا لم يحضر معه كيساً نيلونياً يتقيأ داخله ثم يلفظه عبر النافذة، كم فكرت في احضار أكياس أبيعها للمحتاجين ولكنني دائماً أنسى في المرة المقبلة سأشتري بعضها وأخفيها في الصندوق ".
تماسك المسافر بعضاً من الوقت ثم أفرغ ما في بطنه فجأة محدثاً صوتاً مزعجاً منفراً يبعث هو الآخر الجالسين حوله مباشرة على الغثيان والذين يبصرون الحادث غير مبالين ولا عابثين به، وكان بائع التذاكر هو الآخر جالساً على المقعد الأمامي سارحاً في همومه فلم يستجب لنداء المسافر المريض، انتشرت رائحة الحموضة داخل الحافلة مما أدى بالكثيرين إلى فتح النوافذ الزجاجية على مصراعيها كي تتبخر في الهواء ولكنها مكثت تحوم حول الحافلة مما أدى بالكثيرين إلى فتح النوافذ الزجاجية على مصراعيها كي تتبخر في الهواء ولكنها مكثت تحوم حول المناخير المفتوحة المشمرة تثبت وجودها وإن كان وجوداً مقرفاً، أخرجت شفيقة الجالسة بجانب صديقة لها خلف جمال مباشرة منديلاً وأطبقته على أنفها الصغير ثم أزاحت زجاج النافذة إلى الخلف وأخرجت رأسها وجلبت بقوة ظاهرة وصوت مسموع كمية هواء تبعد عن نفسها الخناق سواء بعدم التنفس أو بشم الرائحة النتنة.
كانت قلقة وتمنت لو أغمضت عينينها لحظة خاطفة لتجد نفسها تفتح باب غرفتها وتلقي بجسمها على السرير لتستغرق في نوم هاديء حالم لا تستيقظ إلا بعد أن يهجرها التعب نهائياً كي تقابل أباها والسرور يقطر من بشرتها والحلم الجميل يتلألأ في بريق عينيها السمراوين، أرهقت نفسها في التحضير للامتحانات كعادتها بمراجعة دروسها إلى ما بعد منتصف الليل ثم رغم الانهيار الجسدي لم تكن تعرف طعم النوم اللذيذ إلا بعد استيطان عميق في حبها وهي تلوك العبارات الجذابة التي ستفاجيء بها الحبيب في اللقاء المقبل وتستحضر اللحظات الممتعة التي قضتها برفقته، تراجع سلوكها وكلامها لعلها تكون قد أساءت إليه أو جرحت احساسه المرهف.
كانت متحمسة للقاء أبيها ومفاتحته في موضوع الخطبة وهي واثقة من قبوله، وأن عارض فلن تراجع بخطوة واحدة، بل ستطارده ليل نهار حتى تقنعه وترغمه على الموافقة لاستقبال الخطاب.
ستعلن خطوبتها جهراً أمام الغابة العائلية من الأعمام والأخوال والعمات والخالات والأقارب وكل سكان قرية عين الفكرون، حينئذ يمكنها رؤية حبيبها دون خجل أو خوف، يمكنها الجلوس بجانبه في الحافلة التي تنقلهم إلى العاصمة أو الوقوف معه في المحطة أمام الناس جيمعاً وسيرافقها إلى منزل أهلها راجلاً بمحاذاتها عبر شارع أول نوفمبر، الشارع الرئيسي للقرية، على عكس اليوم، حيث امتطت مقعداً خلفه بجانب صديقة لها، وبعد توقف الحافلة، سيفترقان بنظرة تحسّر وأمل دون أن يعثرا على الجرأة للنزول سوياً والمشي على الطريق الاسفلتي في حديث ذي شجون وابتسامات، بل وقهقهات مرتفعة غير مبالين بالنظرات الثاقبة المتهمة التي تحاصرهم من كل الجهات، من الرصيف والمقاهي والمحلات التجارية، كأنهما بصدد ارتكاب أشنع الجرائم التي تلطخ سمعة أهل القرية وشرفها، بعد أن تتوقف الحافلة في المحطة، سيتجاهل كل واحد منهما وجود صاحبه، وبالتأكيد سيغادر جمال المحطة بسرعة كعادته دائماً ويختفي عبر الشوارع الخلفية، فيما تتمهل هي قليلاً ثم تنطلق وحدها مطأطأة الرأس تماماً مثلما يحب أهل القرية للبنات الشريفات، غير آبهة بما يجري حولها من الأمور، لا تلتفت يميناً ولا شمالاً، بل ستصوب بصرها في اتجاه مستقيم أمام رجليها، كأنها واقعة تحت جاذبية حقل مغناطيسي لا يتلاشى إلا بعد ما يصل إلى منزلها، حينئذ فقط تتنفس الصعداء بحرية ويتسرح لسانها ويتحرر بصرها من المغناطيس، كانت شفيقة تتحدث مع صديقتها بصوت مرتفع كي تسمع جمال، الجالس قدامها، الغارق في صمت مطبق يسترجع الذكريات الطفولية اللذيذة، لم يلتفت خلفه رغم الرغبة القاتلة التي لو انساق وراءها لما فارق بصره وجهها المورد وابتسامتها الشفافة ودوران حدقة عينيها بغمزاته ولمزاته تجاهه كلما جمعهما المقام.
لم يكن جمال يفكر كثيراً في موقف أبيه بعدما يخبره بنيته في طلب يد ابنة السرجان، لأنه لم يعثر في ثنايا ذاكرته عن أسباب مقنعة للرفض، انساق خلف الحلم اللذيذ متصوراً أن أباه سيطير فرحاً بعد أن يعرف رغبته في الزواج ولم يكن جمال يدري بالصراع الصامت الذي يزحف بين أبيه والسرجان، كما لم يكن يعرف حكاية أمّه حورية بالتفصيل ونية السرجان في الزواج بها وأنها صعدت إلى الجبال هروباً من هذا الزواج بالذات، امتنع جده وجدته لأمه عن رواية أحداث القصة إلا إذا سأل وهو لم يسأل ولم يتعود على الأخذ والرد في أطراف الحديث حول ماضي العائلة، كل ما يعرفه هو أن أمه استشهدت في الجبال دون أن يجتهد في البحث عن كيفية موتها، يتهرب من ذكرها كي لا يعمق حزنه وشعوره باليتم.
فحاول أن يحب زوجة أبيه تماماً مثلما يحب الأطفال أمهاتهم، وهي بدورها لم تشعره يوماً بأنها ليست أمه، ولم تذكر أمامه شيئاً يوحي بذكرى أمه أو غيابها، عاملته كبقية أبنائها، كان جمال يتسلل خلسة إلى غرفة أبيه ويقف أمام الصورة المعلقة على الحائط ويتأمل وجه أمه بلباسها العسكري ويتخيل صوتها ومشيها، ولكنه سرعان ما يغادرها خوفاً من إزعاج زوجة أبيه التي تنبهت بدورها إلى هذه الزيارات السرية دون أن تشعره بذلك، وأضحت كلما رأته يحوم حول الغرف دون اهتمام إلا وغادرت الغرفة تاركة بابها مفتوحاً ومكثت في المطبخ أو في الساحة العريضة كي تسمح له بالوقوف لحظة تأمل وحنين إلى أمه في حرية كاملة وهدوء تام. لا يعرف عن أمه إلا هذه الصورة التي حافظ أبوه عليها بعز وكبرياء مثلما يحافظ البطل الرياضي على الكأس التي فاز بها في منافسة دولية.
تخلصت الحافلة من المنعرجات الصاعدة لتشرف مباشرة على البناية الأولى للقرية، بناية مستطيلة الشكل بثلاثة طوابق وحديقة يحيطها سياج، تحتوي على مكاتب فرقة الدرك الوطني ومساكنهم.
خفف السائق من سرعة الحافلة وهو على أهبة الاستعداد للتوقف والاتجاه صوباً إلى المقهى الكبير في الشارع الرئيسي لارتشاف قهوة حالكة مضغوطة وساخنة، يتصاعد بخارها بقوة، يرتشفها ببطء مع سيجارة "الهُقّار" وهو واقف أمام المصرف، كي يلفظ الصداع وروائح البنزين والحموضة، استيقظ المسافرون من سباتهم وشرودهم وطفقوا يجمعون أمتعتهم في هرج ومرج وضوضاء، وقف بعضهم في الرواق الطويل الذي يتوسط الكراسي وتقدموا إلى الأمام، مستعجلين لحظة النزول والتخلص من الروائح المنفرة في الفضاء الداخلي للحافلة.
كانت المحطة تقع في شارع خلفي، تنعطف الحافلة نحوه بمحاذاة القهوة الفسيحة الواقعة في الركن، حيث استولت على بداية شارعين، ما أن اقتربت الحافلة من الانعطاف حتى شاهد جمال حشداً من الناس يركضون تجاه المقهى مذعورين، ثم احتشدوا على الرصيف قرب الباب العريض المفتوح على مصراعيه، فجأة بدأ الزبائن يغادرون الصالة بسرعة وعيونهم مصوبة إلى الداخل مشدوهين، مغزوعين، تصور جمال أن عراكاً جسدياً قد وقع بين شابين قويين، فذلك من الأمور العادية والناس يتحاشرون لأتفه الأسباب، في خضم هذا الموقف، انطلق دوي رصاصة داخل المقهى ثم تلته رصاصة ثانية فهرب الناس في كل الاتجاهات، توقفت الحافلة بعنف، وانفتحت الأبواب الأمامية والخلفية، وركض السائق ومساعده تجاه المقهى يغمرهم الفضول لمعرفة تفاصيل الحادث الذي لا يستبعد أن تكون جريمة وحشية.
اندهش جمال والتفت إلى شفيقة وصديقتها، متسائلاً بعينيه دون امكانية التعبير ما يحدث في قريتهم الهادئة وعن معنى هذا الاستقبال الغريب، وهو لم يدرك الكارثة الحقيقية التي ستلاحقه طوال حياته.