الفصل الثالث
عـــلامـــات الحـــــب
ارتجف قلبها واشتد خفقانه وتواصلت ضرباته في عنف وسرعة بلا انتظام وتمنت لو طلبت منه أن يسمعها إياه، ولكنها خشيت أن يسخر منها فقالت:
ـ وأبي لم يكتب له؟
ـ بلى.
ـ أين هو؟
ودون أن ينظر إليها أو إليه. أشار بيده إلى الهاتف فانفلتت بسرعة والتقطته، ثم انطلقت إلى غرفة أبيها، ولم تكد تتوارى عن أنظار حامد حتى أخذت تقبل في الكتاب تارة وتضعه على قلبها تارة أخرى. وفاضت عيناها بالدموع وخافت أن يراها أحد فأسرعت إلى الحمام فأغلقت بابه عليها لتريق ماء تلك الجفون الحالمة الساهمة.
ومر الوقت سريعاً وهي غارقة في مناجاة صامتة لهذا الكتاب، لا يُسمع منها إلا شهيق متواصل، ولم تفق إلا على صوت أبيها يناديها فقد تأخرت عليه بالشاي الذي طلبه فأسرعت بوضع الكتاب في جيبها، ثم غسلت وجهها وأسرعت إلى الشاي الموضوع بجانب النار فأخذته وجاءت به إلى أبيها فوضعته أمامه ويدها ترتعش، ثم ردت يدها إلى صدرها وأخرجت الكتاب ومدته لأبيها دون أن تنتبه إلى تبليل دموعها له. فلما سألها والدها قالت إنه قد سقط منها وهي تغسل الفنجان فابتل.
ـ ولماذا تأخرت على بالشاي؟
ـ لقد أحسست بألم في بطني فذهبت إلى الحمام.
نظر إلى وجهها فرأى التعب والإجهاد فيه. فطلب منها أن تذهب إلى فراشها ريثما يشرب الشاي فإن سكن الألم وإلا استدعى الدكتور. وتباطأت في الانصراف. إنها تود لو سمعت ما في هذا الكتاب، ولكن ماذا يقول والدها لو أحس منها بهذه الرغبة؟. لابد إذن من الفراش.
وانطلقت إلى غرفتها ودفنت نفسها تحت الغطاء، وحاولت أن تدفن فيه ما يضطرب داخل صدرها من زفرات، وإن تعصر ما احتقن في جفونها من دمع على وسادتها، ولكن شعوراً عنيفا حبس تلك الزفرات وذلك الدمع، حتى استحالا إلى رعدة شديدة كرعدة المحموم تنفض السرير مع جسمها. وأحست بشيء ينسل من تحت الغطاء ويمس جبينها في رفق فتلمسته فوجدت يد أبيها إنه لم يستطع إكمال الشاي فأتى ليطمئن على أعز شيء لديه .. إنه يحبها أكثر من كل أحدٍ آخر حتى أخيها، ولم يكد يرى ما هي عليه حتى انطلق مسرعاً وقال للأم:
ـ اذهبي عند فاطمة.
ـ ماذا بها؟
ـ إنها مريضة؟ ـ
ـ مريضة؟!!
ـ نعم، سأذهب إلى شغلي وسأرسل حامد إلى الدكتور، ثم أتصل بكم بعد قليل لتخبروني كيف حالها.
وجاءت الأم مهرولة إلى ابنتها. وكم كانت دهشتها شديدة حينما رفعت عن وجهها الغطاء فوجدتها تبكي.
ـ فاطمة .. أتبكين؟ .. ماذا بك يا بنتي؟ فاطمة ردي عليَّ .. ماذا بك؟
ـ لا أدري صدري ضائق.
ـ من ماذا؟ هل آذاك أحد؟ هل تخاصمت مع أخيك؟
ـ أبداً.
ـ إذاً لماذا تبكين؟ .. أخبريني.
ـ لا أدري.
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون!
ثم مسحت بيدها العرق المتصبب على جبين ابنتها وقالت :
ـ اسمعي يا فاطمة أنا أمك ولا يصح أن تخفي عليَّ شيئاً. متى أحسست بذلك؟
ـ منذ قليل.
ـ بسبب أي شيء؟
ـ لا أدري..
واشتد خوف الأم وصارت تقطع البيت في جيئة وذهاب، تنتظر الدكتور.
وبعد ساعة قضتها الأم على أحر من الجمر جاء الطبيب فأخذ في فحصها. وبعد ما انتهى من ذلك أعطى الأم ورقة فيها دواء وقال:
ـ إنها مضطربة الأعصاب، وهي في حاجة إلى هدوء تام ومواظبة على العلاج، وسأفحصها كل يوم فلا تضايقوها.
مضت الأيام، وقامت فاطمة من فراشها ولكنها لم تعد إلى ما كانت عليه من مرح ولم تعد تملأ البيت بحيويتها ونشاطها .. إنها شاردة الذهن، مشغولة البال دائماً، مما جعل أمها وأباها في حيرة من أمرها. لقد فقدوا السعادة التي كانت تملأ بها البيت بين الابتسامة الحلوة، والضحكة العذبة، والروح المرحة المتفائلة وحل بدلا من ذلك ذهول وشرود ذهن، ومسحة من الكآبة يطفح بها وجهها الغض الذي استحال إلى لون الوردة التي صهرتها الشمس فأحالتها إلى ما بعد الذبول من شحوب وجفاف.
ولم تترك الأم سبيلا في الاحتيال على فاطمة لفهم السبب في هذا الشرود الذهني والانحراف النفسي الطارئ والتي كانت تجيب أمها في سؤالها عنه بـ«لا أدري». فتزداد حيرتها ويعظم خوفها على ابنتها فتصرخ بها وتهددها تارة وتبكي وتتوسل إليها تارة أخرى. ولكن ذلك كله كان يزيد فاطمة تكتما وألماً.
مرت بخاطر الأم فكرة رأت من ورائها شبح المشكلة يلوح فعزمت على تنفيذها. وفي صباح يوم من الأيام وبعد مضي أربعة أشهر قضتها أمها في مراقبة دقيقة دون أن تصل إلى شيء، أمسكت بطرف الخيط الذي قد يوصل إلى فهم تلك المشكلة التي أذبلت زهرة البيت فأفقدته أريجها وابتساماتها، وأحاطت شمعته بظلام قاتم.
كانت فاطمة تلمع حذاء أبيها وكانت أمها تصب له الشاي فأخرج من جيبه رسالة وصلته بالأمس وأخذ يتلوها على أمها وسمعته يقول: «هذه رسالة من طارق»، فتوقفت عن المسح وبقيت يدها ممسكة بالفرشة ثابتة على الحذاء واحتبست أنفاسها، وبقيت فاغرة فاها، شاخصة العينين وحانت من أمها التفاتة فدهشت ولكنها لم تقل شيئا، بل اكتفت بمراقبتها ومحاولة إشغال أبيها حتى لا يراها. وكان مستمراً في تلاوة الرسالة ولم يكد يصل إلى قوله: «والذي أتمناه أن أرى حامد وفاطمة وقد وصلا إلى مبلغ من التعلم؛ فالعلم كما علمتم أجمل وأثمن حلية يتحلى بها الإنسان .. يجب أن تعنوا بدراستهما وإن كنتم أرأف مني بهما، ولكنه شيء في نفسي لم أستطع حجبه».
وهنا لاحظت الأم أن يدها قد ارتعشت حتى سقطت الفرشة منها وخافت أن ينتبه أبوها فصاحت بها:
ـ عجلي يا فاطمة!
فاستأنفت التلميع حتى فرغت منه، ثم قدمتهما إلى أبيها فلبسهما ثم خرج. أما فاطمة فراحت كعادتها في كل صباح تنظم ملابس أبيها وأخيها بعد خروجهما، بينما كانت الأم جالسة في الغرفة تستعرض كل ما مر بها من ملاحظات في الأشهر الأربعة الماضية وقالت في نفسها: هل أحبته؟ وهل حبه هو الذي عمل بها هذا كله؟ ورجعت بها ذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي وجدت فيه فاطمة تبكي. اليوم الذي بدأ فيه التغير يظهر عليها، وحاولت أن تربط بين ذلك وبين أول كتاب جاء من طارق. ألم يكن في ذلك اليوم؟ وألم تستلمه هي من أخيها؟ ثم اليوم الذي جاء فيه سرديني ألم تكن تصغي إلى حديثه عنه وتبتسم؟ إنها تحبه وإلا فَلِمَ يطفح وجهها بالسرور. كلما أثنينا عليه وذكرناه بالخير ويعبس ويظهر عليها الغضب كلما ذمه أخوها؟! لم لا أسألها؟! ورفعت رأسها لتتكلم. ولكن فكرة عرضت فمنعتها، فعادت إلى إرخاء رأسها واستأنفت التفكير. ألا يجوز أن أكون مخطئة في استنتاجي فأفتح في قلبها ثغرة قد لا أكون قادرة على سدها؟ إنها ما تزال صغيرة وكل تصرف من هذا القبيل يكون خطأ، لابد وأن يكون عاملا في خلق مشاكل قد لا نستطيع التخلص منها.
وقامت الأم متثاقلة واتجهت إلى الحمام لتتوضأ وتصلي نافلة الضحى وتدعو الله أن ينير لها السبيل في فهم تلك المشكلة وأن يأخذ بيد ابنتها ويعيدها إلى ما كانت عليه لتملأ البيت بهجة وسروراً.
ومضى النهار وأقبل الليل، وجلست الأم وابنتها بعد العشاء يتحدثان.
قالت فاطمة:
ـ يا أمي إني أود أن أقرأ.
ـ ولكنك يا بنت أنت التي رفضت حينما قال أبوك إنه سيأتي بحصة زوجة المطوع عيسى لتدرسك.
ـ كنت متضايقة من كل شيء ذلك اليوم.
ـ لا بأس، سأخبر أباك حينما يعود .. ولكن هل أنت متأكدة من صدقك في هذه الرغبة؟!
ـ نعم لابد من أن أقرأ.
ـ أبشري يا بنيتي فهذا ما نحب .. ولكن قولي هل استفدت من قراءتك على طارق في تلك الأيام؟!
ـ نعم أفدت كثيراً ولو استمر شهرين آخرين لكنت قد استطعت أن أقرأ وأكتب بسهولة.
ـ وما رأيك فيه؟!
ـ من تعنين؟!
ـ طارق.
ـ أنت أعلم به مني.
ـ أنا لم أعرفه إلا بعد ذلك اليوم الذي أصيب فيه.
ـ إنه شاب طيب، وكان يعتني بي أكثر من بنات الجيران.
ـ هل تحبينه؟
وتصاعد الدم ساخنا إلى وجه فاطمة حتى احتقن وكاد أن ينبجس الدمُ خجلا، وعضت على شفتها بأسنانها حتى كادت أن تنقطع، وبقيت صامتة تنظر إلى أمها التي شخصت عيناها وانعقد جبينها وقالت في صوت ملأه الغضب والعنف:
ـ تكلمي أتحيينه؟!
فانفجرت بالبكاء، وعلا شهيقها، وقد غطت وجهها بيديها فجرت عليهما دموعها حتى بللت أكمام ثوبها، فلطمتها أمها بيدها لطمة شديدة وقالت:
ـ والله، لئن لم تنته لأخبرن أباك وهو يعرف كيف يربيك يا كلبة؟
وقرع الباب ففرت المسكينة لائذة بفراشها وأغلقت باب الغرفة عليها، وخافت أن تقول أمها شيئاً لأبيها فأطفأت النور ووقفت خلف الباب وأذنها على ثقب المفتاح لتسمع ما تقول.
ودخل أبوها وسأل:
ـ أين فاطمة؟
ـ في فراشها.
ـ إنها نائمة لأنها تحس بشيء من التعب.
ـ سأذهب لأراها قبل أن أنام.
وارتجفت وزاد خوفها، وأخذت تشد على الباب وكأنها تريد منه أن يمنع أباها من الدخول. ولكن الأم صرفته قائلة:
ـ لا تكدر عليها نومها، والصبح قريب.
إذاً فهي لن تخبره .. وتركت الباب، وارتمت على فراشها وهي تتمنى لو ابتلعها، فلا تراهم عند الصباح، أو لو أنها ماتت حتى تسلم من هذا العذاب وما ينتظرها من أمها وأبيها.
أخذ الليل يمضي بطيئا بطيئاً بين البكاء والأنين .. قلب يخفق، وعين تدمع، وصدر يموج بالزفرات وحلق بح من الشهيق ونَفَس كاللهيب تتابع فيه التنهدات، فرق لها الليل قبل إقلاعه فألقى عليها قبيل الفجر بسنة هزيلة من النعاس، عسى أن يخفف ما بها. وليته لم يسمح بها!
تراءى لها طيف طارق واقفاً بجانبها يناديها ويقول: فاطمة أنا طارق. لماذا لا تنظرين إليَّ؟ ألست تحبينني؟ إني أحبك من كل قلبي. فاطمة لقد تعبت من الغربة لأني لا أستطيع البعد عنك. ومد يده إليها فمدت إليه يدها ولكنها لم تصل إليه. فهنالك حاجز يفصل بينهما فبقي ماداً يده يناديها:
ـ فاطمة! هذه يدي، أعطيني يدك.
.. وانتبهت مذعورة وراعها الظلام المطبق. فأخذت تخبط ما حولها بيديها فلم تجد شيئاً، فأسرعت إلى مفتاح النور ففتحته فامتلأت الغرفة بالضوء فأخذت تقلب طرفها يمينا وشمالا فلم تر أحداً فانكفأت على فراشها، وأخذت في البكاء حتى خارت قواها فاستسلمت لما يشبه الذهول.
وحانت صلاة الفجر فجاءت الأم لإيقاظ ابنتها. فطرقت باب الغرفة دون أن تتكلم وأفاقت فاطمة على الطرق، فقامت من فراشها متثاقلة لتتوضأ ثم تصلي، ثم تبدأ في مساعدة أمها على إعداد القهوة والشاي والإفطار، فحامد يذهب إلى المدرسة وإبراهيم يذهب إلى عمله مبكراً. ولهذا لابد من إعداد كل شيء بسرعة لتواصل فاطمة العمل في البيت فتنظم ملابس أبيها وأخيها ثم تبدأ في تنظيف البيت من أوله إلى آخره. ولكن هل ستستطيع اليوم أن تقوم بذلك كله؟
إن كل شيء يتراقص في عينيها. الدواليب تتمايل والستائر ترتعش والأقداح والفناجين تتراقص كأن كل شيء في البيت يريد أن يهوى إلى الأرض. ثم إنها لم تستطع أن تأكل شيئا. وكانت أمها متنبهة لذلك كله فزاد في حنقها فنادتها: أعطيني ماءً. وكان صوتها ينبئ عما في نفسها وما ستقوله لها ولكن فاطمة على كل حال بادرت إلى ملء الكوب بالماء. ثم أقبلت به ولكنها أصيبت بدوران فسقطت على الأرض وتحطم الكوب وصاحت بها أمها:
ـ هل أنت عمياء أم مجنونة، قومي أخذ الله عمرك.
ولكن فاطمة لم تقم، فصاحت بها ثانية وثالثة ولكن أحداً لم يرد فقامت إليها وحركتها برجلها فلم تتحرك فأسرعت إلى الماء وهي تصيح:
ـ بنتي .. بنتي.
وصارت تصب الماء عليها صبا وتحاول تفويقها حتى أفاقت، فأمسكت بيديها تساعدها على الوصول إلى الفراش، حيث قدر لها أن تلازمه شهرين كاملين عجز خلالهما الدكتور عن أن يقدم لها أي مساعدة.
وقد قلق أبوها وجميع أقربائها من هذا المرض الذي استعصى على الدكتور فهمه وعلاجه، غير أن الأم التي تعاني من القلق والهم أضعاف ما يحمله الجميع هي الوحيدة التي تستطيع معالجة هذا المرض، لأنها هي الشخص الوحيد الذي يعرف أسبابه ولكنها في حيرة من أمرها لا تدري ماذا تفعل؟ .. أتفضي بذلك لزوجها؟ .. ولكن ما الذي سيفعله إذا علم؟ ربما زاد ذلك الأمر تعقيداً .. ولكن إلى متى ستسكت؟! وكادت أن تفعل لولا زيارة أختها مريم العجوز الحكيمة.
لقد فرحت بها عائشة وأحست بأن حملا يزاح من على ظهرها، وصارت تحدث نفسها وهي تسير أمام أختها التي اصطحبت معها زوجة ابنها صالح. إنها امرأة حكيمة مجربة ثم إنها قليلة الكلام، أمينة على السر، وهي بعد ذلك كله أختي فلم لا أستشيرها في الأمر بعد اطلاعها عليه، نعم لابد من أن أفعل. وكانت قد انتهت بهما إلى باب غرفة فاطمة فقالت وهي تفتح الباب:
ـ أهلا وسهلا .. فاطمة هذه خالتك مريم، وشيخة زوجة صالح ابن خالتك.
ورفعت فاطمة رأسها الثقيل وحاولت أن تقوم من الفراش ولكنها لم تستطع وانتهت إليها خالتها فمسحت على جبينها وقبلته.
أما الأم فقد تركتهن وذهبت لإعداد القهوة والشاي ولكنها لم تستطع الانتظار فنادت أختها لتلقي بما في صدرها عليها عسى أن تجد منها العون والمشورة. وكم كانت دهشتها كبيرة حينما سمعت أختها تقول:
ـ إنك مخطئة كل الخطأ .. إن الحب يا أختي شيء يسيطر، ولا يسيطر عليه. إنه ليس في مقدورك أن تنتزعيه من قلبها. بل إن انتزاعه ليس في مقدور أحد حتى هي لو أرادت لما استطاعت. ومادام لم يجر إلى خطأ في السلوك فما المانع منه؟ .. إن طارقاً كما فهمت منك شاب مستقيم وفيه تفاؤل ونشاط، وهو الآن هناك يقف على أبواب مستقبل زاهر ويدل على ذلك تقدمه السريع. ألم تقولي أنه في ظرف سبعة أشهر استطاع أن يستبدل دكانه الصغير داخل الحارة بدكان كبير في سوق الأقمشة؟ .. ألم تقولي ذلك؟
ـ بلى!
ـ وألم تقولي أنه من أسرة كبيرة محترمة؟
ـ بلى.
ـ وألم تقولي أنك معجبة به إلى أبعد حد؟
ـ بلى، كل هذا صحيح.
ـ إذن فمم تخافين ولماذا تؤذين ابنتك؟
ـ إنني يا أختي أخشى أموراً كثيرة.
ـ ما هي تلك الأمور؟! .. خبريني! .. أم أن ذلك سر؟
قالتها وهي تضحك.
ـ كلا يا أختي. لو كان هناك ما يخفى عليك لما أخبرتك بشيء.
ـ إذن فما الذي تخافين منه؟
ـ أخشى من أنه لا يبادلها هذا الحب.
ـ هذا أمر يسير يمكن فهمه من رسائله وهداياه. ألم يخص فاطمة بخاتم زيادة على مساواتها بك؟
ـ بلى، ولكن قد يكون ذلك لأنها صغيرة البيت.
ـ ألم تقل لك شيئاً عن ذلك؟
ـ قالت لي إنه كان يخصها بالعناية بين بنات الجيران حينما كان يدرسهن .. ولكن ربما كان ذلك من قبيل العطف والإشفاق أو مجرد إعجاب.
ـ كل هذا قد يتحول إلى حب، وهذا أمر يسير فهل هناك أمر آخر؟
ـ أخشى ألا يوافق أبوها وأخوها على زواجهما.
ـ ولماذا؟
ـ لا تنسي إنه كان في يوم ما مدرس بنات.
ـ ولكنه اليوم من أفضل الشباب اليوم. ألم يستطع الجمع بين الدراسة والتجارة بنجاح؟؟
ـ بلى ولكن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً .. ثم إن راشد ابن عمها يوشك أن يتقدم لخطبتها.
ـ وهل تفضلين مثل راشد على طارق؟
ـ ليت الأمر لي.
ـ اسمعي عندي فكرة بها نستطيع إبعاد راشد عن طريقها.
ـ وما هي؟
ـ أنت لا تستطيعين رفض راشد بدون سبب ظاهر، أليس كذلك؟
ـ بلى.
ـ وتعلمين أني لا أنوي تزويج عبد العزيز ابني في القريب.
ـ نعم، ولكن ما علاقة ذلك بالموضوع يا أختي؟
ـ مهلا سأخطب فاطمة من إبراهيم لعبد العزيز فإن وافق طلبنا منه أن تبقى المسألة سراً إلى حين، ثم نتدبر الأمر بعد ذلك في إحلال طارق محل عبد العزيز.
ـ وإن رفض؟
ـ عند ذلك يصير لك العذر في رفض راشد.
ـ وكيف؟
ـ الأمر سهل؛ تقولين له رفضت ابن أختي فما أكرهتك فكيف تكرهني إذا لم يعجبني ابن أخيك؟
ـ فكرة رائعة فمتى تنفذ؟
ـ اليوم.
ـ اليوم؟
ـ نعم، اليوم خير البر عاجله.
ـ فليكن ولكن ما رأيك في فاطمة هل أتركها هكذا؟
ـ لا، بل يجب أن تشعريها بأنك معها، لعل ذلك أن يخفف من مرضها.
ـ بل إنها ستشفى تماماً لأن ذلك هو سبب مرضها. إني أعلم ذلك ولكني لم أعرف ماذا أصنع. سأحاول ولكن قبل أن أنسى الغداء معنا اليوم.
ـ أما أنا فسأنتظر لأتكلم مع إبراهيم فيما اتفقنا عليه، أما شيخة فلابد من ذهابها.
ـ ولماذا عبد العزيز وصالح نقول لهما أن يأتيا للغداء وأنتم قد وعدتمونا بالزيارة؟
ـ يوم آخر * إن شاء الله * لأن عندنا ضيفاً اليوم
ـ اتركي الحديث في هذا الآن ولنذهب إلى غرفة فاطمة فقد أطلنا الجلوس هنا وربما تضايقتا.
وهناك بجوار فراش فاطمة دارت أحاديث متواصلة متتابعة متشعبة وقد لا تكون مترابطة، ولكنها معركة كلامية تحاول كل واحدة منهن أن يطغي صوتها على أصوات الجميع كما هي عادة النساء، ولكن واحدة منهن استطاعت أن تسيطر على الجميع .. إنها الخالة مريم التي ركزت اهتمامها في مشكلة ابنة أختها فحاولت بحكمتها المعهودة أن تجر الحديث إلى طارق، فانقادت له أختها وانتعشت به روح فاطمة.
أما شيخة فسارت مع الركب كارهة ولم تكد تستمر في حديثها عنه والسؤال عن أخباره حتى انطلقت عائشة في عد مناقبه والثناء عليه، ثم قامت وغابت قليلا لتأتي وفي يدها لفافة وضعتها وأخذت تكشف عما فيها، وهي تقول: لقد بعث بهذه الهدية إلينا من دكانه الذي افتتحه هذه الأيام ستة ثياب، لي ثلاثة وثلاثة لفاطمة وستة رجالي لحامد وأبيه. ورفعتها إلى فاطمة قائلة:
ـ أليست جميلة؟
ـ إنها رائعة؟
ورأت الأم تلك الابتسامة التي بعد عهدها بها واشتد حنينها إليها، رأتها ترتسم على شفة فاطمة وهي تقول:
ـ لابد أن أهدي إلى شيخة واحدة منها، اختاري.
أرعشت الفرحة جسم الأم، فاهتز القماش في يدها وهي ترفعه إلى أختها لتختار هي أيضا منه ما يناسبها. وأحست فاطمة بالتغير الطارئ على أمها، فبدأت الحياة تدب في جسمها دبيب الماء البارد في جسم الظمآن .. إنها تتحسن في سرعة متواصلة وكأنها تخشى من أحد أن يسد عليها باب الحديث، إنها لا تريد أن تسكت .. ربما كانت تريد أن تعوض نفسها من ذلك الكبت الذي عانت منه في الأيام السابقة. إنها تتحرك بخفة لم تُعهَد منها منذ شهور، وتقوم وتقعد، كثيراً وتتلفت يمينا وشمالا، وكأنها تبحث عن شيء فقدته، فتباشر من في الدار بذلك، ولم يكد والدها يدخل حتى قابلته أمها تبشره، فأسرع إليها مسروراً، واحتضنها وهو يقبلها والدمع يسيل من عينيه ولسانه يلهج بالحمد والثناء لله الذي من عليه بشفائها، ثم قام لتغيير ملابسه.
وقبل أن يدخل الغرفة نادته زوجته:
ـ أبو حامد أختي تسلم عليك.
ـ أم صالح؟ أهلا وسهلا .. يا مرحباً .. قدومك مبارك يا أم صالح.
ـ الواقع يا أبا حامد أن وجه فاطمة لم يسفر ولم ينطلق لسانها إلا بعد ما رأتها.
ـ إنها امرأة صالحة ودعاء الصالحين غير مردود والحمد لله الذي شملنا ببركاتها.
وعلى هذا النمط من الفرحة والابتهاج مضى اليوم مسرعاً، وكانت الخالة مريم تحاول اصطياد الفرصة لتتحدث مع إبراهيم إلى أن حان العشاء وجاء ابنها لأخذها فطلبت من أختها أن تستأذن لها إبراهيم، لأنها تريد أن تتحدث معه. فانفردت به في غرفة ثم خرجت وتلقفتها أختها متلهفة لمعرفة ما دار بينهما فغمزت يدها. فهزت لها يدها ففهمت أنه رفض ولكن ماذا قال؟
سارت معها إلى الباب لتوديعها فأفهمتها أنه يقول إنها صغيرة ولا بأس من ترك هذا الموضوع إلى حين، وطمأنتها بالوعد بالعمل على نجاح الخطة، ثم خرجت بعد أن ودعتها.
وعادت عائشة إلى زوجها فأبصرته منسجما مع خطاب في يده يقرأ فيه. فسألته:
ـ خيراً * إن شاء الله * ..
ـ ماذا تعنين؟
ـ إنك تقرأ وتبتسم.
ـ نعم، لقد أصبح طارق تاجر أقمشة كبيراً.
ـ ماذا؟
ـ اسمعي ما يقول .. «سيدي ووالدي العم إبراهيم. لقد عزمت على نقل دكاني إلى الرياض وأرجو تكرماً منكم لا أمراً عليكم.
ـ لا أمراً؟!
ـ اسمعي يا بنت الحلال . «لا أمراً عليكم أن تكلفوا شخصاً باستئجار دكان كبير داخل السوق، وفي وسطه في أقصى سرعة ممكنة لأني آخر الشهر عندكم ودمتم. سلامي لكم جميعاً خاصة الوالدة أم حامد وأخي وأختي ودمتم .. ابنكم طارق».
ـ يعني بعد عشرة أيام سيأتي طارق؟
ـ عشرة أيام .. ماذا؟ .. إن هذا الشهر ناقص، بعد تسعة أيام يكون تاجر الأقمشة طارق هنا.
وانتهزت عائشة فرصة ذهابها لإحضار الماء الذي طلبه إبراهيم فأسرعت إلى فاطمة لتهمس في أذنها:
ـ سيأتي طارق بعد تسعة أيام ليتجر في الأقمشة هنا. إنه قد أصبح تاجر وسيتحقق أملك بحول الله. ولكن احذري من أن يلاحظ عليك أبوك شيئا فتفسد الخطة.
ـ أية خطة تعنين؟!
.. أرادت فاطمة أن تسأل أمها غير أن نَفَسها الذي احتبس عند سماع الخبر المفرح لم يرجع إلا بعد خروج أمها من الغرفة، فبقيت في خليط من الفرحة والتفكير فضاق بها الفراش، وأخذت تدور في الغرفة وتناجي نفسها بصوت مهموس وتضغط على أصابعها المرتجفة وتعد:
1-طارق سيأتي.
2-وسيأتي تاجراً.
3-وسيتحقق الأمل.
4-ثم احذري كي لا تفسد الخطة.
5-وأمي التي كانت تتوعدني وتهددني تتغير فجأة فتأتي لي بهدية طارق التي لم أعلم بها وكانت قد أتت من شهور وتخبرني بهذا كله وفي يوم واحد.
ما السبب؟ هل لمجيء خالتي علاقة بذلك؟ أم ماذا؟ إنني في حيرة ولكن كل هذا غير مهم، مادام طارق سيأتي ومادامت أمي قد تحولت إلى أكبر مساعد لي.
وارتشفت ريقها كأنما تناولت أعذب مشروب، وواصلت الدوران في مشية تشبه الرقصة وهي تقول لنفسها: أريد أن أعمل شيئاً لا أريد أن أبقى هكذا. نعم فليكن شاياً أقدمه لأبي. فلقد بعد عهدي بذلك. وأسرعت إلى المطبخ. وما هي إلا لحظات ودخلت على أبيها وعلى يدها صينية الشاي وضعت فيها الإبريق والفناجين. ثم غطتها بمنشفة وجاءت لتقدمه إلى أبيها. فدهش من الفرحة لأنه لم يكن يتوقع مثل هذا من فتاة طريحة الفراش منذ شهور وقال مخاطباً الأم:
ـ طارق سيأتي وفاطمة شفيت في يوم واحد.
ـ هذا كثير؟!
ـ لا يستكثر شيء على الله..
وارتجفت يد فاطمة حينما سمعت اسم طارق وعثرت قدمها وكادت أن تسقط بالصينية وما فيها لولا أن أمها تلقفتها بسرعة وهي تقول:
ـ معذورة! .. إنها مريضة، بركة منها أن استطاعت إعداده والوصول به.
ولم تكن الأم ترغب في مجيء فاطمة في تلك اللحظة، فطلبت منها أن تذهب لتعمل لهما كوبين من الحليب .. وفهم الأب مقصدها، فلم يعترض.
ولما خرجت فاطمة قالت الأم لإبراهيم :
ـ ولكن .. هل كلمتك أختي في شيء؟
وعصفت بجسمه هزة عنيفة من جراء الضحكة القوية الساخرة التي غرق فيها، فانتثر الشاي الذي كان في يده فأخذته منه لتمسح خارجه ثم تعيد ملأه ثم وضعته أمامه ثم أتت بمنشفة مبللة بالماء لتمسح بها الشاي المتناثر وهي تقول:
ـ ما الذي يضحك؟
ـ ألا تعلمين؟
ـ لا .. أختك.
ـ وما الذي يضحكك منها؟
ـ نكتتها!
ـ نكتتها؟! .. أختي انفردت بك لترمي لك نكتة.
ـ نعم، بلا شك! .. إنها غير جادة وإلا لما طلبت مني أن أدفن فاطمة حية!
ـ أختي طلبت منك ذلك؟
ـ نعم.
ـ لا .. يبدو أنك غير طبيعي هذه الليلة.
ـ أبداً والله بل أنا في غاية الانبساط.
ـ ألم تطلب منك يد فاطمة؟
ـ بلى.
ـ وقبلت؟
ـ لا..
ـ ولماذا؟
ـ لأنه من ذوات الثلاث.
ـ ذوات ثلاث وذوات أربع ماذا؟ .. أتسخر؟
ـ يا سلام. لو كان من ذوات الأربع لكان أليق.
ـ على كل حال أنا لا أريد مخالفتك في شيء، ولا أستطيع إكراهك على قبول ابن أختي وغاية ما أطلبه منك. ألا تزوج فاطمة لأي رجل لا أرضاه.
ـ لك ذلك .. فأنا لا أستطيع إكراهك أيضاً.
وتمر الأيام سراعاً، ويستأجر إبراهيم الدكان، ويصل طارق من الطائف بأقمشته وملابسه النفيسة، ويفتح الدكان، ويشتغل فيه بكل نشاط، ويساعده الحظ بفضل صدقه وأمانته وحسن معاملته وتوفيقه في اختيار نوع البضاعة؛ فيقبل عليه الناس ويحوز شهرة عظيمة، فيضطر إلى نقل دكانه الصغير إلى معرض كبير بشارع الوزير.
غير أن ما وصل إليه من ثراء واسع ومنزلة عالية بين تجار المدينة ووجهائها لم ينسه أمله الوحيد الذي كان يستمد منه قوته ونشاطه ويستوحي منه أمله وسعادته (فاطمة) .. فطوم التي ما فتئت تلازم روحه ملازمة الظل للجسم.
لقد حاول أن يطلب يدها من أبيها .. لكنه كان يرهب الصدمة التي قد يصاب بها لو رفض أبوها طلبه. ففضل أن يعيش على أمل تحقق حلمه، تاركا الفرص لتفعل له المعجزة فاكتفى بالمراسلة عن طريق نفائس الأقمشة التي كان يبعث بنماذجها إلى بيت إبراهيم قبل عرضها في السوق، لترى أول ما ترى على حبيبته التي تعبر عما يشتعل في قلبها من حب وشوق بعبارات مقتضبة، كانت تبعث بها مع الخادم سرديني الذي ينطلق بها مسرعاً إلى طارق، الذي كان ينفحه ببعض من النقود كلما أتى إليه منها بخطاب أو ذهب إليها منه بمثله. غير أن البيئة لا تسمح ببسط الإحساسات والمشاعر وشرح الأشواق والآلام وعرض الآمال والأحلام؛ لذا كانت رسائلهما عبارات مقتضبة تشبه الإشارات.
فقد يتكون جوابها من «جمال اختيارك يدل على صفى ودك». وقد يكون جوابه على رسالتها «رضاكم هو الأمل الذي نسعى إليه».
وذات يوم وبينما كان طارق يستقبل زبائنه إذا بباب المعرض ينفتح وإذا بسرديني يدخل فأسرع إليه طارق عسى أن تكون معه رسالة، غير أن سرديني لم يرسل الباب بل أمسك به لتدخل سيدة يبدو من تصرفاته أنه يحترمها كثيراً، فيقف طارق مرتبكا إذ أنه ليس من عادة سرديني أن يأتي معه بسيدات، ثم إن فاطمة وأمها ليست من عاداتهما أن تأتيا إلى السوق لقضاء حاجاتهن، بل كانت حاجاتهن تأتي إليهن في البيت. فمن هي هذه المرأة؟ حقق طارق النظر وهو مازال على مسافة منهما فتبين أن السيدة هي أم فاطمة فأسرع إليها وهو يقول:
ـ أهلا وسهلا .. أهلا ومرحبا .. اليوم أعظم عيد .. ذا شرف كبير للمحل يا أمي.
فردت التحية مختصرة ورفعت قطعة من القماش وهي تقول:
ـ ما اسم هذا؟ ما اسم هذا؟!
ولم تنتظر الجواب بل التفتت إلى الخادم سرديني وقالت اذهب واحضر لي شنطة اليد التي في السيارة.
ثم دنت من طارق وقالت له:
ـ اسمع قبل أن يأتي الخادم .. إن فطوم قد خطبها ابن عمها وهي على ما يبدو لا تريده .. وأظنك تحبها كما تحبك .. فإن كنت تريدها فتقدم إلى أبيها الليلة واطلبها منه بحضوري، ثم أترك الباقي عليَّ، مع السلامة.
ثم ذهبت بسرعة إلى خارج المعرض، وما هي إلا لحظة حتى اختفت، وقد بقي طارق جامداً في مكانه .. إنها مفاجأة غير منتظرة رمته بها أم فطوم ثم انصرفت، تاركة الوساوس والأوهام تكتنفه من كل جانب، وهي تشير إلى مستقبل مجهول المعالم والقسمات لذلك البيت السعيد الذي كان يعيش ويعمل على أمل تحقيقه .. البيت الذي تقيم دعائمه فطوم الفتاة التي ما أحب قبلها ولا بعدها فتاة.
لحظات رهيبة كادت أن تفقده شعوره يناديه المشرف على المعرض ليجيب على أسئلة بعض الزبائن فلا يرد، بل يبقى منقلا نظره بين رواد المعرض وموظفيه وكأنه يبحث بينهم عن أحد .. ثم انطلق خارج المعرض دون أن يلفظ كلمة واحدة وهو لا يدري إلى أين يذهب.
لابد أن يفارق هذا الضجيج الذي سمعه لأول مرة مزعجا وكان قبل تلك اللحظات في أذنه أجمل من أعذب الأنغام! .. وانطلقت به سيارته مسرعة وما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه أمام فلة إبراهيم وتردد في الوقوف لأنه لم يقصدها. ولكن نفسه غلبته فأوقف السيارة وغادرها دون أن يغلق الباب وأخذ يضغط على زر الجرس بيد مرتعشة وجاء سرديني الخادم لينظر من بالباب فأبصر طارقاً وقد تغير واصفر لونه فعرف أن الصدمة كانت عنيفة. أمسك بيد طارق واتجه به إلى سيارته ورد الباب وراءهما وهو يقول:
ـ تعال يا سيدي امض بنا سريعاً أريد أن أتكلم معك.
ولاحظ سرديني أن طارقاً في حالة اضطراب عنيف لا يمكنه معه أن يقود السيارة. ففتح له باب المقعد الخلفي وطلب منه أن يترك له أمر قيادة السيارة فلم يمانع طارق وركب صامتا وانطلق سرديني بالسيارة وهو يحدث طارق:
ـ سيدي إن عمها وابنه في البيت وحامد وأبوه الآن في صراع مع أمها التي رفضت قبول ابن عم فاطمة ودخولك عليهم في هذه الحال غير مناسب .. فانتظر اليوم وأنا آتيك بالخبر الليلة بعد العشاء.
ووصلا بعد قليل إلى منزل طارق فدخل معه سرديني ليطمئنه، ولكن الذعر من نجاح ابن عمها قد حوله إلى طفل صغير يقف أمام المشكلة حائراً لا يجد حلا سوى البكاء .. فانفجر باكيا، وصار ينتحب كما تنتحب الفتاة المقهورة المغلوبة على أمرها!. ولكن سرديني نزع غترته ومسح وجهه بالماء وهو يقول:
ـ اطمئن فلن ينجح ابن عمها وسأقتله إن استدعى الأمر ذلك!
ـ تقتله؟ .. لا .. إني لا أستطيع أن أبني حياتي على دم!
ـ سيدي كن مطمئناً إني متحقق من صلابة أمها.
ـ ولكن الكلمة هنا للأب.
ـ نعم، ولكنه كما أعرف يعز أم حامد ولا يستطيع إغضابها وإكراهها على مالا تريد وهي لا تريد راشد ابن عمها
وصمت هنيهة وأكمل:
ـ وكذلك فطوم! .. علمت أنها لا تريده ولن توافق عليه أبداً!
ـ وهل لها من الأمر شيء؟!
ـ نعم، إن إبراهيم كما تعلم ورع تقي. والإسلام يفرض استشارتها.
ـ وهل سترفض حقيقة؟! .. إني أشك! بل إن الوساوس تكاد تخنقني الآن.
ـ قلت لك : كن مطمئناً، بعد أربع ساعات آتيك بالخبر.
ـ في أمان الله.
ـ في أمان الله!
ثم شيعه إلى الباب، وأراد أن يوصله في السيارة فرفض سرديني محتجاً بأن له حاجة في بيت قريب لابد من أن يمر به، والحق أنه إنما رفض، لأنه يخشى ألا يتمكن طارق من الرجوع بالسيارة، لأن الإجهاد قد بلغ منه كل مبلغ!
ومضى سرديني مخلفاً وراءه طارقاً الذي وقف بالباب يشيعه بنظرات كلها استعجال واستجداء، واختفي سرديني عن عيني طارق ولكنهما بقيتا مرتميتين على آخر الطريق الذي اختفى فيه. وأنهما تنتظران عودته منه بعد غياب. كانت يده اليمنى ممسكة بالباب واليسرى قد اعتمد بها على الجدار وكان في شبه غيبوبة لا يفكر في أي شيء. فأخذته سنة من النوم فتمايل وكانت سيارة شحن قد أقبلت ولم ينتبه لها فخاف صاحبها من سقوطه فضغط على المنبه ضغطة قوية نبهت طارقاً فدخل وأغلق الباب.
وهناك في داخل البيت تقاذفته الأوهام والظنون كل مقذف، فرمى جسمه المتهالك على مقعد مكتب البيت، وامتدت يده إلى درج كان يجمع فيه قصاصات الورق التي كانت تصل إليه منها، فتناول القصاصات وصار يؤلف بينها بحسب ترتيب وصولها. غير أن ارتعاش يديه لم يمكنه من الترتيب لأن صورتين من صور الوهم كانتا تتعاورانه. فتارة يتصور نجاح ابن عمها فيعصف الألم بقلبه عصفاً عنيفاً. وأخرى يتصور فشله ونجاح الأم فينتعش وتسري في جسمه موجة من الفرح فيرفع القصاصات ويقبلها في شوق عارم كأنما يريد أكلها..
وبقي على تلك الحال حتى دخل عليه موظفو المعرض الذين كان قد أسكنهم معه، لأنهم كانوا جميعاً من الغرباء المساكين الذين تعمد هو انتقاءهم رحمة لهم وإحسانا إليهم، فتفانوا في خدمته وأخلصوا في أعمالهم وكان ذلك من الله بمثابة التشجيع له على أعمال الخير، فاستقبلهم ببشاشته المعهودة، وانصرف كل واحد منهم إلى ما خُصص له من عمل في البيت، وكان قد اختص نفسه من أعمال البيت بإعداد القهوة والشاي إذ لم يرض أن يكون بينهم بلا عمل وإن كانوا قد حاولوا منعه في أول الأمر ولكنه رفض بإصرار.
ومضى الجميع يعملون ويتحدثون بأصوات مرتفعة تملأ البيت لغطاً وضجيجاً وهم يواصلون العمل. فهذا يشتغل في المطبخ يقطع البصل والخضار ويعد العشاء، وذاك ينظف البيت، وآخر ينفض الفرش ويسويها، ورابع يغسل الآنية ويعد الماء وما إليه وكانت أصوات الأربعة مرتفعة كعادتها، أما الصوت الخامس (صوت طارق) فكان مفقوداً، ولم ينتبه أحد منهم لذلك.
غير أن فارس الذي دخل على طارق ببعض الآنية والفناجين ذعر حينما رأى طارقاً، فسقطت منه الآنية وهو يصيح: يدك... يدك.. أحرقتها القهوة.
فرفع طارق رأسه ويده وهو يقول * وكأنما أوقظ من نوم عميق *:
ـ هه.. آه... آه..
وجذب يده بقوة وهو يقاسي ألم الحروق. وصاح فارس بالآخرين، وأسرع الجميع إلى الشاش والقطن والمرهم فضمدوها، ثم طلبوا منه أن يترك مكان القهوة فرفض قائلا :
ـ إنه عملي ولابد من أن أتمه فأتموا أعمالكم.
ـ ولكن يدك محروقة فارحم نفسك.
ـ إن يدي الأخرى سليمة وأستطيع أن أتم بها عملي فامضوا إلى أعمالكم.
وأتم إعداد القهوة والشاي بيد واحدة ثم قام واتجه إلى سريره فاستلقى عليه وهو يئن من الألم.
ولكن عينه وقعت على الساعة المعلقة فنهض مذعوراً ونادى:
ـ الصلاة.. لقد تأخرنا إن الساعة الثانية والنصف.
ـ ولكن العشاء جاهز.
ـ نصلي أولا.
وانتهت الصلاة ثم قدم العشاء وأخذوا يأكلون بنهم دون أن ينتبهوا لطارق الذي كان يضع يده في الإناء ثم يرفعها شبه فارغة، فلما قام انتبه الجميع فأبصروا ناحيته لم يتنقص. فنظر بعضهم إلى بعض وسؤال واحد يدور بينهم فيزيد من حيرتهم، لأنهم لا يجدون له جواباً. إن طارق غير طبيعي، فما السبب؟ لا أحد يدري وليس فيهم من يجرؤ على سؤاله فارتبك الجميع، وأخذ كل واحد منهم يتفقد تصرفاته وحركاته في يومه خوفاً من أن يكون قد صدر منه ما لا يرضيه.
ترك الجميع السفرة وأخذوا في إتمام أعمال البيت، ولكنهم كانوا يقبلون ويدبرون في صمت رهيب، وساد البيت سكون تام .. حتى المذياع كان صامتاً، لأن طارقاً لم يجلس بجواره كعادته. وحينما جمعهم نداء سيدهم لشرب الشاي لم يجرؤ أحد منهم على مفاتحته وتناول كل واحد فنجاناً وصار يتجرعه كما يتجرع علقماً أو حميماً .. وقد تعلقت أنظارهم جميعاً بطارق الذي كان بعيداً عنهم لا يشعر بنظراتهم وإن كان جالساً بينهم. فقد كانت نظراته منصبة على الأرض التي كان يحرك أصبعه عليها، وكأنه يريد أن يخترقها ليلقي بهمومه ووساوسه في باطنها لتموت هناك فيستريح من ضغطها العنيف على دماغه الذي يكاد أن ينفجر.
وخفق قلبه خفقا عنيفا ورفع يده ورأسه في حركة عصبية وشخص بصره إلى الباب. رباه إنه يطرق فهل يكون سرديني؟ وماذا يحمل؟ إني خائف. وتتابعت ضربات قلبه وقال والعرق يتصبب من جبهته:
ـ إذا لم يكن سرديني فأنا غير موجود.
وكانت الفترة القصيرة ـ مابين ذهاب الخادم ليفتح الباب ودخول القادم ـ من أعنف الفترات التي مرت بطارق .. لقد كاد فيها أن يفقد عقله لولا أن الله تداركه بدخول سرديني وهو يضحك، مردداً:
ـ الحمد لله.. الحمد لله..
فبادره طارق قائلا بصوت ملأته الفرحة والاضطراب:
ـ طردوه؟!
فأجاب سرديني:
ـ كلا يا سيدي.
عصفت كلمة «كلا» بطارق، وصاح به في صوت متهدج، وقلبه يكاد أن يتمزق:
ـ إذن علام تحمد الله؟
أجاب سرديني:
ـ اطمئن ياسيد ي فالأمل أقوى وسأروي لك ماحدث.
ـ عجل إني لا أطيق الانتظار أكاد أن أجن.
وألح طارق على سرديني أن يتحدث ونسي أن موظفي المعرض وخدمه عندهم. غير أن سرديني طلب منهم إخلاء المكان فأسرعوا إلى الخروج وهم يتهامسون:
ـ ما هو هذا الرفض الذي يتلهف عليه طارق والذي قلب كيانه؟ .. ولكننا مادمنا قد أمنا من أن يكون تغيره بسببنا فما علينا إلا أن نحمد الله، وإن طلب منا المساعدة في أمر فسنعمل المستحيل وإلا فلا شأن لنا بشيء.
وبعدما أغلق سرديني الباب اتجه إلى طارق ليقول:
ـ سيدي.
فقاطعه قائلا:
ـ أخبرني بالنتيجة أولا ثم أوجز في الكلام.
ـ لقد أصرت سيدتي على الرفض فقامت معركة بينها وبين حامد، وكانت واقفة بجواره فأمسكت بعضده وقالت : أنا أعرف منك بمصلحة أختك.
وقاطعه طارق:
ـ قلت لك أخبرني بالنتيجة أولا هل قبلوه؟
ـ كلا، لقد اختلفوا، فحامد في جانب والباقون في جانب.
ـ تعني أن حامداً يريد تزويجها من راشد.
ـ نعم، ولو بالقوة كما زعم.
ـ القوة؟ .. ومن يقف في صفه؟
ـ كان عم إبراهيم في صفه قبل أن يضرب أمه.
ـ إبراهيم يضرب عائشة؟
ـ كلا يا سيدي .. حامد هو الذي ضرب أمه.
ـ ضرب أمه؟ .. قبحه الله من ولد عاق! .. كيف كان ذلك يا سرديني؟
ـ قلت لك أن سيدتي كانت ممسكة بعضد حامد وهي تقول : اسمع يا حامد أنا أدري بمصلحة أختك .. إن راشد لا يصلح أن يكون زوجاً لها. وكان الغضب قد تملك حامداً فنفض يده من يد أمه بقوة، فضربت يده صدرها ضربة عنيفة أسقطتها على ظهرها فثارت ثائرة إبراهيم فأخذ يصفعه بنعله وهو يقسم ألا يزوجها من راشد الذي كان السبب في هذا العقوق.
وتوقف سرديني عن الكلام، فرفع طارق رأسه وهو يجتذب نفسه المحتبس وقال:
ـ ثم ماذا؟
ـ لا أدري، لقد انطلقت من مخبئي خلف النافذة التي تطل على الحديقة خوفاً من أن يبحث عني حامد الذي خرج من الغرفة بعدما تخلص من أبيه، أو أن يخرج من الباب الخلفي فيراني فيحدث مالا تحمد عقباه.
ـ حسن جداً يا سرديني؛ فمعارضة حامد غير مهمة.
ـ ولكنه قد أقسم ألا يتزوجها إلا راشد ولو أدى ذلك إلى قتل من يتقدم لخطبتها.
ـ حامد يقتل أحداً؟!! .. وربك ولا دجاجة!
ـ لقد قال له عم إبراهيم:
ـ أنت تستطيع ضرب صدر أمك، أما قتل الرجال فلست كفؤاً لقتل دجاجة!
ـ إني يا سرديني أخشى من أن يخلق هذا القول في نفسه عقدة ربما تدفعه إلى ارتكاب مثل هذه الجريمة في المستقبل.
ـ هل تخشاه يا سيدي؟
ـ كلا، فلن يستطيع أن يمسني بسوء، ولكني أخشى من أن يخلق لأهله متاعب. لقد أصبحت أحبهم جميعاً .. إنهم أسباب سعادتي، ولا يمكن أن أنسى أعمالهم الطيبة معي .. لقد فُتحت لي أبواب الخير على أيديهم. ونظر سرديني إلى الساعة التي كانت في يده فنهض وهو يقول:
ـ استأذنك يا سيدي، فقد بلغت الساعة الخامسة.
ـ في أمان الله.
ـ ولكن لا تنس أن تخبرني بكل ما يجد.
ـ اطمئن، فسوف أحرص على فتح أذنيَّ وعينيَّ على كل شيء.
وفي الصباح الباكر ذهب طارق إلى بيت إبراهيم فوجده مع زوجته يشربان الشاي، فقدما له فنجانا فرفض شربه إلا إذا لبيا طلبه فوعداه بذلك فتناوله وهو يقول:
ـ يا عم، إني أطلب يد فاطمة .. إني ابنكم وتعرفون عني كل شيء، وهي أختي .. ما أظن أحداً سيسهر على راحتها أكثر مني.
رفع إبراهيم رأسه وكان مطرقا أثناء حديث طارق ونظر إلى زوجته التي سرت في جسدها رعشة، وهي تشد على أصابع يدها بالأخرى .. لا تدري ما الذي سيقوله إبراهيم. وتبودلت نظرات تساؤلية بينهما .. أما طارق فصار يلوم نفسه على هذا التسرع ويحدث نفسه بتكهنات وتوهمات .. هل تسرعت حقيقة؟ إنهما قد تشاجرا مع ابنهما البارحة، ومازال أثر هذا الشجار في نفسيهما. لو تأخرت يوما أو يومين ألم يكن أنسب؟ إن صمتهما يخيفني .. إن طلبي لم يوافق هوى في نفسيهما وإلا لماذا هذا الصمت؟ .. ولماذا هذه الحيرة التي تظهر على وجهيهما؟!! رباه أكاد أفقد أعصابي. لماذا لا يتكلمان؟ على أي حال انتهى الأمر ولابد من جواب سأتكلم ..
وبصوت قلق ملأه الاضطراب قال وهو ينظر إلى الأرض ويخط عليها بيده المرتعشة:
ـ عمي لماذا سكت؟ هل في طلبي إحراج إذا كنت لست بالجدير بها فقولوا: لا .. لست بالغريب!
ـ كلا .. كلا يا ابني .. معاذ الله. ولكن هذا أمر يحتاج إلى التدبر والتأني. فأمهلنا يومين أو ثلاثة وأنا سأعطيك الرد!
ـ على أي حال سأنتظر الرد، وإن كنت لا أطيق الانتظار.
ومضى شهر كامل كان مملوءاً بالمشاجرات العنيفة بين حامد من جهة ووالديه من جهة .. وكان إبراهيم يطلب من طارق الإمهال كلما اتصل به.