الفصل الثاني

6 0 00

الفصل الثاني

خطوات على الطريق

........................

كان طارق يستمع إليه وهو مطرق الرأس، وكأنه ينفض عنه تلك الأفكار السود التي تلبدت في دماغه حتى أفقدته التفكير فبقي صامتاً لم يتكلم بشيء عندما سكت الشيخ مما جعله يواصل الحديث قائلا : سأعطيك على ذلك أجراً لا بأس به عشرون ريالا كل شهر أي أربعون ومئتا ريال في السنة. وستأكل وتشرب هنا وتنام إن شئت ولك مني كسوتان في السنة فما رأيك؟

واستمر طارق في صمته وإطراقه وإمارات الحيرة تلوح على جبينه الذي بدأ ينضح بالعرق، وكأنه يريد أن ينم عما يعتمل في نفس ذلك الشاب الذي مازال يحيا في بقايا معركته مع الجوع في تلك الأيام الثلاثة الماضية.

طيفان يتصارعان في مخيلته: طيف الجوع الذي طواه، وطيف اليسر وسعة العيش الذي يعرض عليه الآن وهو متأرجح بينهما لا يدري أيجيب داعي النفس فيطرد الأول ويقرب الثاني؟ أم يجيب داعي المجتمع الذي يعيب على مثله تعليم البنات لأنه من أسرة عريقة في حسبها ونسبها؟.

وبعد مجهود كبير بذله في المفاضلة بين هذين الطيفين، رفع رأسه واتجه إلى الشيخ قائلا : ليس لي من أحد أستشيره ولكني سأستخير الله، فأمهلني إلى الظهر.

وافق الشيخ على ذلك. ولما ذهب طارق إلى المسجد صلى ركعتين دعا فيها بدعاء الاستخارة ثم نام. ولما استيقظ وجد نفسه قد عقدت العزم على الموافقة.

وفي صباح الغد بدأ العمل في تعليم البنات الخمس. وكان للشيخ أبي البنات جار من أثرياء الرياض وتجارها له من الولد اثنان: ابن وبنت. فلما سمع بأن جاره قد أتى بمعلم لبناته استأذنه في أن تشترك ابنته معهن. فرحب الشيخ بذلك فالتحقت فطوم بنت إبراهيم بالدراسة على طارق مع بنات الشيخ.

ولم يسر طارق بالتحاقها أول الأمر لأنه كان يرى أن تلك المهنة غير شريفة. فكان يتستر، لأنه يخشى من انتشار الخبر في المدينة بسبب التحاق بنات الجيران. فصار يلتمس الفرص لتخلفها ويهيئ لها الأسباب ليتخذ منه وسيلة لطردها بحجة أنها ستكون سبباً في تخلفهن. غير أنه لم يكد يمضي شهر حتى أبدت فطوم تفوقاً عظيماً على زميلاتها. وكانت بلباقتها في الحديث وحسن أدبها وتلقيها للدرس وخفة روحها وسبقها لزميلاتها سبباً في تغير نظرة طارق إليها. بل لقد أعجب بها أيما إعجاب. فتحول إهماله لها إلى عناية، وتربصه بها إلى خوف عليها.

وفي يوم من الأيام جاء بعد الظهر ليواصل العمل في تدريس تلميذاته الست، ولكنه لم يكد يصل إلى باب البيت حتى فوجئ بأبشع منظر :أجسام محترقة، ودخان يملأ الفضاء، ونيران تشتعل داخل بيت أصحابه .. والكل يصيح: النجدةَ النجدة. فاقتحم البيت المشتعل وأبصر الأيدي تشير إلى فتاة حالت النيران دونها وأنسته بشاعة المنظر نفسه، فاقتحم النار إليها ولفها فيما حولها من ثياب. وقطع النار بها إلى الخارج ولكنه لم يكد يجاوز المكان المشتعل حتى سقط مغشيا عليه، فبادره أبوها فحملوه إلى بيتهم، لأنها كانت فطوم بنت الجيران التي انضمت إلى تلميذاته لتدرس معهن. وبقي طارق في بيت إبراهيم ثلاثة أيام لا يتكلم، بل إنه بين الحياة والموت. فقد أحرقت النار كل جسمه ماعدا الوجه واليدين.

غير أن إبراهيم كان من أغنياء المدينة ووجهائها فعمل المستحيل لإنقاذ طارق الذي أنقذ ابنته الوحيدة فنصحه الأطباء أن ينقله إلى مكان أكثر هدوءاً وأنقى هواء لخوفهم من أن يكون الحادث قد أثر على عقله؛ فتلعثم كلامه، وتعثر لسانه وصيحاته المتوالية «النار .. النار » تنبئ بذلك.

كان إبراهيم قد بنى له خارج البلد فلة كبيرة على طراز لم يسبق لمدينته إن رأت مثله، وإن كانت هذه الأيام تغص بما هو أجمل منها بكثير. غير أن وجود بيت مبني بالمسلح على طراز خاص وتحيط به الأشجار من كل جانب. كان يبدو في تلك الأيام أمراً غريباً وكان خوف إبراهيم من العين ومن أن تلوك ألسنة الناس سيرته بمثل قولهم «أطغته الدراهم»، فزهد في بيوت آبائه وأجداده أو وصفه بالإسراف والبذخ. من أجل ذلك أجل إبراهيم الانتقال إليها، ولكن حرصه على مكافأة طارق على ما عمله من أجل ابنته جعله ينسى ذلك كله، بل ويبني في جانبها غرفة وحمام لطارق وأتى له بخادم خاص يقوم على خدمته وملاحظته إذا ما غاب هو وابنه عن البيت.

ومضى شهر على الحادث شفي خلاله طارق من جميع الجروح التي أصيب بها. غير أن هناك مرض أخطر من الجروح خلفه الحادث المرعب في أعصاب طارق مازال يلازمه كلما جاء وقت الحادث أو سمع حديثاً عنه، صراخ وهذيان وارتعاش متواصل لا يهدأ إلا إذا أتى الدكتور فأعطاه إبرة منوِّمة يغط بعدها في نوم عميق يصحو بعده. وقد ذهبت عنه النوبة فيبدو طبيعياً في كامل الصحة والعافية.

ودفع اهتمام إبراهيم بطارق الدكتور إلى أن يبذل كل ما في إمكانه لإنقاذ طارق فتقدم على يده شيئاً فشيئاً حتى شفي تماماً.

وكان الربيع قد حل، فاخضرت الأرض وكثرت الأعشاب والغدران وطاب الخروج إلى البر. غير أن حرص إبراهيم على صحة طارق جعله يرفض طلب أولاده الخروج. أما وقد شفي وانقطعت عنه تلك النوبة فلم يعد له عذر فوافق.

وفي أول أيام الأسبوع وبعد صلاة الفجر كان كل شيء قد أعد فركبوا السيارة جميعاًً؛ إبراهيم وابنه حامد وطارق في المرتبة الأمامية وفطوم وأمها في المرتبة الخلفية. أما خادم طارق فقد ركب مع الخادم الآخر في سيارة "ونيت" تحمل المواد والمتاع.

ولما كانت تعليمات الدكتور تقضي بألا يتعرض طارق لرؤية النار أو سماع قصة الحادث إلى أن يأمن تأثره بهما، فقد عمل إبراهيم على أن يصعد به الجبل بعد وصولهم حتى ينتهي الجميع من إعداد الشاي والإفطار. فأخذ يدور به في الجبل ويستعرض معه كل كهف يمران به أو بركة طبيعية امتلأت بالغدير، إلى أن ظن أن كل شيء قد انتهى وأن النار قد أطفئت فعاد، فكان كل شيء على ما يرام.

كان الجوع قد تمكن منهم فلم يكد يقدم الإفطار حتى أخذوا يأكلون منه بنهم، وصار طارق بين لقمة وأخرى يصف في فرحة وسرور لحامد ما مر به مع أبيه من كهوف ومياه.

كان الخادم الذي أطفأ النار بالماء قد وضع عليها الحطب زيادة في إخفاء أثرها فمرت بها الريح فوجدت شرارة أخطأها الماء فأضرمتها، ولم يشعر بها أحد حتى اشتعلت في الحطب. وكانت فطوم أول من رآها فصاحت:

ـ النار .. النار اشتعلت في الحطب.

فقفز طارق مذعوراً وهو يصيح: النار؟ ورأى فاطمة تحاول إطفاءها فأسرع إليها وهو يصيح : فطوم فطوم، النارَ النار!

ووقف عندها يتلفت وكأنما يبحث عن شيء ثم رد يده إلى جبته وحاول خلعها فلم تطاوعه أزاريرها، فقطعها ثم خلعها ولف بها فاطمة وهو يرتعش واحتضنها وهو يصيح:

ـ النار النار!

فأسرع إليه إبراهيم ولكن الرعدة قد تمكنت منه. فسقط على الأرض وأصاب رأسه حجر فشجه. وكان إبراهيم قد وصل، فرفع فطوم من على صدره وصاح بحامد : أعطني التنتريون والقطن والشاي من درج السيارة. وما هي إلا لحظة وانتهى إبراهيم من إيقاف الدم وتضميد الجرح ولكن طارق مازال في هذيانه وارتعاده. وحمل إبراهيم بمساعدة ابنه طارقاً إلى السيارة وانطلق بها الأب كالبرق إلى البلد، إلى بيت الدكتور.

بقي حامد مع أمه وأخته والخادمين ليقضوا بعض يومهم ثم يعودون إلى البلد كما أمر والده. ولكن لماذا يعودون آخر النهار؟ ألم ينظموا أمورهم على أنهم سيبقون أسبوعاً كاملا.

لماذا ينغص عليهم هذا الغريب حياتهم؟.

ولماذا قبلوا أن تتحول فلتهم الجميلة إلى سجن مجانين بسبب وجود هذا المعتوه الغريب (طارق)؟ ولماذا قبلوا بتحول عناية أبيهم بهم إلى عنايته بدخيل لا تربطهم به أية رابطة؟

لماذا هذا كله؟

بل لماذا يسكت ويقف مكتوف اليدين؟ أليس من حقه أن يتكلم، بل ويفرض رأيه على هذا الشيخ المخرف (والده)؟ والتفت إلى أخته التي مازالت ترتعش بسبب الذعر الذي أصابها حينما لفها طارق في جبته واحتضنها وهو يصيح:

ـ قطومَ فطّوم، النارَ النار.

وازداد تجسم المشكلة أمامه، وأخذت تلك التساؤلات تتفاعل في دوران مستمر برأسه فانفجر صارخاً بهذا السؤال الموجه إلى أمه :

ـ أيرضيك هذا؟ قولي لي متى ولدتموه حتى يشاركنا بل ويؤثر علينا؟

والتفتت الأم والدمع يتناثر من عينيها كما تتناثر حبات عقد خانه نظامه وقالت:

ـ يا بني شاب غريب مسكين! لا أهل له ولا مال، ثم إن ما أصابه بسبب مجازفته بحياته في سبيل إنقاذ أختك فلا أقل من أن نخدمه ونعنى به حتى يُشفى.

وفي موج من الغضب والسخرية من قول أمه قال وهو يضرب الأرض بعود كان في يده:

ـ إذن فبكاؤك من أجله، لا من أجل متعتنا بهذه الرحلة التي أضاعها منا؟ ولا من أجل أختي التي مازالت ترتعش أمامك من جراء نوبات هذا المجنون، إني لن أسكت، لن يبقى معنا هذا المجنون أكثر مما بقي.

وأرسلت الأم زفرة عميقة وهي تمسح دموعها المتزايدة؛ لئلا لا تزيد من غضب ابنها. زفرة عميقة تنهدت بها من الإشفاق على طارق والألم والمرارة من هذا الشعور الخبيث المسيطر على ابنها، ثم قالت:

ـ افرض أني أكرهت نفسي ووافقتك على ما تقول ولكن ما الذي تظنه من أبيك؟ إن منزلة طارق في نفسه كبيرة، وإشفاقه عليه ليس له حدود.

لم يرد على أمه، بل نهض من عندها وهو يردد في نفسه:

ـ أبي أبي! سأكفيك أمره، سأنزله على حكمي راضياً أم كارها، سأرغمه على طرده، أو أتخلص منه أنا بأي وسيلة نعم. ولتكن آخر وسيلة ـ قتله ـ إن لم تنجح الوسائل الأخرى.

وكان قد انتهى إلى مرتفع ليس بالبعيد عن المكان وكانت فيه صخرة كبيرة ملساء منحدرة يتزحلق عليها الأطفال الخارجون مع أهلهم إلى هذا المكان. فأسند إليها ظهره شبه مستلقيا. وأغرق نفسه في التفكير ورسم الخطة التي سيتخلص بها من طارق.

مضت ساعة وساعتان وثلاث وهو غارق في أفكاره. وأقبل الظهر فطفق الخادمان يعدان طعام الغداء وظنته أمه نائماً. فجاءت لتوقظه، فلما وصلت إليه ورفعت في رفق وحنان بيدها رأسه صاح بها قائلا:

ـ اتركيني.. اتركيني..

وخافت الأم من أن يعرف الخدم ذلك فصاحت بـ (سرديني):

يا سرديني يا سرديني يا سرديني ..عمك يريد ماء ليتوضأ. وأسرع سرديني بالماء فاعترضته الأم في الطريق وقالت بصوت خافت:

ـ ضع الماء بجواره ولا تكلمه.

وبعد قليل قام حامد وتوضأ وصلى. وقدم الغداء، فأكل الجميع ثم شربوا الشاي. وكان كل شيء يجيء في صمت متواصل ساد الوادي منذ قام حامد من عند أمه في أول الصباح.

(يتبع)

سكوت طويل موحش أضل ذلك الوادي المؤنس الخصيب كأنما لم يحل به أحد. سكوت مطبق لا يقطعه إلا ما كان يتخلله من بعض الاستفهامات من الخادمين وإرشادات الأم لهما بحسب أسئلتهما، أو ضحكات فطوم كلما قذفت أمها بشجيرة حلوة أعجبتها فاقتلعتها لتضعها في فم أمها. إلى أن قام حامد إلى السيارة ففتح بابها الخلفي ثم فتح الباب الأمامي وركب في صدرها منكبا على عجلة القيادة ففهم الخادمان أنه يريد رفع المتاع ليرجعوا إلى البلد.

وما هي إلا لحظات حتى كان كل شيء في السيارة ولم يبق في الأرض شيء. ركب الخادمان في الخلف وركبت أم حامد وأخته معه في الصدر. فانطلق بها وهو لا يبصر طريقه من الغضب. فاعترضهم وادٍ عميق لم يأخذ له حساباً، فهوت به السيارة فجأة فانقلبت على ظهرها ثم انقلبت ثانية فاعتدلت على عجلاتها، وأفاق الجميع بين كسير وجريح؛ فقد شُجَّت الأم في رأسها وجرحت فطوم في فخذها وكسرت يد سرديني، وفضت رجل علي.

أما حامد فلم يصب بأذى. فعالج السيارة فمشت فالتفت إلى أمه وقال: كل هذا من بركة المذكور حتى الشاش والقطن (والآيدين) المطهر مع أخينا في السيارة * يعني والده * ولم تقل الأم غير كلمة رددتها في سرها:

ـ أبوك تقول له أخينا. تتحاشى أن تتلفظ بأبي؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، لطفك يا رب؟!!

ومضوا. ولاشيء يسمع سوى صوت آلات السيارة المسرعة كأنما يريد بعضها أن يأكل بعضًا، وهي تدفع هيكل السيارة في سرعة هائلة، حتى كأنما حملتها الريح عن الأرض فزادت في اندفاعها ليتمزق الهواء عن وجهها مخلفاً أصواتاً كمثل الرعود مختلطا بالعواصف الهوج. فتغرق الأم في دوامة من أفكار متشائمة أهاجها تساؤل خطر بفكرها: لماذا أغرق حامد نفسه في هذا الصمت منذ الصباح؟ أيضمر شراً؟ بلا شك، ولكن هل سيؤدي ذلك إلى نزاع مع أبيه؟ ولكن حامد شاب مؤدب يحترم أباه. لكنه اليوم غير حامد الذي أعرفه. فهل سيتشاجر مع أبيه؟ رباه إن إبراهيم لا يرضى أن يتطاول عليه ابنه وهو إن فعل ذلك فسيضربه وربما هرب حامد وهو وحيدي إنه ولدي.. ولدي.

ورفعت بها صوتها بلا شعور. وتيقنت أن حامد قد سمعها فالتفتت إليه ولكنه لم ينظر إليها، وازداد الذعر في نفسها فعلتها رعدة هزت جسمها هزاً عنيفاً فتناثر الدم السارب من جرحها أمامها وأفاقت على صراخ ابنتها من ألم فخذها المجروح وشعرت هي بالألم يفرم رأسها فبدأت تئن فاختلطت الأصوات المتنافرة بعضها بالبعض: جلبة السيارة، أزيز الريح، أنين الأم، صراخ البنت لتشكل مجتمعة في أذن الأم أفظع مأتم وأبشع مناح.

أما الخادمان فكان ارتجاج السيارة وتمايلها يخفف عليهما الألم لما يدخله في قلبيهما من رعب بسبب الخوف من أن تنقلب مرة أخرى فيكون الهلاك.

ويعود الصمت إلى الإطباق ويتساءل الخادمان ما السبب ؟ فلا يجدان جواباً فيعودان للسكوت.

وتصل السيارة إلى البيت، فيجد حامد الباب مفتوحاً، فيدخل ويفاجأ برؤية أبيه جالساً على كرسي عند باب غرفة طارق، فيزيد ذلك في غيظه.

وتتوقف السيارة فينزل حامد فيراه أبوه متجهمَ الوجه فيظن أنه قلق على طارق فيبادره بقوله:

ـ إنه في...

ولكن الكلمات تموت على شفته وتحتبس في صدره. فقد فوجئ بمنظر الدم الطافحة في ثياب ابنته وزوجته. فصرخ بحامد :

ـ ما هذا يا حامد؟

فيجيبه في سخرية وتهكم:

ـ بركاتك أنت وهو.

يغلى مرجل غضب الأب، فيصفع حامداً صفعة شديدة ترمي به على الأشجار المجاورة للرصيف فينهض وهو يقول : أظن خسارة ـ الله يحييك ـ أن أسقط على الأشجار التي أمام غرفة طارق فأكسرها.

فيركله الأب برجله ركلة أفظع من الأولى فيتدحرج بعيداً فيلحق به ليضربه فتحول دونه أمه وأخته وتأخذ الأم بيد زوجها مهدئة له إلى داخل البيت لتقص عليه كل ما جرى في الطريق. لكن منظر الدم الذي يكسوها يربك إبراهيم فينزع يده من يدها ليسرع إلى الهاتف طالباً الدكتور ثم يعود إليها ليسمع الخبر، وما هي إلا لحظات أطلعته فيها على كل شيء. وحضر الدكتور فأجرى الإسعافات اللازمة للأربعة.

وبحثت الأم عن ابنها لتمسح عليه من حنانها عسى أن يثوب إلى رشده فلم تجده، فعضت على شفتها السفلى حتى كادت أن تقطعها، وتحاملت على نفسها مفضلة الصبر والسكوت بقية يومها، لكن عواصف الخوف أخذت تتعاورها وإبراهيم مازال غاضباً. فماذا تفعل؟

ولجأت إلى ابنتها فاطمة لتصرخ بأبيها:

ـ أين أخي حامد يا أبي؟ لقد هرب.

وانتبهت في الأب عاطفة الأبوة فصاح بسرديني:

ـ أين حامد؟

وجاء سرديني يعدو معلقا يده على صدره. ففهم إبراهيم أنها مكسورة فقال: أين على ليبحث عن حامد؟

قال سرديني:

ـ علي على فراشه لا يستطيع القيام.

ـ اذهب إذن أنت وابحث عنه، وسأبحث أنا أيضا ولكن اجتهد ولو أنك ستتعب.

قال سرديني:

ـ لقد أسرَّ لي يا سيدي بأنه سيذهب إلى أخواله في منفوحة وطلب مني ألا أخبركم بذلك.

ـ استرح إذن هناك في غرفتك ولا تبرح فربما احتجت لك.

وانقلب سرديني راجعاً إلى غرفته ولكنه سمع صوت سيده يناديه. فعاد إليه ليسمع قوله:

ـ اسمع يا سرديني ابحث لنا عن خادم يخدمنا ويخدمكم حتى تشفيا.

فيجيبه:

لا حاجة لنا في أحد يا سيدي فتعبنا في سبيل راحتكم واجب، وليس هناك ما يدعو إلى أن نأتي بخادم.

ـ اذهب إذن لغرفتك واسترح حتى أدعوك.

ذهبت الأم مع ابنتها إلى غرفة النوم بعدما اطمأنت على مصير ابنها، ليسلمها التعب إلى نوم عميق.

وكان إبراهيم قد أحس باستيقاظ طارق، فاتجه إلى غرفة الخادمين وأمرهما ألا يخبراه بشيء، ثم ذهب إليه ليجلس معه ويحادثه. ثم نادى الخادم سرديني فطلب منه أن يأتي لهما بشيء من الطعام ليتغديا، ففعل. ولم يكد إبراهيم وطارق ينتهيان من الطعام حتى فوجئا بدخول الدكتور ولم تطل الدهشة. فقد فهم إبراهيم من نظرات الدكتور أنه يريد أن يخلو به، فخرج من الغرفة يتبعه الدكتور، وفي وسط الحديقة أطلع الدكتور إبراهيم على الرسالة الشفوية التي أرسلها بها حامد حينما مر به وهو في طريقه إلى أخواله. وخرج الدكتور وذهب إبراهيم إلى زوجته فوجدها تغط في نوم عميق فتركها واستلقى على فراشه وهو يفكر في تلك الرسالة الخبيثة التي بعث بها حامد ويطلب من والده أن يعزل طارقا عنهم في بيت البلد القديم أو يطرده وإلا فسوف يتولى حامد طرده أو قتله إذا لزم الأمر ثم يهرب إلى الخارج.

وبقي ساعة كاملة يتقلب على فراشه كحبة في مقلاة على نار شديدة، فأحست به عائشة فرفعت رأسها فلم يكد يراها مستيقظة حتى هتف بها قائلا:

ـ أدركيني تعالي هنا.

فأسرعت إليه وهي تقول :

ـ هل أصابه سوء؟ يا ليت. استغفر الله يا إبراهيم.

ـ اسمعي تهديد ابنك لي. أما أن أعزل طارقاً في بيت البلد أو أطرده، أو يطرده هو أو يقتله ويهرب إلى الخارج.

قالت:

ـ يا أبا حامد، ما المانع من إنزال طارق في بيت البلد؟

ـ ولكننا قد وقفناه على المسجد وسلمنا مفاتيحه للقاضي.

ـ على كل حال اترك الولد عند أخواله هذا الأسبوع واهدأ وفكر في الأمر، فربما وجدنا حلا لا يكون فيه عنت أو ربما أسف الولد وعاد إلى رشده. ادع الله له يا إبراهيم.

ـ على كل حال سأستشير الدكتور أحمد فهو مخلص وعنده حكمة.

ـ ولماذا لم تستشره حينما جاء؟

ـ لقد أنساني الغضب ولكني سأذهب إليه الآن. يا رب إننا لم نقصد بعملنا مع طارق إلا وجهك الكريم فلا تجعله وبالا علينا ومُنَّ علينا بإتمام ما بدأنا.

وقام إبراهيم فركب سيارته وانطلق إلى بيت الدكتور أحمد، أما عائشة فقامت متثاقلة من فراش زوجها الذي كانت جالسة على حافته حينما ناداها واتجهت إلى غرفة فاطمة فوجدتها مازالت نائمة. فجلست على حافة فراشها تفكر في ابنها الذي هرب من البيت. ما الذي جعل حامد يتضايق من وجود طارق بهذا الشكل؟ هل نخسر ابننا من أجل ولد ناس آخرين لا لشيء؟ غير أنه أنقذ فاطمة من النار، وهل هذا قليل؟ ولكن هل يبرر تضييعنا ابننا؟ الله يهديك يا حامد، ما كان الأمر يحتاج إلى هذا كله؟

وانفجرت تبكي وخرجت من غرفة فاطمة التي مازالت تغط في نومها ولاذت بفراشها لتسقيه بكل ما في عينيها من دموع الأمومة، وكان وقت صلاة العصر قد حان فقامت وهي تستعيذ من الشيطان وتمسح ما سرب على خدها من دموع، فذهبت إلى الحمام فتوضأت ثم رجعت إلى فاطمة فأيقظتها للصلاة، ثم تناولت السجادة من على الدولاب ففرشتها وصلت.

قعدت تفكر في حل يعيد إليها ابنها. لماذا لا أحتال في إبعاد طارق؟ ولكن كيف؟ نعم سآخذ له بعض النقود وأغريه بالسفر إلى أهله ولن يعود إلينا بعد ذلك ثم افرضي أنه عاد لا نستقبله إلا باستقبال لا يطمعه في البقاء عندنا. واتجهت إلى خزانتها ففتحتها وتناولت منها بعض النقود ثلاثمائة ريال من الفضة ثم أغلقتها.

وكانت فاطمة قد انتهت من الصلاة فطلبت منها أن تعمل شايا وقالت لها إنها ستذهب إلى طارق لتسأله عن حاله. ثم وضعت جلبابها على رأسها ولوت طرفه على رقبتها وأرخت آخر على وجهها، وخرجت من الفلة ومشت في الحديقة متجهة إلى غرفة طارق.

ولكنها لم تكد تدنو من الغرفة حتى سمعت بكاء يخرج منها فارتجف قلبها وخافت أن يكون المسكين قد علم شيئا، ودخلت وهي تقول:

ـ طارق ماذا بك؟

رفع رأسه من الوسادة مذعوراً. واعتدل على فراشه وقد أضفى غترته على وجهه ليخفي الدمع المتناثر على خديه:

ـ أم حامد؟! .. لاشيء يا أمي.

عصفت تلك الكلمة بقلبها عصفاً عنيفاً (أمي):

ـ لا يا طارق .. لماذا تبكي؟ هل ضايقك أحد؟ والله لا يرضينا شيء من هذا فأنت ابننا وهذا بيتك مادمت راغباً فينا.

ـ أبدا والله ما حصل شيء.

ـ إذن لماذا تبكي ولم أرك قبل اليوم باكياً؟

ـ إني أحس بكابوس ثقيل جداً يضغط على قلبي وأخاف أن يكون مكروهاً قد أصاب أهلي.

ـ استعذ بالله من الشيطان أهلك بخير وأنت هنا لست بغريب.

ونظرت إلى النقود المربوط عليها في ذلك المنديل الأحمر المزركش وقالت لنفسها:

ـ ابن يفكر في أهله وأهل يفكرون في ابنهم إن خطتي هذه خطة ناجحة مائة في المائة فلأنفذها إذن.

ـ طارق ..

ـ نعم.

ـ رأيي أن تذهب إلى أهلك وتقيم عندهم شهرين أو ثلاثة ثم تعود ونحن أهلك هنا وهذه ثلاثمائة ريال اشتر بها بعض الحاجات لهم. أما كسوتك فسأعد لك من ثياب حامد ما يكفيك في مدة غيابك عنا.

ـ لقد قبلت ببقائي عندكم وتكرمكم بمعالجتي وخدمتي، لأني فقير وغريب ففعلتم معي أكثر مما قد يفعله أهلي لو كنت عندهم. وتريدين مني الآن أن آخذ مالكم أيضا، لا يا أم حامد.

ـ ألم تقل لي منذ قليل يا أمي؟

ـ بلى. وإني لأحس بمحبتك في قلبي وكأنما تريد أن ترجح بمحبة أمي التي ولدتني، ولكن هذا لا يعني أن أطمع في أكثر مما فعلتموه.

ـ إن ما تجده في قلبك من محبة لي أجده أنا في قلبي بالنسبة لك. ولهذا فإني لمحبتك لي أرجو أن تأخذ هذه النقود. والله لن أعود بها وسأضعها في حقيبتك

ثم سحبتها وفتحتها ثم ألقت بالنقود وأغلقتها وطارق صامت، وقد غرق في بحر من الخجل لا يدري بماذا يقابل هذا الكرم الذي عاش فيه منذ الحادث حتى هذه اللحظة.

وانفلتت مسرعة إلى الفلة وعيناها عالقتان ببابها كأنما تخشى أن تهرب منها. إنها تريد أن تصل إليها بأقصى سرعة ولولا الحشمة والحياء من أن يراها أحد وهي تعدو لركضت.

لقد وصلت إلى حل سيعيد إليها ابنها الهارب من البيت وفي أسرع من لمح البصر. وصلت الباب فصاحت:

ـ فاطمة... فاطمة سمي (نعم). أطلبي لي * وأنا أمك * أباك من بيت الدكتور أحمد خيري.

ـ حالا إن شاء الله.

وأدارت فاطمة يد الهاتف بسرعة وردّ عليها السنترال. يا مركز أعطنا بسرعة بيت الدكتور أحمد خيري. وفي لحظة رد بيت الدكتور، فطلبت أباها فناداه الدكتور فأتى ورد:

ـ ألو من؟

ـ أنا فاطمة انتظر .. تريدك أمي.

ووضعت السماعة بجوار الهاتف وانطلقت إلى أمها فأخبرتها بأن أباها على الهاتف.

أقبلت الأم وفي يدها لفافة فوضعتها تحت أقدامها ورفعت السماعة:

ـ ألو إبراهيم.

ـ نعم خيراً.

قالها وهو يود لو اقتحم سماعة الهاتف إلى البيت، لأن في نبرات صوت فاطمة ما يوحي بأن هناك أمراً خطيراً.

وكانت الفترة مما بين ذهاب فاطمة وإتيان أمها كفيلة بأن تذبذب فكره في حوادث مختلفة، ترى هل جن حامد فتعجل في تنفيذ شيء مما هدد به؟ أم أن طارقاً علم فخرج؟ أم أن الجروح قد اشتدت على أحد منهم؟ أم ماذا؟

ولكن تساؤلاته لم تطل فقد بددتها عائشة بقولها : لقد توصلت إلى حل للمسألة يا إبراهيم. ولم تنتظر منه سؤالاً عن ذلك فأردفت قائلة : لقد أقنعت طارق بالسفر إلى أهله والبقاء عندهم شهرين أو ثلاثة وكانت فرصة أن وجدته قلقا عليهم فانتهزتها.

ـ ولكني قد توصلت مع الدكتور إلى حل أفضل سأخبرك به إذا أتيت. إني آت الآن في أمان الله.

ووضع السماعة. ووضعت عائشة السماعة على الهاتف ثم رفعت اللفافة التي كانت معها وانطلقت بها خارج الفلة إلى حجرة طارق، فدخلت عليه وهي تقول:

ـ يا ابني هذه هي الملابس أربعة طقوم كاملة.

ثم سحبت الحقيبة من تحت السرير ووضعتها فيها فوق صرة الفلوس، ثم أعادتها، وانصرفت.

وبعد قليل دخلت سيارة إبراهيم من الباب الخارجي، ثم أوقها ونزل، ثم اتجه إلى الفلة بعد أن أغلق باب السيارة دون أن يمر بطارق كما هي عادته. وفي طريقه إلى الباب الداخلي كان ينظر في ورقة كانت في يده وهو يقود السيارة. ولم يكد يصل حتى وجد عائشة واقفة في الداخل تنتظره فبادرها بقوله:

ـ أتدرين ماذا في هذه الورقة؟

نظرت إلى وجهه فرأت الغضب يتلاطم فيه فقالت في ذعر وهلع :

ـ لا والله لا أدري. ابنك مستعد بعشرين ألف ريال مقابل قتل الدكتور لطارق. كتبه هذا الخبيث المجنون.

ـ من؟

ـ ومن يكون غير كلبك حامد؟؟

ـ حامد؟

ـ نعم حامد النذل مع الأسف، إني صرفت كل جهد في تربيته ليكون مثال الشاب الصالح الورع. وأخيراً تكون هذه نهاية تربيتي. ليتني فقدته قبل أن أرى منه هذا. ليت السيارة حينما انقلبت بكم طحنته حتى لا أحس بخيبة أملي في تربيته. لا يمكن أن يفعل هذا؟؟ لا يمكن؟؟ اسمعي "نعم أنا حامد بن إبراهيم أقر واعترف بأن في ذمتي للدكتور أحمد خيري عشرين ألف ريال عربي قرضة في فترات مختلفة اقترضتها منه وعلى ذلك أوقع" (توقيع حامد) إبهام الموقع زيادة في الإيضاح. اسمعيني أنا وراؤك يا حامد يا ضائع إذا ما أدبتك فلست بأبيك.

وارتعدت مفاصل الأم، ثم سرت الرعدة في جميع جسمها فأغمي عليها وسقطت على الأرض، فأسرع إليها إبراهيم ورفعها بين يديه واتجه بها إلى فراشها وهو يصيح:

ـ فاطمة .. فاطمة ماء بارد عجلي.

وأسرعت البنية بالماء، ولم تكد ترى أمها على فراشها وبين يدي أبيها حتى انفجرت في صراخ شديد:

ـ أمي .. أمي.

ـ أمك بخير .. هاتي زيادة ماء.

وأخذ ينضح الماء على صدرها ورأسها وكتفيها حتى أفاقت وهي تقول في شبه هذيان:

ـ ابني .. ابني .. أنا بخير بس أريد ابني .. ابني.

وانفجرت بالبكاء.

ـ الحمد لله ابنك سيأتي إليك قبل الليل فأريحي نفسك.

وتحاملت على نفسها فجلست، وأسندت ظهرها على الجدار حياء من أن تضطجع وزوجها جالس، ثم التفتت إلى فاطمة الجالسة تحت قدميها وقالت:

ـ هاتي لنا الشاي ليشرب معنا أبوك فنجانا. وأنت يا إبراهيم ما هو الحل الذي قلت أنك قد توصلت إليه مع الدكتور؟

ـ يقول الدكتور سأشير عليه بالسفر إلى الطائف للاستشفاء هناك، ولكي يقبل راضياً يجب ألا يحس بأنكم توافقونني على هذا.

ـ يا إبراهيم اتق الله. أتريد أن ترمي المسكين في بلاد غربة وهو فقير؟

ـ لقد تدبرت هذا الأمر مع الدكتور وسيوصي به زميلاً له هناك أما أنا فسأمده بشيء من المال حتى يغنيه الله وسأبعث معه سرديني ليقيم معه شهراً إلى أن يتعرف على الناس هناك.

وجاءت فاطمة بالشاي فقدمت لأبيها فنجانا ولأمها آخر، ثم وضعت الصينية أمامهما وملأت فنجانين بقيا بها.

نظر أبوها وقال في ضحكة كبيرة :

ـ فنجانان يا فاطمة؟ ألأنك أصغرنا؟

ـ لا يا أبي ذا فنجان أخي حامد فربما جاء الآن.

وتنهدت الأم، ثم نظرت إلى إبراهيم وقالت:

ـ لماذا لا نبعث له سرديني يخبره ويأتي به؟

ـ أجننت؟ أتريدين أن تشعريه بأنه قد أملى رغبته علينا لتتكرر فعلته الخبيثة كلما أراد إكراهنا على أمر؟

وانفعل إبراهيم وكان قد رفع الكوب ليشرب منه فعاد ووضعه وأردف:

ـ اسمعي أولاً يجب أن يفهم أن طارقاً قد سافر بمحض إرادته وإننا حاولنا منعه فلم نفلح. وثانياً يجب أن نتركه إلى أن يأتي هو بنفسه صاغرا. وثالثاً يجب ألا يلمس أي فرح منا بمجيئه .. لا تسلمي عليه، بل عاتبيه .. هذا إذا أردت أن تربي ابناً صالحاً. أما إن أردت ابنا مدللا ضائعاً يريك في المستقبل كل ما تكرهين فأسيلي الدمع عند قدومه واستقبليه استقبال العائد من مكة.

ـ اطمئن سأفعل كل ما يرضيك ولو قلت اطرديه لطردته وإن كان في قلبي ما الله به عليم. سامحك الله يا حامد.

وجاء الدكتور كعادته فاتجه إلى طارق وسأله عن حاله، ثم قام بفحصه فحصاً دقيقاً .. ولم يكد يفرغ الدكتور من الفحص حتى كان الخادم قد أتى بالشاي، فجلس الدكتور يشرب مع طارق ودخل معه في حديث السفر إلى الطائف واستطاع أن يقنعه بضرورته وأخبره بكل ما أعد له من تسهيلات وقال:

ـ إن هناك مدرسة دار التوحيد تستطيع إذا ما تحسنت صحتك أن تلتحق بها وللطالب فيها مكافأة لا بأس بها مائة وثلاثون ريالاً.

ـ مبلغ لا بأس به يا دكتور.

ـ على كل حال تستطيع أن تعيش به عيشة لا بأس بها وتطلب العلم وهو المهم.

ـ نعم هو المهم، وإلا لماذا أتيت من بلدتي وتحملت وحشة الغربة وعنتها؟

ولما كان الصباح جاء إبراهيم ليتناول الإفطار مع طارق فسأله طارق:

ـ أين حامد؟

ـ ألا ننتظره؟

ـ إني يا عم عازم على السفر إلى الطائف وأود أن أقضي معه أطول وقت ممكن، لأني أحبه سأفارقه وله في نفسي منزلة الأخ الشقيق.

ـ تسافر؟، هل قصرنا معك في شيء دون أن نعلم؟

ـ والله يا عم إبراهيم لقد عملتم معي أكثر مما يفعله الأهل مع ابنهم ولكن هذا رأي الدكتور.

ـ نعم، يقول أن صحتك في حاجة إلى جو مثل جو الطائف.

ـ وقد قلت: أغير الجو بالذهاب إلى بلدي فنهاني عن ذلك.

ـ أما إذا كان هذا هو رأي الدكتور ووافقت عليه فنحن لا نحب لك إلا الخير ولكن ألا يحسن أن يكون معك شخص يساعدك على تحمل الغربة أول الأمر؟

ـ لا يا عم، فقد اعتدتها والحمد لله.

ـ لا يا طارق .. بل سأرسل معك خادمك سرديني يبقى معك شهراً ثم يعود إلينا.

ـ لا داعي في أن تتعبوا أنفسكم. حسبكم مضايقتي لكم هنا.

ـ لا تقل هذا فأنت بمنزلة حامد عندنا افطر .. افطر.

ـأين حامد؟

ـ إنه عند أخواله.

وأثناء الأكل قال إبراهيم :

ـ ومتى عزمت على السفر في حفظ الله؟

ـ رأيك يا عم!

ـ متى ما أردت فأخبرنا نحجز لك مقعداً ..الأسبوع الآتي مثلا؟

ـ أو غداً يا عم.

ـ ما شئت حتى لو الآن.

ـ ليست لي حاجة غير كتاب أود بعثه لأبي. فإن كان في الإمكان آخر النهار ففي ودي.

ـ سيتم ما فيه الخير إن شاء الله.

وخرج إبراهيم وهو يقول:

ـ سأعود لنشرب الشاي. وغاب قليلا ثم عاد وفي يده شيء. سحب حقيبة طارق وألقى به فيها ثم أعادها، وجلس معه فقال:

ـ تلك بعض نقود إن كنت تريد أن تشتري لأهلك بعض الشيء.

واحمر وجه طارق من الخجل وحاول بكل وسيلة أن يرفض ولكن إبراهيم قطع كلامه بقوله:

ـ إني قد أقسمت فلا تردها.

وبعد خروج إبراهيم قام طارق إلى النقود فعدها فوجدها سبعمائة، فأخذ منها خمسمائة وأرسلها مع كتاب إلى أبيه، وأخبره بأنه قد سافر إلى الطائف للدراسة.

سافر طارق في ذلك اليوم ومعه سرديني الذي أجبره إبراهيم على اصطحابه، ومضى أسبوع على سفر طارق ولم يأت حامد أملا في الاسترضاء، فلما لم يأت أحد لاسترضائه أتى بنفسه، لأنه سئم العيشة عند أخواله الفلاحين وأتعبه ركوب الحمار بعد السيارة الفخمة فعاد ليستقبل بما لم يتوقع من جفوة وقلا من والديه، وسألهم كيف طردوه؟ فزجروه فعاد يسأل فاطمة فقالت له:

ـ إنه قد سافر بمحض إرادته ليدرس بدار التوحيد .. الله يوفقه ويرده سالماً .

ـ الله لا يوفقه ولا يرده سالماً. وما الذي رأيناه منه إلا التنكيد! .. جعلها روحة بلا رجعة.

ـ استح يا حامد، ما الذي رأيته من المسكين. كلنا نحبه إلا أنت مع أنه يحبك أكثر منا!

ـ أنتِ مغرورة؟ .. قالوا لك إنه أنجاك من النار وكاد أن يهلك نفسه من أجلك فأوهموك .. بلا كلام فارغ، بلا طارق، بلا مارق، واحد فقير غريب حقير مثله نتركه ينغص علينا ما نحن فيه من نعمة ..كلكم مجانين .. والله مجانين.

وانصرفت وهي تهز رأسها وتقول في سخرية:

ـ بس أنت العاقل يا حمودة يا أخي؟!!

ورن جرس الباب الداخلي فخرج حامد لينظر من هو. فوجده الخادم على، وفي يده كتابان فأخذهما، ووجد أحدهما لأبيه فوضعه بجوار الهاتف. أما الآخر فعليه اسمه ففتحه وصار يقرأ فيه ويضحك؟ فمرت به أخته فقال لها في ضحكة ساخرة:

ـ صدقت .. إنه لم يعلم بشيء! ولهذا كتب لي.