الفصل الرابع

6 0 00

الفصل الرابع

الانحـــــــــــــــدار

كان راشد ابن العم قد علم بتقدم طارق لخطبة ابنة عمه. فأخذ يعتصر قوى الشر في نفسه الخبيثة باحثاً عن خطة يقضي بها على منافسه، فصورت له تلك النفس الشيطانية خطة جهنمية، فأحضر اسطوانة غاز مملوءة، ثم طلب من علي خادم حامد الأمين أن يذهب بها ويضعها في معرض طارق كأمانة وإذا سأله أهي مملوءة؟ فليقل إنها فارغة.

وبعد ثلاثة أيام طلب عليا، وأمره أن يذهب إلى المعرض وأعطاه مفتاحاً للاسطوانة ومعه ألف ريال وقال:

ـ إذا نفذت ما أقول لك فلك عليَّ مثلها مرتين.

ثم أعطاه زنداً في صورة قلم، وأخبره بالخطة التي يريد منه تنفيذها وأعلمه أن هذا الزند يمكن استعماله كقلم وزند في آن واحد. ثم ودعه قائلا:

ـ الموعد بيت عمي أنا ذاهب إليه الآن.

لم يكد راشد يدخل من الباب الخارجي لفلة عمه حتى شاهد حامداً، وقد اتجه إلى الباب مسرعاً وقد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه فتلقفه مذعوراً وقال:

ـ ما الخبر؟ إنك غير طبيعي.

ودون أن يتكلم حامد رد يده إلى جيبه وأخرج منه مسدساً ورفعه أمام وجه راشد فتراجع مذعوراً، وهو يردد:

ـ حاسبْ، حاسب يا حامد.. هل أنت مجنون؟ ماذا فعلت؟

ـ تخاف من المسدس؟ .. إذن فكيف تكون حال طارق الذي سيقابل به الآن؟ .. أظنه سيموت قبل أن أطلق عليه الطلقة الأولى!

ومع ضحكة عريضة ساخرة تذبذبها الرعدة التي لم تبرح جسمه حتى الآن. قال:

ـ لا يا أخي، أرح مسدسك! .. إن طارقاً الآن صار في خبر كان!

ـ ماذا؟!!

ـ الآن يأتي عليٌّ، ويخبرك بكل شيء.

ـ ولماذا لا تخبرني أنت؟!

ـ أنا رسمت الخطة وأمرت عليا بالتنفيذ، وسيأتي الآن ويصف لك الموقف وصفاً شاعرياً.

ـ يا شيخ؟! بلا شاعري!

ـ وما أدراك ما شاعري؟!

ـ أخبرني بالخطة .. هل كلفته بقتله؟!

ـ كلا. وإنما أمرته بإحراق معرضه وهو في داخله .. الآن لم يعد لي مزاحم .. سأتزوج فطوم وتتزوج أنت أختي كما أسر لك أبي.

ـ المهم .. هل أنت متأكد من نجاح الخطة؟!!

ـ مائة في المائة ..

وأضاف وهو يبتسم:

ـ كن على استعداد للبحث عنهم بين الأنقاض! .. إنه واجب الإخوة والصداقة والإنسانية .. أليس كذلك؟!!

وفجأة ظهر أمامهما طارق وسلم، فذعر الاثنان ولم يستطيعا رد التحية .. وكان المسدس ما يزال في يد حامد فسقط منه، فرفعه إليه طارق وهو يقول:

ـ مساء الخير، عمي إبراهيم هنا؟

ـ نعم .. نعم، ادخل.

قالها حامد وهو في غاية الارتباك، فتركهما طارق واتجه إلى داخل الفلة فأبصر سرديني يعدو أمامه فناداه، ولكنه اختفى داخل الفلة ثم عاد سريعا. لقد كلم سيده في أمر ثم عاد قبل أن يصل طارق إلى الباب، فطلب منه مفتاح سيارته ليقضي حاجة لسيده. ثم يعود سريعاً فأكد عليه، لأنه يريد الرجوع إلى المعرض قبل أن يؤذن المغرب.

واستقبل إبراهيم طارقاً ورحب به ولكن الاضطراب كان يسيطر عليه. فاتجه بضيفه إلى غرفة نومه بدلا من غرفة الاستقبال، غير أن طارقا لم يلاحظ اضطرابه ولم يستغرب من ذهابه به إلى غرفة النوم؛ لأنه لا يعد نفسه غريبا .. غير أن عاصفة من القلق اجتاحت طارقاً الذي كان يجلس على كرسي بجانب السرير، فنهض من الكرسي واتجه إلى النافذة المطلة على الحديقة ففتحها وجلس على كرسي بجانبها وحاول أن يشغل نفسه بمرأى شجيرات الورد وأغصان الريحان التي ساهم في يوم ما في زراعتها وتنظيمها، كما استعان بصوت الراديو الذي أخذ يدير مؤشره على غير هدى!

لكن القلق كان يتزايد، فنظر إلى إبراهيم نظرة المستغيث، ولاحظ قلقه واضطرابه، وأن أوراق المناقصة التي قدمها إليه لأخذ رأيه فيها مازالت في يده ولكنه لم ينظر إليها. إن يده ترتعش فتسقط الأوراق وسماعة الهاتف الذي قام إليه أكثر من خمس مرات في ظرف خمس دقائق تكاد تسقط من يده.

واشتد القلق بطارق وهو يستعرض ما شاهده منذ دخوله: حامد وراشد وسرديني كلهم مرتبكون. وعمه إبراهيم على مثل الجمر من القلق حتى أنا سرى إليَّ القلق دون أن أشعر. إن كارثة ستقع ولكن ما هي؟ ومن أين ستأتي؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهم بالقيام، ولكن عائشة دخلت بالشاي وهي ترحب به فلم ير بداً من البقاء للتحدث معها وشرب فنجان من الشاي. فلعل في حديثها ما يقشع هذه السحابة الثقيلة من القلق.

وبينما كانت عائشة تصب الشاي كان إبراهيم يصرخ في الهاتف: ألو، ألو .. نعم، نعم .. ما يرد!، ماذا؟!! .. مقطوع!

وسقطت السماعة من يده، وحاول أن يعتمد على الحائط ولكنه سقط قبل أن يتمكن من ذلك، فذعر الجميع وحاول طارق رفعه إلى السرير بينما ركضت عائشة لتأتي بماء بارد.

وملأ الصراخ البيت وحاول طارق استعادة وعي إبراهيم بواسطة غسل وجهه ورش الماء على صدره، وما هي إلا لحظات حتى أفاق وهو يقول بصوت متهدج:

ـ أين طارق؟

ـ ها أنا يا عم بجوارك ماذا بك؟ .. مع من كنت تتكلم؟

ـ سأخبرك .. ولكن لا تدعني ابق معي؟

ـ حاضر .. تحت أمرك.

ثم أمر إبراهيم طارقاً أن يطلب له بالهاتف أخاه حسين أبو راشد.

وبعد قليل حضر، فأمر عائشة بالخروج مع طارق في الغرفة الأخرى؛ لأنه يريد أن ينفرد بأخيه في أمر. وبينما كانت عائشة مع طارق تروي له قصة صراعها مع زوجها وابنها في سبيل تزويجه فاطمة .. وهو يستمع إليها مقبلا على التقاط كلماتها بكل مشاعره وإحساساته وخطوط سعادته المقبلة تتراءى له من خلال حديثها آمالا تلمع كالمجرة تبدت في ليلة صافية الأفق، كان حديث المسدسات والنيران الملتهبة والفضائح في المحاكم والدوائر والسجون والغرامات يدور في أعنف معركة كلامية بين إبراهيم وأخيه حسين.

لقد أطلعه على ما أخبره به سرديني من أمر الحديث الذي جرى بين حامد وراشد والذي سمعه وهو خلف الشجرة التي بجانب الباب الخارجي، وطلب منه أن يقوم بدفع خسارة طارق وينهي الموضوع وكأن شيئا لم يكن. ووعده بمساعدته في ذلك. وإن كان أكثر منه مالا. فثارت ثائرة حسين، واتهم إبراهيم بأنه قد دبر هذه المهزلة ليصيد عصفورين بحجر يقضي على ماله أولا، ثم يتخلص من خطبة راشد ثانياً.

وارتفع صوت حسين وحاول أخوه تهدئته عبثاً .. فقام وهو يقول في عصبية وبصوت مرتفع قطع على طارق وعائشة حديثهما الهادئ الحالم:

ـ ما شأني؟ والمعرض أحرق أم لم يحرق؟!! .. إن شاء الله تحترقون أنتم.

وأحس طارق كأن خنجراً غرس في قلبه، ودار بينه وبين نفسه هذا الحديث... لماذا طعنتني كلماته؟ لماذا؟ .. هل؟ .. ولم تطاوعه نفسه في إتمام السؤال. وبلا شعور ولا استئذان اندفع إلى الخارج وهو ينادي:

ـ سرديني! أين مفتاح السيارة؟

وبالطبع لم يسمع مجيباً سوى صوت إبراهيم من ورائه. وقد تحامل على نفسه وأسرع والأرض تدور به ليرده. ولما لم يجد سرديني ولا السيارة عاد ليقول إنه سيذهب إلى المعرض في سيارة أجرة وحينما يأتي سرديني يلحق به هناك. غير أن كلمات إبراهيم المتقطعة بسبب الحشرجة العنيفة وقعت على رأسه كالصاعقة:

ـ لا تذهب يا ابني! .. المعرض راح .. ذهب!

ـ ماذا يا عم؟

ـ قصدي .. ذهب عماله تعال معي وأنا أخبرك أتوسل إليك أنا لا أستطيع تركك!

ودقق جرس الهاتف. فأمر طارقا أن يرد عليه فرفع السماعة وجسمه يرتعد فسمع منادياً يقول:

ـ ألو إبراهيم أنا مدير المستشفى .. خادمكم سرديني عندنا .. صدمته سيارة شحن فانعدمت السيارة. أما هو فلم يفق بعد، ولكن الأمل قوي وإن كانت ذراعه قد انكسرت وكذلك فخذه. أما على فقد مات في الحريق.

وأحس طارق بحرارة شديدة تسري في جسده كأنما غمس في لهب ذلك الحريق وقال ويده ترتجف:

ـ حريق في أي مكان؟!

فقفز إبراهيم واختطف السماعة من يده وطلب من الدكتور أن ينتظر ثم أجلس طارقا وأعطاه كأساً من الماء ثم صب الآخر على صدره وهو يردد:

ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم عاد إلى الهاتف وعلم من مدير المستشفى كل شيء، وطلب منه أن يقيم حراسة شديدة على سرديني والمصابين في الحريق. فقد يحاول المجرم التخلص منهم ليسلم من شهادتهم .. فاعتذر الدكتور مدير المستشفى، وقال إن ذلك من اختصاص الشرطة. فاتصل بهم فطلب منه أن يمنع الزوار ريثما يخبر الشرطة فوعده بذلك.

ولم يكد إبراهيم يخبر الشرطة بالأمر حتى بادروا بإرسال فرقة إلى المستشفى تقوم بالتناوب على حراسة المصابين ومنع الزائرين سوى الأطباء والممرضين.

ولم يكد إبراهيم يقبل على طارق حتى جابهه بهذا السؤال:

ـ احترق كل ما في المعرض يا عم؟!!

ـ اتق الله يا ابني، المال كالشعر يسقط وينبت.

ـ المال غير مهم يا عم فقد نشأت فقيراً ولكن إخواني الذين تفانوا في خدمتي أين هم؟!! .. أكلتهم النار؟!

كان يلفظ تلك الكلمات عبر البكاء والشهيق ووجهه بين يديه وكأنه يتحاشى رؤية ذلك المنظر البشع الذي تلتهم فيه النار الأجسام كما تلتهم الهشيم.

ومرت الأيام المثقلة بالهموم والأحزان على طارق المسكين الذي صار فقيراً معدما ينوء بمائة وخمسين ألف ريال من الديون التي لا مقابل لها بعد أن كان يملك معرضاً كبيراً لا تقل معروضاته عن ستمائة ألف ريال.

وليت المأساة انتهت عند ذلك الحد، بل لقد قام أهل الديون يطالبون بحقوقهم، فرُمِي طارق في السجن، ثم أخرج بكفالة إبراهيم.

وفي خطوات بطيئة خرج من السجن وكأنه يدفع إلى سجن أمرَّ من ذلك السجن الذي تركه، وكان يجد به على الأقل المأوى والطعام ..

أما وقد تركه إلى مدينة لا يملك فيها شيئاً فلا بدله من أن يذرع هذه المدينة عرضا وطولا ليبحث عن منزل صغير حقير، ليواري فيه نفسه عن تلك الأنظار المتشفية أو المشفقة. ثم إن صاحب مثل هذا المنزل قد ينظره في الأجر لبواره. وهناك في منفوحة الجديدة وجد ضالته.

ومر عام تغيرت فيه أحوال كثير من الأسر. وذلك بسبب مرض الكوليرا الذي أفنى بعضا من الأسر. فقد مات إبراهيم وزوجته، وسالم أخو إبراهيم وابنه راشد، وأمه وسرديني، وجميع العاملين مع طارق .. وخلق كثير.

أحداث قاسية استطاعت أن تغير من نظرة حامد إلى طارق، حيث عاد الصفاء بينهما، فعاشا صديقين حميمين. أما فاطمة فقد ألجأتها الحاجة إلى أن تخدم نفسها بنفسها وتخيط ملابسها بنفسها بعدما كانت الفتاة المدللة. لكن لا بأس مادام أخوها معها، وتلك إرادة الله. ثم إن هذا الشاب الحفي بها (طارق) تنشر حفاوته أمامها آمالاً عراضاً ربما كان فيها شيء من تعويض لما فقدته بعد وفاة أمها وأبيها، وإن كان الوالدان لا يعوضان .. ثم إن ذلك المرض قد أخذ كثيرين من أسرتها وممن عرفتهم.

ومرت أيام بين الثقال والخفاف، وفي يوم كان حامد يبحث عن طارق فلم يجده فذهب إلى بيته الجديد في منفوحة. فلما وصل إلى الباب وجده مفتوحاً فدخل وكان طارق في إحدى الغرف. وأخذ حامد يدنو من الغرفة قليلاً قليلاً وهو يسمع صوت صديقه وهو يغني ويقول:

أي سر فيك إني لست أدري

كل ما فيك من الأسرار يغري

ولما بلغ قول الشاعر:

هذه الدنيا هجيـر كلهـــا

أين في الرمضاء ظل من ظلالك؟

كان صدره قد ضاق بتزاحم العبرات فيه فانفجر باكيًا. ودخل عليه فوجده مكباً على وساده يشكو إليه، ويبثه أحزانه ويسكب عليها ما بقي في عينيه من دمعه. فزع لما شاهده من أثر الحزن العميق على وجه صديقه الذي هجر بيتهم منذ أسابيع. فتقدم إليه في لين وتلطف وقال:

ـ يا صديقي معذرة فلم أعلم بمرضك. وربي!

ثم قبله في جبينه وقال:

ـ ماذا بك؟!! .. إنني أراك متعباً حقاً. أقسم عليك بالله أن تخبرني مم تشكو؟

قال له:

ـ لا شيء يا سيدي!

وألح في السؤال، فتنهد وقال:

ـ يا أخي! .. إنني ضائق بهذه الحياة، وإنني الآن أنتظر الموت .. أنا مريض وشفائي مستحيل .. رباه أين ملك الموت ليقبض وديعتك. لقد سئمت من حملها.

ثم زفر زفرة كادت تطير منها نفسه، ثم قال:

ـ لقد زهدت في تلك الحياة آه. إنني لا أطيق رائحة الخيانة.. فرحماك يا ربي!

ثم نهض وقال:

ـ سوف أذهب إلى الطبيب.

ولم ينتظر جواب طارق، لقد أخذ كلامه ومنظره من الصديق كل مأخذ. وعز عليه أن يرى صديقه على هذه الحال فانطلق مسرعاً، ولكنه لم يذهب إلى الطبيب. لقد أدخل يده في جيبه بعد أن خرج من عند صديقه ليبحث فيها عن بعض النقود ليدفعها للطبيب ولكنه لم يجد شيئاً فأخرجها صفراً. فجعل ينظر إلى يده وكأنه يلومها وأخذ يفكر ولكنه لم يطل التفكير. فقد انطلق يسابق الريح إلى أين؟ إلى ذلك الدُّرْج في مكتبه وراح يعدو كالمجنون. لا يلتفت إلى يمينه ولا إلى شماله حتى وصل إلى البيت وهو يلهث من التعب لطول الطريق وشدة العدو. فدخل واتجه نحو غرفة مكتبه. وغمس يده في جيبه وهو يستعجلها في إخراج المفتاح. ولكن تلك اليد قد أبطأت وأطالت البحث عن المفتاح فلم تجده. لقد سقط وهو يعدو، فذعر من ذلك ولكنه اتجه إلى غرفة أخته ليأخذ منها بعض النقود.

ولما دنا من الغرفة سمعها تغني وهي جالسة إلى ماكينة الخياطة .. ولم يكن الغناء وحده مثيراً لاهتمامه، ولكنه سمعها تبكي وهي تغني، فدنا من النافذة قليلاً ليتمكن من سماع ما تقول .. وكان الشوق والحرقة يشعلان النار في صدر تلك الفتاة المسكينة فيتحول البكاء إلى زفرات يضيق بها الصدر فيقذف بها كتلا في مجرى البكاء، فتحبسه وتشل حركة اليدين الصغيرتين الجميلتين عن الحركة فتسحبها من على الماكينة بعد أن بللت القماش بالدمع الغزير، فتلوذ بذلك الفراش المحروم لتُوْدع فيه تلك الزفرات وتسقيه بهذه الدموع ليحتفظ بها هدية لذلك الحبيب الموعود، ولكن حامداً يخنق تلك العبرات ويحبس هذه الدموع قليلاً لتصحبها دموع الاتهام وزفراته.

لقد دخل عليها جاحظ العينين، محمر الوجه، منتفخ الأوداج، يهتز من الغضب، ونظر إليها وقد وقفت مذعورة من مفاجأته لها، وقال:

ـ من هذا الذي شبك قلبك؟!

وكانت مفاجأة سؤاله أشد دهشة من مفاجأة دخوله بدون إشعار.

قالت له:

ـ ماذا تعني يا حامد؟ وماذا بك؟

فرد عليها قائلاً:

ـ ماذا بي؟ وماذا أعني؟ قولي لي: من هذا الذي تغنين له بعد أن شبك قلبك؟

قالت:

ـ أنا لا أغني لأحد وإنما هي مجرد تسلية.

فقال وهو يسخر منها:

ـ مجرد التسلية؟!

.. وهز يده في وجهها وهو يقول:

ـ إن لم تخبريني به فسأقتلك.

ثم أعاد الشيطان على أذنه في هذه اللحظة ذلك الكلام الذي سمعه من صديقه وهو يخرج من باب غرفته التي ملأها أنينه فلم يأبه لها إذ ذاك « الخيانة .. الشقا».

لابد أنه خاننا مع أختي، وإلا فما هي تلك الخيانة والشقاء اللذين يعنيهما؟ .. نعم لقد خاننا ثم خاف على نفسه فابتعد عنا فشقي لبعد شريكته في الخيانة.

كانت هاتان الكلمتان ترنان في أذنه حتى فقد شعوره، وصار لا يفكر إلا في وسط زنزانة من الغضب الطاغي على الإحساس والشعور. ثم انتفض انتفاضة الرجل الكريم غليظ الطباع الذي جُرحت كرامته وانتُهك عرضه ثم انقض عليها وهو يقول:

ـ ألم أقل لك أخبريني من هذا الذي تغنين له؟

فصرخت لشدة قبضته على عضديها اللذين كادا أن ينحطما وهي تقول:

ـ من تعني بكلامك هذا.. ألم أقل لك إنها مجرد تسلية.

فقاطعها قائلاً:

ـ كلام معاد أخبريني «يــا... ».

ثم حبس كلامه وثرت عيناها بالدموع .. لقد فهمت ما حبسه من الكلام. وأحست بأن كرامتها تجرح لأول مرة بلسان أقرب الناس إليها، وأكثرهم غيرة عليها فانفجرت بالبكاء، ولكن هل يعيد هذا الدمع وذلك البكاء هذا الأخ الثائر إلى هدوئه ووداعته؟

لقد تحول إلى وحش ضار، بل إن قلبه قد صار كتلة فولاذية تفل الحديد ولا تفل، وهل يطغى صوت البكاء على أصوات أجراس الرذيلة؟ وهل تمحو تلك الدموع المنهمرة دماء الكرامة المكلومة؟ لأنها دموع الخوف والندم.

لقد أشعل ذلك نار غيظه فأمعن في الزجر والتهديد. ثم هزَّها هزاً عنيفاً وهو يقول:

ـ اعترفي.

وخرج صوتها ممتزجاً بالزفير والدموع وهي تقول:

ـ بم أعترف؟ لا جريمة لي حتى أعترف بها.

فلم يطق طول الجدل فصرعها على الأرض، وأخذ يركلها برجله ركلا عنيفاً حتى إذا غابت عن الوجود تركها وانصرف إلى صاحبه المريض يفكر في أمره ويدبر الخطة لاغتياله.

واتجه إلى مكتبه ليأخذ منه مسدسه ونسي أنه أضاع المفتاح، فأدخل يده في جيبه وكاد يمزقه، إذ لم يجد المفتاح فيه، ولم ير بداً من كسر الباب فكسره وأخرج المسدس من الدرج الذي كان يريد أن يأخذ منه النقود ليدفعها إلى الدكتور الذي كان يريد أن يأتي به لصاحبه.

وترك الدرج مفتوحاً والباب مكسوراً وخرج من البيت يعدو في الطريق تارة، ويمشي تارة. يعدو إذا لم يره أحد، ويمشي إذا أبصر أحداً، حتى إذا دخل على صديقه صاح به قائلاً:

ـ أيها الخائن، أهكذا تفعل...؟

فيجيبه:

ـ ماذا تقول؟ أنا خائن.

فيجيبه:

ـ نعم؟ وأي خيانة بعد ذلك العمل؟

فرد عليه قائلاً:

ـ حامد... لا أكاد أصدق بصري...،

ـ تصدق بصرك بماذا؟..

ـ بأنك حامد.

ـ لماذا...؟

ـ هل أنا مجنون؟

ـ كلا، ولكنك خائن...

ـ أنا؟

ـ لا فائدة في الكلام. لقد جرحت كرامتي ولوثت شرفي... ولا أقول لماذا لم تحفظ الصداقة.. فليس عندك وأمثالك حفظ للصداقة ولا قيمة عندكم للشرف والكرامة... إنكم سفلة أنذال..

فقاطعه طارق قائلاً:

ـ كفى... كفى أيها الأبله.. أنا الذي لا قيمة للشرف والكرامة والصداقة عندي... أغرب عن وجهي.. أغرب عن وجهي أيها القذر قبل أن تندم؟

ـ أندم؟... أنا؟

وأخرج المسدس من جيبه وقال:

ـ اعلم أن انتهاكك لعرض أختي وتدنيسك شرفي وكرامتي لن يذهب سدى ولسوف أمحو بدمك ودمها ذلك الدنس .. سأفرع في رأسك هذا المسدس ثم أذهب فأفرغ مثل ذلك في رأسها. وعندئذ ستهدأ هذه الثورة وإن بقي بعض الدنس لن أترككما حتى تكونا طعاما للدود وحيَّات القبور وعقاربها.. ستذهبان من شقاء الدنيا إلى شقاء وعذاب الآخرة.

ثم رفع مسدسه وعلت منه صرخة:

ـ شرفي... شرفي!

لقد أيقن طارق بالموت، وتخيل الرصاص يخترق جسمه البريء ويحاول إزهاق روحه الطاهرة. .. تلك الروح التي آثرت المرض ومعاناة الحرمان والبؤس، إيثاراً لصيانة الشرف والكرامة التي يقتل الآن بسبب اتهامه بتدنيسها .. فماذا يعمل ليتمكن من كتابة وصية تثبت براءته من هذه التهمة؟

أما الموت فلماذا يكرهه وقد فكر في الانتحار مراراً وإنه الآن ليس في حاجة إلى التفكير في ذلك الانتحار. فقد سيق إليه سوقاً. ما الذي يمنعه من أن يخلي بينه وبين تلك الروح التي طال حبسها في ذلك الهيكل العظمي الذي لولا بقايا من العصب المحترق تمسك بعضه ببعض لتناثر على ذلك السرير أوصالاً من العظام النخرة البالية .. لا حاجة عنده إلى ذلك الهيكل الخرب ولا في راهبه المقيم فيه إلا ساعة واحدة .. ساعة واحدة .. يكتب فيها براءته من تلك التهمة التي ألصقت به إلصاقا وهو منها براء ..

وتوجه إلى صاحبه وقد تحول من إنسان إلى وحش ضار وقال في تلطف وخضوع:

ـ حامد لي عندك حاجة واحدة أطلبها منك قبل أن تنفذ إرادتك.

ـ وما هي؟

ـ نصف ساعة أكتب فيها وصيتي.

ـ لتكتب فيها أني قتلتك لتطلب الأخذ بثأري؟ .. إني لا أخاف من أحد... لك نصف ساعة إني واقف خارج باب الغرفة حتى تنتهي من كتابة ما تريد.

وخرج من الغرفة وأخذ يدور حول نفسه أمام الباب، كأسد يدور حول فريسته. ثم همس به الشيطان لماذا لا تذهب فتقتل أختك. أسرع إليها، فدخل عليها ليجدها منكبة على وجهها تبكي فصاح بها صيحة نهضت منها مذعورة قائلاً:

ـ من هو.. ألا تعترفين؟ ولكن لا حاجة إلى اعترافك. فقد عرفته ولم يبق إلا أن أقتلك ثم أذهب إليه فأقتله... إنك خائنة، بل إنك دنس في ثوب كرامتنا وشرفنا يجب أن يزال.

فردت عليه قائلة: إنك نذل سافل... إنك لست أخي... فصرخ:

ـ كلام معاد اتفقتما عليه، بل لا شك أنكما كنتما تصفانني به قبل أن اكتشف أمركما.

قالت:

ـ أي أمر تعني؟ ومع من قلت إنك حمار... حمار..

فأطلق عليها الرصاص فسقطت على الأرض. وأيقن أنها قد ماتت. فانطلق يعدو واضعاً يده في جيبه قابضة على المسدس ووصل الباب ففتحه ويداه ترتعشان.

لقد بلغ الانهيار العصبي منه كل مبلغ قبل أن يطلق الرصاص على أخته، ولكنه تشجع وقال لنفسه:

ـ بدأت ولابد أن أتم ما بدأت.

وفتح الباب ودخل ثم أغلقه دونه حتى لا يدخل عليه أحد، ثم تقدم إلى الغرفة وفتحها وقال:

ـ ألم تنته من كتابتك؟

فأجابه:

ـ بلى، إنها لك ولكن لا يمكن أن تقرأها إلا بعد أن تفعل ما تريد.

فقال:

ـ مازلت تهددني حتى الآن أيها الأبله؟

فقال:

ـ صه، لست بالأبله، وإنما الأبله أنت.

قال:

ـ أعطني ما كتبت.

فقال طارق:

ـ كلا لن تأخذها مادمت حيا.

فقال:

ـ لن تمنعني مما شئت، سوف آخذها.

وهجم عليه كالوحش حين ينقض على فريسته، ونشبت بينهما معركة حامية، تمكن فيها حامد من جذب طارق من السرير وإلقائه على الأرض.

وكان الاستعداد للرصاص قد أذهب ما بقي في ذلك الهيكل من قوة. فلم يستطع المقاومة ولم يثبت فأغمى عليه .. وتمكن حامد من أخذ الورقة من يده بسهولة، ثم أفرغ ما بقي في مسدسه من الرصاص على ذلك الجسم الملصق بالأرض، ثم ولى هارباً .. وخرج من بيت ضحيته الثانية مسرعاً وهو على حذر من أن يراه أحد .. وانطلق يعدو ويده في جيبه قابضة على المسدس والكتاب إلى خارج الرياض.

ولما وصل إلى الملز وكان في تلك السنة مازال أرضاً خالية لا بناء فيها، وقف ووجهه إلى البلد، وكأنه ينتظر من يلحق به وكان يحس بأن كل شيء ينظر إليه نظرات كلها ريبة وشك وخيل له أن كل ما حوله يلعنه ويزدريه حتى حذاؤه والأرض التي يقف عليها.

وأخرج يده من جيبه وفيها الكتاب الذي أخذه من يد ضحيته الثانية ففتحه وبدأ يقرأ فيه، فإذا أول ما يطالعه في أعلاه:

«بسم الله الرحمن الرحيم .. وبعد ذلك الحمد والثناء على الله فالصلاة على النبي ثم هذه الكلمات يتضرع بها إلى الله واحد القهار: «اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاغفر زلتي، اللهم إني أقتل مظلوماً، لأني صدقتك ما عاهدتك عليه فلم أتجاوز الحدود التي وضعتها، فارحمني يا إلهي وأجرني من عذاب الدنيا والآخرة».

ثم قال:

«أيها المسكين الذي خرج عن طور الإنسان إلى طور ضاري الحيوان: لست أدري بم أخاطبك، لأنك كفرت بنعم الله وشرف العقل الذي شرفنا الله بمنحه لنا كفرت بالصداقة التي منحتك إياها فلم يبق لي إلا أن أخاطبك بما أنت له أهل: «أيها الشيطان الأحمق» .. لقد منحتك صداقتي وكنت حريصاً على أن لا أمنحها من لا يستحقها، ولكني خدعت فيك فصادقتك. ولقد حافظت على تلك الصداقة كمحافظتي على شرفي وشرف أسرتي. وكان في وسعي أن أفعل لولا عصمة ربي وعنايته بي. لقد دخلت بيتكم نقي الصفحة وفارقته ولم تدنس هذه الصفحة حتى ولو بالنظرة .. ولم أحمل نفسي على ذلك خوفاً منك ولا من أي بشر. لا .. وربي! .. وإنما حملتها على ذلك خوفاً من ربي وطاعة له .. إنكم لن تستطيعوا مراقبتي في كل لحظة وإنما يستطيع ذلك من معي أينما كنت. ألم تر أنك ستقتلني الآن وأنت آمن من أن يراك أحد، ولئن استطعت أن تخفي آثار جريمتك في وقتها فإنك لن تستطيع ذلك طويلاً ستحاسب عليها إن عاجلاً أو آجلاً .. فاستعد للقصاص من الآن! ..وإني لأرجو أن يكون حسابك بأكمله أمام الله يوم الحساب. أيها الشيطان العنيد! .. لقد عانيتُ في سبيل المحافظة على الشرف والكرامة اللذين تتهمني بانتهاك حرمتهما وتتشدق بالدفاع عنهما ما لو ابتليت بقليل منه لم تثبت له أنت وأمثالك من مدعي الدفاع عنهما. وإني لا أتمدح بذلك، وإنما أحمد الله الذي منحني الصبر والقوة وضبط جماح النفس الأمارة بالسوء .. لقد قلت لك منذ ساعة أني كاره لهذه الحياة التي يتنازعنا فيها عاملان كل منهما شر من الآخر «الخيانة والشقاء »!.

أما عامل الخيانة فقد نجوت منه في ما مضى من حياتي والحمد لله. وأسأل الله الحماية في ما بقي إن حييت، والعفو إن مضيت. وأما العامل الثاني: الشقاء، فعونك اللهم إني قابل له على كره (حنانيك بعض الشر أهون من بعض). أيها المجنون! .. بل أيها الشيطان! .. لقد ثبت أمام تلك العاصفة التي كادت تؤدي بشرفي وشرف أسرتك ورددتها رداً لا يتنافى مع سمو الشرف والكرامة. ذلك السمو الذي كنت أضعه أمام عيني بعد رضاء الله. ولن أحدثك عن هذه العاصفة فإنك تستطيع أن تعرف حديثها من مصدرها، فابحث عنه إن شئت أو لا تبحث فلا شأن لي بذلك.

إني لست آسفا على ما فعلت ولن أأسف على حياتي، لأنني لا أخاف من المستقبل. فلقد كنت أتوخى الصواب في جميع أعمالي وأحاول البعد عن الشبهات ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولكني آسف على صداقتك وثقتي فيك. فلقد كنت أرى فيك صديقاً وفياً لا يمكن أن يجود الزمان بمثله فقرنت مستقبلي بمستقبلك، ووهبتك من ودي وإخلاصي ما لم أهبه غيرك! .. حتى كان لأسرتك في نفسي من الحب والتقدير ما لأسرتي، وما ذلك إلا لأني أحببتك حباً أخوياً وأنزلتك مني منزلة الشقيق لا الصديق ولكنها حكمة الله ﴿ وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ﴾ صدق الله العظيم.

ولكني أريد أن أقول لك إنك سوف تندم حين لا ينفع الندم. وستدمي أسنانك بنانك من عضة الندم، ولكن ذلك لن يكون إلا في الساعة التي يذهب فيها شيطان الغضب .. تلك الساعة التي ما هي إلا مقدمة لصيحة شيطان الجنون الذي ستبتلى به بعد ذلك جزاء لك على ظلمك وأخذك بالظنة وقد نهاك الله عنها في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ﴾ صدق الله العظيم.

اللهم أنت العالم بكل شيء فاشهد ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾.

فرغ من قراءة الكتاب فأخذ يقلب بصره في الأرض تارة، وتارة في السماء، وتارة بينهما وكأنه يبحث عن شيء فقده، ثم غرق في بحر من التفكير المضطرب والندم، وذهبت عنه سحب الغضب وبدأت سحب أخرى تتراكم أمام عينيه.

سحب سود تنذر بمستقبل مظلم موحش وطال وقوفه وأعياه التفكير المضطرب، منهك القوى خائر العزيمة، مضطرب الشعور، وسمع صوتاً يناديه من خلفه ويقول:

ـ ستصحو من سكرة الغضب لتدخل في سكرة الجنون.

فرفع رأسه مذعوراً وكأنه مستيقظ من نوم طويل، وأخذ يجول ببصره يمينا وشمالاً يبحث عن صاحب ذلك الصوت فلم ير أحداً، فاستوحشت نفسه، وتغولت عليه الأرض، فأخذ يحدث نفسه بهذا الحديث:

ـ من صاحب هذا الصوت؟ ومن أين؟

لا بد له من مصدر ولا بد له من صاحب. إنه يشبه صوت طارق، بل إنه صوته لاشك في ذلك، ولكنه مقتول. نعم فإني لم أتركه حياً إن لم أكن قتلته فقد أصبته إصابة قوية على كل حال. وقد فارقته وهو في غيبوبة فإن كان الموت لم يقدر له بعد أو أن رصاصاتي لم تصب منه مقتلاً فنجا من الموت فإنه لن يعرف الطريق الذي سلكته، لأن أحداً لم يرني حينما خرجت من بيته. إذن فالصوت غير صوته لابد أن يكون ذلك هو الجنون.

نعم، إنه هو الجنون الذي تنبأ به طارق لي في هذا الكتاب رباه لئن صدقت نبوءته ليقولن الناس لقد جن حامد. فقتل أخته وصديقه أو حاول قتلهما. ولئن كذبت ليقولن الناس خانت بنت إبراهيم، فقتلها أخوها وقتل شريكها في الخيانة .. ولابد أن أُقاد إلى المحكمة بتهمة قتل طارق وأختي ثم يحكم عليَّ بالقصاص فأقتل. لن أنجو من القصاص لأنه ليس هناك بينة تثبت إدانتهما وتثبت صدق ما أدعيه من خيانة.

وعند ذلك سمع الصوت الذي سمعه منذ لحظات يصيح به مرة أخرى:

ـ ستصحو من سكرة الغضب لتدخل في سكرة الجنون.

فصاح بأعلى صوته:

ـ لا.. لا لن أجن .. إني سليم العقل .. مستقيم التفكير.

وبدأ يفكر في الانتحار .. فأخذ يحدث نفسه بهذا الحديث: لأن صح كلامه فأنا مجرم ولابد من القصاص، ولئن كذب فلن تظهر براءتي ولابد من القصاص في كلتا الحالتين.

وأدخل يده في جيبه وهو يصيح بصوت مرتفع:

ـ إني مجرم.. مجرم وسوف يقتص مني .. ولكن لن أتركهم يقتلونني .. سوف أقتل نفسي بنفسي .. نعم، وبهذا المسدس الذي قتلت به أختي وصديقي الخائنين.

ثم أخرج المسدس من جيبه ورفعه إلى رأسه وأخذ يضغط عليه بقوة ولكنه نسي أن كل ما فيه قد أفرغ على مقتوليه فزادت حسرته حسرة.

وأخذ ينظر إلى مسدسه وكأنه يلومه لماذا قتلهما ولم يقتله.. ووقعت عينه على ساعته التي في معصمه فأبصر فيها شريطاً يمر أمام عينيه؛ أوله يروي ماضيه، وآخره يروي مستقبله.

أبصر في أول حياته المملوءة بألوان السعادة التي كانت ترفرف على ذلك البيت بأجنحة خضر، ريشها الأماني والآمال في المستقبل وأبصر في ظلال تلك السعادة أمه وأباه وأخته الطفلة الوادعة تصغي لأخيها كما تصغي لأمها وأبيها. ثم رآها تمد يدها إلى جيب أبيها لتسرق منها تلك الساعة الذهبية لتعطيها أخاها بعد أن أبى أبوه أن يعطيه إياها ثم أبصر أمه تتقلب في أعطاف تلك النعمة وتطوف بالخدم تأمرهم بفعل هذا وترك ذاك وتطوف في البيت لتشرف على تنظيمه وذاك أبوه وقد عاد قبيل المغرب إلى بيته في سيارته ليقضي مع زوجته وأولاده آخر النهار وأول الليل في تلك الحديقة الجميلة. وبين تلك الأشجار التي تأنق زارعها في غرسها واجتهد في تنظيفها وتنسيقها حتى بدت تلك الشجيرات من الورد والنرجس وجميع أنواع الرياحين وقد حلتها الشمس عند الأصيل بلونها الذهبي الفتان وكأنهن عرائس ربين في بحبوحة من العيش الناعم وقد لبسن أزهى الحلي وأجمل الحلل استعداداً للزفاف، في تلك الليلة تحف بها جماعات الطير من كل جانب تبعث تسابيحها في ترتيل ونظام بديع إلى السماء فيخيل لك أنك تسمع أروع قطعة موسيقية أو أعذب قصيدة شعرية. ثم يخلف أشعة الشمس الذهبية على تلك الحديقة أشعة الكهرباء الملونة فيزيد جمالها جمالاً، فيقضون فيها أول الليل ثم ينتقلون إلى داخل البيت ليجلسوا في إحدى تلك الغرف المكسوة بالمناظر الطبيعية في السقوف والحيطان. وتلك الستائر والمقاعد المزركشة بالألوان الذهبية والفضية فيتحدثون ما طاب لهم الحديث إلى أن يأتي وقت النوم. ثم أبصر صديقه في غرفة مذاكرته وقد أكبَّ على تلك الجداول والأوراق التي عاد بها من المكتب. ثم بدأ المنظر يتغير أمام عينيه فبرزت صورة المسدس وهو في يده قابض عليه في عنف وقوة. وفجأة خرج من فوهة مسدسه عاصفة هوجاء لها من الليل ظلمته، ومن الرعد زمجرته، ومن الريح غبارها، فاقتحمت غرفة أخته وخرجت منها بعد أن تركتها ملقاة على الأرض مضرجة بدمائها واتجهت إلى بيت الصديق المريض فولجت فيه ودخلت الغرفة التي كان يرقد فيها على سرير مرضه فحطمته عليه وتركته يتخبط في دمه يعالج سكرات الموت بعد أن ألقته بجانب سريره ثم رجعت إلى البيت فقلبت عاليه سافله. ثم مرت بتلك الحديقة لتعصف بأشجارها وتفرق طيورها وتصوح جميع أغصانها، بعد أن بعثرت أزهارها ومزقت أوراقها لتذريها كالهشيم البالي فلا ترى لها أثراً ولا تلمس بها ثرى .. ثم أبصر العاصفة تعود إليه بعد أن انتهت من البيت وساكنيه وبعد أن تركت البيت وقد سُوِّي بالأرض بعد أن كان صرحاً شامخاً يرمز للسعادة والنعيم.

وأحس بشيء يدفعه من خلفه فسقط على وجهه، وهو يحاول أن يصيح .. ولكن هول الموقف عقد لسانه فعطله من النطق كما عطله من التفكير .. فأحس أن تلك العاصفة تدحرجه على الأرض، فغرق في إغماء طويل لم يفق منه إلا عند منتصف الليل على نباح الكلاب وصفارات الشرطة.