3
كان الجو ربيعا..
وكانت السنابل تمارس طقوس الرقص على إيقاع نسمات الصباح الخفيفة.. وأعشاب الطريق تزحم أقدامنا فتدغدغ أسفل سيقاننا.. أنا وصويحباتي كنا نحث الخطا نحو الطريق العام حيث ننتقل إلى الثانوية بالمدينة.. على غير عادتي كان يلفني الصمت.. عصافير الأخريات برحت أوكارها وراحت تغرد..
خلفنا كان يسعى ذياب صمتا مطبقا يكاد يلحق بنا..
حاولت أن أتأخر لنكون قريبين..
رفرف القلب يشرق خلفي..
مد أنياطه فسمرني أرضا..
لحق بي ذياب فتغشاني محفل الفرح..
سار إلى جنبي سحابا مركوما..
جاريته خطوات ثم هببت عليه بابتساماتي فتقشعت سحبه..
معا أشرقنا على هذا الكون.. وعلى محيا أرضه درجنا ندغدغ تضاريسها بأقدامنا الصغيرة.. ومعا سعينا خلف الخرفان الوديعة.. ومعا وردنا الحاسي والجابية نحمل فوق البهائم براميل الماء.. وكان لنا حقل للنمل نرعاه ونقيم حوله حصنا منيعا بأحلامنا.. وكانت النملات الصغيرات قطيعا من الأنعام.. دخلنا كتاب القرية معا وكنت أقدر منه على الحفظ.. كان لا يشتغل بشيء أكثر من اشتغاله بي لا يحب لأحد من الأتراب أن يلامسني أو يقترب مني ونحن نجلس على حصير الحلفاء.. حتى الشيخ كان يغار منه حين يدعوني لأحفظ عليه فيختلق الأعذار ليشغله عما أزمع.. ويغضب الشيخ فينهال على قدميه الصغيرتين بالضرب المبرح..
ويحل الربيع فنزوِّق ألواحنا بكل لون بهيج.. ونسعى نطوَّف ببيوت الناس نطلب الهدايا.. ويفرح الناس فيغدقون علينا من كل الطيبات.. ونعود مساء إلى البيت محملين بالنقود والبيض وبغير ذلك..
ومعا دخلنا المدرسة النظامية بالقرية.. كانت أمه خالتي دلوله تأتينا كل يوم وفي يديها شيء مما حضرت.. وحين تلومها والدتي عن كرمها المفرط تضحك خالتي دلوله وتقول:
- هذا نصيب زوجة ابني.. الجازيه لذياب
وكان أبوه يسعى في إتمام مراسيم الزواج قبل دخولنا إلى الثانوية.. لكن والدي كانت له نظرة أخرى.. كان يقول:
- العصر للعلم.. والمستقبل لهذا الجيل بالمعرفة.. والله لن أمنعها عن طلب العلم إلا إذا فشلت في ذلك..
وكنت أنا وذياب نُكبر رأي والدي ونقره..
تزوجت أختي هجيره في العام الماضي في قرية مجاورة.. وسعى في هذا الزواج والد ذياب وأتمه رغم تحرج والدي.. لالشيء إلا لأن الزوج من أقارب أحد أعداء الثورة التحريرية..
تغير مزاج ذياب بعد دخولنا الثانوية.. أصبحت أراه عصبيا أكثر من اللازم.. وأصبحت أراه قد بدأ يميل إلى المعارضة السياسية.. وكنت دائما أقول له:
- ياذياب هذا بحر لا نحسن السباحة فيه.. يكفينا بحر الحب..
كنت على يقين أن هذا الطريق سيخطفه مني.. لقد كان يمارس نوعا من الثورة غير المتزنة.. خاصة ضد التاريخ.. يشك في كل ما يراه الآخرون حقيقة.. مما دفع به إلى التصادم الدائم مع أستاذ التاريخ الذي كنا نلقبه ببسمارك.
كان يقول لي دائما يالجازيه أنا وأنت خير من الأمير عبدالقادر والمقراني.. أبطالنا الأسطوريون خير من أبطالنا الحقيقيين.. الشعب هو الذي صنعهم.. وهو الذي مازال يعطيهم القداسة.. الرسميون لم يعطهم القداسة إلا الرسميون لأغراض أخرى أولها تخدير الشعوب.. ألا تعرفين أن الأمير حين استسلم لفرنسا قد خان القضية وخان الذين حملوا معه السلاح واستشهدوا..
ثم يتبركن فيصيح في وجهي
- هل يجوز للأبطال أن يستسلموا..؟ للإبطال طريقان لا ثالث لهما.. الانتصار أو الموت.. الأبطال ليسوا ملكا لأنفسهم.. هم ملك للشعب.. ثم ألا تعرفين أن............ .........................................؟
كان ذياب يحب التاريخ بجنون ويقرأه بنهم ولكنه لم يكن يقدسه..
كان يقول التاريخ كذبة كبيرة يصوغها نحاتو الساسة كل مرة على مقاساتهم.. ولست ساذجا فأصدق مايقولون.. أحب أن أقرأ التاريخ كما أود لا كما يودون.. خالتي عرجونه أصدق منهم حين تحكي عن ذياب الهلالي والجازيه.. أرأيت يُولِمُون حين يبدأون الحكاية ويولمون بعد أربعين ليلة حين يكملون الحكاية.. هل هناك ماهو أعظم من تقديس هذه الأسطورة؟
وأخطط لتغيير دفة الحديث.. وأنا أخشى عليه سطوة والدي إن سمع منه هذا الكلام فأسأله:
- ماالذي جاء بذياب إلى هذه الأرض؟
ويجيب ضاحكا:
- لأنه كان يحب الجازيه
- وماعلاقة الجازيه بهذه الأرض؟
- الجازيه هي هذه الأرض.
ويضحك فتضحك السنابل..
وتتعانق عيوننا وأصابعنا وقد وصلنا إلى المحطة..
في المساء ونحن عائدان حدثني عن زيارة السعيد والربيع إلى بيتنا.. وذكر لي قلقه من قرار والدي بالرحيل إلى المدينة.. لم أكن أوافقه الرأي.. سواء رحلوا أم لم يرحلوا فنحن راحلان إلى المدينة معا لمواصلة الدراسة الجامعية هناك.. وسنلتقي طويلا.. طويلا..