-1-
أشعلت سيكارة واتكأت بمرفقيها على سور الشرفة الغربية مفلته نظراتها في ظلمة الوادي الخرساء.. إلى أقصى الجنوب ناصت آخر امتدادات أضواء خليج العقبة المتراقصة كفراشات كسلى. فتحت عينيها على وسعهما وحدقت بقوة محاولة اختراق حجب الظلام إلى الشاطىء المقابل لكن لم تكن هناك سوى كتلة سوداء ابتلعت الأفق وغيبته في عتمة سرمدية. مجت من السيجارة بشراهة ثم نفثت الدخان مترافقا بتنهيدة طويلة.
لم يعد ثمة معنى لمزيد من الانتظار. لقد اتخذت قرارها وحزمت أمرها فماذا أصابها الآن؟ لم تعهد في نفسها مثل هذا القلق والاضطراب من قبل.. حتى في أسوأ الأزمات لم تفارقها ثقتها بنفسها. اعتادت أن تمضي قدماً ما إن تدرك أنه ليس ثمة خيار آخر أمامها.. أهو التقدم في العمر؟ لاشك في ذلك.. حسابات المرأة في الخامسة والأربعين هي بالتأكيد غير حساباتها في الخامسة والعشرين، عهد الجسارة والعنفوان والإقدام! الآن صار عليها أن تعد للعشرة قبل أن تقدم على أية مجازفة.. لكنها عدت للألف هذه المرة.
لم يكن طارق يخفي اعتزازة "بجسارتها الطائشة" حين أنقذته من يد الشرطي في مظاهرة باب العمود. أو حين هددّت الخوري أنطوان بأنها ستذهب لتتكلل عند الكاثوليك إن لم يكللهما هو. لكنه لم ينس في الوقت نفسه بأن يحذرها من أن تودي بها تلك الجسارة إلى منزلقات لا تحمد عقباها. فليس في كل مرة تسلم الجرة..وانكسرت الجرة بأسرع مما توقع. تفتتت وتبعثرت شظاياها مع رافايل.
وهزت رأسها بعد تلك الأفكار ثم شدت جذعها ورمت السيكارة ليست الشجاعة ما ينقصها بل الثقة بقدرتها على مواجهة ما بعد الزلزال الذي سيفاجئهم دون سابق إنذار كما فاجأها هي.. ما زالت حتى الآن تشعر بالعجز عن استيعاب المسألة بعقلانية.. لكنه طارق.. كل ما فيه طارق. حركاته.. نظراته.. صوته.. أنفاسه.. لمساته.
بإمكانها كتم الأمر وكأن شيئاً لم يكن ولن يكون هناك شيء إن أرادت.. لكن إلى متى؟ ستكذب على نفسها إن تصورت أن حياتها يمكن أن تستأنف مسيرتها المعتادة وكأن شيئاً لم يكن.. ولكنها إن تكلمت فلن يتبقى شيء كما كان سابقاً.. خياران أحلاهما مر!. فإلام ترددها؟ منذ أسبوع وهي تهيئ نفسها لتلك الساعة. خططت لكل شيء بدقة واحتكام.. حفظت عن ظهر قلب كل كلمة ستقولها، وطريقة لفظها. ومتى تصمت، وكيف تواجههم، وردات فعلهم و..
أجفلت على نباح كلب جدّ قريب أحست وكأنه يدوّي في رأسها. شعرت بتنمل في ساقيها وألم في فخذيها نجما عن وقوفها الطويل. فركت فخذيها وحركت ساقيها تنشّط فيهما الدماء. عادت تحدق إلى العتمة اللانهائية وقد غمرتها الرهبة. كل شيء هادىء ساكن ولكأنما اندغمت عناصر الكون جميعها في تلك اللوحة الآخاذة من بحر وسكون وظلام وسماء بعيدة تعكس ظلال عوالم أخرى غير منظورة.
- علي أن أبلغهم مهما كانت النتيجة.. سأنهار إن لم أفعل!
هزت رأسها بتصميم واتجهت إلى المطبخ. لكنها توقفت حين تناهى إليها صوت إبراهيم يسأل مريم عنها. ردت هذه بأنها في الحمام. انتظرت إلى أن ابتعد ثم دخلت وهي تتنحنح بصوت خافت، رفعت مريم إبريق القهوة عن النار والتفتت إليها قائلة:
- إنه ليس على مزاجه الجنرال!. هناك ما يقلقه وكأنه يشك في أمرٍ ما!.القهوة جاهزة فهل أدعوهم إلى المكتب؟
فركت يديها بعصبية وابتسمت بقلق قبل أن تهمس:
- ليس الآن.. إنني ما زلت متوترة..
حدقت إليها مريم بإمعان قبل أن تقول بحدة:
- هذا واضح عليك.. وجهك أصفر كليمونة.. أخائفة أنت؟
- أنا فعلاً خائفة.. ما رأيك لو أؤجل الموضوع عدة أيام؟
- لا.. عليك أن تنهيه الليلة.. هيا تشجعي يا عواطف.
كم هو سهل إسداء النصح وكم تخونها الشجاعة عملياً. لم تشعر بمثل هذا الوجل حتى وهي ذاهبة إلى منزل رافايل. وكأنما قرأت مريم ما يدور في خلدها همهمت وهي تضع فناجين القهوة في الصينية:
- أتذكرين يوم رحت لعند الكلب رافايل ومعك المسدس وأنت مصممة على قتله؟
توفزت أعصاب عواطف فيما مريم تستدير نحوها مبتسمة:
- خذي معك مسدساً الآن فقد يمدك بالشجاعة!.
اغتصبت عواطف ابتسامة صفراء وقالت متجنبة النظر إليها:
- كان ذلك فيما مضى يا مريم.. لا تنسي أننا لم نعد صغارا!.
- بخ بخ.. أنت ما تزالين عواطف كما كنت دائماً.. كفاك تفكيراً ووافيهم قبل أن يفقدوا صبرهم.
قالت مريم بنبرة آمرة وهي تتملاها بقلق. بادلتها عواطف النظر ثم تنهدت باستسلام وخرجت إلى شرفة الصالون حيث سارت بهدوء إلى الأباجور الموارب ونظرت إلى الداخل.
كان الصالون في حالة مزرية من الفوضى حيث لم تعد قطعة أثاث في مكانها. تبعثرت كراسي "لوي كانز" حول الطاولات الصغيرة التي امتلأت بالصحون والكؤوس وزجاجات المشروب وبقايا الطعام. جلس غسان ويوسف حول مائدة السفرة وقد انهمكا في نقاش لا يخلو من حدّة حول بيروسترويكا غورباتشوف، وتوزع الآخرون، نضال وناديا وعطاف وإبراهيم، غير بعيدين عن الرجلين يصغون إليهما وقد سيطرت عليهم حالة من الخمول واللامبالاة.
ضمّت عواطف ساعديها بقبضتيها وراحت تعتصرها بلطف تاركة لطيف ابتسامة أن يرقى إلى شفتيها دلالة رضاها على نفسها. لاشك أن البند الأول من خطتها نجح نجاحاً طيباً. لم يتغيب أحد رغم أنهم جميعاً، باستثناء إبراهيم، حاولوا الاعتذار متذرعين بحجج شتى أبرزها أن الذهاب للعقبة يعني أن عليهم المبيت هناك، وهذا سيؤثر على برامجهم ليوم الجمعة. لكنها أصرّت على حضورهم.. وجاؤوا.
نعم. إنها ما تزال تحظى بطاعتهم جميعاً رغم كل شيء.
ركزت بصرها على غسان.. تكاد لا تصدق أن ستة وعشرين عاماً بالتمام والكمال مرت على تلك اللحظة عظيمة البهجة التي أخذته فيها بين ذراعيها للمرة الأولى فيما طارق ينحني فوقها ليقبلها بحنان.. إنه الصورة الذكورية عنها. يشبهها قلباً وقالباً. ولعل هذا ما يباعد بينهما أكثر مما يقارب. لو أنها سئلت عنه لعجزت عن إعطاء تعريف محدد له.. تبدو شخصيته لها مركبة عسيرة الفهم وطباعه مزاجية يغلب عليها العناد والنزق والغرور بحيث يخيل لمن لا يعرفه أنه لا يقيم وزناً لأحد ولا يؤمن بشيء. لكنه لا يتحرج فجأة عن التصرف بتهور يدفعه للتخلي عن كل شيء كي يذهب إلى بيروت أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، أو يختفي في غيبات طويلة تمتد لأسابيع ثم يرجع مقطباً ليسألها عن وضع الشركة ملمّحاً أن الوقت حان لتتخلى له عن إدارتها. وهذا بالضبط ما تنوي أن تفعله عندما تتأكد أنه نضج بما يكفي لتطمئن أنها تركت الشركة في يد أمينة ماهرة.
نضال نقيض أخيه. ربع القامة أميل إلى القصر نحيل البنية أجعد الشعر كأبيه. لم يأخذ منها إلا لون العينين والذقن المدببة. مزاجه هادىء وطبعه بارد وهذا ما يجعلها تنسجم معه أكثر من غسان. لكنه يثير غيظها بضعف رأيه وسهولة انقياده. وقع دائماً تحت تأثير غسان وسيطرته. لكن اللواء انتقل بعد زواجه إلى ناديا. هو كالدمية في يديها وهي تحركه كيفما تشاء. لا تنكر أنها على قدر كبير من الجمال، وعلى درجة عالية من الثقافة والذكاء، لكنها ما تزال حتى الآن تستصعب تقبل حقيقة أنها تكبر نضال بثلاث سنوات. وأنها ربيبة دير ما تزال تروي القصص الغامضة عن أمها الراقصة المهاجرة إلى أستراليا منذ عشر سنوات، وتحيط الشكوك بأبيها الذي أمضى آخر أيام حياته مشردا في بيروت يعيش على الصدقات قبل أن يلقى مصرعه في ظروف غامضة.
ولعل ما يزيد من تحاملها على ناديا انسياقها، رغماً عنها وبطريقة تجعلها تشعر بالذنب، إلى المقارنة بينها وبين عطاف. كانت تغصّ وتفيض نفسها بالشفقة وهي ترى إلى خلوها من أية مسحة جمال ؟ لولا عيناها السوداوان الواسعتان؟ تشعان ذكاء وبراءة، وإلى جسمها النحيل الذي يشكو من إعاقة واضحة نتجت عن قصور في نمو ساقها اليسرى في السنوات الأولى من طفولتها. لكنها عوّضت عن ذلك بشخصية لماحة مرحة ودودة تمتاز بالكياسة واللطف والطيبة، وبموهبة أدبية لفتت إليها الأنظار منذ أول قصة نشرتها في أحد الملاحق الثقافية وهي لما تتجاوز السابعة عشرة من عمرها..
فكرت في البدء أن تقصر الأمر على أولادها. فهم المعنيون به، لكنها رأت في إشراك ناديا ويوسف وإبراهيم ما قد يوفر لها شروطاً أكثر ملاءمة. فوجودهم سيساعدها على إدارة دفة الأمور بحزم قد تفتقر إليه إن واجهت أبناءها بمفردها كما سيجبر هؤلاء على ضبط أنفسهم والسيطرة على انفعالاتهم بشكل أكبر.
أخرجها من أفكارها غسان الذي نهض فجأة وسأل عطاف بغضب أين اختفت أمها.. سارعت عواطف تفتح باب الشرفة وتدخل بصخب مفتعل وهي تقول بمرح:
- أرجو أن تغفروا لي تأخري..
التفتوا جميعاً إليها فيما غسان يسألها بنزق:
- أين كنت؟
حدق إليها بدهشة ثم صفّر بإعجاب قبل أن يستدرك برقة:
- ما هذا الجمال يا ست عواطف! من يراك يقول إنك ذاهبة إلى موعد مع حبيب!.
ابتسمت مغتبطة للإطراء متجاهلة السخرية الخفيفة التي أنهى بها كلامه. ومنعها عن الرد عليه إبراهيم الذي نهض وتقدم منها قائلاً بحماسة:
- نعم أنت تزدادين حسناً يوماً بعد يوم يا عواطف.
أربكتها نظرات الإعجاب التي لاحت في عيون الجميع. فأخذت نفساً عميقاً وهي تسترق نظرة خاطفة إلي ناديا قبل أن تقول بلا مبالاة:
- شغلتني سميرة كعادتها. تعرفون أن أقصر تلفون لها نصف ساعة. أصرت على أن تحكي لي عن آخر فضائح..
قاطعها غسان بنفاد صبر:
- لا أحسب أن فضائح سميرة تهمنا الآنأو أنك جلبتنا إلى هذا المنفى لتملي لنا عنها. الوقت يمضي وأنا مضطر للنزول إلى عمان. لوحت بيدها قائلة ببرود:
- لن يغادر أحد قبل أن أسمح له. القهوة تنتظرنا في المكتب فتفضلوا.
تقدمتهم راسمة ابتسامة دون معنى على شفتيها. تبادلوا نظرات تدل على الحيرة الشديدة ثم تبعوها صامتين.
كان المكتب، الملاصق للصالون، عبارة عن ردهة كبيرة مستطيلة تتوسطها طاولة من الأبنوس الأسود ذات نقوش صينية بديعة دقيقة الصنع. أخذوا أماكنهم حولها بصمت وهدوء وكأنهم بدؤوا يدركون أن المسألة جدية جداً. وهذا ما توضح لهم حين جلست بجلال منتصبة الجذع تراقب مريم التي راحت توزع عليهم فناجين القهوة. كانت ترتدي فستاناً أصفر حريرياً يضفي عليها مسحة من الإثارة ولا سيما وهو يكشف عن صدر ناهض مشدود النهدين أقرب إلى صدور الصبايا منه إلى صدور السيدات اللواتي خبرن الحمل والإرضاع. أرخت على كتفيها شالاً كشميريا أبيض انعكس لونه الهادىء على وجهها البيضاوي دقيق التقاطيع يكاد يخلو من الغضون باستثناء خطوط خفيفة متعرجة تحت عينيها وحول فمها. وهذا ما دفع ناديا إلى الجزم أن حماتها أجرت ولابد عملية تجميل لوجهها. لكن نضال، الذي أحرجه تجرؤ امرأته على إصدار ذلك الحكم القاطع أمام صديقات لها،. نفى زعمها بقوة وحذرها من التشنيع على أمه بهذه الافتراءات السخيفة.
حين انتهت مريم وجلست غير بعيد عن عطاف تنحنح غسان وقال بسخرية لم تنجح في إخفاء قلقه:
- لم أعرفك تهوين الإثارة يا أمي!. أرجو أن يكون لديك ما يستأهل كل هذا الغموض!
- ليس هناك أهم مما لدي..
قالت بثقة تاركة لتقطيبة أن تعلو جبينها. أشعلت سيكارة وأردفت بهدوء:
- المسألة أكثر من شائكة ولا أعرف كيف أبدأ. لا أهوّل عليكم إن حذرتكم بأن ما سأقوله خطير وسيكون له تأثير كبير على حيواتنا جميعاً فأنا..
تلعثمت قليلاً فتشاغلت برشف شفة قهوة ثم سحقت السيكارة في المنفضة بيد لم يخف ارتجافها على العيون المحدقة إليها بترقب وحيرة. انتقلت عدوى اضطرابها إلى الآخرين فتسمروا في أماكنهم متطاولين برؤوسهم نحوها باستثناء إبراهيم الذي أطرق مغمضا عينيه نصف إغماضة. حين استأنفت حديثها كان صوتها ثابتا وكأنها حزمت أمرها أخيراً:
- خطر لي أن أكتم الأمر عنكم. لكن هذا سيكون غلطة فادحة لن أغفرها لنفسي أبداً. من واجبي إبلاغكم ومن حقكم أن تعرفوا. المسألة خاصة بنا تحديداً، أنا وأولادي، لكنها تعني الآخرين كما تعنينا تماماً. وبإمكان إبراهيم مساعدتي على توضيح بعض المسائل.
نظرت إلى إبراهيم فرفع رأسه وقال برقة:
- أنا في خدمتك دائماً يا عواطف!.
سارع غسان يقول بحدة:
- كل ما فهمته حتى الآن أن الموضوع خطير وخاص بنا.. قبل أن تفصحي عن أي شيء أريد معرفة مدى خطورته.
التفت حوله بضيق قبل أن يستدرك موجهاً كلامه إلى نضال وعطاف.
- تقول إنها مسألة عائلية خاصة بنا. فإذا كانت ترغب في إشراك الآخرين فمن الأولى أن تستشيرنا مسبقاً.. ليس لي أي اعتراض على أحد لكن يهمني الاطمئنان إلى أن ذلك لن يؤثر علينا بشكل سلبي..
وقاطعته عطاف تقول بحدة وهي تلوح بيديها:
- لا تكن سخيفاً يا غسان.. ليس هناك شيء مما تفكر فيه.
تنحنح إبراهيم كمن يهم بقول شيء، لكنه عدل عن رأيه وعاد إلى الإطراق. ابتسم يوسف بارتباك فيما حافظت ناديا على لامبالاتها وهي ترمق غسان ببرود. وتدخل نضال يقول ببطء وكأنه يزن كلماته:
- لقد قتلنا الفضول لسماع ما لديك يا أمي. أرجو أن يكون مثيراً!.
- هو يفوق الخيال على ما أحسب.
قالت عواطف بمرح مصطنع وكأنها تحاول التخفيف من التوتر الذي سيطر. حاولت الابتسام لكنها فشلت فأردفت مقطبة:
- لا يخطر في بال أحد أنني أخرّف أو أهلوس!. أنا في كامل وعيي وإدراكي ولابد أنكم لاحظتم أنني لم أقرب المشروب أثناء العشاء.
أفلت يوسف ضحكة ساخرة لكنه سرعان ما أطبق فمه إذ حدجته بشزر.
- علينا العودة عشرين سنة إلى وراء لنتذكر بعض الأحداث المؤسفة في حياتنا. جميعاً نعرفها لكن هناك تفاصيل جديدة..
صمتت ما إن رفع إبراهيم رأسه وحدق إليها مضيّقاً ما بين عينيه قبل أن يتساءل بحذر:
- عشرون سنة؟ عام 1967؟ وفاة طارق وحرب حزيران. أيهما تعنين؟
- الاثنين معاً.. فهما مترابطان.
نقلت بصرها بين أولادها الثلاثة وبلّلت شفتيها:
- نعم. الأمر يتعلق بأبيكم. جميعكم تعرفون ماذا حدث. في مثل هذا اليوم من عشرين سنة، أي صباح الخامس من حزيران 1967، غادر طارق، زوجي وأبوكم، القدس متوجهاً إلى عمان للمشاركة في ندوة تنظيمية دعت إلىها المنظمة. بعد سفره بقليل وقعت الحرب. ومنذ ذلك الوقت لم يره أحد على قيد الحياة. انقطعت وسائل الاتصال بين الضفتين وعشت شهراً كاملاً على أمل أن يكون عبر النهر إلى الضفة الشرقية وأقام هناك بانتظار أن تهدأ الأوضاع ليتصل بي. لكن ما إن هدأت حتى تبين لنا أنه قتل على مشارف أريحا. عثروا على سيارته محترقة في وادي الجوز وفيها هويته وجواز سفره وكراساته. لم يعثروا على جثته أو بقاياها رغم عملية التفتيش التي أجروها. وكان التفسير الوحيد لذلك أن ضواري الوادي..
اختنق صوتها واحتقن وجهها فصرخت عطاف بصوت متهدج وقد تقلصت أساريرها:
- ولماذا هذه التفاصيل المؤلمة يا أمي؟.
مدّ نضال يده وأمسك بيدها بحنان:
- نعرف كل هذا يا أمي فلماذا تعذبين نفسك وتعذبيننا؟.
هزت عواطف رأسها بقوة وأخذت نفساً عميقاً وهي تشد جذعها:
- آسفة إن كنت آلمتكم. لكن لابد من ذلك كي تستوعبوا ما سأقول.. إن والدكم. زوجي، طارق مناف، لم يمت كما حسبنا، لم يمت أبداً بل هو حي يرزق..