- 2 -

3 0 00

- 2 -

تطلب الأمر أكثر من نصف ساعة إلى أن نجحت عواطف، أو هكذا خيل إليها، في السيطرة على الوضع واقناعهم بضبط أعصابهم والعودة إلى مقاعدهم. كانت مشوّشة الذهن فما عادت تذكر إن كانت توقعت أن تكون ردود فعلهم على هذا النحو أم في شكل آخر.. أطبق صمت خانق بعد أن ألقت قنبلتها وراحوا يحملقون إليها بذهول بين مصدق ومكذب، متصلب ومتشنج. مكفهر وشاحب. ولكن ما إن انفجرت القنبلة، واستوعبوا ما قالت، حتى دبت الفوضى واختلط الحابل بالنابل. قفز غسان كمن لدغه عقرب ونهض نضال ببطء وقد فرت الدماء من وجهه وراحت عطاف ترتجف وقد جحظت عيناها. تفرست فيها ناديا بوجوم وابتسم يوسف بغباء وهو يهرش رأسه بأصابعه أما إبراهيم فاكتفى بالتحديق إليها بغموض.

راحوا كلهم يتكلمون ويصرخون ويدمدمون معاً. وتجهل إلى متى كانوا سيستمرون على هذه الحال لولا عطاف التي سارعت تمد لها يد العون. أصابتها نوبة تشنج عصبي أفقدتها الوعي فاستقطبت اهتمام الجميع. انهمكت عواطف، تساعدها مريم وناديا، في إنعاشها صامّة أذنيها عن كل ما يدور حولها. حين عادت عطاف إلى وعيها وقد اكتسى وجهها شحوباً جثثياً ملأ الفزع قلب عواطف وسألتها بقلق إن كانت على ما يرام أم يجب استدعاء طبيب . رسمت عطاف شبح ابتسامة على فمها وهزت رأسها تطمئنها. فاجأها غسان حينئذ يقول بهياج:

- دعينا الآن من عطاف وتطلعي إليّ. أأنت في كامل وعيك؟.

والتفت يسأل إبراهيم الذي اقترب من عواطف بارتباك:

- ماذا دهاها؟ هل شربت كثيراً فالتاث عليها الأمر؟.

انتفضت عواطف وزعقت فيه:

- صن لسانك يا غسان وحافظ على أدبك!.

أجهشت عطاف في نحيب خافت ونفخ نضال بحيرة فيما حط إبراهيم يده على كتف عواطف قائلاً برجاء:

- أرجوكم اهدؤوا قليلاً ودعونا نستوعب ما قالت.. أعيدي ما قلته يا عواطف.

نقلت عواطف نظراتها بقلق بين عطاف وغسان ثم قالت بإصرار:

- سمعتم بوضوح ما قلت. طارق، زوجي وأبوكم، حي يرزق، حذرتكم أن المسألة ليست عادية وأعرف أن الخبر صعقكم وأنا أعذركم.

حشرجت عطاف وهي تغمغم باضطراب:

- غير معقول.. غير معقول..

وزعق غسان بغيظ.

- أي أب هذا الذي تتحدثين عنه؟.

- قام من بين الأموات!.

علقت ناديا بجدية مفرطة بلغت حد التهكم فأطلق يوسف ضحكة ذاهلة، حدجه إبراهيم بغيظ قبل أن يقول بصوت حمّله كل ما استطاع من رقة:

- ما تقولينه أمر خيالي يا عواطف. عليك أن توضحي..

دهمها إحساس بالإحباط وهي تطرق متفادية نظراتهم الناكرة الحانقة تحيك حولها شبكة عنكبوتية خانقة. ودت لو تهرب.. لو يختفون من أمامها. برز وجه رافايل مؤطراً بهالة سوداء وقد جحظت عيناه وتورمت شفتاه وبرزت أنيابه وهو يصرخ بشماته... أن طارق مات.. وتشفطها دوامة عنيفة تدور في محورها متمزقة إلى أشلاء متناهية في الصغر.

بذلت مجهوداً خارقاً حتى نجحت في التخلص من حبائل تلك الرؤية. رفعت رأسها وأجالت فيهم نظرات غائمة. حين وجدت صوتها كان خاوياً ذا رنين غريب على أذنيها:

- نعم. إنه خيال.. كابوس.. هكذا هو.. من شهرين وأنا أتخبط كالمجنونة بين مصدقة ومكذبة. قلت لكم إنني أعذركم. فالأمر لا يقبله عقل ومنطق.. لو كنا في عصر المعجزات لقلت أنه معجزة. لكننا في أواخر القرن العشرين وأنا..

صمتت وأشعلت سيكارة مجت منها بشراهة.

- المهم؟

تساءل غسان بنفاد صبر. نفخت الدخان بقوة:

- بدأ كل شيء في اليوم الأخير من آذار. كنت أزور سميرة لتهنئتها بعودتها من كندا. جلسنا في الصالون واستلمت هي دفة الحديث طيلة الوقت كعادتها. كان التلفزيون يشتغل دون صوت.. في نهاية الأخبار بُث ريبورتاج مصوّر عن حادث سير بين سيارة سياحية وباص للنقل العام. راح المذيع يجري مقابلات مع بعض الأشخاص حين ظهر ذلك الرجل على الشاشة. حسبت أنني شردت فتذكرت طارق أو أن شيئاً ما أصاب عيني. أغمضتهما وفتحتهما لكن ما شاهدته كان حقيقياً. الرجل هو طارق بلحمه ودمه.. كيف لي أن أصف مشاعري وأعبر عن انفعالاتي؟ ليست هناك كلمات قادرة على ذلك.. إنه طارق.. طارق فقط.. عرفته فوراً بالرغم من مرور عشرين سنة، وبإمكاني أن أعرفه بعد عشرين سنة أخرى!. الأمر أشبه بضوء ساطع ينير عقل الإنسان على حين غرة ودون أية مقدمات. بالطبع هو تقدم في العمر خف شعر رأسه وشاب ونحل جسده وظهرت التجاعيد في وجهه و.. لكنه طارق...

تلعثمت وصمتت تأخذ نفساً قبل أن تستطرد:

- لم أستوعب الأمر للوهلة الأولى. حين استعدت توازني وقفزت لأرفع صوت التلفزيون كانت المقابلة انتهت. ستقولون إنه ليس بطارق وإنما هو يشبه طارق.. لا.. منذ وقعت عيني عليه عرفت أنه طارق. رؤيته فجرت شيئاً ما في كياني ووضعتني في مواجهة واقع غير منطقي لكنه حقيقي. إنه ذلك الإحساس الإنساني الذي لا يخطىء. الحدس الخاص بكل فرد منا والذي يسمونه الحاسة السادسة. هكذا تبدو لي الأمور الآن.. شعرت وكأن العشرين سنة التي عشت فيها على واقع، أو وهم، أنه ميت، لم تكن إلا باطلا، تلاشت ووجدت نفسي ثانية أمام طارق بكل أحاسيسي وحواسي.

لم أعرف كيف خرجت من عند سميرة لأهيم على وجهي حتى الصباح كامرأة فقدت عقلها. في السادسة صباحاً أيقظت طلعت وطلبت منه أن يدبّر لي نسخة من الريبورتاج. شاهدته ألف مرة مفتشة عن فارق واحد بين الرجل وبين طارق لأضع حداً لشكوكي وأقتنع بأنه مجرد شبيه. لكن دون فائدة. كلما شاهدته ازددت اقتناعاً إنه طارق. هل جهزت الشريط يا مريم؟.

خرجت هذه الأخيرة لبرهة ثم عادت وهي تدفع طاولة التلفزيون ووضعتها قرب عواطف. أشعلت هذه جهازي التلفزيون والفيديو قائلة:

- أعتقد أن مشاهدة ا لشريط ستوفر علي الكثير من الكلام.

ظهرت على الشاشة لقطة صامتة لسيارة سياحية من نوع بيجو مقلوبة على جانبها وباص محطم المقدمة. تشوشت الصورة لحظة ثم ظهر مذيع يقول:

- تسنّى لنا الالتقاء مع بعض ركاب الباص. الحمد لله على سلامتك يا أخ..

بدا الاضطراب على الرجل الذي اقتربت منه الكاميرا. كان مصاباً بجرح طفيف في جبهته. شهق إبراهيم فالتفتت عواطف إليه بانتصار وكأنها رأت في حركته شهادة قوية لصالحها. حين ظل الرجل صامتاً تابع المذيع:

- هل لك أن تحدثنا كيف وقع الحادث يا أخ.. الاسم؟.

قطب الرجل وبدت عليه الحيرة قبل أن يتشجع ويقول:

- عامر كمال.. كان راكبا السيارة شابين في مقتبل العمر.. رحمهما الله. كان السائق يقودها وكأنه في حلبة سباق. أراد تجاوز السيارة التي تتقدمه معتقداً أنه يستطيع أن يمرق. لكنه أخطأ الحساب. كان حادثاً أليماً.. رحمهما الله..

أوقفت عواطف الصورة على وجه الرجل الذي احتل معظم الشاشة. كان في أواخر عقده الخامس. واضح الشبه بنضال ولاسيما في الجبين العريض والحاجبين الكثيفين.

رن صوت عطاف ممتلئاً بالثقة وهي تلتفت إلى إبراهيم:

- حتى الصوت صوته.. ماذا تقول يا إبراهيم؟

تفرس فيها بإمعان ثم قطب قائلاً

- إنه يشبهه بشكل غريب.. ولكن..

ونهض غسان يقول بعصبية:

- إنه يشبهه ولكنه ليس هو.. أليس هذا ما تريد قوله؟.

وتدخل نضال يقول ببرود:

- لا داعي للتعصيب يا غسان. إن كان هو أو لم يكن هو فكيف يكون اسمه عامر كمال لا طارق مناف؟ ثم أين كان كل هذه السنوات مختفياً عن الأنظار ولماذا لم يسأل عنا و..و..؟ هناك ألف سؤال وسؤال في رأسي.. في رؤوسنا جميعاً..

- لدي أجوبة لكل أسئلتكم، لكني أريد أولاً سماع رأي إبراهيم الصريح!.

نظرت عواطف إلى إبراهيم بصرامة وكأنه تأمره بالإجابة.. تضاحك بارتباك:

- للوهلة الأولى سأقول إنه طارق. الشبه مذهل فعلاً. الوجه.. الشكل.. ولو افترضت أن طارق ما يزال حياً فإنه سيكون في عمر هذا الرجل تقريباً.. وهو لم يتغير كثيراً رغم مرور كل تلك السنوات.. إنني.. لا أعرف ماذا أقول يا عواطف.. أجيبي أنت على السؤال.. حول.. حول الاسم...

رمته بنظرة غاضبة قبل أن تقول وهي تجيل بصرها بين أولادها:

- لقد فقد أبوكم ذاكرته لهذا اختفى أو ضاع من حياتنا.. وهذا يجيب على الكثير من أسئلتكم على ما أحسب.

مرت فترة غير قصيرة قبل أن يستوعبوا ما سمعوا. حدقوا إليها بغباء وقد أسقط في يدهم. كان يوسف أول من تمالك نفسه فأطلق ضحكة مبتسرة أشبه بالحشرجة عبرت عن حالة الذهول التي أطبقت عليهم. وتلته ناديا مدمدمة:

- يا يسوع المسيح.

تبادل غسان ونضال النظر بحيرة فيما ازداد انكماش عطاف.. أطفأت عواطف التلفزيون وقالت بمزيد من الثقة وهي تجلس مركزة نظراتها على عطاف.

- نعم.. لم يمت أبوكم حين قصفت الطائرات الإسرائيلية سيارته وإنما فقد ذاكرته. هذا بالتأكيد ما حدث. لم يصب بجروح بليغة وإلا لبقي في مكانه ولكان الناس عثروا عليه وأسعفوه إلى أقرب منطقة. الأرجح أنه فقد وعيه لفترة. ولما عاد إلىرشده، فاقد الذاكرة من هو وأين وليس معه مايدل على شخصيته ، فأوراقه احترقت بالتأكيد في السيارة، لم يكن أمامه إلا أن يتجه إلى أريحا. كانت المدينة في فوضى الحرب والناس يهربون منها إلى الضفة الشرقية فانضم إليهم ولجأ إلى الأردن..

شملتهم بنظرة حادة تتقصى تأثير كلامها عليهم.. فلما ظلوا صامتين أردفت:

- أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو ماذا يمكن لامرىء في مثل وضعه أن يعمل هناك؟ لا هوية معه، ولا صديق أو قريب ليمد له يد المساعدة ويتعرف إليه. ومن سوء حظه أن الظروف كلها تكاتفت ضده. فالحرب قائمة والأوضاع منهارة والناس مذعورون يائسون وكل واحد غارق في همومه ومصائبه ولا وقت لديه للاهتمام برجل غريب مهما تكن حالته صعبة ومثيرة للشفقة. بل لا أستبعد أن يكون أثار شكوك من التقى بهم ودفعهم إلى الارتياب في أنه قد يكون جاسوساً أو عميلا!. إزاء تلك الوقائع لم يجد مفرا من انتحال أي اسم للاحتماء به. ولو أن الأوضاع استتبت بعد الحرب لربما توفرت له الفرصة ليتعالج ويشفى من إصابته، لكنها ظلت مضطربة إلى ما بعد أحداث أيلول، أي أكثر من أربع سنوات. فاضطر إلى التأقلم، بطريقة من الطرق، مع واقعه الجديد والعيش كعامر كمال لينسى نهائياً، كما تدل الظواهر، طارق مناف. وهو انساق مع ظروف حياته الجديدة إلى حد فقد معه القدرة، والفرصة، على إعادة وصل حاضره بماضيه..

سكتت تشعل سيكارة ثم احتست شفة قهوة واستطردت بصوت حاولت أن تضفي عليه بعض المرح:

- يبدو أنني أحلل الوقائع بشكل منطقي ومقنع طالما أنكم تستمعون دون تعليق أو مقاطعة. أعتقد أن ما قلته يشكل الإطار العام لقضية طارق مناف، ويقوم على عنصرين جوهريين، الأول أنه حي يرزق، والثاني أنه فاقد الذاكرة..

- أتقدمين لنا أدلة دامغة أم افتراضات يا عواطف؟.

قاطعها يوسف بهدوء وهو يجيل بصره فيما حوله قبل أن يستدرك بلطف:

- إن ما عرضته حتى الآن ليس إلا افتراضات نظرية لا ترتكز إلى الواقع..

لوحت بيدها تقاطعه:

- إنها وقائع يا يوسف. لقد أمضيت الشهرين الماضيين أبحث وأفتش وأدرس وأحلل كل شاردة وواردة في الموضوع. ولم أقرر إبلاغكم به إلا بعد أن اقتنعت بأنه طارق واقتنعت مريم معي.

التفتوا نحو هذه الأخيرة. بدت مريم واثقة من نفسها وهي تبادلهم النظر مضفية على محياها إمارات الجد والصرامة المتناقضة مع طبعها اللين وأسلوبها السلس في التعامل مع أفراد الأسرة. كانت قصيرة مكتنزة القامة، قروية التقاطيع ما تزال تحتفظ بآثار وشم أزرق في جانب ذقنها، رشيقة الحركة تحكي التجاعيد العميقة التي زرعت وجهها قصة حياة حافلة بالشقاء والتجارب لامرأة فطرية الذكاء، قوية الشكيمة.. تنحنحت قبل أن تقول بثقة:

- ذهبت إليه في عمله بحجة طلب مساعدته في توظيف ابني!. إنه طارق.. زوج عواطف وأبوكم.. وسأعرفه ولو كان بين ألف رجل يشبهونه. لم أفهم لحد الآن معنى أنه من دون ذاكرة.. لكنه طارق وإن لم يتذكرني أو يتذكر عواطف.. إنني مؤمنة بهذا تماماً.!..

- إيمانك هذا مثل إيمانك بأن شفيعتك العذراء تظهر لك في أحلامك!

علق غسان بسخرية أثارتها فنبرت فيه بحدة فاجأت الجميع:

- لا تجدّف يا غسان.. نعم. العذراء عليها السلام تتذكرني بين وقت وآخر.. وهي تظهر للمؤمنين الطبيين لا للكافرين الملاعين!.

تدخلت عطاف تقول بنفاد صبر:

- لا تهتمي به يا مريم.. وماذا بعد يا أمي؟ كيف قابلته أنت؟

- دعوته إلى الشركة لأعرض عليه العمل عندي. قابلته أول مرة في الساعة العاشرة من يوم الأربعاء /17/ نيسان. كان من أصعب الأيام في حياتي، مررت على الكنيسة في الصباح لأطلب من الله العون. منذ زمن طويل لم أصل بمثل هذا الإيمان العميق. كنت بحاجة إلى الله ليقف إلى جانبي. وأظن أنه فعل. حين أبلغني طلعت بوصوله شعرت بأعصابي تهدأ وشملتني سكينة اندهشت لها. بدت عليه الحيرة ما إن دخل ورآني. تسمر في مكانه وتفرس بي حتى خلت أنه يوشك أن يتذكرني وسرعان ما سينده باسمي. لكن تلك النظرة لم تدم أكثر من لحظات خاطفة استعاد بعدها طبيعته وصافحني بحرارة قائلاً إن له الشرف في مقابلة السيدة عواطف بشارة.. لم تدم المقابلة طويلاً.. قلت له إنني بحاجة إلى خبير حسابات جيد مثله، فهو محاسب في شركة الهندسيات المحددة. وعرضت عليه راتباً مغرياً، لكنه لم يبد كثير تحمس للعرض في البدء ووعدني بأن يدرسه. ولا داعي لأن أؤكد من جديد على ما اعتبره أمراً مفروغاً منه وهو أنه طارق. ولو كان الأمر متعلقاً بي وحدي كنت صارحته بالحقيقة فوراً وأعلنت على الملأ أنه طارق..

- وكيف عرفت أنه فاقد الذاكرة؟.

سألها إبراهيم ببرود أدهشها فنظرت إليه بحيرة قبل أن تجيب بجفاء:

- بعد عذاب طويل.. كانت هذه هي الحلقة المفقودة.. كيف ولماذا انتقل من طارق مناف إلى عامر كمال؟ معضلة حيّرتني وكادت تفقدني صوابي. اشتط بي الخيال إلى حد التفكير بأنهما توأمان وقد باعدت بينهما الظروف منذ مولدهما!. لكن حتى التوأمين لا يتشابهان بهذا الشكل.. بل إن أسخف ما خطر لي إنه ربما غير اسمه ليتمكن من الارتباط بامرأة غيري بعد أن تقطعت الروابط بين الضفتين!

ضحكت باستهجان واستدركت:

- كم يصغر عقل ابن آدم أحياناً!.

- وكأنكما لم تكونا على وئام؟.

سأل يوسف بحذر وقد سيطرت عليه حيرة شديدة. لكنها سارعت تجزم:

- أبداً.. أبداً.. كنا على أحسن حال.. كانت كما قلت مجرد وساوس راودتني في ساعات الضعف والسوداوية التي لفتني حينذاك. لقد كدت أهستر بسبب عقدة الاسم.. لكن الله لم يطل عذابي.. هبط عليّ الحل كالوحي. استيقظت ذات ليلة على صوت يهمس في أذني بأنه فاقد الذاكرة!. هذا هو الأمر دون أي شك. في اليوم التالي زرت الدكتور جلال صادق الاختصاصي المعروف في الأمراض العصبية وشرحت له الأمر فقال إن ذلك ممكن لكنه لا يستطيع الجزم إلا بعد الفحص السريري الشامل.

- وهل فحصه؟

سألها نضال فردت بامتعاض:

- لا.. فبأية حجة سأطلب منه أن يذهب معي لإجراء الفحص؟.

- تذكرت الآن أن أحد زملائي في المقاومة فقد ذاكرته بعد أن فجع بزوجته وطفليه في حادث تفجير في الفاكهاني. لكنه صار مجنوناً و..

ضاع كلام يوسف في ضوضاء زمجرة غسان الذي زعق بشراسة:

- حسناً يا ست عواطف. لقد استمتعنا بالإصغاء إلى قصة الخيال المبتكرة التي طلعت بها علينا بأسلوب بوليسي مشوق.. ولنقل أننا

شابك أصابع يديه وطقطهما بحنق قبل أن يستدرك وقد انتفخت عروق رقبته:

- لنقل إننا سايرناك على أنه طارق مناف علماً أن عقلي، بل عقولنا كلنا، ما تزال عاجزة عن الاستيعاب والفهم.. فماذا تبتغين.. ما هي نواياك؟.

أخذ نفساً عميقاً وأردف مخففاً من حدته وجاهداً لضبط نفسه:

- قلت لو أن الأمر متعلق بك وحدك لكنت صارحته بالحقيقة فوراً ولأعلنت على الملأ أنه زوجك الميت، الحي فاقد الذاكرة الذي عثرت عليه بعد عشرين سنة. وقد سمحت لنفسي بأن أفهم من كلامك أنك حرصت على عدم اتخاذ أي إجراء قبل استشارتنا واستمزاج رأينا كي يكون القرار جماعياً.. هل أنا مصيب؟.

أجالت بصرها بقلق في الوجوه المحملقة فيها وقد تصلبت أطرافها، بللت شفتيها بلسانها ثم غمغمت بصوت أقرب إلى الهمس وكأنها تحدث نفسها:

- كلما أوغلت في الأمر ازدادت عقده وصعوباته.. لقد صعقني في البدء حتى كدت أفقد عقلي وعشت أياماً طويلة فريسة للشكوك والآلام والهواجس، ثم فرحت، فرحت فرحاً عظيماً لا تتسع له الدنيا، لكن فرحتي لم تطل، عادت المخاوف تطل برأسها تشعرني أنني مقدمة على تعاسة كبيرة. أتخيل أحياناً أنني كأهل الكهف خارجة من بيات طويل إلى دنيا لم تعد كما عهدتها ولا محل لي فيها.

صمتت متشاغلة بعضِّ شفتها السفلى وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة للإفصاح عما في ذهنها. أبعدت خصلة شعرها عن عينيها وأردفت:

- نعم. الأمر ليس أمري والقرار ليس قراري. ولا هو أمرنا وقرارنا وحدنا.. طارق لم يعد زوجي وحدي ولا والدكم وحدكم. ألم أٌقل لكم أن المشكلة معقدة أكثر مما نتوقع!. إنه رب أسرة ثانية. فهو متزوج منذ عام /75/ وعنده ثلاثة أطفال.. صمتت تنتظر ردة فعلهم لكنهم، لدهشتها الكبيرة، حافظوا على هدوئهم باستثناء عطاف التي

أطلعت شهقة قصيرة. تحرك غسان قليلاً قبل أن يقول بسخرية:

- ليس هذا مستغرباً بعد كل ما سمعناه تلك الليلة منك.. فإن كان لديك مفاجآت أخرى أطلعينا عليها كلها دفعة واحدة. قابلتهم أيضاً أليس كذلك، أعني أفراد أسرته!.

هزت عطاف رأسها بالإيجاب ثم غمغمت:

- إنها تركيبة شيطانية.. كأنما هي هلوسات.. أليس كذلك؟.

سارع غسان هو يجيب بلؤم:

- للأسف يا أمي. نعم..

وقاطعه إبراهيم متسائلاً:

- ومن هي زوجته؟.

أثار السؤال دهشة الجميع. وحدقت إليه عواطف بضيق قبل أن تقول:

- إنها سيدة لطيفة ودودة. وهي معلمة في مدرسة الوكالة في مخيم الوحدات.

- وكم عمرها؟.

- بين الخامسة والثلاثين والأربعين.

- أهي على علم بحالته؟ أعني أنه فاقد الذاكرة.

ضايقتها أسئلة إبراهيم لكنها لم تجد بداً من الإجابة بجفاء:

- لم أسألها لكن لا ريب أنها تعرف. ليس من المعقول أن تتزوج رجلاً وتعيش معه ولا تكتشف أنه فاقد الذاكرة..

- هذا إذا آمنا أنه طارق. أرى أن العنصر الجديد الذي دخل على قصتك زادها تعقيداً وغرائبية بدل أن يزيدنا اقتناعاً. هل يعقل لمثل تلك المرأة المتعلمة أن تتزوج رجلاً يكبرها بأكثر من عشر سنوات، وفاقد الذاكرة؟.

بذلت عواطف جهداً كبيراً لتضبط أعصابها وقد بدت عليها الدهشة العارمة لموقف إبراهيم العدائي. وإذ نجحت قالت وهي تنظر إليه بغضب:

- هذا ممكن إن أحبته..

سكتت وساعة الحائط الجدارية تعلن انتصاف الليل. انساب صوت دقاتها الرتيب أشبه بصراخ أجوف في فراغ نظراتهم فارضة عليهم لحظات صمت وكأنهم يحاولون جمع شتاتهم. لاحقت إبراهيم الذي هز كتفيه واتجه إلى النافذة يرسل نظراته في ظلمة الوادي الحالكة. وفجأة يتجدد كل حذرها منه، تتشابك في مخيلتها صورته المعكوسة في البللور مع انعكاس نور الثريا على شعره الأبيض مع قبضتيه القويتين تطيحان بها وتمزقان ثيابها فتنهار عاجزة مستسلمة شاعرهةوكأن نصلاً نارياً يخترق أحشاءها قبل أن تسقط في قبضة رؤى مرعبة. يزعق فيها أبوها بغضب وقد أبلغته أنها لن ترضى بإبراهيم زوجاً بأي شكل من الأشكال.

- من سوء حظك يا عواطف أنك ورثت عن أمك وعني أسوأ ما فينا.. عنها الجمال الذي لا يحمل لأصحابه وضحاياه إلا الألم والشقاء. وعني التجبر والعناد اللذين يقودان صاحبهما إلى تدمير نفسه معتقداً أنه يبني أمجاداً لا تزول. إبراهيم هو الرجل الذي يناسبك وهو القادر على إسعادك ولن تكوني لغيره حتى لو اضطررت إلى أخذك إلى الكنيسة مخفورة.

لم تتصور أبداً أن تصل المواجهة بينهما إلى حافة الهاوية. كان الموت أهون عليها من أن تسبب له العذاب والهوان. لكن وعيده لم يترك لها أي خيار. بعد أسبوعين تكللت وطارق سراً في بيت جالا وعادت في المساء لتبلغه بما فعلت طالبة صفحه وغفرانه. تبرأ منها وطردها قائلاً إنه سيعتبرها من الآن وصاعداً في عداد الأموات.. رضخت لرغبته وأبلغته أنها ستقيم وطارق في بيروت بانتظار صفحه.

أجفلت على صوت إبراهيم يفح غير بعيد عن وجهها:

- أين أنت سارحة يا عواطف؟.

نظرت إليه بخواء وهو يدير بصره في الحاضرين قبل أن يردف:

- القرار قرارك أنت وأولادك. وأنتم أحرار في أي اتفاق تصلون إليه. لكن هناك ما أريد قوله. إن قرابتنا وصداقتنا تمنحاني الحق في اعتبار نفسي كبير العائلة بغياب أي كبير آخر.. سأزيح عواطفي جانباً للتعامل مع القضية بعقلانية إن كان ذلك بمقدوري!

أشعل سيكاراً وقلبه بين يديه بهدوء ثم دمدم:

- منذ سنة وأنا أفكر بالإقلاع عن التدخين لكن إرادتي تزداد ضعفاً..

مج عدة مرات بشراهة مشكلاً حوله سحابة دخانية كثيفة نشرت رائحة الدخان العطرة:

- لا أحد كان يتصور أن تتمخض سهرتنا التي بدأت هادئة لطيفة عن تلك الدراما العنيفة التي توشك أن تزلزل حتى ثقتنا بأننا موجودون.. في أكثر أفكارنا شططاً لن يخطر في أذهاننا أن طارق حي يرزق.. ولكن عواطف تؤكد أنه حي! كيف؟ بصراحة لا أعرف.. لقد شهدت في حياتي من الغرائب والعجائب ما شكل لدي قناعة بأن المستحيل قد يكون ممكناً في كثير من الأحيان. قال المسيح مرة أنه يستحيل على الغني أن يدخل الجنة كما يستحيل على الجمل الدخول في خرم الإبرة. لكن إن صنعنا إبرة كبيرة بخرم كبير فإن الجمل سيدخل منها. وهكذا يدبر الأغنياء أمورهم ليكونوا أول من يدخل الجنة!.

خنخن بسخرية ولوّح بالسيكار:

- رغم تلك السفسطة فإن ما نواجهه ليس سهلاً أبداً. لدينا، حسب قصة عواطف، رجل كان قبل عشرين سنة طارق مناف زوجها ووالد أبنائها الثلاثة، أما الآن فهو عامر كمال زوج امرأة أخرى.. ما اسمها؟.

- عايدة..

ردت عواطف فهز رأسه بسخرية:

- عايدة.. اسمك واسمها يبدأ بحرف العين.. ليس مهماً.. هو الآن زوج تلك العايدة ووالد أطفالها الثلاثة أيضاً.. فهل سيصدقنا لو قلنا له أنت مخطىء يا رجل. أنت لست عامر كمال، وإنما أنت طارق مناف فاقد الذاكرة. أعتقد أنه سينظر إلينا شزراً معتبراً أننا زمرة من المهووسين الخطرين..

- هذا إن كان طارق..

قاطعه غسان محتداً.. نهضت عواطف وقالت بهدوء:

- قلت لكم وأعيد أنه طارق.. عليكم أن تؤمنوا بي وتصدقوني. لقد عشت مع طارق، حبيبة وزوجة، عشر سنوات وأنجبت منه ثلاثة أبناء وهذا يكفي لأعرف إن كان هذا الرجل طارق أم شخصاً آخر.. لقد أمضيت الشهرين الفائتين وأنا أفكر بالموضوع.. لست عالمة أجناس وسلالات لكنني توصلت إلى حقيقة بسيطة مفادها أن ثمة عناصر وسمات وخصائص تميز كل فرد إنساني عن غيره وتصوغ قالبه المتفرد بواسطة تفاعلات تتم بين الجسد والنفس في ظروف معينة ومسارات حياتية محددة. ومن هذه التفاعلات ينشأ ما يمكن أن أسميه البصمات الإنسانية الخاصة بكل مخلوق، من طبع ومزاج وذكاء وأهواء وقدرات عقلية وجسدية وغيرها. وكما يستحيل أن تتشابه بصمات الأصابع بين كائنين، يستحيل أن تتشابه البصمات الجسدية والنفسية بين كائنين اثنين حتى لو كانا توأماً. وهذه البصمات متطابقة بشكل كامل بين طارق مناف وعامر كمال. لهذا فالاثنان شخص واحد.

نقلت نظراتها بين غسان وعطاف وناديا:

- أريد استعادة زوجي وأبوكم. فهو لنا قبل أن يكون لغيرنا.. لكنني مثلكم أعرف أن العقبات أمامي كثيرة وتثبط أكبر الهمم.. من حقكم أن تشكّوا وترتابوا وتنكروا، لكن من حقي أن تقفوا معي وتساعدوني. إنني لا أطالبكم بالمستحيل..

أخذت نفساً عميقاً وأردفت:

- غرفكم مهيأة.. بإمكان من يشاء أن يخلد إلى الراحة.

غادرت الغرفة بخطوات ثابتة:

- أرغب في فنجان قهوة يا مريم وسأشربه في البلكون..