- 3 -

4 0 00

- 3 -

استلقت عواطف على الأرجوحة مطلقة لجسدها العنان في الارتجاف بغير قليل من المتعة مع كل نسمة باردة تحف بها بنعومة، راحت العتمة الحالكة واهتزازات الأرجوحة الرتيبة بأزيزها الخافت وحفيف أوراق شجرة الجوز الباسقة التي عانقت بعض فروعها عمود الشرفة الرخامي، واستراحت بكسل على إطار الدرابزين، والنداءات الملحاح لصرصور ليل خيل إليها أنه يكمن في مكان ما فوق رأسها، والصدى البعيد للمناجاة الغامضة بين الموج وصخور الشاطىء، راح كل ذلك يثير في جوانحها أحاسيس متضاربة من الوحشة واللذة والخمول والفراغ. أغمضت عينيها المحروقتين وادة لو تسقط في أحضان إغفاءة عميقة تحررها من أفكارها الصاخبة وتخفف عنها ألاماً جسدية شعرت معها أنها عاجزة عن الصمود اكثر مما فعلت.. زنّر صداع ثقيل قوس رأسها وضغط بقوة على صدغيها متنقلاً بدبيب مرهق في عروق وجنتيها وعنقها متحدراً إلى كتفيها. كان صدرها مطبقاً لكثرة ما دخنت وأعصابها متوفزة تستجيب بجفول لأقل حركة تصدر قربها.

راحت مجريات الأمسية تتوالى دون ترتيب أمام ناظريها متداخلة مع صور تتفاوت قرباً وبعداً مخلفة فيها إحساساً قاهراً بالكآبة استسلمت له بخنوع.. تمردها على أبيها والزواج من طارق.. هزيمة حزيران. وسقوط القدس وموت طارق. رافايل. الإبعاد.. عمان وإبراهيم.. أكرم- الزواج والموت- غسان وبيروت. سمير.. هو ذلك الكابوس ينبعث مجدداً بكل تفاصيله.

دهمها الهلع والتوجس ومريم تبلغها أن عسكرياً إسرائيلياً يطلب مقابلتها، كانت أعصابها مشدودة حتى الانقطاع. الشهر الذي مر على الحرب أمضت معظمه في الفراش بسبب نزيف عزاه الدكتور زياد إلى الصدمة القوية التي أصابتها نتيجة التطورات الأخيرة وقلقها الشديد على طارق. أمرها أن تلازم الفراش خشية حدوث مضاعفات قد تهدد حياة جنينها خاصة وقد دخلت شهرها الأخير.

جلست بصعوبة وهي تسألها بغيظ لماذا لم تبلغه أنها متوعكة وغير قادرة على استقبال أحد. ردت مريم بأنها فعلت لكنه مصر على رؤيتها. زمجرت باستهجان ونهضت متحاملة على نفسها لتساعدها مريم على ارتداء الروب دوشامبر. واجهتها في المرآة صورتها الشاحبة بوجه متغضّن مرهق وعينين غائرتين أحاقت بهما هالتان سوداوان دميمتان. كان حرّ تموز القائظ يزيد من تبرمها وسوداويتها وإحساسها بالانحطاط العام. سألت عن غسان ونضال فطمأنتها مريم بأنهما عند الجيران. أردفت بعصبية:

- أتعتقدين أن دورنا حان؟ قال راديو عمان في الصباح أنهم يخلون القدس من سكانها العرب بالجملة.

ردت مريم باستنكار:

- ما بك فقدت أعصابك؟ لم نفعل شيئاً ليبعدونا، تماسكي ولا تسمحي له بتخويفك.

شدت جذعها وهي تدلف إلى الصالون جارّة رجليها بصعوبة. قفز الرجل من مقعده برشاقة وقال باحترام:

- الرائد رافايل لومي. آسف يا سيدة مناف إن كنت أقلقت راحتك. آسف جداً. تأكدي أنني لست مرتاحاً أبداً للمهمة التي جئت بها.

نقل سيدارته إلى يده اليسرى ومدّ اليمنى يعرض أن تتكىء عليها لكنها تجاهلتها ومشت بتثاقل إلى الكنبة وجلست كاتمة تأوهاتها. كانت مضطربة إلى حد أنها لم تنتبه إلى جملته الأخيرة، فهي أول مرة تلتقي فيها ضابطاً إسرائيلياً بهذه الرتبة وجهاً لوجه. كان في منتصف عقده الرابع. تدل ملامحه على أصول شرق أوربية. يتكلم العربية الفصحى بطلاقة تشوبها اللهجة الشمال إفريقية. وجهه حنطي جذاب وعيناه السوداوان الصغيرتان تنمان عن دهاء. فارع القامة رشيق الجسم تبرز عضلاته المفتولة من كم قميصه الأزرق الأنيق، وتدل حركاته على اعتداد كبير بالنفس. راح يتملاها بنظرات جمعت بين العطف والغموض. إذ لم تدعه إلى الجلوس ظل وافقاً:

- لم أكن أعلم أن حالتك الصحية على هذه الدرجة من السوء. أكرر اعتذاري الشديد لكن لابد مما ليس منه بد. فضلت الحضور بنفسي مراعاة لحالتك وقدرك. من الواضح أنك امرأة قوية ثابتة الجنان يا سيدة مناف. وعليك أن تضبطي أعصابك وتتماسكي من أجل جنينك.

صمت لحظات متشاغلاً بتقليب سيدارته فيما انتابها فزع جامح واشتعلت الحمّى في أحشائها وتصلبت أطرافها ما إن فهمت أنه يحمل لها خبراً سيئاً. جاءها صوته خاوياً وكأنه آت من عالم آخر:

- عثرنا على سيارة زوجك محترقة قرب أريحا. وجدنا فيها أوراقه الشخصية لكننا لم نعثر..

عندما صحت مبلّلة بالعرق مقرورة مخنوقة الأنفاس على نداءات مريم وعويل غسان ونضال وجلبة أم سهام حسبت أنها كانت في قبضة كابوس مفزع. لكن وجه مريم المكفهر والهلع المطبق على وجهي الولدين والضوضاء المتناهية من الصالون أعادتها إلى واقعها فأطلقت صرخة هستيرية دخل على أثرها الدكتور زياد وهو يشتم بغضب:

- إنهم حيوانات. ما كان عليك استقباله. الحمد لله أن الصدمة مرت على خير. المهم أن تطمئني فليس هناك دليل على أن طارق أصيب بسوء. لا أشك أنه في عمان وهو يبذل جهده للاتصال بك. أصبح بإمكاننا الآن الاستفسار عنه بواسطة الصليب الأحمر. وهذا أول ما سأفعله ما إن أخرج. والآن عليك أن تخلدي إلى الراحة التامة وتأخذي هذا الدواء بانتظام. لا أفهم لماذا أصر هذا اللعين على إبلاغ الخبر إليك بالذات وليس لمريم؟ وكأنه يتقصد إيذاءك!. النذل. على كل حال حافظي على هدوئك وكوني شجاعة كعهدي بك دائماً..

بدت لها تلك النصيحة سخيفة لا معنى لها. أيحسبها امرأة خارقة؟ من أين لها الشجاعة وهي تشعر بضعف مريع تفقد معه حتى الرغبة في الحياة. وتحاول جاهدة تجنب السقوط في لجة اليأس والاستسلام. تقاوم بشراسة وساوس ومخاوف غرزت أظافرها فيها. ترفض تصديق أن طارقها يمكن أن يكون ذهب في رحلة اللاعودة!. تتمسك بأوهى الآمال. وتؤكد لنفسها أنه في الضفة الأخرى حي سالم ينتظر الظروف المواتية للاتصال بها. لكن الدقائق تمر بطيئة كدهور. والساعات كعصور, ويوهن الأمل. يوهن حتى يتلاشى.

أفاقت على نحنحة مريم ففتحت عينيها بصعوبة وسارعت ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تهز رأسها بقوة طاردة الرؤى عنه. وضعت مريم دلة القهوة على حرف النافذة وقدمت لها فنجان القهوة قائلة بسخرية:

- قال البريغادير جنرال إنه سينضم إليك بعد أن يغير ثيابه.

سألني إن كنت متأكدة أنه طارق. إنهم يحسبوننا مجنونتين!

حست عواطف عدة حسوات من الفنجان ثم وضعته على ركبتها بحذر وقالت بهدوء:

- لا ألومهم. كيف هو الوضع في الداخل؟.

- نزل غسان ونضال إلى الملعب. أرادت ناديا أن ترافقهما لكن غسان قال إنه يريد التحدث مع نضال على انفراد. تضايقت لكنها رضخت. نصح يوسف غسان أن يضع أعصابه في ثلاجة وقال له إن الوضع ليس أسوأ من أيام بيروت. تركت عطاف في المطبخ تعد فنجان شاي ليوسف الذي اشتكى من مغص.

- والآن ما رأيك؟.

قطبت مريم ثم همست وهي تتثاءب:

- لا أعرف. يبدون لي مثل الماشين في نومهم. إنهم يستاهلون الشفقة. كان غسان على حق حين قال إنه كان عليك أن تحصري الأمر بينك وبينهم وحدهم. أعتقد أن المسألة تعقدت بوجود الجنرال ويوسف وحتى ناديا. هم ليسوا من أفراد العائلة كما يجب. والمشكلة عائلية جداً. كيف تسمينها؟.

- عائلية صرف!

- نعم. صرف. التفاهم بينك وبين الأولاد سيكون أسهل دون وجود الآخرين.

هزت عواطف رأسها سلباً دلالة اعتراضها. قالت من ثم بهدوء وبطء:

- سبق واتفقنا أن الأمر يعني الجميع. ليست المسألة أنني فقدت طارق من عشرين سنة ولقيته الآن بل ماذا أفعل؟ مصائر الكثيرين تتعلق به، فهل تتصورين أن يمقدوري أن أتجاهل الجميع، بمن فيهم امرأته وأولاده؟ أتعرفين بماذا أفكر يا مريم؟ إنها أشبه بالحرب على عدة جبهات. وها هي الجبهة الأولى تفاجئني بأنها أصعب بكثير مما حسبت.

- لكنه زوجك قبل أن يكون زوج الآخرى؟.

علقت مريم باستهجان فتضاحكت عواطف قبل أن تقول بصوت مفعم بالتحدي وهي تشدد على مخارج الحروف:

- إنني أتكلم بصوت المنطق لا بصوت العواطف. نعم. إنها حرب ضروس تتطلب الحنكة لا التهور. المناورة لا الشجاعة. الخديعة لا الشرف. النفس الطويل لا الاندفاع الأهوج. لا أريد أن أتسرع فأخسر أو أبالغ في تقدير قوتي فأقع في مطب غير محسوب حسابه. معركة اليوم طويلة وصعبة، لكنها سهلة بالمقارنة مع ما سيأتي. المعركة الحاسمة ستكون مع امرأته.. لا أظنها ستتخلى عنه بسهولة.

- معك حق في هذا..

شهقتا بفزع والتفتتا إلى إبراهيم الذي سد بجسمه الفارع باب الشرفة وبدا في دشداشته البيضاء وشعره الشائب كأحد أشباح أفلام الكرتون.. فرقع بلسانه وأردف بخبث:

- لا تدعي أنني فأجأتك يا عزيزتي.. فبعد الذي سمعناه اليوم يجب أن تتحسبي لكل مفاجآتي.. أما زلت محتفظة ببعض همتك يا مريم بحيث أرجو منك فنجان قهوة مرّة علّ رأسي يستعيد بعض صفائه؟.

نفخت مريم بغيظ قبل أن تهز رأسها بالإيجاب. تنحى إبراهيم عن الباب مفسحاً لها الطريق لتمر. تفرست فيه عواطف بصمت وهو يقترب منها ويستند إلى عمود الأرجوحة قائلاً:

- حاولت أن أصلي طالباً من الله العون والقوة. لكنني نسيت كيف يصلون!. آخر مرة دخلت فيها إلى كنيسة كانت يوم تزوجت. مهما استقوى المرء واستكبر وحسب أنه قادر على إكفاء نفسه بنفسه فإنه يحتاج في النهاية، وبخاصة في الملمات، إلى قوة أقوى منه يلجأ إليها. إله أو زعيم أو جمهور أو عقيدة يؤمن بها. يستحيل على المرء أن يكون فرداً مطلقاً وأن يتخلص من كل ما فيه من عقد واتكالية ووساوس.

مصمص شفتيه واستدرك بحنان:

- إننا لسنا مجرد أقرباء.. أو أصدقاء. إننا.. إن علاقتنا قديمة جداً بحيث يبدو لي وكأنها بدأت منذ جئنا إلى هذا العالم. ورغم كل ما شابها من اضطرابات وأزمات وعقد وعداء وسوء تفاهم فقد بقينا قريبين من بعضنا وتحاشينا القطيعة الكاملة وكأن هناك حبلاً سرياً يربط بيننا. لاشك أن لكل منا نواقصه وأخطاءه وعيوبه. بل إننا نمتلك كمية لابأس بها من الحقارة والنذالة!. لكن ما يميزنا، أنت وأنا، أننا ذكيان وواقعيان ونجحنا دائماً في الفصل بين عواطفنا وعقلينا.لنقل مصالحنا، وهذا ما ساعدنا على تجاوز كل أزماتنا. لقد أردت أن أكون رجلك وحبيبك وزوجك، لكنني كنت كل شيء في حياتك إلا هذا.

قاطعته تقول بحدة وهي تطفىء السيكارة في فنجان القهوة:

- ليس هذا وقت العتاب يا إبراهيم. لا فائدة من فتح الدفاتر القديمة من جديد.

ارتبك وحدق إليها بحيرة ثم تمتم ببرود:

- لا أريد فتح الدفاتر القديمة ولانك جراح الماضي يا عواطف.. سقت هذه المقدمة لأتحدث بصراحة وأحسب أن ذلك من حقي. لقد أردتني أن أشهد مسرحيتك الليلة ليس باعتباري فرداً من العائلة بل لأدعم قصتك وأساند موقفك. لهذا فاجأك تحفظي وأثار غيظك. مشكلتي معك يا عواطف هي أنك لا تولين مشاعري أي اهتمام واعتبار. لاشيء يمنعك من استغلال ضعفي إزاءك لخدمة مصالحك ومآربك مهما سبب لي ذلك من عذاب وقهر.

- أرجوك أن تكف عن هذا الهراء وتتخلى عن أوهامك المريضة. قلت لك أكثر من مرة إنني أمقت أسلوبك الرخيص في الشكوى والتباكي. حسبت أننا نظمنا علاقتنا نهائياً وطوينا صفحة الماضي..

- أي ماضٍ تعنين؟ لا أعتقد أنه الماضي الخرافي الذي تحاولين النفخ في رماده؟. طارق حي!؟ ليس هناك أسخف من هذا القول.

خبطت الأرض بقدمها وهدرت بحنق:

- ما معنى هذا الحديث الآن؟ أين أنا وأين أنت؟.

زمجر بغيظ ولطم الأرجوحة بقبضته:

- أنا هنا مليء بالحياة أما أنت فعند ميتك الميت..

أجفلت عواطف وشدت جذعها فيما توهجت عيناها بنظرة ضارية حين اقترب منها وهو يلوح بقبضته مهدداً. سارع يسبل يده ويسيطر على أعصابه قبل أن يقول:

- آسف. آسف.. أتسمحين لي بالجلوس..

تلكأت لحظة ثم تحركت قليلاً مفسحة له مكاناً. جلس واستطرد مطرق الرأس:

- في إحدى دورات التأهيل القيادية درسنا أن الكذبة كلما كانت كبيرة وغير معقولة كلما مال الناس إلى تصديقها لأن أول ما يتبادر إلى أذهانهم أنه ليس من المعقول أن تكون كذبة!. من ذلك مثلاً الإشاعة التي راجت حول المطران الياس من أنه خلع رداء الكهنوت وتزوج راهبة!. لقد صدقها الناس وصارت حديث البلد قبل أن يظهر أن لا صحة لها إطلاقاً وأن المطران المسكين معتكف في صومعته يتعبد ربه!. قد تصح هذه النظرية على مستوى القضايا الكبرى. في الحروب والثورات والاضطرابات الاجتماعية والسياسية وصراع الدول، لكنها من الصعب أن تنطبق على حالة فردية مثل حالة طارق.

- أفهم من ذلك أنك تعتبرني كاذبة؟.

سألت ببرود دون أن يشي صوتها بأي انفعال. راحا يحدقان إلى بعض بحدة قبل أن يغض إبراهيم نظره ويغمغم بسخرية:

- إنها كذبة كبيرة جداً لكنها لم تقنع أحداً.

- لم تجب على سؤالي؟.

- قلت إنها كذبة، ولم أقل أنك كاذبة!. ربما شبه لك، كل إنسان معرض للخطأ.

- أنا لست مخطئة. أنه طارق.

ضرب عمود الأرجوحة بقوة فدوى رنينه المعدني كطلقة في السكون تلاه تهويم فزع لطيور الليل.

- لا تحاولي بناء قصور من أوهامك. طارق انتهى من الوجود يا عواطف. أما هذا الرجل فشبيه ليس إلا.

- إنها مشكلتك إن كنت لا تريد تصديقي.

سكتت على همهمة مريم التي قدمت حاملة دلّة القهوة:

- غسان ينتظرك في المكتب.. وعطاف سألتني عنك، يبدو أن ليلتنا طويلة!.

علّق إبراهيم بسخرية:

- أرى أن كل واحد يريد مقابلتك على انفراد. حددي لكل منهم نصف ساعة!.

هزت كتفيها باستياء وهي تنهض وتبتعد دون تعليق. ناولته مريم فنجان القهوة وهي مقطبة قبل أن تقول بجفاء:

- عواطف ما قالت إلا الحقيقة يا جنرال.. إنه طارق أعجبك ذلك أم لا!.

فاجأته لهجتها الاستفزازية والاستهتار الذي أبدته في مخاطبته.

حدق إليها بغضب ثم زمجر:

- ماذا تقولين يا امرأة؟.

ردت بمزيد من الجفاء:

- إنه طارق يا جنرال.

تنامى غضبه إلى درجة ود معها لو ينهال عليها بالضرب. لكنها سارعت تبتعد دون أن تترك له الفرصة لقول أو فعل أي شيء. لاحقها بوجوم وهي تختفي وقد تملكه إحساس بالهوان كاد يخنقه. اكتفى بأن لكم ساقه بقوة متمتماً بشتيمة بذيئة.

ماذا يفعل هنا وإلى متى سيظل قابعاً كمراهق آخرق في ظل عواطف متعلقاً بحبال أمل واه يدرك، بثقة، أنه لن يتحقق؟ أهو حقاً عقيد متقاعد بلغ ذروة ما يطمح إليه المرء من نجاح وجاه وسطوة أم مجرد رجل تافه أفقده الحب رشده ودمرت حياته تلك المرأة القاسية التي يكرهها أحياناً إلى درجة التفكير في قتلها؟ ما هو هذا العشق الأهوج الذي استعبده ولم يهن أو يضعف رغم كل ما لقيه من صد وإهمال ولا مبالاة بلغت درجة الاحتقار؟ تخلى عن كل شيء من أجلها، عن الكرامة والكبرياء والحياء وأخيراً، وليس آخراً، عن امرأته وابنته! تنسك في محرابها كاهناً مسلوب الإرادة يقدم لها فروض العبادة والولاء وكأنها الحواء الوحيدة في هذا العالم. حاول جاهداً التحرر من أسرها والنجاة من شراكها. لكن لا طارق ولا الاحتلال ولا أكرم ولا لمياء، ولا حتى ابنته المسكينة، قدروا على نزعها من فكره ودمه وروحه. مر في حياته كثير من النساء. لكنهن لم يزدن عن محطات عابرة يترجل فيها لإشباع شهواته بفتور واستعجال قبل أن يغادرها غير آسف راكضاً وراء سراب عواطف كالبحار المتنقل بين جزر مهجورة باحثاً عن مرفأ آمن يحط مرساته فيه إلى الأبد. لكن عواطف لم تكن إلا القدر الملعون المجبول بالعذابات والخيبات والهزائم. أهو حقاً مازوشي كما صرخت في وجهه الصيف الماضي حين سألها مجدداً الزواج؟ أصغت له بهدوء وهي تأخذ حماماً شمسياً في مسبح الكارلتونون. أثاره حتى التمزق عريها المسفوح أمام ناظريه بالمايوه الأصفر ذي القطعتين اللتين تكشفان أكثر مما تستران. كان جسدها البرونزي نضراً مشدود الجلد لا يوحي أبداً أن صاحبته امرأة في منتصف عقدها الخامس. راح ينهشه بعينيه بشبق رجل لم يعرف الجنس الحقيقي بعد:

- أسأل نفسي من أية طينة مصنوعة أنت يا عواطف؟ الزمن لا يزيدك إلا تألقاً حتى ليخيل إليّ أنك تمتلكين الشباب الدائم.

- ألا تكف عن مراهقاتك الفاجرة؟.

قالت بخمول دون أن تنجح في إخفاء مشاعر الغبطة التي أثارها تملقه في نفسها. استدارت تستلقي على بطنها كأنها تتقصد تسعير نيران أحشائه بحركات شيطانية تتظاهر بأنها عفوية. نفخ بشهوانية وعيناه تتمرغان في زورق ظهرها السحري:

- أنا عاجز عن التعبير. أتعلمين ماذا قال العميد رمزي حين رآك في حفل النادي الخيري؟ أنت الأعجوبة الثامنة.!. لم يصدق أنك أم لأولاد بلغوا مبلغ الرجال. ما رأيك في أن ننسى كل ما فات ونفكر بأنفسنا. إنني ما زلت صالحاً للزواج!.

- متى تنضج يا إبراهيم؟ إنني الآن مشغولة بتزويج أولادي فلا وقت عندي لغيرهم.

قالت مازحة مما شجعه على المتابعة:

- باستطاعتي الانتظار قدر ما تشائين.

هدرت فجأة بغضب وهي تستدير برأسها نحوه:

- أنت لا تحبني بقدر ما تحب تعذيب نفسك أيها المازوشي. لا تعد إلى هذا الموضوع ثانية.

صمت محنقاً وقد أسقط في يده. كان جسدها المشبع بالزيت والمضمخ برائحة الكريم والكلور يتوهج تحت أشعة الشمس مستفزاً رجولته وكبرياءه. جسد مغرٍ فيه من النبل قدر ما فيه من الحقارة، وقد تبذله لأي رجل كان لكنها تمسكه عنه إمساك العفة لنفسها أمام الرذيلة. وهو لا يشك في أنها بذلته لكثيرين دون أن يطرف لها جفن!.

صعقته وهي تؤكد في سهرة صاخبة ضمتهما وبعض زبائن الشركة المهمين أن رجل الأعمال والسياسي متشابهان في إيمانهما بالمكيافيليه. لهذا يحق للأول، مثله في ذلك مثل الثاني، أن يستغل جميع إمكانياته ومواهبه الطبيعية والمكتسبة في خدمة غاياته. حين سألتها إحدى الحاضرات إن كان ذلك ينطبق عليها، ويعني أنها لن تمانع، على سبيل المثال، في استغلال مواهبها الطبيعية، أي جسدها، لتحقيق مصالحها، ردت باستهتار صارخ ألهب وجنتيه سخطاً وذهولاً:

- الجسد ملك صاحبه. هكذا افترضت الطبيعة أمنا عندما كوّنتنا، لكن الذي حصل أن هذا الحق اقتصر على الرجل وحده الذي تطبع على ممارسة حريته مع جسده وبه. أما المرأة فقد فقدت هذا الحق حين صادره الرجل منها بالقوة ووضع لها سلسلة غير متناهية من القوانين والمحرمات التي حولت جسدها إلى ملكية خاصة له يعامله وفق رغباته ومصالحه. فهو تارة حكر له وحده، وبقدر ما ملكت يمينه، وهو تارة سلعة وتجارة وخدمات عامة. ولا تنسوا أن البغاء من ابتكار الرجل وهو المستفيد الأكبر، بل الأوحد منه سواء للحصول على المتعة أو لتحقيق الأرباح الطائلة، فلماذا تنكر المرأة على نفسها استعادة حقوقها في جسدها، ولماذا تخشى تحريره؟.

كانت تتكلم بثقة مفرطة بالنفس مازجة المجون بالجد وقد دبت فيها نشوة نبيذ البورغوندي الفاخر فاحمر خداها احمرار تفاحتين من ثمار الجنة وتلألأت عيناها الذابلتان ببريق يضاهي في توهجه انعكاس ضوء الشموع في الكؤوس الكريستالية. شعر بالخبل حين أردفت بعد أن أفرغت في جوفها كأسها نصف الممتلىء بجرعة واحدة:

- قد تصدمنا كشرقيين هذه الحقيقة. لكن الفترة التي عشتها في فرنسا فتحت عيني على حقائق لم يكن بإمكاني رؤيتها بوضوح من هنا، بل لم أكن أعلم أنها موجودة.. ويبدو أن الإنسان كلما تقدم خطوة في درب الحضارة وصعد في درجات السلم الطبقي كلما ازداد جرأة في التحرر من إسار القيم والمبادىء وفي الخروج على المفاهيم والقوالب الجامدة لما يسمّى الأخلاق والشرف والفضيلة!..

ضاعت بقية لغوها في دوشة التعليقات الماجنة والنكات البذيئة والضحكات العربيدة والصداع القوي الذي أمسك برأسه. فكر أن ما قالته ليس سوى سفسطة لتزجيه الوقت والمزاح. لكنه ظل بقية السهرة قلقاً محتاراً. قبل أن تترجل من السيارة أمسك بيدها:

- أكنت تعنين حقاً ما قلته يا عواطف!.

لم تفهم معنى سؤاله إلى أن أوضح:

- أعني عن الغاية والوسيلة والأخلاق والشرف!.

ضحكت بسخرية.

- ولماذا لا أكون؟.

- ألا تجدين أي حرج إذن في استغلال جسدك لخدمة مآربك؟!.

دبت القشعريرة في ظهره وهي تقول بخبث:

- برغبتي ومزاجي! نعم! إن جسدي ريان فاتن لكنه فان. ومن العار أن أتركه يذوي دون فائدة. الجسد كالشجرة إن سقيته أعطاك ثمراً وإن أهملته وحرمته الماء يبس ومات.

ضيقت عينيها وأردفت بإغراء نافثة رائحة فمها المشبعة بالكحول في أنفه وفمه:

- لا أحسبك تظن أنني قررت الترهب والخضوع لمفاهيم عالمكم الذكوري يا إبراهيم! عواطف اليوم غير عوطف الأمس. إنني امرأة في ذروة نضجها محبة للحياة جياشة بالرغبات التي لا أرى حرجاً في إشباعها. ثم إنني اسم على مسمّى. عواطف قلباً وقالباً. لا تقل لي إن أفكاري أدهشتك وفاجأتك، أو أنك تريدني أن أقمع غرائزي الطبيعية لأصون جسدي لا أعرف لماذا ولمن. أنا امرأة حرة الآن.

صر على أسنانه حانقاً وقال باحتقار:

- هذا عهر. أنت سكرانه ولا تعنين ما تقولين. رغم ثروتك ومصالحك ومهما ادعيت علو مرتبك في السلم الاجتماعي وإعجابك بالمفاهيم والقيم الغربية فأنت لست سوى مسيحية شرقية متزمتة متشبّعة بتقاليدنا وأعرافنا ومنغرسة فيك حتى مخ عظامك محرماتنا التي لا تمسّ. أنت أجبن من أن تتمردي على كل ذلك لتكوين راحاب ثانية، وأنا أعرفك بما يكفي لأفرق بين صدقك وكذبك.

ضحكت من منخريها وردت بسخط:

- أنت آخر من يحق له أن يعظني في الأخلاق والفضيلة أيها العاهر.

قالت كلمتها الأخيرة بازدراء وفتحت باب السيارة بعصبية وهمت بالخروج. لكنه أمسكها من كتفها يمنعها واغتصب ابتسامة شاحبة قبل أن يغمغم بارتباك:

- كم أنت حقودة يا عواطف!. كانت غلطة فادحة لكني كفّرت عنها ألف كفّارة. انسي واغفري ولنبدأ من جديد. إنني أريدك. أريدك أكثر من أي وقت مضى.

- لقد نسيت لكني لن أصفح، خلّ هذه الحقيقة في بالك دائماً واغسل يديك مني لمرة وإلى الأبد. ثم أنت تنسى أنك متزوج وعندك ابنة!

- لا يهم. سأطلق لمياء مهما كلفني الأمر. ونحن في حكم المنفصلين عملياً منذ أكثر من سنة. وافقي فقط. لقد حاولت نسيانك دون فائدة. لا أستطيع نزعك من قلبي. الأمر فوق طاقتي. تخليت عن كل شيء من أجلك. عن أسرتي وأعمالي ووقفت على بابك كالياوران لأدير شركتك وأرعى مصالحك وأجهد لتزدادي نجاحاً وثراء وتألقاً وتريدينني بعد كل ذلك أن أتخلى عنك؟.

أسبلت على وجهها قناعاً من الصرامة ونفخت بنفاد صبر:

- سارت علاقتنا على ما يرام منذ عودتي من فرنسا لأنه ليس هناك أفضل وأدوم من رابطة المصالح. لا أنكر جميلك وجهودك المشكورة في إدارة الشركة وتدريبي على الأعمال. لكنك بدورك استفدت مني وحققت أكثر مما كنت تحلم به!.. عندما عرضت عليك، بإلحاح من غسان، العمل معي كانت الشروط التي تعاقدنا عليها واضحة ورضينا بها نحن الاثنين، فلا تحاول تمنيني يا إبراهيم بتضحيات وهمية لم أطلبها منك أبداً. أما فيما يخص أسرتك التعيسة الحظ فأنت هجرت زوجتك المسكينة، أو هي التي هجرتك، لأن حياتكما معاً أصبحت مستحيلة، ولا أستطيع إلا أن أرثي لها وأشفق عليها لأنها هي التي تدفع ثمن حبك المريض لي. لهذا أرجوك أن تنزعني من فكرك نهائياً وأن تنزع معي كل أوهامك. وإن لم تستطع فليس أسهل من أن نفك ارتباطنا في أي وقت. فأنا لا أحتفظ بك غصبا عنك!.

تبخّر غضبه تحت وطأة إحساسه بأنها تعذبه بلؤم حقير. لكنه لم يستسلم فتمتم بإصرار:

- لماذا كل هذا الحقد يا عواطف؟.

- السذاجة لا تليق بعقيد متقاعد. أم أنك تحب أن تسمع السبب مني؟.

نبرت بتحد وهي تحدق إليه بعينين حمراوين استطاع رغم خفوت الإنارة رؤية عروقهما نافرة:

- قلت لك إنني كفرت ألف مرة وآن للجرح أن يندمل.

- وقلت لك إن الجرح اندمل لكن الندبة لن تزول حتى لو مسحها المسيح نفسه!.

- أتريدين أن أركع أمامك وأزحف نادماً مستغفراً؟ ماذا يشفي غليلك؟

- كف عن هذا الهراء يا إبراهيم. إن تذللك المهين يقززني!.

كان قد انصرم زهاء العام على إقامتها في ضيافته عندما قرر أن الوقت حان لمفاتحتها برغبته. كان مطمئناً إلى أنها ستوافق بامتنان. فهي حرة من أي قيد. وليس ثمة طارق مناف يقف في طريقه كما حدث قبل خمسة عشر عاماً. إلى ذلك فإن الظروف كلها تصب في صالحه. فهو في عنفوان رجولته وذروة مجده المهني بعد نيله وسام الفارس تقديراً لخدماته العسكرية. كما أنه مطمح عشرات الفتيات الأجمل والأصغر من عواطف. وهي أرملة مطرودة من وطنها تجرجر وراءها ثلاثة أطفال أكبرهم في العاشرة، ولا تملك سوى الإعانة الحكومية الشهرية التافهة التي لا تكفيها ثمن خبز لإطعام أطفالها، وليس لها في عمان أي شخص غيره يمكن أن تلجأ إليه. ثم أنها أذكى من أن تنسى أن امرأة في مثل وضعها ليس لها أن تفلت من يدها تلك الفرصة، الأولى والأخيرة، للعثور على شريك لحياتها يرضى بتحمل مسؤولية أولادها.

- أنت رجل شهم يا إبراهيم ولن أنسى أبداً العطف الذي غمرتني به وأبنائي. لقد كنت أكثر من أخ لي وأب لهم. ولولاك فإن الله وحده يعلم ماذا كان حل بنا في هذه الظروف الصعبة. إن طلبك الزواج بي يملأني فخراً وغبطة ويزيد تقديري لك خاصة وأنا أدرك التضحية الكبيرة التي تقدم عليها بقرارك تحمل مسؤوليتي وأطفالي. لكن تقديري وامتناني هما اللذان يغلاّن يدي ويدفعانني لمطالبتك بالتروي وإعادة النظر في قرارك. ليس هناك أي اعتراض لي على أن أصبح زوجتك. لكن الظروف التي مرت عليّ بعد وفاة طارق، سواء في القدس أو هنا، أبعدتني شوطاً طويلاً عن فكرة الزواج والارتباط من جديد برجل يجد نفسه مجبراً على إعالة أبناء رجل آخر. لقد قررت التفرغ لتربية أولادي ومحاولة تعويضهم عن فقدان الأب والوطن، ولا أطمح بأي شيء آخر.

- ولكنني أعتبرهم بمثابة أبنائي يا عواطف. أحب كل ما له علاقة بك كما أحبك وأكثر. سأجعلهم يعتبرونني والدهم لا كوالدهم، ولا شك أنك لاحظت أنهم متعلقون بي. البارحة سألتني عطاف لماذا لا أكون والدها فوعدتها أن أكون. وهذا يتحقق بكلمة منك. وافقي وسأكون كلي لك ولهم!..

تفرست فيه بنظرات حائرة بحيث تصور أنها توشك أن تومىء برأسها بالإيجاب. أمسك بيدها يشجعها على حزم أمرها، لكنها سارعت تسحبها بلطف قبل أن تهز رأسها سلباً قائلة بصلابة:

- آسفة. آسفة جداً. أعلم أنني الخاسرة. لكنهم ثلاثة أطفال والأمر ليس سهلاً أبداً. ضميري لا يسمح لي بتحميلك مسؤوليتهم. مهما أحببتني فإنهم ليسوا من صلبك ولن يكونوا، ومهما أحببتهم فسيظلون أبناء رجل آخر ولن يتأخر اليوم الذي تندم فيه وتشعر بأنك تورطت.. لا أريد أن أكون السبب في الإساءة إليك وإليهم، أنت بحاجة إلى امرأة تكون كلها لك وتنجب لك أطفالك أنت.

بدأ يفقد أعصابه وهو يقاطعها بانفعال:

- الأولاد ليسوا إلا حجة. المسألة باختصار أنك لا تريدين الارتباط بي. فقوليها دون لف ودوران.

نهض ودمدم بغيظ:

- لقد اعتقدت أنك نضجت وبدأت تفهمين الحياة. لكني مخطىء على ما يبدو. أنت لم تتغيري أبداً. لا تزالين تلك الحمقاء الرعناء التي تظن أن الدنيا ملك يمينها والناس طوع أمرها.

- اضبط أعصابك يا إبراهيم وتذكر أنني ضيفتك!.

قضى هدوؤها البارد على بقية أعصابه فانفجر في ثورة غضب هوجاء:

- كيف أتذكر وأنت تعاملينني بازدراء وكأنني مرابع عند أبيك؟ عليك أنت أن تتذكري حقيقتك وتفتحي عينيك على واقعك وتنزلي من برج أوهامك. من أنت الآن؟ شقفة لاجئة مبعدة عن وطنك لا تملكين إلا الثوب الذي جئت لعندي فيه! فتحت لك قلبي وبيتي وأويت أولادك وشيطانتك مريم وحميتك من التشرد والذل وجعلتك سيدة منزلي والآمرة الناهية في حياتي وفضّلتك على نساء أجمل وأصغر منك. فمن تحسبين نفسك؟ ابنة الملك؟!

- لقد خرجت عن طورك وسأعذرك، فأنت ما كنت أبداً إلا وغداً وضيعاً.. راحت تحملق إليه باستخفاف وقد وسّعت فتحتي أنفها وعلقت على شفتيها ابتسامة شاحبة مفعمة بالشفقة. كانت كما عهدها دائماً. قاسية مغرورة واثقة بنفسها إلا حد الاستهتار، جميلة وفاتنة وشهية إلى حد غير محتمل، تتحداه في عقر داره مستخفّة بعواطفه وكرامته وجميله.

لم يعرف كيف فعل ذلك، هو هدوؤها الملعون الذي أفقده صوابه وحوّله إلى كتلة من الرغبات البدائية انطلقت من عقالها محطمة كل قيودها ومتحررة من كل مخاوفها ومحرماتها وحساباتها، فانساق وراءها مسلوب الإرادة واضعاً نصب عينه هدفاً محدداً، أن يمتلك تلك المتعجرفة الوقحة ويسحق كبرياءها ويمرغ أنفها في التراب مرة وإلى الأبد.

قاومته باستماتة ودافعت عن نفسها بشراسة حتى كادت تتغلب عليه، هو العسكري المحترف القوي. أثخنته عضا وخدشاً ورفساً ولكماً وضرباً فاضطر إلى استخدام كل قوته للسيطرة عليها. ضربها حتى أنهكها وما امتلكها إلا بعد أن فقدت وعيها.

وهو ينزلق عنها مرتمياً إلى جانبها منهوك القوى أدرك هول ما اقترف. استعاد رشده مرعوباً على مذاق دمها اللزج في فمه ووخزات جروحه المحرقة وصورتها وهي مستلقية عارية فوق مزق ثيابها دامية الجسد متورمة الوجه متشققة الشفتين وقد فتحت عينيها الساكنتين على وسعهما وخمدت حركتها فبدت كالأموات لولا تردد أنفاسها البطيء ووجيب قلبها الخافت. لاحظ وجود شامة سوداء على نهدها الأيمن وأخرى بشكل كرزة قرب صرتها ثم سارع يغمض عينيه وقد دبت فيه رجفة قوية كأنما أصابته حمّى. أهو في كابوس أم في واقع؟ ماذا فعل؟ أهذه هي عواطف، عواطفه، المرأة التي أحب مرمية أشلاء مدماة؟ أهذا هو الجسد الذي اشتهاه حتى الفناء فمزقه تحت وطأة شهوة عمياء؟.

شعر بالاختناق فشخر كحيوان يحتضر فيما الغثيان يصطخب في حلقه. أطلق صرخة متحشرجة وراح ينشج بحرقة وهو يناشدها الصفح والغفران. لقد أخطأ خطأ شنيعاً لا يغتفر، وسيفعل أي شيء تكفيراً عن جريمته. هو نادم ندماً عظيماً ويحبها حتى الموت. سيقتل نفسه إن كان ذلك يرضيها ويريحها. بل لتقتله بيدها إن رغبت. إنه يستحق الموت، بل عليه أن يموت كالكلب! قفز إلى الخزانة ولقم مسدسه ورماه إليها طالباً منها أن تفرغ رصاصاته فيه. قد يسيء إلى الناس جميعهم إلا عواطف، عواطفه، طفلته، حبيبته، أمله..

لكنها ظلت صامتة صمت الأموات متكوّمة على السجادة فوق ثيابها الممزقة كالطير الذبيح مبعثرة العري دامية الجسد منهوكة القوى زرقاء الوجه متشققة الشفتين فيما أنفاسها تتردد ببطء في صدرها المنكمش النهدين.